مقالات دكتور النور حمد في صحيفة التيار

مرحبا Guest
اخر زيارك لك: 12-04-2020, 02:03 AM الصفحة الرئيسية

منتديات سودانيزاونلاين    مكتبة الفساد    ابحث    اخبار و بيانات    مواضيع توثيقية    منبر الشعبية    اراء حرة و مقالات    مدخل أرشيف اراء حرة و مقالات   
News and Press Releases    اتصل بنا    Articles and Views    English Forum    ناس الزقازيق   
المنبر العام
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى شكل سلسلة « | »
اقرا احدث مداخلة فى هذا الموضوع »
07-10-2020, 03:27 AM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 817

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    up
                  

07-10-2020, 10:07 PM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 817

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    تعقيب من د عبد العظيم حسن

    المحترم د. النور حمد

    صحيفة التيار 11 يوليو 2020

    لست بالقامة التي تملك أن تعقب على ما تكتب، ولكنني استسمحك التعليق على مقالك الرصين بعنوان: "من الذي يعبث بالفترة الانتقالية؟"، وأقول، بكل تواضع، أنك طرحت أبعاد المشكلة بكل شفافية. غير أنك ذهبت، فيما يبدو، إلى تعليق أسباب العبث، بالدولة العميقة، والشريك العسكري. في حين أنني أرى أن الإشكال الحقيقي في المكون المدني، وليس خارجه. الأزمة باختصار تكمن في ضعف الكفاءة المهنية ونهج المحاصصات والصراعات التي تغلغلت في أجسام المكونات المدنية، فأغرت بسلوكها آخرين، فانجروا إلى التكالب والخوض مع الخائضين. يتضح هذا من تجربة تجمع المهنيين السودانيين الذي تشكّل منه المجلس المركزي للحرية والتغيير، ومن قبضة الأحزاب السياسية التي أخذت تسيطر عبر هذين الجسمين.

    من الواضح أن هناك عجزًا في إدارة الدولة. يتضح هذا للعيان من زاويتين: الزاوية الأولى: هذه الأحزاب لا تملك الكوادر المؤهلة التي تستطيع أن تدير بها دولة. وكما تعلم، هناك فرق شاسع بين الثائر ورجل الدولة. فثلاثين عامًا من التشظي، أفقرت الأحزاب من المورد البشري المؤهل الذي يدير العمل بكفاءة. ما تملكه هذه الأحزاب، بالكاد، عددٌ محدودٌ من الثوار، الذين يتعاملون مع إدارة الدولة بقدرات الهواة وليس المحترفين. الزاوية الثانية: الفترة الانتقالية هذه المرة تختلف في تحدياتها عن السابقات. فإذا كانت في المرات الماضية أتت عقب أنظمة عسكرية لا تقف وراءها أيديولوجيات، فإن النظام البائد كان أيدولوجيا متشددًا ومتجذرًا بعمق، ومتحكماً بكل مفاصل الدولة. فهو لم يترك مجالاً إلا وسيطر عليه.

    مواجهة وضعٍ معقدٍ كهذا لا يكون بواسطة هواة مكنتهم أحزابهم من السلطة دون تأهيل، فأصبحوا غير قادرين على تحقيق مصالحهم، من جانب، وإدارة المصالح العامة من الجانب الآخر. لقد نسوا دورهم الأساسي، وتنكروا لتعهدهم بأنهم لن يتولوا مناصب دستورية في الفترة الانتقالية. فلا هم أوفوا بما عاهدوا الشعب عليه، ولا هم كانوا في مستوى المسؤوليات التي تصدوا لها. ولقد وضح جليا أنهم أقل قامة من حجمها. لذلك، كانت النتيجة الكارثية المتمثلة في خمود الحماس تجاههم من قبل الجماهير.

    لا أرى أن نعلق الأسباب حصراً على مشجب الدولة العميقة، ولا الثورة المضادة، لأن مناهضتهما للثورة معلومة بالضرورة، ومتوقعة. الواجب أن يتصدى للمسؤولية من هو في مستوى التحدي. إلى جانب ذلك، لا يكفي أن تكون هناك لجنة تفكيك دون قيام لجان للبناء. فمن المتفق عليه، أستاذي الكريم، أن البناء دومًا هو الأصعب، وليس الهدم. على سبيل المثال لا الحصر، جرت في بعض الوزارات مواجهات غير مدروسة، أسفرت عن إنهاء خدمات قياديين، ما قاد إلى استقالات عديدة، أربكت دولاب العمل. وهؤلاء لم يستقيلوا لأنهم ثورة مضادة، وإنما بسبب السياسات المتعجلة، والإعفاءات دون تحضير بديلٍ جاهز. لم يجر سلوك طريق الإدارة العلمية المؤسسية، بقدر ما جرى هدمٌ لأوضاع غاية في التعقيد، بلا جاهزية. عمومًا، ما أراه عن قرب، ينم عن فساد إداري ومغامراتٍ غير محسوبة العواقب. فالفساد لا ينحصر في سرقة قوت وأموال الشعب، وحسب. فالفساد قد يصبح أكثر فداحة عندما يجري إسناد المسؤولية لمن هم ليسوا أهلا لها.
    مودتي واحترامي
    د. عبد العظيم حسن
    المحامي - الخرطوم
                  

07-12-2020, 08:47 AM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 817

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    هل ستغير واشنطن نهجها؟

    النور حمد

    صحيفة التيار 12 يوليو 2020

    السفير ألبرتو فيرناندز دبلوماسي أمريكي عاش في السودان لعامين تقلده أثناءهما منصب القائم بالأعمال الأمريكي في السفارة الأمريكية بالخرطوم، بين عامي 2007 و2009، في الفترة التي أعقبت اتفاقية نيفاشا. اشتهر فيرناندز بعلاقاته الواسعة بالمجتمع السوداني وتغلغله وسط مختلف فئاته، خاصة السياسيين. وقد تمكن ببساطته وعفويته وحضوره المناسبات الاجتماعية، من خلق شعبية كبيرة في مجتمع الخرطوم. ولقد ساعدته كثيرًا قدرته على التحدث باللغة العربية. نشر فيرناندز أمس الأول تحليلاً سياسيًا، على موقع معهد واشنطن المتخصص في السياسات الأمريكية لمنطقة الشرق الأوسط. نشر فيرناندز تحليله السياسي تحت عنوان: "السودان على الحافة: أسقوطٌ حتميٌّ أم أمامه طريق أفضل؟". أبدى فيرناندز بحكم معرفته بالسودان وأحوال السياسية تعاطفًا كبيرًا مع الفترة الانتقالية وحرصًا على اكتمال التحول الديموقراطي. وحث الإدارة الأمريكية لكي تغير سياستها الحالية وأن تتحرك بإيقاع أسرع.

    ما يهمني إيراده في هذا الحيز المحدود عرض موجز للتوصيات التي ذيل بها فيرناندز. وقد بدأها بقوله: كما هي عادتهم دائمًا، نصح المانحون الدوليون الحكومة السودانية أن تتخذ خطواتٍ في الإصلاح الاقتصادي. وهي خطواتٌ من شأنها أن تضعف شعبية الحكومة أكثر، وتجعل منها، هدفًا سهلاً للشخصيات العسكرية والإسلامية، المهيأة للانقضاض عليها. ففي الوقت الذي يغالب فيه سواد السودانيين عناء البحث عن الخبز والوقود والدواء، يصبح من الجنون أن نتوقع من إدارة حمدوك أن تعلن على المواطنين الذين عانوا طويلاً، أن عليهم أن يرضوا بأقل القليل، وأن يرسلوا الأموال إلى ضحايا الهجمات الإرهابية في الولايات المتحدة. ومن ثم، ينتظرون، ببساطة، قدوم الأيام الزاهية المقبلة.

    يقول فيرناندز أيضًا: إن السياسة الأمريكية الراهنة المتعلقة بالسودان تبدو واضحة. وتتلخص في معالجة العلاقات الثنائية مع السودان بصورة منهجية، مع إبقاء الأمل في الانفراج النهائي بعيدًا، هناك، عند نهاية النفق. ويتضمن هذا تعليق الوعد بإزاحة اسم السودان من الدول الراعية للإرهاب حتى اقتراب انتخابات 2022، أو بعدها. أما السياسة التي سيجري اتباعها، حتى ذلك الموعد، فهي إصلاح القطاع العسكري وحماية الحكومة المدنية من أن يُطاح بها، وذلك بإبقاء المكون العسكري على الخط المفضي إلى التحول الديمقراطي. بعبارة أخرى، إن ما جرى، حقيقةً، هو أن السودان تلقى وعودًا من واشنطن، أكثر مما تلقى مساعدات.

    يقول فيرناندز: مشكلة هذه السياسة أنها مبنيةٌ على أن الوقت سيكون في صالح أمريكا. لكن، لو أن الاقتصاد العالمي كان مزدهرًا والسودان ضمن هذه الحالة فعلا، حتى باقتصادٍ متواضع، لأمكن لمثل هذه السياسة أن تنجح. إن واشنطن تغامر بإهمالها تصور ما يمكن أن يأتي عكس توقعاتها المرتجاة من هذه السياسة، لأنها تترك الحكومة الحالية تفقد سندها الشعبي. على واشنطن أن تتحرك في الملف السوداني بسرعة شديدة، وليس ببطء. ولابد من تقديم أكبر قدرٍ من العون حتى يشعر المواطن السوداني بأن أملاً قد أصبح مجسدًا على أرض الواقع. كما يجب أن يكون هناك حديث واضح لحلفاء واشنطن في المنطقة؛ ممثلين في السعودية والإمارات، حول الكيفية التي تجعل منهم داعمين مخلصين لحكومة حمدوك. على واشنطن أن تحذر السعودية والإمارات، وكذلك أعداءها؛ تركيا وقطر، أن السودان أولويةٌ بالنسبة لواشنطن، وليس ملعبًا لصراعهما. وليت واشنطن تسمع لخبيرها السابق في السودان.
                  

07-13-2020, 07:17 AM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 817

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    الإصلاح القانوني ولغو الجهلاء

    النور حمد

    صحيفة التيار 13 يوليو 2020

    في البدء، لابد لي أن أعرب عن الشعور بالغبطة الذي غمرني، وأنا أتابع مجريات اللقاء مع الدكتور، نصر الدين عبد الباري، وزير العدل، وهو يجيب بمعرفةٍ، ومهنيةٍ، ورزانةٍ، على أسئلة الأستاذ لقمان أحمد، في برنامجه التوعوي، "حوار البناء". لقد بدا أن وزارة العدل قد أخذت تعود، بعد طول غياب إلى المهنيين الأكفاء، أهل المعرفة الأكاديمية، والحس العدلي السليم، والإلمام بمبادئ حقوق الإنسان، وبمجمل ثقافة العصر. وافقت مشاهدتي لهذه الحلقة المتميزة، قراءتي هذه الأيام لكتاب كليف تومسون "يوميات ثورة أكتوبر 1964"، الذي قام بترجمته الصديق، بروفيسور بدرالدين الهاشمي، وقدم له بروفيسور عبد الله علي إبراهيم. وكليف تومبسون أستاذ قانون أمريكي، بدأ حياته المهنية في جامعة الخرطوم في الستينات. وقد كتب مشاهداته ومتابعاته اليومية لمجريات ثورة أكتوبر؛ منذ الندوة التي استشهد فيها القرشي، إلى سقوط نظام الفريق عبود، وتشكيل الحكومة الانتقالية برئاسة سر الختم الخليفة. شفع تومسون تلك اليوميات، في السنوات اللاحقة، بمقابلات مُعمَّقة، أجراها مع طيفٍ واسعٍ ممن أداروا تلك الأحداث. فجاء كتابه سجلاً تاريخيًا فريدًا لأسبوعٍ عظيمٍ في التاريخ السوداني المعاصر. نشرت الكتاب، دار المصورات بالخرطوم، وهو كتابٌ جديرٌ بالقراءة وبالاقتناء.

    جاء ذكري كتاب تومسون هذا لارتباط موضوعه، بالصورة المشرفة التي ظهر به وزير العدل في هذه المقابلة. فقد أورد الكتاب مواقف مضيئة ومشرفة لشخصيات عملت في النظام العدلي؛ كالقاضي أبورنات، والقاضي بابكر عوض الله، والقاضي عبد المجيد إمام، والمحاميين، محمد أحمد محجوب ومبارك زروق. من يقرأ الكتاب يعرف مستوى المهنية الرفيع، والاعتداد بالنفس وبشرف المهنة، والحرص على سلامتها من التلوث بدنس السلطة والسياسة لدى كل هؤلاء. لذلك، فإن ظهور وزير العدل بهذه الصورة المشرفة، بعد عقودٍ من تدنيس القضاء، ووزارة العدل، والنيابة العامة، في عهود الحكم الديكتاتوري، خاصة في عهد الانقاذ، بعث في نفسي الأمل أن ماضينا المشرق الذي كدنا أن نيأس من استنقاذه، قد أخذ الآن يبشر بعودةٍ أكثر إشراقا. ولا غرابة، فوزير العدل حاصلٌ على دكتوراه القانون من جامعة هارفارد، المشهود لها في كل العالم؛ شرقه وغربه، بأنها لا يرتادها ولا يتخرج منها سوى المميزين.

    إذا أردنا نهضة يقودوها مهنيون، مجودون لمهنهم، ذوو أخلاقٍ مهنية رفيعة، فعلينا بالتعليم العصري الجيد. ولنذكر الآن الجهلاء الذين حاولوا الطعن في هذا الوزير المتقن لمهنته، المالك لمقتضيات سمتها أيام ترشيحة للوزارة. ولنقارنهم، هم الذين تعلموا وفقًا لمناهج القرون الوسطى بهذا الوزير. إنهم يدافعون عن جهالاتٍ وسخائم نفوسٍ متسخة، أسموها قوانين. من يقرأ صيغ قوانين الانقاذ لا يملك إلا أن يضحك ملء شدقيه، من غرابتها، وركتها، وحرصها اللئيم، على التجريم بغير حق. لا يمكن لدولة تحترم نفسها أن تسمح بوجود قانون ردة ضمن قوانينها. أو تمنح رجالها حق السيطرة المطلقة على حرية تنقل النساء الراشدات، لمجرد أنهم أصبحن زوجاتٍ لهم. كما لا ينبغي أن يسمح أي قانون يتوخى العدل، لبعض الرجال منعدمي الضمير، ممارسة الكيد لزوجاتهم المطلقات، ومنعهن اصطحاب فلذات أكابدهن، إلى الخارج، ولو كانوا في حضانتهن، وقس على ذلك من العسف والفجور الذكوري. فليعلم الذين لا يزالون يتاجرون بدغدغة الفج من العواطف الدينية، أن حكم الوقت قد أسدل عليهم الستار، مرَّةً، وإلى الأبد، فليكفوا عن اللغو الفارغ وليتركوا الحياة ترقى مراقي الرفعة والإنسانية.
                  

07-14-2020, 06:46 AM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 817

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    هل جاءت التعديلات بغير سند دستوري؟

    النور حمد

    صحيفة التيار 14 يوليو

    في إشادتي بوزير العدل، في مقال الأمس، ركزت على قضيتين: هما إبطال مادة الردة، وإبطال حق الرجل منع الزوجة المسافرة، أو المطلقة، اصطحاب أطفالها، الذين هم في حضانتها. فهذان انجازان باهران لا مراء فيهما، رغم ما يثيره البعض من اعتراضٍ، بقولهم: إن ذلك ما كان ينبغي أن يجري دون وجود مجلس تشريعي. وأن الدستور وتشريع القوانين أو إصلاحها تقتضي مشاركةً واسعةً، وتفويضًا شعبيًا، ولا ينبغي أن تقوم بها النخب. لكن، هذه النخب لم تأت إلى الحكم بانقلاب عسكري، وإنما أتت بها ثورة شعبية، أهم شعاراتها الحرية والسلام والعدالة. ينطوي هذا النوع الشكلي الإجرائي من الاعتراضات، على رفضٍ دفينٍ مبطَّنٍ للثورة ولشرعيتها. بل، على عدم اعترافٍ بها، لا يفصح عن نفسه بوضوح. الوثيقة الدستورية، التي توافقت عليها كل قوى الثورة، ممثلةً في جماهير الثورة، وفي قوى الحرية والتغيير، وفي الحكومة الانتقالية بقسميها، هي دستور الفترة الانتقالية الذي شهدت عليه القوى الإقليمية والدولية.

    كأني بالمعترضين يقولون: ليس من حق الثوار تغيير أي شيء تركته الإنقاذ، حتى يأتي المجلس التشريعي المنتخب، لاحقًا، أو المتوافق على تعيينه في الفترة الانتقالية. ينطوي هذا المنحى، في تقديري، على رغبةٍ دفينةٍ في إلغاء الثورة، إلغاءً تاما. رغم أن الثورة، هي في الأصل، قلبٌ للطاولة على النظام القديم، برمته، رأسًا على عقب. وأول ما تجري إزالته من تركة الإنقاذ المثقلة، إنما هو القوانين غير الدستورية، التي حرس بها النظام المدحور شموليته، واتكأ عليها لينكل بالمعارضين السياسيين، وليبسط بها هيمنة الذكور المطلقة على الإناث. من أوجب واجبات وزير العدل، بناءً على الوثيقة الدستورية، وعلى الأمانة التي وضعها الثوار على عاتق الحكومة الانتقالية، أن يصلح عوار قوانين الانقاذ. لا أن يربع يديه وينتظر هؤلاء المتباكين المشفقين مما يسمونه: "فوقية النخب". وهم قومٌ لم نر لهم دموعًا ولا إشفاقًا على أحد، حين كان النظام المدحور يقتل ويعذب ويقهر، بلا رقيب أو حسيب. وحين كانت بعض النساء ينتحرن من وطأة الانسحاق بالقهر، من عنت الأزواج وتسلطهم. لكن، يبدو أن الضمائر الميتة لا يحركها الظلم، بقدر ما تحركها الشكليات.

    حق الحياة وحق الحرية ليسا حقين نسبيين، يمكن أن تؤمن بهما جماعة من الناس وتكفر بهما جماعة أخرى، ثم تكون الجماعتان على صواب. حق الحياة وحق الحرية حقان أصيلان لا ينبغي أن يتركا ليسلبهما الجهل الديني والعلماء والانقياد الطائفي. هذان الحرقان هما بذرة أي دستور وبغير كفالتهما، لا يكون هناك دستور. وأي وثيقة تجهض هذين الحقين لا يمكن أن تسمى دستورا.. لا ينبغي أن نعيد اختراع العجلة، وإنما نسير فيما يتعلق بحقي الحياة والحرية، فيما سار فيه العالم كله، قبلنا. كفالة حق الحياة وحق الحرية أمران في حكم البداهة، فقط، الاستبداد هو الذي شوَّه فهمهما، ولعب بعقول كثيرين بشأنهما. نحن لا نواجه قضايا الحقوق لأول مرة، وكأننا في نقطة فجر الخليقة. نحن نجلس على تراثٍ ضخم من الأدبيات الدستورية. ولا أعتقد أن ثورة قامت ضد القهر والاستبداد والاتجار بالدين، تحتاج لمن يصوت لها على إلغاء حد الردة، أو رفع حيف الرجال على النساء بمنعهن حقهن في اصطحاب أطفالهن خارج البلاد، متى ما أردن. (في اليومين القادمين أعرض تحفظاتي على التعديلات المتعلقة بشرب المواد الكحولية والدعارة).
                  

07-16-2020, 04:40 AM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 817

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    الخمور بين التربية والقانون (1)

    النور حمد

    صحيفة التيار 16 يوليو 2020

    عاش السودان منذ انهيار الدولة المهدوية في عام 1898 وإلى سبتمبر 1983 حالة من الاستقرار النسبي. ولم يكن هناك أي جدل حول مسألة تعاطي المشروبات الكحولية. لم تحظ هذه القضية بأي اهتمام، لا من المؤسسة الدينية الرسمية، التي كانت تقف على الدوام إلى جانب مختلف السلطات، ولا من الطرق الصوفية، ولا من عامة المواطنين. باختصار، لم تكن قضية تعاطي المشروبات الكحولية تحتل أي أولوية فيما تجري مناقشته من قضايا في المجال العام. فالبيئات السودانية، المختلفة، منذ الممالك الكوشية القديمة، وإلى يوم الناس هذا، عرفت صناعة الخمر في البيوت، بصورةٍ من الصور. بل ظل تناول المشروبات الكحولية ممارسًا بلا انقطاع، عبر التاريخ الإسلامي، بل وفي بلاط الخلفاء أنفسهم. (راجع كتب شوقي ضيف عن العصر الأموي والعصر العباسي). كما أوردت كتب الأحاديث، بأدلةٍ متواترةٍ، وبوضوح لا لبس فيه، أن النبيذ كان يُشرب حتى في صدر الإسلام. فموضوع شرب الخمر في الإسلام موضوعٌ جدليٌّ مختلفٌ عليه.

    تطبيق الشريعة ومنع الخمور قضية جرها إلى دائرة الجدل السياسي، في السودان، تنظيم الإخوان المسلمين. فهي تمثل في نظرهم وسيلةً سهلة الامتطاء، سريعة الإفضاء إلى كرسي السلطة. لكن، بعد أن وصلوا إلى السلطة، وجلسوا في كراسيها ثلاثين عامًا، لم يطبقوا، ولا حكمًا شرعيًا واحدا. لم نر أيادٍ تُقطع، رغم السرقات التي تحدث كل يوم، ولا زانٍ أو زانيةً رُجما، ولا قاطع طريق جرى قطعه من خلافٍ، وصلبه. حين كان نميري حاكمًا، وقفوا وراءه بشدة في تطبيق العقوبات الحدية على الفقراء، ليحتمل هو وزرها، من سبتمبر 1983، وحتى سقوط نظامه في أبريل 1985. كان الهم هو الوصول إلى كرسي السلطة، وما أن وصلوه تركوا الشحن الديني الذي شحنوا به البسطاء، حول تطبيق الشريعة، يتبخر في الهواء. وهاهم الآن، بعد أن أُبعدوا عن السلطة، يعودون، كرَّةً أخرى، إلى عادتهم القديمة في إثارة البلبلة.

    لا يختلف جَرُّ موضوع الخمر إلى دائرة الجدل السياسي، عن الحملة المفتعلة الخسيسة، التي أدت إلى حل الحزب الشيوعي عام 1965، وطرد نوابه المنتخبين من البرلمان، ومحاكمة الأستاذ محمود بالردة عام 1968. أسلوب الحملتين واحد، وهو إثارة العاطفة الدينية لدى البسطاء، حتى يعموا عن رؤية واقعهم المجتمعي الحقيقي الذي يعيشونه. وهو واقعٌ ظل قائمًا دون أي تغيير، لآلاف السنين، ولم تستطع ولا الدولة المهدية، بكل نزعتها الطهرانية المفرطة، وحشرها أنفها في خصوصيات الناس، أن تغيره. على سبيل المثال، كان القائد المهدوي، النور عنقرة، يشرب خمره في بيته، الذي لا يبعد ميلاً من بيت الخليفة عبد الله. (راجع: مذكرات يوسف ميخائيل).

    يقول الواقع التاريخي للشعوب السودانية، أن الناس ظلوا يصنعون، في كل أقاليم السودان، "الشربوت" و"الدكاي" و"المريسة" و" العسلية" وغيرها من المسميات، في المنازل، خاصةً في المناسبات. كما لم تخلُ، عبر التاريخ، قريةٌ أو مجموعة قرى متجاورة من أماكن لصنع وبيع الخمور البلدية. هذا واقع بالغ القدم، ولن تغيره القوانين المتعسفة، وجهالات المتشددين الدينيين، الذين لا يعرفون حرف الإسلام ولا روحه. هذا الواقع، يغيره الوعي، والتعليم، والتربية الدينية الصحيحة الحكيمة الموزونة، التي تتجه إلى ترفيع الشعور بالمسؤولية الفردية، وبالالتزام الداخلي بصحيح القيم. محاولة منع شرب الخمور بالقوانين لا تختلف في فشلها من محاولة خفض سعر الدولار بالقبضة الأمنية. فالضائع في هذا اللغو الباطل هو الحكمة. (يتواصل).
                  

07-17-2020, 07:29 AM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 817

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    الخمور بين القانون والأخلاق،
    (2)

    النور حمد

    صحيفة التيار 17 يوليو 2020

    من الملاحظات اللافتة للكاتب الكبير الطيب صالح قوله: رغم أننا قطر هامشي في منظومة الأقطار العربية والإسلامية، وليست لنا آدابٌ مكتوبةٌ، ولا آثارٌ يُعتد بها في بنية الحضارة الإسلامية، إلا أنا، رغم ذلك، حاولنا مرتين، ادعاء أن لنا دورًا مركزيًا في العالم الإسلامي، بل وفي العالم أجمع. قام الإمام محمد أحمد المهدي بثورته العظيمة في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، وحقق إنجازين عظيمين على المستوى الداخلي، هما: تحرير القطر من المستعمر المصري، التركي، ومنح السودان حدوده الجغرافية الشاسعة. غير أن المهدي توهّم أن دعوته ودولته تحتلان موقعًا محوريًا ينبغي أن يلف حوله جميع العالم. ألغت المهدية العمل بالمذاهب، كما ألغت الطرق الصوفية، وكفَّرت كل من لا يؤمن بمهدية المهدي، وجعلت من منشورات المهدي وراتبه مرتكزا جديدًا للعقيدة، يَجِبُّ كل ما قبله. وبناءً على تصور أن المهدية رسالةٌ إلهيةٌ إلى الناس أجمعين، سيرت المهدية الجيوش لفتح مصر والحبشة. ووثب في الربع الأخير من القرن العشرين، الدكتور حسن الترابي وجماعته إلى السلطة بانقلاب عسكري. جاعلين من فكرتهم ودولتهم منصة ينطلق منها البعث الاسلامي ليعم مشارق الأرض ومغاربها. ولم يتعظ الدكتور الترابي ورهطه من التجربة المهدوية. فانتهت تجربتهم إلى كوارث متلاحقة ودمارٍ فظيعٍ فاق كل ما جرى في الحقبة المهدوية.

    مصر هي موطن الأزهر، أعرق الجامعات الإسلامية. وتركيا هي مركز الخلافة الإسلامية العثمانية، حتى الربع الأول من القرن العشرين. غير أن هذين القطرين لا يحرمان صناعة الخمور، ولا الاتجار فيها، ولا تعاطيها. أما جمهورية باكستان الإسلامية فتمنع تعاطي المسلمين لها، ولا تمنع أن يتعاطاها غيرهم من أهل الديانات، وبها مصنع للخمور. أما ماليزيا وإندونيسيا فتسيران على نهج تركيا ومصر والمغرب وتونس والجزائر ولبنان والعراق وسوريا والأردن، أي نهج السماح بلا قيد. وتختلف درجة السماح قليلًا في دول الخليج. فسلطنة عمان والإمارات وقطر والبحرين، تسمح باستيراد الخمور وتقديمها في الفنادق، وبعض المطاعم. وفي هذه الدول منافذ لشراء المواد الكحولية، لكنها لا تبيع إلا لمن يحمل تصريحًا حكوميًا. لذا يستغرب المرء في تحريض عبد الحي يوسف للجيش للإطاحة بالحكومة المدنية، بدعوى أنها تهدم الدين. لماذا يا ترى يصمت عبد الحي، عن تقديم نفس الطلب للجيش التركي ليطيح بأردوغان؟

    أرجو ألا يظنن أحدٌ أن سبب عدم تشدد هذا العدد الكبير من الدول الإسلامية، يعود لقلَّةٍ في المعرفة بالدين، أو تنكُّرٍ لأحكامه. في كل هذه البلدان علماء أجلاء. بل إن علماءنا تتلمذوا، عبر التاريخ، على علماء الأزهر منذ أيام السلطنة الزرقاء. السبب في تقديري، هو المعرفة بمقاصد الدين، وتوخي الحكمة في التشريع، وفهم الواقع العملي القائم. يضاف إلى ذلك، أن الأحاديث والوقائع المروية في أمر الخمر ورد في بعضها ما يؤكد أن العقوبة تنصب على السُّكْر، وليس على مجرد الشرب. وكما هو معلوم، فإن روايات الأحاديث وروايات الوقائع التاريخية، وردت بصورٍ مختلفة، تصل حد التعارض، أحيانًا. فالفقهاء المتشددون يعتمدون منها ما هو أكثر تشدُّدًا فيجعلوا منه تشريعًا عاما. أما المعتدلون فيميلون إلى النصوص والوقائع التاريخية التي تبتعد عن التشدد والغلواء. وسوف أورد نماذج من هذه الروايات المختلفة في عمود الغد، ومع ذلك، تبقى للحديث بقية. (يتواصل).
                  

07-17-2020, 09:48 PM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 817

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    الخمور بين القانون والأخلاق (3)

    النور حمد

    صحيفة التيار 18 يوليو 2020

    ذكرت في العمود السابق، أن الفقهاء صنفان: صنف متشدِّد وآخرٌ معتدل. يميل الصنف المتشدد إلى العنت، والمعتدل إلى اليسر. يضاف إلى ذلك، أن روايات الأحاديث النبوية والوقائع التاريخية الإسلامية، يقع فيها الاختلاف. وقد يجد المرء حديثًا مرويًا بعدة صيغ، أو رواية لحادثة بعدة صيغ، تخلق اقدرًا من الاختلاف في المضمون. وسوف أورد نماذج لهذا في ذيل هذا المكتوب. أيضًا، من المعروف تاريخيًا والموثق، أن جمع الأحاديث جرى بعد أكثر من قرنٍ من بداية التاريخ الهجري. لذلك، فإن درجة الموثوقية العالية التي يمنحها المشتغلون بالفقه للأحاديث، ليست بالتماسك كما يظنون، ويظن كثيرون. وقد كثرت في الفترة الأخيرة الآراء الداعية إلى أخذ روايات الأحاديث بحذرٍ شديد، خاصة حين تتعارض مع نصوص القرآن، ومع المعقولية اللائقة بدينٍ رباني. وقد ذهب البعض إلى ضرورة الاستناد إلى القرآن بوصفه النص الأوثق، الذي ينبغي أن يكون المرتكز النهائي، حين تستشكل الأمور. وعمومًا، فإن العصر الذي جرى فيه تدوين الأحاديث لم يكن عصر تقوى، كصدر الإسلام، وإنما كان عصر ملك عضوض، أصبحت أهواء السياسة حاضرةٌ فيه بشدة.

    أكثر من ذلك، يورد بعض الباحثين أن هناك أحاديث صحيحةً تنهى عن كتابة أحاديث النبيّ، مطلقًا. فقد روى أحمد، ومسلم، والدارِميّ، والترمذيّ، والنسائيّ، عن أبي سعيد الخدريّ، أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم قال: "لا تكتبوا عنّي شيئاً إلاّ القرآن، فمَنْ كتب عنّي شيئاً غير القرآن فليمحه". الشاهد، أن الظن بأن الأحكام المستنبطة من جانب الفقهاء هي أحكامٌ نهائية غير قابلة للمراجعة، أبدًا، ظنٌّ غير صحيح.

    من أمثلة الروايات المختلفة للأمر الواحد، ما رواه أبو موسى الأشعري من أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه هو ومعاذًا إلى اليمن. قال أبو موسى: قلنا يا رسول الله إن بها (أي اليمن)، شرابين يُصنعان من البر والشعير، أحدهما يقال له المزر والآخر يقال له البتع، فما نشرب؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اشربا ولا تسكرا". أما الرواية المغايرة فقد ورد فيها أن النبي قال لهما: "اشربا، ولا تشربا مُسكرا". فرواية "اشربا ولا تسكرا"، أباحت لهما الشرب بشرط ألا يسكرا. أما الرواية الثانية فتقول: اشربا ولا تشربا مسكرا" وفي هذه غرابة. لأن السائلين ما سألا إلا لأنهما يعلمان أن هذين الشرابين مسكرين. ولذلك، كان رد النبي الكريم، "اشربا ولا تسكرا". فهذه الرواية أكثر تماسكًا من الأخرى التي قالت: "اشربا ولا تشربا مسكرا". فهما لم يسألا عن مطلق شراب، وإنما سألا تحديدًا عن شرابين، مسكرين، باسميهما.

    أيضًا، من الأدلة على أن العقوبة إنما تنصب على السكر، ما جاء في سنن البيهقي من: "أن رجلا أتى سطيحةً لعمر، فشرب منها فسكر، فأتي به عمر فاعتذر إليه، وقال: "إنما شربت من سطيحتك"، (أي من نفس وعائك). فقال عمر: "إنما أضربك على السكر"، وضربه عمر." حاول هذا الرجل أن يُعفى من العقوبة لكونه قد شرب من نفس الشراب الذي يشرب منه عمر. فرد عليه عمر بأن السبب في معاقبته ليس مجرد الشرب، وإنما السكر. وهذا واضح جدًا في قول عمر: "إنما أضربك على السكر". واجبنا اليوم أن نجتهد، لا أن نستسلم كليًّا للأقدمين. (يتواصل)
                  

07-19-2020, 04:42 AM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 817

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    الخمور بين القانون والأخلاق (4)

    النور حمد

    صحيفة التيار 19 يوليو 2020

    إن غرض الدين من إنزال القرآن وإرساء قواعد الشريعة، أن يمتلك البشر القدرة على التفكُّر وأن يصبح التفكُّر طبيعة ثابتة فيهم ومستدامة. فالجمود العقلي والوقوف عند عتبة الدين والنكوص عن الإيغال في عميق معانيه، علامتان من علامات قلة الانتفاع من منهجه. فالدين في الأصل منهج لترقية الفكر وترقية النفس. يقول تعالى: "وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ". ولذلك، يمكن القول، كلما كان المؤمن ميالاً للعنت والتشدد، كلما دلَّ ذلك على عياء فكره، وانطفاء نور الفرقان لديه. فالأصل في الأشياء هو الحل، وهذا متفق عليه. وما المنع والتحريم إلا نتيجة لعجز البشر عن التصرف بمسؤولية، في الحرية الممنوحة لهم. لقد منح الله اليهود سعةً في الحِل، بادئ الأمر. لكنهم أساءوا استخدامها، فصودرت منهم، وأُدخلوا دائرة المنع والتحريم. يقول تعالى: "فبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا". وقد حدث هذا للأصحاب رضوان الله عليهم. فتحريم الخمر لم يحدث، إلا بعد أن أساءوا التصرف في السعة، فأُحيلوا إلى الضيق.

    أمضى النبي في مكة، بعد أن بُعث للناس، ثلاث عشرة سنة، لم تكن الخمر فيها محرمة. بل، بقيت غير محرمة لثمان سنوات، بعد أن هاجر إلى المدينة. وهناك روايتان عن العام الذي جرى فيه تحريم الخمر. فبعضهم يقول: في السنة الثالثة للهجرة، عقب معركة أحد، وبعضهم يقول: في السنة الثامنة للهجرة، ومن بين هؤلاء من المحدثين، الدكتور محمد عابد الجابري. فالأرجح هو السنة الثامنة، لأن الآيات التي تدرجت بالناس نحو النهي، أخذت وقتًا طويلا. فالخمر جرى تحريمها قبل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، بثلاث سنين فقط.

    هناك حادثتان بارزتان في إساءة استخدام الأصحاب لإباحة الخمر. أولاهما ما حدث منهم من أخطاء في قراءة القرآن في الصلاة، بسبب السكر، فنزلت الآية: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ". أما ثانيتهما فقد كانت أفدح من سابقتها. فقد جاء في شرح النووي على مسلم، أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى سيدنا علي بن أبي طالب ناقتين من نوق الغنائم. فأناخهما عند باب رجلٍ من الأنصار. وكان حمزة بن عبد المطلب يشرب الخمر ومعه قَيْنَةٌ (جارية) تغنِّي له. ولعل الجارية أرادت أن يكون لهما مع الشرب شواء. فأثارت حمزة بشيء من الشعر، فنهض، وهو سكرانٌ، واتجه بسيفه إلى نوق علي بن أبي طالب. فقطع أسنمتها (جمع سنام)، وبقر خاصراتها، وأخذ من أكبادها. فشكاه سيدنا علي إلى النبي. فذهب إليه النبي يجرجر أثوابه من الغضب، ومعه زيد بن حارثة، وأنكر النبي الكريم على حمزة فعلته. لكن حمزة كان في حالة سكر شديد، جاء في وصفه أن عيونه كانت محمرة. صوب حمزة بصره إلى النبي في ازدراء، وقال: "هل أنتم إلا عبيدًا لآبائي". فانصرف عنه النبي غاضبا. ونزلت عقب ذلك الآية الكريمة: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ* إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ". (يتواصل).
                  

07-20-2020, 06:54 AM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 817

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    الخمور بين القانون والأخلاق (5)

    النور حمد

    صحيفة التيار 20 يوليو 2020

    يعتقد كثيرٌ من المسلمين أن الإسلام قصد منذ البداية تحريم الخمر، وأن الإسلام ترفق وتلطف بمجتمع القرن السابع الميلادي، الذي اعتاد الخمر، فتدرج في التحريم على مراحل. هذا الاعتقاد ليس صائبًا تمامًا، رغم ذيوعه. فالإسلام يقر الأصل في البداية، وهو الإباحة، أما المنع فاستثناء. فكما أقر القرآن في البداية، في مكة، مبدأ الحرية والمسؤولية الفردية، على غرار: "فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر"، فقد أقر أيضًا الإباحة في الخمر بالسكوت عنها. فالإنسان، في الإسلام، حرٌّ، حتى يسيء التصرف في الحرية، فتجري مصادرتها. ولا تكون المصادرة حين تحدث، إلا بقانون دستوري. والقانون الدستوري هو القانون الذي يوفق توفقًا دقيقًا بين حاجة الفرد إلى الحرية الفردية، وبين حاجة الجماعة إلى الأمن؛ فلا يتغول على حقوق الفرد لمصلحة الجماعة ولا على حقوق الجماعة لمصلحة الفرد.

    لو تأملنا الآية 67 من سورة النحل، المتعلقة بالخمر، فإننا نلاحظ أنها تتحدث بحيادٍ عن صناعة الخمر، كونها ممارسة عرفتها المجتمعات البشرية منذ القدم. تقول الآية: "وَمِن ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ". لا يوجد في هذه الآية أي ذمٍّ لصناعة الخمر. وقد مارست مجتمعات الشرق الأوسط، على مدى التاريخ، عصر الزيتون والسمسم للزيت، وكذلك، عصر العنب وتخمير الحبوب والتمور وغيرها، لصناعة النبيذ. وقد جاءت الإشارة إلى هذه الصناعة، بلا ذمٍّ، أيضًا، في تأويل سيدنا يوسف للرؤيا، في الآية 49 من سورة يوسف، التي تقول: "َثُمَّ يأْتِي مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ". من أجل تثبيت الأصل الأصيل، المتمثل في كفالة الحرية وإقرار مبدأ المسؤولية، وحث الناس على التحلي بها، لم يحرم القرآن الخمر على مدى 20 عامًا، مع العلم أن كامل مدة البعثة النبوية المشرفة، كانت 23 عامًا فقط.

    جاء التضييق بعد أن بدأ أصحاب النبي، عليهم الرضوان، يتذمرون مما يأتونه من أفعال وهم سكارى. فقد طفقوا يسألون النبي عن الخمر، فجاء رد الله تعالى عليهم، على هذا النحو: "يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا". ومن يتأمل هذا الخطاب بذهنٍ مفتوح، يرى بوضوحٍ شديد، نهج القرآن في التأكيد على المسؤولية الفردية. فقد أثبت للخمر والميسر منافع. لكنه، أكد أن إثمهما أكبر من نفعهما. وهنا، أيضًا، استمر القرآن يضع المسؤولية على عاتق المؤمن. غير أن أهل تلك الفترة تفاقمت هفواتهم بسبب السكر، فجاءت الآية: "يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ". وحتى هذه اللحظة، أيضًا، لم ينه القرآن عن الشرب، واستمر يدعو إلى التحلي بالمسؤولية. فطالبهم، فقط، بألا يأتوا إلى الصلاة وهم سكارى. ولا بد أن حوادث عديدة مثل حادثة حمزة التي أغضبت النبي، قد حدثت. إلى ثبت أن ذلك المجتمع دون مستوى المسؤولية الفردية، فصودرت حريته. ومع ذلك لاحظ فقهاء وباحثون، أن آية سورة المائدة، التي أغلقت باب شرب الخمر، جاءت في صيغة ملطَّفة، فدعت إلى "الاجتناب"، وليس إلى التحريم، بصريح العبارة. بل إن خاتمة الآية التي تلتها، جاءت في صيغة استفهام يشبه الالتماس اللطيف، فقالت: "فهل أنتم منتهون؟". (يتواصل).
                  

07-21-2020, 05:15 AM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 817

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    الخمور بين القانون والأخلاق (6)

    النور حمد

    صحيفة التيار 21 يوليو 2020

    قلت في المقالة السابقة، إن الأصل في الأشياء هو الحل. والحرمة ليست سوى حكم شرعي سببه العجز عن القيام بواجب المسؤولية، الذي هو شرط التمتع بالحرية. جاء في تحديد المحرمات قول الله تعالى: " قُل لَّا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ ۚ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ". على عموم الأمر، كل ما يمر عبر فم الإنسان، من مطعمٍ أو مشربٍ حلال، باستثناء هذه الأعيان الأربعة. وحتى هذه الأربعة سُمح للمضطر، المستوفي لشروط الاضطرار، أن يطعمها. وجاء أيضًا: "لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوا وَّآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوا وَّآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوا وَّأَحْسَنُوا ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ". وهذه من أكثر الآيات وضوحًا في أن التقوى والإحسان تضعان الإنسان في براح الحرية المسؤولة.

    لا يعني ما تقدم، أن معاقرة الخمر تليق بالمتقين المحسنين، فهؤلاء لا حاجة بهم إلى الخمر، أصلا. والقول بأن الحل هو الأصل، ليس دعوةً لمعاقرة الخمر، وإنما لتثبيت مبدأ المسؤولية الفردية. ففي عهد الوصاية، وهو العهد الماضي، جرى سد للذريعة، فكان التضييق. أما في عهد الحرية والمسؤولية والاسماح، فإن التحريم والعقوبة ينبغي أن تنصبَّا على السكر، وليس على مجرد الشرب. وقد قال بذلك، فيما يخص الأنبذة، فقهاء أقدمون، مثال: إبراهيم النخعي، وسفيان الثوري، وابن أبي ليلى، وشريك، وابن شبرمة، وأبو حنيفة، من فقهاء الكوفة، وكذلك أكثرية من علماء البصرة؛ أي، أن المحرم هو السكر نفسه، وليس عين ما يُشرب. (بداية المجتهد ونهاية المقتصد، ص 912). فالأصل هو الإباحة، وجاء المنع بسبب سوء التصرف، وقد كان الوقت وقت وصاية. أما التشريع اليوم، فينبغي أن يضع الناس في موضع المسؤولية، وذلك بحصر المساءلة والعقاب في حالة السكر، في المجال العام، وليس لمجرد الشرب. فالقانون أصلاً لا يملك عينًا تراقب له ما يقع خارج المجال العام. خاصةً وأن تتبع الناس داخل بيوتهم ممنوعٌ شرعًا.

    واجبنا هو تبيين ضرر الخمر على الفرد وعلى الأسرة وعلى المجتمع، عبر منابر المساجد، ومناهج المدارس، والرسائل الإعلامية، والصحية. وأن نبتعد من جعل المنع المطلق والعقوبة بديلين للضمير وللأخلاق وللمسؤولية الفردية. نهج العقوبة المتَّبع منذ سبتمبر 1983، وإلى اليوم لم يغيِّر شيئًا. بل تسبب في اتساع دائرة تعاطي أنواع الكحول بالغة الضرر. هذا النهج لن يغير شيئًا، لأنه شبيه بتصور النعامة حين تدفن رأسها في الرمال، وتظن أن ذلك يخفي جثتها الضخمة، عن عين عدوها. لقد أصبح الإقرار بأن الحرية الفردية هي الأصلٌ في الإسلام أوضح من أي وقتٍ مضى. قال زعيم حركة النهضة في تونس، راشد الغنوشي، في مقابلة في قناة الجزيرة: "ليس من مهمة الدولة أن تفرض الإسلام. ليس من مهمة الدولة أن تفرض أي نمطٍ معيِّنٍ على المجتمع. مهمة الدولة أن تحفظ الأمن العام، تحفظ العدل، تقدم الخدمات للناس. أما الناس: تصلِّي ما تصلِّيش، تتحجب ما تتحجبْشْ، تسكر ما تسكرْشْ، هذا متروكٌ للناس". لقد أبقى تعديل وزير العدل الأخير، فيما يتعلق بالخمور قوانين سبتمبر الشوهاء في مكانها. والاستثناء الذي مُنح لغير المسلمين، إجراءٌ غير موفق. (يتواصل)
                  

07-22-2020, 04:13 AM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 817

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    الخمور بين القانون والأخلاق (7)

    النور حمد

    صحيفة التيار 22 يوليو 2020

    إن من أرفع آيات الذكر الحكيم قوله تعالى: "وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ". ومنها أيضًا: "هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ * وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ". الحكمة غير الكتاب، فالقرآن لا يستخدم لفظين مختلفين بمعنى واحد. وتعلُّم الحكمة أعلى من تعلُّم الكتاب. وقوله تعالى "ويعلمهم الكتاب والحكمة" يعني أن معرفة الكتاب هي الباب إلى رفرف الحكمة المنفسح. والفكر المدقق هو الذي يمنح القدرة على التفريق بين مظهر الحكم الشرعي، وجوهر المقصد الرباني.

    فقه المقاصد، ابتداءً بالشاطبي ومرورًا بابن عاشور، وحتى علال الفاسي، يسير في وجهة إعمال الفكر في أمور التشريع. يرى هؤلاء أن علم الأصول وقواعده، وإن كان ضروريًا للفقيه، إلا أنه لا يغنيه عن معرفة مقاصد الشارع الحكيم. فالمقصود من كل حكم أن يجلب الأمن والطمأنينة والخير للناس، وأن يدفع عنهم الضرر. وعلى الرغم من أن فقه المقاصد قد مثل خطوةً متقدمة، مقارنًا بالفقه التقليدي، إلا أنه لا يفي تمامًا بمتطلبات تجديد الخطاب الديني لعصرنا الراهن. لكن، مع ذلك، يبقى منهجه أكثر حكمةً وفائدةً من الفقه التقليدي، المنغلق، المنشغل بالمظاهر، المنصرف عن المقاصد الجوهرية.

    المنع والعقوبة ليسا أمرين مقصودين لذاتهما، وإنما هما وسيلة لحمل الناس، في مرحلة القصور، على الاستقامة، بالإكراه. أما مقصد الدين في الأصل فهو أن يقوِي الضمير والرادع الداخلي، فيبتعد الفرد طواعيةً عن الأفعال غير اللائقة مستعينًا بالصبر والصلاة. المطلوب هو معرفة الحق والتزامه انطلاقًا من الشعور بالمسؤولية، لا لمجرد الخوف من العقوبة. وما من شكٍّ، أن خوف العقوبة شيءٌ حسن، وهو عتبةٌ في سلم التَّرقِّي، لكنها في أوله. الأكمل من ذلك أن يكون الإنسان مسؤولاً، وأن تنطلق قيمه من داخله، لا من خارجه. فالإكراه في الماضي أولد النفاق. ولا تحدث الاستقامة الصادقة المتنامية دومًا، إلا إذا مُنح الفرد حرية الاختيار. وهذا ما من أجله قال النبي الكريم: " لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، وجاء بقومٍ يذنبون فيستغفرون، فيغفر لهم".

    يتعلم الناس عبر التأرجح بين الخطأ والصواب، فيرتفعون في مضمار التهذيب. مقصد الشرع الأعلى أن يبني في داخل الفرد ميزان القيم ويشعل في داخله أنوار المعرفة التي تقوي عزيمته لفعل الصواب، وتجعله يندم بشدة حين يخطئ. والناس ليسوا سواسية في هذا: "قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ"؟ وحديث: "لو لم تُذنبوا لذهب الله بكم"... إلخ، ليس دعوة إلى المعصية وإنما هو تبصير للناس بطبيعتهم الترابية، وحثهم لتحويلها إلى طبيعة نورانية. لقد عرف السادة المتصوفة نهج الحكمة هذا، فلم ينشغلوا بالمنع المباشر وبالتقريع وبالخطب المجلجلة الفارغة، كما يفعل الفقهاء. انشغل المتصوفة بالتربية فقبلوا الناس على علَّاتهم، وأخذوا يحثونهم على أداء الصلوات، وحضور الأذكار، والمحافظة على الأوراد، وأهم من ذلك، خدمة الناس، وقد انصلح سواد الناس بهذا النهج التربوي. جاء في قصيدة "الهبرو مَلُوا"، في وصف ما أنجزه المتصوفة: "كم وسخانين ليهم غسلوا". وجاء فيها، أيضًا: "جابوا الهمبات حردان جملو". (يتواصل).
                  

07-23-2020, 08:41 AM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 817

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    الخمور بين القانون والأخلاق (8)

    النور حمد

    صحيفة التيار 23 يوليو 2020

    لقد كان للاستعمارين التركي/المصري، والبريطاني، تأثيرٌ سالبٌ على المزاج الديني المتوارث في السودان، خاصة في البيئات الإسلامية. فقد حارب الخديويون والبريطانيون التصوف ومكَّنا للفقه، الذي ظل عبر التاريخ الإسلامي ذراعًا للسلاطين، يسيطر به الحكام المستبدون على الناس. بسبب تمكين الفقه ابتعد كثيرون من سعة التصوف وأدبه وحكمته، وانجرُّوا إلى ضيق الفقه وشكلانيته المظهرية. في جوهر الدين، لا قيمة للقيد الخارجي إن لم يتحول إلى قيد داخلي ينبع من الذات. "لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَٰكِن يَنَالُهُ التَّقْوَىٰ مِنْكُمْ"؛ أي، لا تنال رضا اللهِ، القرابينُ ولا الشعائر التي تؤدونها، وإنما تناله ثمرتُها، وهي: "التقوى منكم". لا حكمة في فرض قيودٍ لا يمكن تطبيقها عمليًا. الحكمة هي جعل الناس يقيدون أنفسهم بأنفسهم. وهناك وسائل كثيرة لتحقيق هذا الغرض، سبقتنا إليها أممٌ كثيرة. من هذه الوسائل الترشيد، عبر الخطاب الديني الحكيم، وعبر التعليم العام، وعبر الإعلام، إضافة إلى إنفاذ القانون الدستوري، الذي يعاقب على السكر في المجال العام.

    تدور في وسائط التواصل الاجتماعي هذه الأيام مقاطع فيديو، يتحدث فيها عن ضرورة ألا تكون الدولة "دينية"، وإنما "مدنية"، كلٌّ من الشيخ يوسف القرضاوي، والداعية طارق سويدان، والرئيس المصري الراحل محمد مرسي، وبعض شيوخ الوهابية السعوديين، أحدهم سلمان العودة. ولقد سبق أن أوردت ما قاله الدكتور حسن الترابي، أنه لا يجوز اقتحام خلوات الناس، لأن هذا يقع في دائرة التجسس والتحسس، وهو أمرٌ منهيٌّ عنه شرعا. كما سبق أن أوردت حديث راشد الغنوشي الذي قال فيه: إن مهمة الدولة تنحصر في تحقيق الأمن وإقامة العدل وتقديم الخدمات، وليس من مهامها أن تراقب: صلَّى الناس أو لم يصلّوا، تحجَّبوا أو لم يتحجَّبوا، سكروا أو لم يسكروا. إلى جانب هذا الميل المتزايد إلى مفهوم الدولة المدنية، من جانب جماعات الإسلام السياسي، بدأت المملكة العربية السعودية تتراجع عن خطها الوهابي الحنبلي المتشدد، الذي انتهجته منذ أن كانت إمارةً صغيرةً في الدرعية، في القرن الثامن عشر، يتقاسم سلطتيها الدنيوية والدينية، الإمام محمد بن سعود، والشيخ محمد بن عبد الوهاب.

    ما قام به نميري في سبتمبر 1983، لم يكن تحكيمًا للشريعة، وإنما مجرد نزوةٍ حاكمٍ مستبدٍ استنفد كل أوراق اللعب التي تبقيه في السلطة، فاتجه إلى استغلال الدين، وقد آزره في ذلك الشيخ حسن الترابي وقبيله. ولربما لا يعلم كثيرٌ من أبناء وبنات الأجيال الجديدة، أن قوانين سبتمبر 1983، والتي سُمِّيت زورًا وبهتانا، "قوانين الشريعة الإسلامية" لم تصدر من هيئة تشريعية، وإنما فُرضت بمراسيم جمهورية. ونميري الذي فرضها رجلٌ لم يُعرف عنه أي اهتمام بالإسلام، طيلة حياته، بل ولا حتى معرفة بأبسط قواعده. فإلغاء قوانين سبتمبر، هو العمل الدستوري في حقيقة الأمر، والذين يتباكون كذبًا على ضياع الشريعة، يعلمون أن الشريعة بالمفهوم الذي يعتنقونه، غير قابلة للتطبيق. الدليل، أنهم بقوا في الحكم لثلاثين سنة، وهي مدةٌ أطول من مدة البعثة المحمدية المشرفة، التي لم تتجاوز 23 عامًا، ومع ذلك، لم يطبقوا منها شيئا. بل، عملوا كل ما هو نقيضٌ لها. لقد ولَّى إلى غير رجعة، زمان الصراخ والعواء لفرض مظهرٍ كاذبٍ للدين، وجاء وقت جعل الدين قيمًا حقيقية تعاش. وطريق هذه النقلة البرادايمية، هو الاقناع والاقتناع، والتربية الخلقية.
    (يتواصل)
                  

07-24-2020, 05:32 AM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 817

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    الخمور بين القانون والأخلاق (9)


    النور حمد

    صحيفة التيار 24 يوليو 2020

    من الخطأ الشنيع ألا نسترشد في تشريعاتنا بتجارب الغير، وأن نظن أننا محقون في كل شيء وغيرنا من أهل الملل الأخرى، مبطلون في كل شيء. فكل الدول، بغض النظر عن أديانها، حريصةٌ على أمن الناس، وعلى صحتهم البدنية والعقلية. يظن كثيرٌ منا أن الغربيين لا يسائلون من يسيئون التصرف بسبب الخمر، وهذا غير صحيح. الفرق بين الدول الإسلامية القليلة التي تتسم بالتشدد وبينهم، أن الغربيين علمتهم التجربة أن يهتموا بالجانب العملي في الإخلال بالأمن العام. فأصبحوا لا يطاردون مواطنيهم فيما وراء نطاق المجال العام. فإذا رأى الشرطي شخصًا يترنح في الشارع؛ فإنه يوقفه ويبعده عن المجال العام. وإذا شك في أن أحدًا يقود سيارته تحت تأثير الكحول، فإنه يوقفه في الحال ويعرضه لجهاز تحديد نسبة الكحول في الدم. فإذا تجاوزت الحد المسموح به، ينزله الشرطي من السيارة، ويأخذ منه مفتاحها. وسوف يتعرض لعقوبة قد تصل إلى السجن، وربما يجري سحب رخصة القيادة منه لمدة يحددها القاضي. أيضًا لا يُسمح لأي فرد عمره أقل من 21 عامًا بشراء مشروبات كحولية. وأي خصٍ توجد في سيارته قارورة خمر مفتوحة يتعرض لعقوبة قاسية جدا. وتسير أكثر من 80% من الدول الإسلامية المعاصرة على هذا النهج، مع الفارق أن الدول الغربية لها قدرة أكبر على إحكام الرقابة على المجال العام، وعلى إنفاذ القانون.

    أوردت صحيفة "وولستريت جورنال" في 17 يناير 2019 أن استهلال المواد الكحولية، في الولايات المتحدة الأمريكية، يتراجع. وأوردت قناة بي بي سي في 15 فبراير 2011 أن استهلاك الكحول في بريطانيا استمر يتناقص، عامًا بعد عام، منذ 2002. هذا التراجع ليس بسبب المنع، وإنما بسبب التوعية والتحسن الطوعي في السلوك. فالمجتمعات هي التي تعلم أفرادها وتهذبهم وليس السلطات. أصبح الغربيون يستهجنون السكر بشدة، رغم أن المشروبات الكحولية متاحة. فالشخص الذي يشرب حتى يسكر في أي مناسبة اجتماعية، يُنظر إليه باحتقار، وقد يُعزل اجتماعيا. فالسلطة الاجتماعية، لها تأثير على تحسين سلوك الأفراد يتجاوز تأثير المنع القانوني. تغيير السلوك بسبب نظرة المجتمع يجري عن قناعة، وعن رغبة وحرص على رضا المجتمع، وقبوله.

    لقد انشغلت كل الأمم بالآثار الضارة لاستهلاك الكحول، فجربت الولايات المتحدة في بدايات القرن العشرين، المنع الكامل للمشروبات الكحولية. في عام 1926 قدم أندرو فوروسيث شهادة أمام الكونغرس الأمريكي، ملخصها أنه راقب منطقة بعينها في مدينة بورتلاند بولاية أوريغون، قبل المنع مباشرة. فرأى أفرادًا في أسوأ صورة يمكن أن يرى بها المرء إنسانًا، بسبب إدمانهم الكحول. وبعد المنع رأى تحسنًا كبيرًا في أحوال الناس في تلك المنطقة. ثم عاد بعد عامين ليرى كيف استمر الحال، فوجد الناس على صورة أسوأ مما كانوا عليها قبل المنع، لأنهم انخرطوا في شرب الخمور غير القانونية، بالغة الرداءة. كما زاد المنع من انتشار الجريمة المنظمة، المرتبطة بالتجارة غير القانونية في الكحول، فتراجع الأمريكيون في عام 1933 عن المنع العام. أيضًا أكد المركز الأمريكي للوقاية والتحكم في الأمراض أن التدخين قد تراجع في عام 2016 بنسبة 14%، رغم أنه لا يوجد قيد مطلق على التدخين. كل ما في الأمر أن الأفراد ارتقوا في وعيهم، وأصبح المجتمع يضيق بالتدخين. فالوعي هو الذي يأتي بالنتائج، وليس المنع.
    (يتواصل)
                  

07-26-2020, 06:05 AM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 817

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    الخمور بين القانون والأخلاق (10)

    النور حمد

    صحيفة التيار 26 يوليو 2020

    لا يصح في عصرنا الراهن أن تُصدر دولة ما تشريعين مختلفين لمواطنيها مبنيين على أساس الدين. هذا منزلقٌ أدخلتنا فيه قوانين سبتمبر الشوهاء، التي جبُن مشرعونا عن إلغائها خوفًا من بعض المتشددين الجهلاء، الذين يهتمون بالمظهر الخارجي الكاذب ويتعامون عن حقائق الواقع وجوهر مقاصد الدين. لقد سبق أن ذكرنا، أن المنع الذي جرى في سبتمبر 1983 لم يغير شيئا. فالخمور البلدية ازدهرت صناعتها، وأصبحت منتشرة في مكان. وأصبحت لها شبكات اتجار سرية، بالغة الضخامة. وهي بالإضافة إلى أن تصنيعها لا تحكمه معايير علمية تحدد نسبة الكحول، فقد دخلت في صناعتها المواد الكيميائية الضارة. من يهللون للمنع يتجاهلون المضار الصحية للخمور البلدية، ويتعامون عن عالمها السري، بالغ الضخامة. بعضنا يرضون بغش أنفسهم أن الخمر ممنوعة. يهتمون بمنعها مظهريًا، ويتجاهلون حقيقة أن تعاطيها قائمٌ بل ومتفاقم، وأن أضرارها أصبحت أفدح من أي وقت مضى.

    لقد حرم الإسلام السكر وأوقع عليه العقوبة، كما جاء فيما أوردناه عن الخليفة عمر، رضي الله عنه، وعن ذلك الشخص الذي سكر واحتج بأنه شرب من نفس القِرْبة التي يشرب منها عمر. فرد عليه عمر: "إنما أضربك على السكر". تجريم السكر وإنفاذ العقوبة عليه، هو الذي يجعل المسلم وغير المسلم سواء أمام القانون. يضاف إلى ذلك أن السماح لغير المسلمين باستيراد الكحول وصناعتها يخلق إشكالات عملية كثيرة. فلنفرض، مثلاً، أن شخصًا غير مسلم يصنع الكحول في منزله، أو أنه يستوردها، لكنه تعدى حدود السماح له، وشرع في بيعها لغير المسلمين، فهل يملك القانون طريقةً عمليةً فعالةً للسيطرة على ذلك؟ وإذا جرى القبض على مسلمٍ يتناول الكحول، لكنه لكي يتجنب العقوبة ادعى أنه غير مسلم، فماذا سيصنع القانون معه؟ خاصةً أن قانون الردة قد أُلغي. وأنا هنا لا أتباكى على إلغاء قانون الردة، فإلغاؤه إجراءٌ صحيح؛ دينًا وعقلاً، مأ أريد أن أقوله هو أن القضاء سيجد نفسه عاجزًا عن فعل أي شيء لشخصٍ كهذا. ولا ينبغي أن نستبعد ظهور أشخاص من هذا النوع، فهم موجودون الآن، ويتزايدون. وجود قانونين للمواطنين يحوِّل التقاضي إلى مهزلة ويجعل من القانون أضحوكة.

    الدولة الراشدة هي التي تطلب من جميع مواطنيها، بغض النظر عن دينهم، أو ثقافتهم مستوى محددًا من السلوك المنضبط في المجال العام. بعبارة أخرى، ينبغي أن يكون السكر جريمةً بالنسبة للمسيحي والوثني واللاديني والمسلم، سواءً بسواء. فتطبيق القانون وتثبيت فعاليته هي جزء من القانون، وهو ما يسمى law enforcement. فالقانون الذي يتعذر تطبيقه عمليًا ليس سوى حبر على ورق. وما دامت سلطات القانون لا تستطيع شرعًا دخول بيوت الناس، فإن منع الشرب يصبح بلا معنى. حين يكون القانون موحدًا تستطيع الدولة أن تبني منظومة قيم موحدة، تشمل جميع مواطنيها بلا استثناء. فالدولة لا دخل لها فيما بين الفرد وربه، ولا ينبغي، إطلاقًا أن نخلط ما بين الفرد وربه وما بين الفرد والمجتمع. أعتقد أننا بسبب حرصنا على التدين المظهري الكاذب، ندخل أنفسنا وديننا في جحرٍ ضيق. نحن بحاجة إلى أن نفهم الإسلام على نحو أفضل، وأن نشرِّع لعصرنا بعقلانية، وأن نوائم بين مقاصد الدين وواقع حياتنا، وأن نسترشد بالمفيد من تجارب الشعوب.
    (غدًا المقال الأخير من هذه السلسلة)
                  

07-27-2020, 08:21 AM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 817

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    الخمور بين القانون والأخلاق (11)

    النور حمد

    صحيفة التيار 27 يوليو 2020

    هذه هي خاتمة هذه السلسلة وأود أن أعرض فيها خلاصاتٍ لمجمل المفاهيم الأساسية التي هدفت إلى تبيانها. أولها هناك ضرورة لتجديد الخطاب الديني، إذ لا فرصة للمجتمعات الإسلامية لكي تتطور بدونه. فهي مجتمعات جمَّدها الفقه المدرسي وأمات حيويتها وقدرتها على صنع حياة مزدهرة، آمنة، مستقرة. لقد ظن طلائع مثقفي ما بعد الحقبة الاستعمارية أن الدين مجرد خرافة تعيش أيامها الأخيرة، وسوف تنقرض تلقائيًا بفعل الزمن، وهم ليسوا بحاجة لأن يبذلوا جهدًا في إماتتها. لكن، وضح من التجربة العملية أن هذا غير صحيح، فعدد من كبار المفكرين يرون أن التاريخ دورات متعاقبة، يتبادل فيها الدين واللادين إدارة الحياة في دوراتٍ متعاقبة.

    بسبب فتونهم بالنموذج الغربي، أخلى المثقفون المسلمون الساحة لرجال الفقه المدرسي الذين ساعدوا كل ديكتاتور في كبت حرية الفكر، وتحويل الناس إلى قطيع مطيع، لينام الديكتاتور مطمئنًا على كرسيه، وينالوا هم رضاءه وأعطياته. فالدعوة لتطبيق قوانين الشريعة ليست دعوة لبعث روح الدين في المجتمع، وإنما هي مجرد حيلة لتكريس الاستبداد والاسترزاق من وراء ذلك. ولقد رأينا عمليًا نتيجة ما قام به كل من جعفر نميري والدكتور حسن الترابي، اللذيْن أضاعا علينا ستة وأربعين عامًا، لم نر فيها سوى تشويه الدين ووأد الثقافة والتراجع الاقتصادي والاجتماعي والعمراني والعزلة الدولية.

    الأخلاق لا تتحقق بالقانون وإنما بالتربية فالدين إنما جاء أصلاً لإيقاظ الضمائر وجعل الواعز الأخلاقي نابعًا من الداخل، وليس مفروضًا من الخارج. لكن لا يعني هذا أن القانون لا دور له. فللقانون دور كبير، لكن، بشرط أن يكون قانونًا دستوريا. فالأصل هو: "فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر". و "من شاء" هنا تعني مطلق بشر، وليس غير المسلم. ولذلك، لا مسوغ إطلاقًا لمنع الناس من شرب الخمر بالقانون، فهو عمل غير دستوري. الذي ينبغي أن يمنع منعًا باتًا وتجري العقوبة عليه، هو السكر في المجال العام. فالمرء حرٌّ في نفسه ومسؤول مسؤولية فردية أمام ربه، في كل ما يأتي وما يدع. لكنه ليس حرًا في التعدي على المجال العام وتعكير صفوه، ووضع الآخرين في موضع الخطر، أيًا كان نوعه.

    قوانين سبتمبر ليست قوانين إسلامية، بل هي قوانين استبدادية قُصد منها تكريس حكم الفرد وقهر الناس وتجميد وعيهم. وما كان ينبغي أن يكون هناك تردُّدٌ في شطبها، جملةً واحدة. لذلك، فإن ما جرى مؤخرًا من سماحٍ للمسيحيين بتناول الخمور، ومنعٍ للمسلمين من تناولها وتجريمهم عليه، عملٌ خاطئٌ لا تسنده فلسفة القانون ولا فلسفة الدستور ولا قواعد الحقوق الأساسية. لا يصح أن يكون في الدولة الواحدة قانونان للجنايات مبنيان على اختلاف العقيدة. لقد منح استثناء غير المسلمين من قانون الخمر قوانين سبتمبر الشوهاء عمرًا جديدا. ولسوف يخلق بلبلةً وربكةً عمليةً في التطبيق، كما سيخلق سوقًا سرية للخمور ويفاقم من الجريمة المنظمة المرتبطة بها.

    لن تنهض أي بلاد تعزل نفسها عن العالم وتخلق عوائقًا أمام التقارب القانوني الكوكبي بالإصرار على مصادرة الحرية الشخصية، التي لا تغوُّل فيها على حريات الآخرين. لماذا لا ننظر إلى تجارب الدول الإسلامية مثال: إندونيسيا، وتركيا، ومصر والمغرب وغيرها، ونبتعد عن التشدد المجافي لروح الدين، وعن الانشغال بالتدين المظهري؟ لماذا يعتقد هؤلاء الذين أدخلونا في هذا الجحر الخَرِب، أنهم خلفاء الله على أرضه؟
                  

07-28-2020, 07:49 AM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 817

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    إمبراطوريات الورق وسياستنا الخارجية
    (1 من 2)

    النور حمد

    صحيفة التيار 28 يوليو 2020

    تنشط في منطقة الشرق الأوسط والقرن الأفريقي حاليًا ثلاثة نماذج لأنشطة إمبراطورية توسعية. النموذج الأول هو النموذج الإيراني. والثاني هو النموذج السعودي الإماراتي، الذي تتحكم في أغلبه الأجندة الإماراتية. أما النموذج الثالث فيمثله التحالف التركي القطري الداعم لحركات الإسلام السياسي في المنطقة. تقف هذه القوى الثلاث وراء كل الحرائق والاضطرابات الجارية الآن في منطقة الشرق الأوسط. أصبحت إيران عقب الغزو الأمريكي، فاعلةً بقوة في العراق وامتد نشاطها فشمل سوريا، وصولاً إلى لبنان حيث يتحكم حزب الله. كما دخلت، أيضًا، منطقة جنوب البحر الأحمر، مستقطبةً الحوثيين، الذين خلقت منهم قوة رئيسية أضحت شوكةً في خاصرة المملكة العربية السعودية. وتسيطر على العناوين العريضة للأنباء، هذه الأيام، حرب الوكالة الدائرة في ليبيا بين المحور الإماراتي السعودي المصري، الداعم لقوات خليفة حفتر في شرق ليبيا، والمحور التركي القطري الداعم لحكومة السراج في غرب ليبيا. وتنخرط كل من روسيا وفرنسا فيما يجري هناك. ولا يقف الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة بمبعدة من هذا الصراع.

    ظهرت هذه النزعة الإمبراطورية في منطقتنا بعد نصف قرن ويزيد من أفول شمس الإمبراطوريات الكبرى. وقد وقفت وراء هذه الأحلام الإمبراطورية ثلاث نزعات: نزعةٌ أيديولوجيةٌ شيعيةٌ، تدفع بإيران إلى تمديد نفوذها، ونزعةٌ سنيةٌ، إخوانيةٌ، تدفع كلاً من تركيا وقطر في لتمديد النفوذ في المنطقة. ثم نزعة ثالثة، تسببت فيها التخمة المالية في دول النفط، تلازمت مع ضمورٍ في الخيال السياسي النهضوي التنموي، وعجزٍ عن استخدام القوة الناعمة، فكان الاعتماد في تمديد النفوذ على القوة الخشنة. ويبدو أن الاعتقاد في أن المال يمكن أن يفعل كل شيء هو ما يقف وراء الفعل السياسي الإماراتي والسعودي والقطري، على مستوي الإقليم. اتجهت الإمارات إلى صناعة جيش من المرتزقة، وظفته لنشر نفوذها في الإقليم وهي تبحث عن الأرض والموانئ فيما حول البحر الأحمر وخليج عدن. وجرَّت الإمارات معها المملكة العربية السعودية، التي انخرطت معها، لكن بحماس أقل. وتفعل كلٌّ من تركيا وقطر نفس الشيء في ليبيا وفي الشام. وقد امتد هذا النشاط إلى الصومال، وسقطرى، إضافةً إلى محاولات، كلا الحلفين من خلف الستار، للتحكم في المشهد السياسي السوداني عقب الثورة. ولو أن الإمارات والسعودية وقطر استخدمت المال والنفوذ السياسي في أقنية القوة الناعمة، لكسبت كثيرًا، ولحدثت في المنطقة نهضةٌ علمية واقتصاديةٌ واجتماعيةٌ شاملة. لكن اختارت هذه الدول الغنية درب القوة الخشنة، التي سوف تفشل في تحقيق أهدافها، بعد أن يحل بالمنطقة مزيدٌ من الدمار والتراجع.

    تواجه الولايات المتحدة التي تمثل الإمبراطورية الأكبر في العالم اليوم، صعوباتٍ جمة في رسم الخرائط الجيوسياسية عن طريق القوة الخشنة، فأصبحت توكل هذا الدور إلى من تشعر أن لديهم أحلامًا إمبراطورية، خاصة في منطقة الشرق الأوسط. ولسوف لن تفلح هذه الأحلام الإمبراطورية، إلا في تحقيق خطة الشرق الأوسط الكبير، في التشظية، التي تحدثت عنها كوندوليزا رايس قبل أكثر من عقد من الزمان. وسيذهب المال إلى الجيب الغربي والشرقي الذي يصنع السلاح. ستتفكك دول المنطقة وتتراجع جميع أحوالها، وسيكون الرابح والضاحك الأخير، هو الصهيونية العالمية والهيمنة الغربية. والعلة، كل العلة، في هذا العقل العربي، الذي يأبى أن يشب عن الطوق. لكن، لدينا نحن في السودان، الآن، فرصة ذهبية للانفلات من هذا المدار المدمر.
    (يتواصل)
                  

07-29-2020, 06:54 AM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 817

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    إمبراطوريات الورق وسياستنا الخارجية

    (2 من 2)

    النور حمد

    صحيفة التيار 29 يوليو 2020

    بسبب من التعليم المصري، الإلحاقي، الاستتباعي، الذي جرى تعليم السودانيين وفقه منذ عهد محمد علي باشا واسماعيل باشا، مرورً بالملك فؤاد والملك فاروق، استبطنت طلائع المتعلمين السودانيين مقاصد الخطة المصرية المحكمة لإلحاق السودان بمصر، وتحويله الى هامش ثانوي ملحق بها وبعموم المشرق العربي. مناهج اللغة العربية والتربية الإسلامية والتاريخ الإسلامي التي جرى تدريسها للسودانيين لم تكن لتخرج سوى متعلِّمٍ مُمَصْرنِ الوعي. تحت تأثير الاحتلال العقلي والوجداني أصبح طلائع المتعلمين السودانيين يعون المصالح الوطنية المصرية، ويعملون لخدمتها، بأكثر مما يعون ويخدمون المصالح الوطنية للسودان. وعلى سبيل المثال، ضحت حكومة عبود بالأرض وبآثارنا التاريخية وبملايين من أشجار النخيل، ورضيت أن يجري إغراق ثغرها الشمالي (مدينة وادي حلفا) ومعها عشرات القرى، خدمة لنهضة مصر. أجبرت حكومتنا أهالي حلفا على الهجرة إلى وسط السودان لتخزن مصر مياهها في أراضينا. وعمومًا، قاد الانسحاق أمام المصريين والانجرار وراء سياساتهم وخياراتهم إلى أن ينخرط السودان في كل حروب الشرق الأوسط، التي لا ناقة له فيها ولا جمل. ومؤخرًا، بلغ بنا انمحاق الكرامة الوطنية، حدَّ إرسال مرتزقة ليحاربوا في اليمن خدمة لأجندة غيرنا.

    في الأسبوعين الماضيين قدمت لنا إثيوبيا درسًا بليغًا في العزة والكرامة الوطنية. فرغم تعثر مفاوضات سد النهضة وتصاعد الأزمة، واصلت إثيوبيا تنفيذ ما تريد وفقا لجدولها المرسوم. آمنت إثيوبيا بحقها في استغلال مياه النيل الأزرق لإنتاج الكهرباء، ومضت في هذا السبيل، ولم تغير في خطتها، شيئا. والآن، لم تعد المفاوضات بالنسبة لها سوى تقديم بعض التطمينات في بعض الأمورٍ الفنية التشغيلية، التي تحفظ ماء وجه مصر، ولا تمس شيئًا من خطتها الأصلية. أما نحن، الذين احتلت منا مصر إقليم حلايب، واحتلت منا إثيوبيا منطقة الفشقة، فإننا لم نستخدم، في كلتا الحالتين، أيًا من هاتين الورقتين للضغط على مصر أو على إثيوبيا. ويبدو أن سكوت حكوماتنا عن ضم حلايب قد جعل ضم إثيوبيا لمنطقة الفشقة في وعينا أمرًا عاديا.

    لم يطمع أي محور عربي، أو غير عربي، في إخضاع إثيوبيا أو جعلها تحيد عن أجندتها الوطنية؛ لا بالترغيب ولا بالترهيب. ومع ذلك بقي العرب، وغير العرب، يخطبون ود إثيوبيا. ويستثمرون فيها بنفس القدر الذي يستثمرون به في بلادنا، بل وأكثر. مع فارق كبير في شروط الاستثمار التي تحرص الحكومات الإثيوبية على أن تكون خادمة لمصلحة بلادها. فنحن نحط من قدر أنفسنا وقدر بلادنا، بصورة جعلت المحاور العربية لا تتوقف عن حشر أنفها في شؤوننا. والآن، فقد وضعت ثورة ديسمبر المجيدة السودان في موقع جديد. وقد حدث شيء من التحسن في سياستنا الخارجية، لكنه لا يزال دون المطلوب بكثير.

    خلاصة القول: لكي تنهض بلادنا، لا مناص لنا من تحرير عقولنا من تأثيرات الاستتباع، ومن وضع أجندتنا الوطنية في موقع الأولوية التي لا تعلو عليها أولوية أخرى. نحن بلدٌ غني ماديًا وروحيًا وبشريا ويميزنا نزوعٌ قويٌّ نحو الديموقراطية. هذه ميزات تدفع الأنظمة الشمولية إلى محاولة تكبيلنا وتعويق نهوضنا. باختصار نحن بحاجة إلى وعي هويَّوي جديد، ومنظور جيواستراتيجي وجيوسياسي جديد أيضا. لقد جعلنا الإلحاق والاستتباع نتراجع عن دورنا المحوري في منطقة القرن الإفريقي، وهو دور كنا الأكثر تأهيلاً له. أخليناه، فاحتلته إثيوبيا. غير أن استرجاعه ممكن، إذا حررنا عقولنا من الاحتلال ووعينا إلى إي مدى نحن مستتبعين.
                  

07-30-2020, 07:45 AM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 817

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    السيولة الأمنية والإعلامية

    النور حمد

    صحيفة التيار 30 يوليو 2020

    نشرتُ قبل اسبوعين تقريبًا عمودًا عن السيولة الأمنية التي تعيشها البلاد. وكان ذلك بسبب اعتصام نيرتتي واحتجاجهم بسبب فقدانهم الأمن الشخصي. ولم تمض أسبوعان حتى فُجعت البلاد بمذبحة بلدة مستري البشعة، التي راح ضحيتها أكثر من ستين قتيلاً وخمسين جريحا. جاء في الأنباء أن المذبحة استمرت لتسع ساعات كاملة. وإذا علمنا أن بلدة مستري لا تبعد أكثر من 40 كيلو متر جنوبي مدينة الجنينية، فإن عددًا من الأسئلة يطرح نفسه بصورة تلقائية. بل إن طابع الأسئلة التي تنشأ سيكون الاستغراب الممزوج بالاستنكار. من هذه الأسئلة، على سبيل المثال: كيف تستمر مذبحةٌ لتسع ساعات في بلدة لا تبعد من مدينة الجنينة 40 كيلومترا، ثم لا تصل إليها نجدة طيلة هذه الساعات التسع؟ فالسيارة تقطع مسافة الـ 40 كيلومتر في نصف ساعة، في حالة الطريق المعبد، وفي ساعة، أو يزيد قليلاً، في حالة الطريق غير المعبد. فكيف يموت أكثر من ستين شخصًا ويُجرح أكثر من خمسين على مدى تسع ساعات ثم لا يكون هناك وجود للسلطات والقوات النظامية، ولو في وقتٍ متأخر؟ أتوقع مع انتشار الهواتف النقالة أن يكون واحدًا أو أكثر من واحد من سكان هذه البلدة المكلومة قد أخبر السلطات في الجنينة. يريد الرأي العام أن يعرف ما جرى بالضبط، ولا أحد يقول ما الذي جرى بالضبط.

    في مثل هذه الأحوال ينبغي أن يخرج رئيس الوزراء ووزير الداخلية على الناس ويملكوا الشعب الحقائق المتوفرة، أولاً بأول. كما ينبغي أن يضطلع الإعلام بدوره في محاصرة المسؤولين المحليين والمركزيين واستنطاقهم عما جري، أو ما لا زال يجري. لكنَّ شيئا من هذا لم يحدث. لقد اطلعنا على الأنباء، أول ما اطلعنا عليها، من بيان أطباء غرب دارفور الذي نشروه على فيسبوك، وليس من أي جهة حكومية. فقد أوردوا القصة ومعها قائمة كاملة بأسماء القتلى والجرحى. أما تلفزيون السودان فقد أورد الخبر متأخرًا جدًا وأذاعه وكأن المذبحة قد جرت في بلد آخر. لم يجر التلفزيون مع الخبر أي اتصالات بالميدان. كان من واجب التلفزيون القومي أن يتصل بالمسؤولين في الجنينة، وبوجوه القوم من بلدة مستري، وبمسؤولي الحكومة المركزية ليحدثوا الناس عن حقيقة ما جرى، وما هي أسبابه؟ أيضًا من الأسئلة التي تطرح نفسها، لماذا لم تتوقع الأجهزة الأمنية ما جرى؟ أليس من واجب الأجهزة الأمنية جمع المعلومات لتقديم إنذار مبكر عن الخطر الأمني؟ وإذا كانت لا تفعل ذلك فما هي فائدتها؟

    لا نتوقع أن يُشفى الإعلام من أمراض أعوام الإنقاذ الثلاثين الكالحة، في عام واحد. لكن يبقى من الضروري التنبيه الى تغيير المفهوم الذي يجعل من الإعلام خادمًا للحكومة. في النظام الشمولي تستدعي الحكومة الإعلام لتعطيه نسختها للأحداث، وتأمره بإذاعتها في الناس. هذا في حين أن دور الإعلام الحقيقي هو أن يكون مبادرًا وخادمًا للحقيقة، لا للحكومة. وبخدمة ةالحقيقة يخدم الإعلام الشعب. فلنجعل من حادثة مستري منعطفًا لفعل حكومي ديموقراطي مسؤول. وعلامة ذلك أن تخرج السلطات على الناس مع بداية كل حدث لتكشف للناس ما جرى أو ما يجري. وأيضًا، لابد من نهج إعلامي مهني جديد، تحرر القائمون عليه من العبودية للحكومة، ومن عادة تَسَقُّط ماذا تريد الحكومة أن تقول ليجري ترديده والاكتفاء به.
                  

07-30-2020, 11:45 PM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 817

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    السياحة المورد المُهْمَل (1)

    النور حمد

    صحيفة التيار 31 يوليو 2020

    من علامات الجهل بقدر السياحة الاقتصادي والتنموي والثقافي والدبلوماسي، جعلها جزءًا من وزارة، تضم أقسامًا أخرى غيرها، تجد عناية أكبر منها. لقد ظلت الحكومات الوطنية المتعاقبة، منذ الاستقلال، وإلى اليوم، قليلة الاهتمام بالسياحة. رغم أن السياحة موردٌ اقتصاديٌّ لا يقل قيمة عن أي موردٍ اقتصادي آخرٍ، ظلت البلاد تعول على إيراداته بصورة رئيسة. وجميعنا يعلم ما تدره السياحة على مصر في الظروف الطبيعية، كل عام. تتفوق السياحة على بقية الموارد بميزة أن الاستثمار فيها قليل الكلفة، وعوائده بالغة الضخامة. ويتميز السودان بالكثير من عوامل الجذب السياحي وعلى رأسها آثار حضارة مروي حوالي شندي، وآثار حضارة نبتة، في منطقة البركل، وآثار حضارة كرمة في منطقة الدفوفة شمالي دنقلا وفي غير هذه المواقع، مما له صلة بالتاريخ الكوشي القديم. يضاف إلى ذلك المتاحف الموجودة في تلك المواقع الأثرية وفي متحف السودان القومي في الخرطوم.

    غطت على هذا التاريخ السوداني العظيم عدة عوامل. من أهمها: إلحاق علماء المصريات الغربيين حضارة كوش بالحضارة المصرية، وعدِّها امتدادًا ثانويًا لها. وهذا أمرٌ جرت مراجعته مؤخرًا، وثبت أن حضارة السودان مستقلةٌ عن الحضارة المصرية، بل وسابقةٌ لها. أما العامل الثاني فهو تبني المصريين لوجهة النظر الغربية الخاطئة هذه، فهي تفيد خطتهم في استتباع السودان وإلحاقه بالقطر المصري. وتجعل، من ثم، الآثار المصرية هي الأصل ومصر هي نقطة الجذب السياحي الأساس، الأمر الذي يُبقى التاريخ الكوشي السوداني في الظل، بحيث لا يمثل أكثر من فرعٍ ثانويٍّ قليل الأهمية. والعامل الثالث الذي عوَّق صناعة السياحة في بلدنا، هو جهلنا بتاريخنا، وانصرافنا عنه إلى التاريخ العربي الإسلامي، وعدَّه التاريخ الوحيد للشعوب السودانية. هذا، في حين أن التاريخ الإسلامي السوداني لا يمثل سوى رافدٍ واحدٍ من عدة روافد، ولا يتعدى عمقه الزمني الخمسة قرون.

    رغم أهمية التاريخ الكوشي وغناه وكثرة آثاره المنتشرة في السودان، فإنه لا يمثل سوى عاملٍ واحدٍ من عوامل الجذب السياحي. فالسودان قطرٌ بحجم قارة، حتى بعد أن فقد الجنوب. يتمتع السودان بتنوع مناخيٍّ وطبوغرافي وثقافي يجعل السياحة عديدة الصور. وعلى سبيل المثال، للسودان ساحلٌ على البحر الأحمر يصل طوله إلى 750 كيلومترًا، وتعد مياهه من أصفى المياه وأجملها لونًا، وهو من أنسب الأمكنة لممارسة هواية الغطس. أيضًا يمتاز هذا الساحل بحياة بحرية مدهشة. وللسودان، إلى جانب ذلك، صحراء شاسعة يمكن أن تكون مصدرًا لجذب السياحة الصحراوية التي لها هواة في كل بقاع العالم وكذلك لمنافسات راليات السيارات الصحراوية. أيضًا يتمتع السودان بفصل شتاء جاف مشمس هادئ الرياح، يصلح لرياضة المناطيد الحرارية. وهناك أيضًا محمية الدندر بغاباتها وحياتها البرية وجبل مرة وجبال النوبة. وكل هذه المناطق ذات طبيعة ساحرة ولقبائلها تراث غني بالطقوس وفنون الرقص والمصارعة والأعمال اليدوية. وعمومًا يمكن أن يكون موسم الخريف في عديد بقاع السودان نقطة جذب سياحية كبيرة. وليتنا درسنا تجربة مهرجان الخريف في صلالة في سلطنة عمان الذي أصبح جاذبًا لكل موطني دول الخليج وأسرهم. ما نحتاجه هو بنية تحتية جيدة، وقدرات ترويجية فعالة، ومكافحة الانغلاق والتشدد الديني، ونشر الوعي السياحي والمسلك المتمدين وسط الجمهور. (يتواصل)
                  

08-01-2020, 04:45 AM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 817

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    السياحة المورد المهمل (2)

    النور حمد

    صحيفة التيار 1 أغسطس 2020

    لكي نتصور ازدهار السياحة في الاقتصادات المتقدمة والمتوسطة التقدم، ربما احتجنا أن نلقي نظرة على بعض الأرقام. ودعونا نأخذ بعض الأمثلة القليلة من الدول الصناعية، حيث تتربع فرنسا على عرش السياحة في العالم بعدد سياح سنوي يبلغ 91 مليون سائح تقريبا، بعائد سنوي يبلغ 54 بليون دولار تقريبا. تليها الولايات المتحدة بعدد 76 مليون بعائد يبلغ 206 بليون. ثم إسبانيا بعدد 75 مليون سائح، بعائد 60 بليون دولار. ثم الصين بعدد 59 مليون سائح بعائد يبلغ 44 بليون دولار. ولا يتفاوت العائد بين دولة وأخرى بناءً على كثرة عدد السياح وإنما بمقدار ما يصرفه الفرد الزائر. ففرنسا يزورها91 مليون سائح، بعوائد سنوية تبلغ 54 بليون دولار، في حين يزور الولايات المتحدة 76 مليون سائح، ولكن بعائد يبلغ 206 بليون دولار.

    ولنأخذ أمثلة أخرى من الدول ذات الاقتصادات المتوسطة. فتركيا يبلغ عدد زوراها السنويين، 30 مليونا، بعائد سنوي يبلغ 18 بليون دولار. أما تايلاند، فيبلغ عدد زوراها 32 مليونا بعائد يقدر بـ 48 بليون دولار. ويبلغ عدد زوار ماليزيا 26 مليونا بعائد يقدر بـ 18 بليون دولار. وتأتي دول الشرق الأوسط وإفريقيا في أسفل قائمة القارات التي يزورها السياح. والدولة الأكثر استقبالاً للسياح في المنطقة العربية وتعد استثناء هي الإمارات العربية المتحدة، بعدد سياح يبلغ 14 مليون، بعائد سنوي يصل إلى 19 بليون دولار. ثم المغرب بعدد 10 مليون سائح بعائد سنوي يبلغ 6 بليون دولار. وتونس 5 مليون سائح بعائد سنوي يبلغ 1 بليون دولار. ومصر 5 مليون سائح بعائد سنوي يبلغ 2 بليون دولار. أما السودان فيأتي في المرتبة 130 عالميا من حيث عدد السياح، إذ يبلغ عدد من يزورونه 800 ألف سائح، بعائد بليون دولار. (راجع موقع: worldpopulationreview.com).

    يعد مورد السياحة في السودان، من حيث الإمكانات موردٌ ثرٌّ، لكنه مهمل. فبعض الأقطار التي تجني عشرات البلايين من الدولارات سنويًا من مورد السياحة، أقل في المقومات السياحية الطبيعية والتاريخية، والتنوع البيئي والثقافي، من السودان، لكنها تتفوق على السودان في البنية التحتية للسياحة، وفي سهولة الاجراءات وفي القدرة على الترويج للسياحة وفي الاندماج في المجتمع الدولي. وكذلك، في قبول السياح على ما هم عليه، دون أي مضايقات تضطرهم إلى تغيير أسلوب حياتهم الذي اعتادوه. كان من الممكن للسودان أن يتفوق على كل من الإمارات والمغرب وتونس ومصر، في الجذب السياحي، لولا الأخطاء السياسية الفادحة.

    من هذه الأخطاء السياسية الفادحة صدور قوانين سبتمبر عام 1983 في عهد الرئيس الراحل، المخلوع، جعفر نميري. كانت تلك هي اللحظة التي فقد فيها السودان الزوار الأجانب الذين كانوا يقصدونه للسياحة. أما الضربة التي قصمت ظهر مورد السياحة، غير المُطَّور أصلاً، فقد كانت من حكومة الانقاذ، التي أدخلت البلاد في قائمة الدول الراعية للإرهاب. وجعلت من البلاد مزارًا ومقامًا للجماعات الدينية المتطرفة من سائر أنحاء العالم الإسلامي. تسببت العزلة والحروب الأهلية التي انتشرت في سائر أطراف البلاد في جعل السودان دولة مضطربة غير آمنة. كما أن المسؤولين الإنقاذيين المتشرِّبين تزمت الفكر الإخواني التقليدي، أظهروا عداءً للغرب وللغربيين، بل وللحداثة برمتها، فخرج السودان، أو كاد، من دائرة الجذب السياحي. (يتواصل)
                  

08-02-2020, 02:17 AM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 817

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    السياحة المورد المهمل (3)

    النور حمد

    صحيفة التيار 2 أغسطس 2020

    تخدم البنية التحية المتطورة للدولة السياحة بصورة تلقائية. لكن ربما تضطر الدولة في بعض الأوضاع أن ترفد ما هو قائمٌ من بنية تحتية، بالقيام ببعض الإضافات التي يحتاجها قطاع السياحة على وجه الخصوص، مثال: إيصال الطرق المعبدة إلى المواقع السياحية المهمة. وعمومًا فإن البنية التحتية المتعلقة بالمواصلات داخل السودان لا تزال متخلفة جدا. وقد لا يدانيها في التخلف سوى بنيات أقطار قليلة في إفريقيا جنوب الصحراء. وبما أن السودان بلدٌ شاسعٌ فإن تخلف بنياته التحتية في جانب المواصلات، يصبح أكثر فداحة. لم تستثمر حكوماتنا الوطنية المتعاقبة في قطاع الطرق السريعة استثمارًا يذكر. فبلادنا إلى الآن، خلو من طريق مزدوج واحد. بل، إن أكبر مدينتين رئيسيتين متقاربتين فيه، كالخرطوم ومدني، لا يربط بينهما طريق مزدوج، رغم كثافة حركة التنقل بينهما. فالطرق التي جرى تشييدها سيئة التنفيذ، غير معتنى بها من حيث الصيانة، وما أكثر ما تجرفها الأمطار في فصل الخريف. وما أكثر ما تنهار الجسور على هذه الطرق بفعل السيول. ولعلها تكون من أخطر الطرق على وجه البسيطة.

    لقد لعب الفساد دورًا رئيسيا في رداءة الطرق. فما يكتب من مواصفاتٍ على الورق شيء، وما يجري تنفيذه على أرض الواقع شيءٌ آخر تماما. ولا نحتاج لذكر ما آلت إليه الخطوط الجوية السودانية في بلد هو من أكثر البلدان حاجةً لشبكة طيران داخلي واسعة، كثيفة الحركة. يضاف إلى ذلك أن الناقل الوطني (سودانير)، الذي تعد نظيراته لدى كثير من الدول أحد أهم وسائل الترويج السياحي، قد أوشك أن يصبح عندنا أثرًا بعد عين. الشاهد أن هناك ارتباطًا عضويًا بين تقدم البنية التحتية للمواصلات في الدولة التي تخدم التنمية الاقتصادية العامة، وبين اتساع فرص الاستثمار في مجال السياحة. فالأخيرة تتسع وتزدهر بناءً على اتساع الأولى، والعكس بالعكس؛ فتخلف الطرق ووسائل المواصلات ينعكس سلبًا على فرص الإفادة من مورد السياحة.

    يأتي في المرتبة الثانية في البنية التحتية المتعلقة بالسياحة انتشار الفنادق والموتيلات والشقق الفندقية، والاستراحات بصورة متوازنة، وبجودة في تقديم الخدمة في جميع أرجاء القطر، خاصة في مناطق الجذب السياحي. وقد انتشر في العالم، مؤخرًا، نتيجة للقفزة التكنولوجية الهائلة إيجار البيوت الخاصة، أو جزء من البيت الخاص، عن بعد، باستخدام تطبيقات مختصة في هذا المجال، مثال: Airbnb. وهو تطبيق معلوماتي جديد ينبغي رفع وعي المواطنين به. فهو يوسع من جانب البنية الفندقية في القطر، بالجهد الشعبي. ومن جانب آخر فهو وسيلة جيدة لرفع دخول الأسر. وعلى خلاف الفنادق، فإن ضبط الجودة في خدماته تتولاه الجهة صاحبة التطبيق عن طريق إفادات المستأجرين. فهو تطبيق شبيه جدًا بتطبيقات التاكسي مثال: Uber وLift، وترحال وغيرها، ولكن في مجال إيجاد سكن مؤقت.

    لقد أضر نظام الإنقاذ بالاقتصاد ضررًا بليغًا، بحكم تسببه في العزلة الدولية للسودان نتيجة لسياساته الخارجية الرعناء. وقد انعكست هذه العزلة سلبًا، وبصورة تلقائية، على فرص السياحة في البلاد. ويمثل تعذر دخول السودان مجال استخدام بطاقات الائتمان للدفع المؤجل، بسبب المقاطعة الأمريكية، واحدةً من الكوارث التي تسببت فيها الإنقاذ. فالناس في جميع أنحاء العالم أصبحوا لا يحملون معهم من النقود، إلا القليل جدًا، ويعتمدون، في الدفع، بصورة رئيسية، على هذه البطاقات الإلكترونية، التي أصبحت مقبولة في جميع أنحاء العالم. لذلك إن إعادة السودان إلى حضن الأسرة الدولية تترتب عليها أمور جوهرية شتى، لن تنهض البلاد اقتصاديا بدونها. (يتواصل).
                  

08-04-2020, 01:28 AM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 817

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    up
                  

08-04-2020, 03:45 AM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 817

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    السياحة المورد المهمل (4)

    النور حمد

    صحيفة التيار 4 أغسطس 2020

    لتبيين التأثير الإيجابي لنمو البنية التحتية الاقتصادية للدولة على البنية التحتية للسياحة يمكن أن نضرب مثلاً بالجارة إثيوبيا، التي تخطت دول منطقة شرق إفريقيا في العقدين الأخيرين في السعة الفندقية. فقد أورد موقع hospitalitynet.org أن عدد غرف الفنادق في إثيوبيا بلغ 5717 غرفة، متخطية بذلك كينيا التي يبلغ عدد غرف الفنادق فيها 3444، وتنزانيا التي بلغ عدد غرف الفنادق فيها 1494 ويوغندا التي يبلغ عدد غرف الفنادق فيها 1238، ورواندا التي يبلغ عدد غرف الفنادق فيها 655 غرفة. أيضًا يُعد متوسط سعر الغرفة لليلة الواحدة في إثيوبيا، الأعلى في إفريقيا كلها. ويُعزى زيادة التدفق السياحي على إثيوبيا إلى تسهيل إجراءات الفيزا مقرونةً بتحول إثيوبيا إلى أكبر مركز إقليمي للسفر بالطائرات. فقد أضحت أديس أبابا أكبر مدينة إفريقية في أعداد المسافرين. ففي عام 2018 ازداد معدل السفر من مطار أديس أبابا بنسبة 48.6% لتبلغ عوائده الإجمالية 7.4 بليون دولار.

    يعد السفر والسياحة أحد أهم مفاتيح دافعية النمو في اقتصاد القارة الإفريقية. ويقدر إسهامهما بـ 8.5%، وهو ما يعادل 194.2 بليون دولار من الناتج الإجمالي للدول الإفريقية. ويضع معدل النمو هذا إفريقيا في مرتبة أسرع القارات نموًا في قطاعي السفر والسياحة، إذ تأتي في المرتبة الثانية بعد آسيا الباسفيكية. فقد ازداد عدد السياح الواصلين إلى الأقطار الإفريقية في الأعوام الأخيرة، بصورةٍ ملحوظة. فبلغ في عام 2018 ما يقدر بـ 67 مليون سائح، مقارنة بـ 63 مليون سائح في عام 2017، و58 مليون سائح في عام 2016. وتأتي كل من جنوب إفريقيا والمغرب في المرتبتين الأولى والثانية في عدد السياح سنويًا، بـعدد 11 مليون سائح لجنوب إفريقيا و10 مليون سائح للمغرب. وقد أدى النمو في قطاع السياحة بصورة غير مباشرة إلى توظيف 24.3 مليون شخص في القارة. وأعتقد أن نصيبنا من هذا السوق ذي النمو المتسارع، ضئيلٌ جدا مقارنا بأغلبية الأقطار الإفريقية. فنحن لم نلتفت الى هذا المورد الكبير في حين التفتت اليه غالبية أقطار أفريقيا بصورة جدية.

    صناعة الضيافة أو الفندقة صناعةٌ عالمية تسيطر عليها شركات دولية كبرى، يقع كثيرٌ منها في الولايات المتحدة الأمريكية. ويعتمد جذب الاستثمارات الدولية في قطاع الفندقة، على تناغم علاقة البلد المعين مع المنظومة الدولية، اقتصاديًا، وكذلك على درجة قبول سياسات البلد والثقة فيه كعضو منسجم مع المجموعة الدولية. وقد فقد السودان هذه الوضعية بسبب دخول اسمه ضمن قائمة الدول الراعية للإرهاب، كما سبق أن قلنا. وكذلك بسبب ضعف اقتصاده واضطراب أحواله السياسية والأمنية. فتسارع الاستثمارات العالمية في مجال الفندقة في عديد الأقطار الإفريقية، في العقدين الأخيرين، كان بسبب تسارع نمو اقتصاداتها وسياساتها المنفتحة المرنة، وما تقدمه من تسهيلات.

    يثق رواد الفنادق على مستوى العالم في أسماء الشركات الكبيرة المتخصصة في بناء الفنادق وفي إدارتها خاصة الذين يبحثون عن الخدمة الجيدة. فهذه الشركات الكبرى هي ما يجتذب أكثرية الزبائن لأنها تضمن لهم جودة الخدمات، وسائر سبل الراحة والنظافة والضوابط الصحية، والطواقم الإدارية والخدمية المدربة، وتوفير المواقع الإلكترونية المؤمنة، المربوطة بمواقع شركات التسويق الكبرى في العالم. فالقطر الذي تري مقاطعته اقتصاديا، كما حدث لنا في عهد الانقاذ، يفقد اقبال المستثمرين. وعمومًا، يعود تخلف السودان في القدرة على اجتذاب الاستثمار في القطاع السياحي إلى عدة عوامل، سأحاول لمسها في الحلقة القادمة.
    (يتواصل).
                  

08-05-2020, 07:38 AM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 817

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    السياحة المورد المهمل (5)

    النور حمد

    صحيفة التيار 5 أغسطس 2020

    سبق أن أشرت، بضع إشارات، لبعض هذه المعوقات التي تعترض صناعة السياحة، ومنها عدم الاستقرار السياسي والأمني، وضعف النمو الاقتصادي وضعف البنية التحتية للمواصلات والفنادق، ومختلف أماكن الإقامة. أضف إلى ذلك أيضًا، ضعف تدريب الكوادر التي تعمل في مختلف مكونات هذا القطاع. غير أنني أشرت بصورةٍ خاصة إلى الانحراف الثقافي الذي أحدثته قوانين سبتمبر، التي سنها الرئيس الأسبق جعفر نميري في عام 1983. وهو ذات الانحراف الذي أغرى الإسلاميين، الذين اشتركوا في سنها مع جعفر نميري، بإكمال مشوراها عبر انقلابهم على النظام الديموقراطي في 1989.

    لقد مرت منذ سبتمبر 1983 إلى الآن 37 عامًا وهي المدة التي ابتعد فيها السودان عن طريق النهضة. عكست تلك الأعوام السبعة والثلاثون، اللوثة العقلية التي ارتدت رداء التدين، نتيجةً لإدمان العيش في متون الكتب القديمة، والتعلق بالأحلام الغرة، كحلم إقامة خلافة إسلامية تضم مشارق العالم الإسلامي ومغاربه. انحبست عقول من سعوا في هذا الدرب الزلق في تصوراتٍ منغلقة دافعها الرئيس هو التمرد على سلطة الغرب وسطوته، واستعادة الخلافة الإسلامية، بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير. وهذا مما اشتهرت به حركة الإخوان المسلمين في بدايات القرن العشرين. وهي لم تشب، رغم مرور الوقت، عن طوق أفكار سيد قطب وأبي الأعلى المودودي المتمحورة حول شعار "الحاكمية لله"، ومشروع "الدستور الإسلامي"، مبهم الملامح.

    حاولت الحركة الإسلامية السودانية عبر مسمياتها التي اتخذتها في مختلف مراحل ما بعد الاستقلال، الانفلات من قبضة السلف، والظهور بمظهر العصرية. غير أن الأساس الذي تأسست عليه ظل يستعصي على تلك المحاولات. فالمحاولات أصلاً لم تكن صادقة، كما لم تقم على إيمانٍ راسخ بالحرية وبالتنوع. لقد كانت مجرد طلاءٍ خارجيٍّ لا يمس الجوهر. لذلك، رغم محاولات الدكتور الترابي، هنا وهناك، إضفاء صبغةٍ عصريةٍ على حركته ومنحها استقلالية فكرية عن التيار الإخواني العالمي، إلا أن إدارة حركته للمجال العام، عندما أصبحت في السلطة، اتسم بالسلفية السلطوية العنفية، التي هي الطبيعة الأصلية للحركة. لم يظهر منها حين حكمت سوى الوصاية والاستبداد ورفض الحداثة وقمع الحريات الشخصية. بل بلغ فيها الاستبداد حد التعذيب الممنهج، والقتل الفردي والجماعي خارج نطاق القانون، وإحصاء أنفاس الناس.

    لقد أحدثت تجربة حكم الإسلاميين للسودان في أعوامها الثلاثين، ردَّةَ كبيرة جدًا في الوجدان السوداني. شملت هذه الردة الذوق الجمالي، والمظهر الحضري للمدن، والسلوك المتمدين للناس. ولقد كان لكل ذلك أثره السلبي على صناعة السياحة. لقد خربت الإنقاذ الاقتصاد الريفي ومنظومة الخدمات فيه، ما دفع بالناس إلى الهجرة إلى المدن، بأعدادٍ لم تحدث في تاريخ السودان. فاكتظت المدن بأكبر من طاقتها الاستيعابية، وانهارت فيها، من ثم، مظاهر التمدن. فالسلوك المتمدن لا يقوم في الهواء، وإنما يحتاج روافع تسنده. فالمدن التي تعيش أزماتٍ معيشيةٍ خانقة يتردى فيها السلوك الحضري بصورة تلقائية. ولا أخال سائحًا أجنبيًا يستطيع قيادة سيارة في الخرطوم الآن، أو يستطيع استخدام المواصلات العامة فيها، أو يمكنه قيادة سيارة بنفسه في طريق سريع. أما العنصر الثاني فهو الإعلام الإنقاذي الموجه الذي أعلى من قيم البداوة وحط من قيم التمدن وروَّج للقبلية ولكراهية مظاهر الحداثة الثقافية، وعمل على نشر التزمت والتطرف الديني والضيق بالآخر المختلف. وكل هذه عوامل هادمة للجذب السياحي. (يتواصل)
                  

08-07-2020, 03:20 AM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 817

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    السياحة المورد المهمل (6)

    النور حمد

    صحيفة التيار 7 أغسطس 2020

    تواجه الفترة الانتقالية الحالية التي يُفترض أن تراجع كل ما أحدثه نظام الانقاذ من تردي، العديد من التحديات، من بينها التراجع المريع، في الجذب السياحي، بسبب سياسات التطرف الديني التي أدخلت البلاد في عزلة مطبقة لثلاث عقود. يضاف إلى ذلك، التخطيط للدفع بصناعة السياحة قدما. لقد حولت الإنقاذ السودان من قطر حر منفتح إلى ثكنة داعشية عبر التأثير الضار على عقول البسطاء. ومن يراقب الحملة الإعلامية المنظمة التي تديرها ذيول النظام المدحور، هذه الأيام من عديد المواقع على الشبكة العنكبوتية، بهدف إرباك الفترة الانتقالية وإفشالها، يلحظ استخدامًا مكثفًا للخطابٍ الدينيٍّ السطحيٍّ المخاتلٍ، المنسوجٍ من قيم البداوة المنقرضة. هذا الخطاب كان هو الرافعة التي أوصلت الحركة الإسلامية إلى دست الحكم عبر مسار طويل امتد منذ ستينات القرن الماضي. ولأن الخطاب الديني الذي استخدم كان غوغائيًا شعبويًا، لم تكن مفاجأةً لي، ولا لكثيرين النهاية المحزنة التي انتهى إليها ما سمي "المشروع الحضاري". فقد عادت الأمور، بعد أن فقدنا ثلاثين عامًا عزيزة، إلى أصلها الأصيل الذي انطلقت منه. وانتهى، كل شيء، إلى "همبتةٍ" بدويةٍ قُحة، وأصبح الدين مجرد أداة استبدادية قمعية لحماية تلك "الهمبتة".

    تحاول مواقع ذيول النظام الآن استخدام نفس الخطاب المتخلف الذي سبق أن جاءوا به إلى السلطة. من ذلك، وصم الفترة الانتقالية بالعلمانية، وبالشيوعية والبعثية، وبأنها فتحت الباب على مصراعيه للتفسخ والانحلال. هذا في حين أنهم يعلمون أن التفسخ والانحلال ظواهر عرضية، جانبية، لا يخلو منها مجتمعٌ من المجتمعات؛ مسلمًا كان أو غير مسلم. يستدعي خطاب الفلول النعرات البدوية الانغلاقية المعادية للتحديث، ويستجدي تعاطفها ويستنفرها ضد التقدم ليعيق جهود اللحاق بركب الأمم الناهضة. وآخر النماذج الفجة، مما شهدناه مؤخرًا، في هذه الحملة الرجعية، الاعتراض على اختيار امرأة واليةً للولاية الشمالية، وأخرى لنهر النيل. وقد بلغت السماجة بشاعر نهر النيل أن قال إن قبولهم بأن تحكمهم "إنتاية"، على حد قوله، أشنع في حقهم من أن يصلُّوا الجمعة في "الإنداية". هذا هو نتاج تكريس القيم الذكورية البدوية الجاهلية التي تتدثر بدثار الدين المزيف التي ظل الخطاب الديني الإنقاذي الزائف يروج لها عبر أئمة المساجد والإعلام المأجور. والآن، لكي يعود السودان مزارًا سياحيًا، مثله مثل غيره من دول الجوار، لا مناص من دحر هذا الخطاب المتخلف.

    دخل السودان نطاق التحديث بالغزو البريطاني الخديوي في عام 1898. ولقد بقي جزءًا لا يتجزأ من النسيج الكوكبي، حتى صدور قوانين سبتمبر 1983. كانت بنيته السياحية طيلة تلك الفترة، على تخلفها، تستقبل الكثير من السياح الذين يفدون في موسم الشتاء، بصورة متكررة. وقد كانت حظيرة الدندر، وآثار مروي ونبتة، وحوانيت الأناتيك والأشغال اليدوية في سوق أمدرمان مزارات سياحية مرموقة. وكان الشعب يستقبل السياح بحفاوة، دون أدنى انزعاج بزيهم أو أسلوب حياتهم. لقد سمعنا مراتٍ ومرات السياح وهم يتحدثون عن إعجابهم الشديد بالسودان وبالإنسان السوداني، وأنهم لم يروا عبر تجوالهم في إفريقيا شعبًا شبيهًا بشعب السودان؛ في الود والصدق والحفاوة والاستعداد لتقديم العون. الشاهد أن لدينا رأسمال عيني وبشري ممتاز، وبلاد غنية بكل ما يمكن أن يتجذب الأجنبي. لقد جرى تخريبٌ كبيرٌ لهذا الرأسمال الكبير، غير أن استنقاذه ممكن بقليل من الاهتمام والجهد الذي يضع القواعد الصحيحة لدمج البلاد في المجتمع الدولي. (يتواصل).
                  

08-08-2020, 08:19 AM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 817

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    السياحة المورد المهمل (7)

    النور حمد

    صحيفة التيار 8 أغسطس 2020

    من أهم المهام التي ينبغي علينا الاطلاع بها، ضمن جهود جعل بلادنا جاذبة للسياحة، تغيير مناهج التعليم، بصورة تزيل منها التشوهات التي ألحقها بها نظام الانقاذ التعليمي والإعلامي المتخلف. نحن بحاجة لإعادة عقول الناس إلى حالة سلامة الفطرة والصحة النفسية التي كانوا عليها، بعد أن تأثروا بالدجل باسم الدين الذي مورس عليهم على مدى ثلاثين عاما. وهو دجل طمس الفطرة السوية لدى كثيرين، وأثر سلبًا على روح التسامح وقبول الآخر، وكرَّس التوحش والجلافة والرعونة في الفكر والمسلك. لقد خلقت الإنقاذ هوةً ثقافيةً مهولةً بيننا وبين شعوب العالم، حتى أصبحت حالتنا، في عمومها مشابهةً لتك التي صنعتها طالبان في أفغانستان.

    باختصار شديد، يقتضي الجذب السياحي تناغمًا في قيم التحضر بين الزائرين والبلد المزور. ولا يعني هذا أن تدمج ثقافتك في ثقافة الزائرين، أو أن تصبح مستلبًا لقيمهم، وإنما يعني أن تقبل الآخرين على ما هم عليه، من غير أن تتأثر سلبًا بقيمهم. فقبول التنوع لا مناص منه، لأن الله قد خلق الناس مختلفين وسيبقون مختلفين. ومن يظن أن في وسعه إلباس الناس، جميعًا، جلبابًا قيميًا واحدًا، ليس سوى جاهلٍ أو موهوم. يقول تعالي: "وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً * وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ". ويقول، أيضًا: "وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ". فاختلاف الألسن والألوان المشار إليه في الآية، ليس مجرد اختلاف سطحي، إنما هو اختلاف في التصورات ومعايير القيم وأنساق السلوك.

    عبارة قبول التنوع التي أصبحت تتردد كثيرًا في معرض النقد للأحادية الإنقاذية المنغلقة، لا تعني فقط قبول التنوع داخل بلدك، وإنما تعني أيضًا قبول التنوع فيما يتعلق بالبلدان الأخرى وقيمها. فقد أصبح العالم مترابطًا بصورة غير مسبوقة. ولسوف يزداد ترابطه في السنوات والعقود المقبلة بما لا نستطيع تخيل أبعاده كلها الآن. فشعوب الأرض وثقافات الأرض لم تعد محصورة داخل الحدود السياسية للدولة القطرية. فالبشر بجميع ثقافاتهم أصبحوا يعيشون ويتقلبون في كل جزء من أجزاء العالم، ولسوف تزداد هذه الظاهرة باستمرار، بحيث يصبح لا مناص لأي قطر من قبول التنوع وارتضاء تعايش الثقافات المختلفة في الفضاء العام داخل حدوده. ويكفي أن نشير إلى أن دولاً مثل الإمارات وقطر، على سبيل المثال، أصبح تعيش على أرضها مئات الجنسيات من مختلف شعوب العالم، تتشارك المجال العام بتنوع كبير في المظهر والمسلك.

    لقد فهمت غالبية الدول الإسلامية، أنه لا مناص من قبول التنوع، فوطنت نفسها ومواطنيها على ذلك. لذلك، بقي فيها المجال العام منفسحًا للأجانب للزيارة والإقامة، دون أن يحس مقيمٌ أو وافد أن هناك مشكلة. ينسى المخاتلون الذين يثيرون نعرات رفض الآخر المختلف، أن عشرات الملايين من المسلمين يعيشون في الدول الغربية، من غير أن يتأذوا من نسق الغربيين في العيش، أو يتأذى من نسق عيشهم الغربيون. لابد أن نغرس في النشء في المدارس قبول الآخر. وأن ندير في منابرنا الإعلامية حوارات معمقة حول التنوع والتعايش. التسامح والقبول هو ما اتسم به إسلام السودان الصوفي، منذ السلطنة الزرقاء. ولم يتغير إلا في الحقبة المهدوية، وفي فترة حكم الإسلاميين التي اتسمت بالغلو السلفي المستورد، المفروض فرضا عن طريق القهر والاستبداد. (يتواصل)
                  

08-09-2020, 04:49 AM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 817

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    السياحة المورد المُهمَل
    (8)

    النور حمد

    صحيفة التيار 9 أغسطس 2020

    تحتاج الموارد السياحية إلى التنمية المستمرة. لذلك لا ينبغي أن نكتفي بالمواقع الأثرية وبالمحميات الطبيعية وبالأسواق الشعبية والمتاحف الموجودة التي تنقصها العناية اللازمة. وإنما ينبغي أن نسعى إلى توسيع هذه الموارد كما ونوعا. ولسوف أعرض في هذه المقالة إلى بعض النماذج. وأبدأ بنموذج من مدينة أليكساندريا بولاية فرجينا حيث أصبح مجمع الفنانين التشكيليين مزارا سياحية مرموقا. يحتل مجمع الفنانين هذا مبنى قديما يسمى مصنع الطوربيدات The Torpedo Factory، يقع على الضفة الغربية لنهر البوتاماك المطلة على العاصمة واشنطن دي سي. كان هذا المبنى المكون من طابقين مصنعًا للطوربيدات في فترة الحرب العالمية الثانية. في عام 1974 قام مجلس المدينة بتحويل هذا المبنى إلى محترف للفنانين التشكيليين. ويجري منح المساحة المخصصة لكل فنان بناءً على إيجارٍ مدعوم من مجلس المدينة، بعد أن تستوفي أعمال الفنان ضوابط وشروط استحقاق المساحة. يمارس عشرات الفنانين العمل التشكيلي في هذا المبنى ويعرضون فيه أعمالهم للبيع.

    بالإضافة إلى أن هذا المبنى أتاح للفنانين ستوديوهات يمارسون فيها نشاطهم الفني، في موقع مرموق في جزء مدينة أليكساندريا المسمى "المدينة القديمة"، فقد أصبح المبنى مزارًا سياحيًا جاذبًا لعشاق الفن التشكيلي، ولمقتني اللوحات والخوف والتمثيل وغيرها. وقد وصل عدد الزوار السنوي لهذا المبنى 500,000 زائر في العام. وبما أن المبنى مطل على النهر فقد تحولت الساحة الفاصلة بينه وبين كورنيش النهر التي تضم مرسى للقوارب إلى منطقة حية للتنزه والإطلال على النهر، وعلى جسر وودرو ويلسون، وللتصوير. في الخرطوم وغيرها من المدن مئات الفنانين التشكيليين الذين يبحثون عن مكان كهذا المكان. وقد شاهدت على فيسبوك أعملا للفنانين السودانيين بالغة الروعة. يستحق هؤلاء الفنانون من وزارة الثقافة والإعلام ومن ورائها الدولة اهتمام مماثلا للذي أبداه مجلس مدينة أليكساندريا للفنانين المقيمين في المدينة. فالدولة حين تقيم مجمعا كهذا في موقع مرموق فإنها تستثمر على صعيدين: الأول الصعيد الثقافي والثاني الصعيد الاقتصادي. فالفن التشكيلي أصبح ثروة يخزنها هواة اقتناء الأعمال الفنية، كما يخزنون المعادن النفيسة.

    أما النموذج الثاني فمكون من شقين ويوجد بدولة قطر. ولقد شاهدت قيام هذين النموذجين أثناء عملي في دولة قطر. ولم يستغرق بناء هذين الصرحين السياحيين الكبيرين سوى بضع سنوات. أحد هذين الصرحين هو سوق واقف والآخر هو مجمع كتارا الثقافي في مدينة الدوحة. جرت إعادة تشييد سوق واقف وهو اسم لسوق قديم في الدوحة بأسلوب العمارة القطرية التقليدية. وأصبح السوق مجمعا للحوانيت الصغيرة التي تبيع مختلف المصنوعات الشعبية، كما يضم غاليري للفنون التشكيلية ومجموعة كبيرة من المطاعم والمقاهي المتنوعة. وفي وقت قياسي أصبح هذا السوق بؤرة جاذبة للسياح ولسكان المدينة الذين يقضون نهاراتهم وأمسياتهم في مطاعمه ومقاهيه المختلفة. ولقد استضافت حفلات سوق واقف الراتبة عددا من المغنين السودانيين أذكر منهم أبوعركي البخيت وطه سليمان.

    أما مجمع كتارا الذي جرى تشييده على ضفة الخليج، فهو حي ثقافي متكامل يضم مقرًا للجمعية القطرية للفنون التشكيلية، ومقرًا لجمعية المهندسين القطريين وغيرها من مقرات مجاميع المهنيين. كما يضم العديد من المطاعم والمقاهي، كما يضم دارًا للأوبرا. يقيم هذا المجمع العديد من المسابقات الفنية والأدبية ومعارض الفن التشكيلي المحلية ةوالأجنبية. ليست لدينا إمكانات أليكساندريا في فرجينيا ولا دولة قطر، لكن البداية ممكنة، واستقطاب الجهد الشعبي وجهد القطاع خاص ممكن دائما. (يتواصل)
                  

08-10-2020, 03:18 AM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 817

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    السياحة المورد المُهمَل (9)

    النور حمد

    صحيفة التيار 10 أغسطس 2020

    تزدهر السياحة بالترويج وتستثمر الدول الكثير من المال في ذلك. فبلدان مثال تركيا وماليزيا، وهما أكثر بلدين إسلاميين استقبالاً للسياح، أصبحتا تعلنان عن السياحة في القنوات الفضائية الأكثر مشاهدة في العالم؛ مثال CNN وBBC، وغيرهما. لقد مكنت عوائد السياحة المالية الضخمة هذين البلدين من أن تعلنا في قنوات تكلف دقيقة الإعلان فيها أموالاً طائلة. ومؤخرًا، أخذت عددٌ من الدول الإفريقية، تروج للسياحة في هذه القنوات العالمية، بعد أن وضح لها حجم مساهمة السياحة في الدخل القومي. لكن، لابد في البداية من أن تهيئ الدولة رأسمال معقول، لتحسين البنيات التحتية للسياحة، ثم تشجيع القطاع الخاص المحلي والمستثمرين الأجانب على الانخراط في أنشطتها. وقبل هذا وذاك، لابد من رؤية طموحة وواضحة يجري تحويلها إلى سياسات وخطط وبرامج عمل تنتظم أقاليم القطر كله. الرؤية الحكومية الواضحة وإيكال أمر السياحة لأشخاص ذوي قدرات قيادية وأطقم مدربة، ثم وضع السياسات المشجعة، هو ما يجتذب رأس المال المحلي ورأس المال العالمي للانخراط في الأنشطة السياحية. ويمكن أن تكون البدايات بسيطة يجري التوسع فيها وفق خطة ممرحلة.

    لا يتوقف الترويج للسياحة على الإعلان المباشر في أجهزة الإعلام، وإنما يتعدى ذلك إلى الإعلان غير المباشر، الذي يعني كل ما يظهر للناس عن القطر المعين في وسائطه الإعلامية. لذلك، لابد من إيجاد ضوابط لقنوات التلفزة الفضائية السودانية. وقد سبق أن كتبت أن ترك الحبل على القارب للبث التلفزيوني، بصورة الراهنة، له آثاره الضارة بسمعة البلد. فالبث التلفزيوني من حيث هو مرآة عاكسة لحال البلد من عديد الوجوه. وربما لا يكون بعضٌ أو كثيرٌ ممن يقفون وراء بث الصورة التلفزيونية مدركين لما يمكن أن يحدثه ما يقومون به من أضرار نتيجة للعفوية، والارتجال والإهمال. لذلك لابد أن ينتبه المخرجون التلفزيونيون للرسائل التي تحملها الصورة التلفزيونية. ينطبق ذلك على الصورة التي يقدمونها في التقارير الإخبارية، أو في الدراما، أو في الرياضة، أو في الفنون، أو في الدعاية والإعلان، وغير ذلك من صنوف الصور التي تخرج عبر البث التلفزيوني. بعبارة أخرى، عليهم أن ينتقوا الأحسن، الذي يعكس أوجه التقدم في البلد، ويعكس جمال الطبيعية، وجمال العمران، وتحضر الأفراد. أما هذه الخم العشوائي للصور التلفزيونية من الواقع بلا فرز ولا تفكير على قاعدة (خلِّينا نخلص ياخي)، وهو ما ظل يمارس لدينا منذ فترة طويلة، ولم يتحسن إلا بمقدارٍ ضئيل جدًا، فإن له آثاره المدمرة على سمعة البلد، فهو، ببساطة، ينفر ولا يجذب.

    ليصبح كل ذلك ممكنًا أرى أن من الضروري وضع السياحة والآثار تحت مظلة وزارة منفصلة. فالسياحة والآثار موردان اقتصاديان كبيران مرتبطان ارتباطا عضويًا. وهما من الأهمية والضخامة بحيث لا ينبغي أن يكونا جزءًا من وزارة الثقافة والإعلام. فإذا كنا نفرد، على سبيل المثال، وزارة للشباب والرياضة، وهي، على أهميتها الكبيرة جدًا، لا تمثل موردًا اقتصاديًا، مثلما تمثله السياحة والآثار، فلماذا لا نفرد وزارة للسياحة والآثار؟ فالسودان بلد زاخر بالآثار، ولايزال الكثير منها مدفونًا ينتظر الاكتشاف. فلو أصبحت السياحة والآثار تحت مظلة وزارة واحدة فاعلة، فإن مورد السياحة سيتولى تمويل خطط تطوير مورد الآثار، إضافةً إلى حفظها وصيانتها والتوسع في تشييد المتاحف وغيرها من معالم الجذب السياحي. (يتواصل)
                  

08-11-2020, 04:04 AM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 817

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    السياحة المورد المُهمَل (10)النور حمدصحيفة التيار 11 أغسطس 2020 لا تقل السياحة الداخلية أهمية عن السياحة الخارجية. تنمو السياحة الداخلية عندما تتسع طبقة رجال الأعمال والطبقة الوسطى نتيجة للتقدم العام في الوضع الاقتصادي للبلاد. لكن، مهما كان سوء الظروف الاقتصادية، لابد أن تكون هناك طبقة قادرة على الإنفاق على أنشطة الاسترواح. وتهدف جهود التنمية بصورة عامة إلى أن يكون التنزه والاسترواح حقًا لكل فرد؛ بمعنى امتلاكه القدرة المالية التي تمكنه من أخذ عطلة ما يقضيها بمفرده أو مع أسرته بعيدًا من مكان عمله. ويمكن أن توفر السياحة الداخلية فرصة الاسترواح لذوي الدخول المحدودة الذين لا يستطيعون السفر خارج البلاد، بسبب الكلفة الأكبر لتذاكر الطيران وأجور الفنادق. والسودان قطر متعدد المناخات. ففي حين يكون الطقس بالغ الحرارة في وسط السودان وشماله في أشهر الصيف، يكون الطقس معتدلاً في جبل مرة وفي جبال أركويت وما حولها. أيضًا تسقط الأمطار باكرًا في حزام البلاد الجنوبي الممتد من دارفور وكردفان عبر جنوب النيل الأبيض والنيل الأزرق وصولاً إلى منطقة القضارف في الشرق، فتخضر الأرض ويعتدل الطقس، ما يجعل هذا الحزام منتجعًا جيدًا لأهل الوسط والشمال.أيضًا يمكن أن يكون سهل البطانة مكانًا جاذبًا لأهل العاصمة وما حولها لقربه الشديد. فهو يخضر في يوليو وأغسطس، ما يجعله مكانا مناسبًا للمخيمات. وعلى سبيل المثال، يخرج أهل الجزيرة العربية في فصل الشتاء من المدن إلى الخلاء المحيط بها في نشاط سنوي يسمونه "الخروج إلى البر". تنصب الأسر خيامها في الخلاء بعد أن تأخذ كل مستلزماتها لتمضي أسبوعيا أو أسبوعين بعيدًا عن حياتها المعتادة في المدينة. ولهذا تأثيره الكبير على استعادة الطاقة للعمل، إضافة على تأثيره الجمالي والروحاني على الأطفال. فلو جرى تشجيع القطاع الخاص لإنشاء منتجعات وفقًا لأساليب العمارة الشعبية، في بقاع لا تبعد كثيرًا من المدن مع كل المستلزمات من ماء شرب نظيف ومرافق صحية وحوانيت لبيع الاحتياجات، فإن قرى سياحية كثيرة يمكن أن تنشأ في البلد. ولو قامت الدولة بتوصيل الطرق المسفلتة والكهرباء إليها فسوف يزدهر الاقتصاد الريفي وتنشأ فرص جديدة للعمل . قامت في العقود الأخيرة منتجعات سياحية حول العاصمة الإثيوبية أديس أبابا وحول غيرها من المدن الإثيوبية. أصبحت هذه المنتجعات مزارا للأسر ولجمعيات الشباب للإقامة، التي تتفاوت بين عطلة نهاية الأسبوع والإجازات القصيرة. وقد أضحت هذه المنتجعات التي تجمع عمارتها بين العمارة التقليدية وحداثة المرافق جاذبة أيضًا للسياحة القادمة من الخارج. يمكن للسودان أن ينشئ مثل هذه المنتجعات حول كل المدن الكبرى. ولتكن البداية بحزام السافنا الجنوبي فتقوم الولايات بتشجيع القطاع الخاص وتقديم الإغراءات والتسهيلات له لإنشائها حول المدن الكبرى مثال: نيالا والأبيض وكادقلي وسائر مدن جبال النوبة الشرقية ثم سنار والدمازين والقضارف وكسلا وغيرها. أما جبل مرة فهو قابل لإنشاء منتجعات تعمل على مدار العام وكذلك جبال البحر الأحمر نسبة للاعتدال المستمر للطقس. يمكن القول باختصار شديد أن السياحة الداخلية سوف تجلب عوائد مالية تسهم في تحسين صناعة السياحة، الأمر الذي سيؤدي إلى جاذبية أكثر وقدرة استيعابية أكبر للسياحة القادمة من الخارج. (يتواصل).

    (عدل بواسطة Salah Musa on 08-12-2020, 07:09 AM)

                  

08-12-2020, 07:11 AM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 817

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    السياحة المورد المُهمَل

    (11)

    النور حمد

    صحيفة التيار 12 أغسطس 2020

    يفضل كثير من السودانيين المتزوجين حديثًا قضاء شهر العسل بعيدًا عن بيت الأسرة، ومنزل الزوجية. يذهب كثيرٌ من هؤلاء إلى دول الجوار؛ كإريتريا وإثيوبيا ومصر. في حين يذهب من يملكون قدرات مالية أكبر إلى بلدان؛ كماليزيا وتركيا وبعض الدول الأوروبية، وغيرها من دول العالم. لكن تذهب الغالبية إلى مدن سودانية. للك، فإن تقليد شهر العسل الآخذ في التوسع يحتاج إلى دراسة تخرج منه بقواعد بيانات، خاصة أن نشاط شهر العسل يستمر على مدار العام. وجود قاعدة بيانات دقيقة لحجمه تعين ووجود دراسات جدوى مما يغري القطاع الخاص بالانخراط في الاستثمار في هذا المجال. فرأس المال لا يغامر، وإنما يفضل اللعب على المضمون، وإنفاق المال بناءً على دراسات علمية تطمئنه على مردوده الربحي. لذلك، فإن إنشاء وزارة للسياحة والآثار، منفصلة، أمرٌ ضروري للغاية. فهي ستكون الجهة المنوط بها إجراء البحوث والدراسات وتصميم الخطط والبرامج وتقديم دراسات الجدوى والتوقعات العلمية للمردود الربحي للاستثمار في هذا القطاع. يضاف إلى ذلك تطلع هذه الوزارة بإيجاد أمثل السبل لإدارة مورد الآثار وتنميته والحفاظ عليه، واستعادة ما سُرق من كنوزه.

    هناك أيضًا ما أضحت تسمى "السياحة العلاجية"، وقد اشتهرت بها تايلاند. كما أضحت المكسيك المجاورة للولايات المتحدة، مزارًا للسياحة العلاجية بالنسبة للأمريكيين، بسبب ارتفاع كلفة العلاج داخل أمريكا. أما في نطاقنا الإقليمي، فتمثل مصر والأردن جهتين جاذبتين للسياحة العلاجية، خاصة بالنسبة لنا نحن السودانيين. ويمكنني أن أجزم أن مصر والأردن لا تملكان كوادر طبية أكثر تأهيلاً مما يملك السودان. غير أن الكوادر السودانية اجتذبتها المهاجر بسبب سوء بيئة العمل في الداخل، وسوء الأوضاع السياسية بصورة عامة. كما أن في الداخل كوادر عالية التأهيل، لكنها لا تجد بيئة العمل المعينة. الشاهد أن تردي المرافق الصحية السودانية على مدى الخمسين سنة الماضية ونيف، أسهم في خلق سمعة مضخمة جدًا وسطنا لتقدم الطب في مصر والأردن.

    ضمن كارثة التمكين، اتجه نظام الإنقاذ إلى خصخصة المرافق الطبية، ولم يهتم بالكيف بقدر ما اهتم بتمليك منسوبيه مرافق طبية تجعلهم أثرياء. فأصبحت مراكمة الأرباح تجري على حساب تطوير البنية التحتية وعلى حساب جودة الخدمات كذلك. وعمومًا، لا يمكن لمرافقنا الطبية الخاصة، بصورتها الراهنة، أن تصبح جاذبةً للسياحة العلاجية. بل، ولا حتى قادرةً على أن تجعل السودانيين يوقفون السفر إلى الخارج للعلاج. تستنزف هذه الهجرة المحمومة للعلاج في الخارج، العملة الحرة السودانية، بمقادير مهولة، وهي بحاجة إلى دراسة، فنحن فقط لا نعد ما يضيع منا.

    أولى خطوات هذه المراجعة وجود قاعدة بينات تؤشر إلى الأعداد التي تغادر السودان سنويًا للعلاج في الخارج ومقادير الأموال التي تصرفها في الخارج للسكن والمعيشة والعلاج. هذه المعلومات هي ما سيشجع القطاع الخاص على إنشاء المشافي الحديثة خارج المدن، بنظام خدمات متكاملة تشمل فنادق ملحقة للإقامة، ونظام ترحيل من وإلى المطار. يضاف إلى ذلك رواتب منافسة وتسهيلات تغري الكوادر المهاجرة بالعودة. السودان متقدم على محيطه الإقليمي في المجال الطبي، ويمكن أن يصبح قبلة علاجية للطبقات الصاعدة في دول الحزام السوداني الممتد من البحر الأحمر إلى عمق جنوب الصحراء الكبرى غربا. ومعلوم أن السياحة العلاجية تحمل في طياتها سياحة عامة، أيضًا. عمومًا، نحن لا نرى ما بين أيدينا من فرص. (يتواصل في الحلقة الأخيرة).
                  

08-13-2020, 07:36 AM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 817

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    السياحة المورد المُهمَل(12)الاخيرة


    النور حمد

    صحيفة التيار 13 أغسطس 2020

    يضاف إلى السياحة الداخلية والسياحة العلاجية، هناك أيضا مورد سياحة الصيد. وقد ازداد النشاط في الصيد البري، بصورةٍ لافتة، في العقد الأخير من حكم الإنقاذ. غير أنه أُدير بصورة مرتجلة وبإهمال شديد، شأنه شأن ما درجت الانقاذ على فعله في كل مرفق عبر بنية التمكين. لقد حولت الانقاذ هذا المورد كغيرة من الموارد وسيلة لملء جيوب المنسوبين دون مراعاة للأضرار التي تنجم عن إدارته على ذلك النحو الفوضوي.
    الصيد ضرورة من ضرورات التوازن البيئي. وقد كان افتراس الحيوانات لبعضها، ولا يزال، واحدًا من آليات الطبيعة لحفظ التوازن الحيوي. وقد أسهم النشاط الواسع للبشر في الماضي في الصيد البري في حفظ التوازن الحيوي والبيئي. لكن مع تقدم الحياة تناقص نشاط الصيد البري الذي كانت المجتمعات البشرية تعتمد عليه كثيرًا في غذائها. وأصبح استهلاك الإنسان للحوم، خاصة بعد أن بدأ تدجين الحيوانات منحصرًا في الحيوانات الأليفة؛ كالأبقار والضأن والماعز والجمال والدواجن وغيرها. أيضًا، قاد تطور الحياة الحديثة إلى تراجع البيئات الطبيعية وابتعادها عن أماكن سكنى الإنسان، التي استمرت في التمدد باضطراد. لكن، لأمرٍ ما تدخل الإنسان وطور هواية الصيد فدخل مرة أخرى في دائرة آليات حفظ التوازن الحيوي.

    مورد الصيد البري مورد ضروري، والسودان بلد جاذب لهواة الصيد البري، لكن ينبغي أن يُدار الصيد البري وفقًا لضوابط ورقابة بالغة الصرامة. لأنه بغير ذلك يتحول إلى أداة لتدمير الحياة البرية والبيئة الطبيعية. ولقد رصد بعض الناشطين في العقد الأخير من حكم الإنقاذ إسرافًا في قتل الحيوانات، من قبل هواة الصيد القادمين من الجزيرة العربية. لذلك ينبغي عمل قاعدة بيانات بأعداد الحيوانات ومعدلات تكاثرها ورصد مسارات هجراتها. فذلك يعين على رسم السياسات ووضع الضوابط التي تمنع اساءة استخدام هواية الصيد.

    لن تزدهر السياحة ما لم يكن هناك أمن واستقرار، لكن مع حالة عدم الاستقرار ونقص الأمن هناك فرصة للبداية. ولقد دلت التجربة أن السياح يفدون إلى كثير من البلدان المضطربة. لا ينبغي إرجاء التخطيط للسياحة حتى تزدهر البلاد. بل، إن موردها نفسه يمثل أحد آليات ازدهار البلاد. وعموما كما قال الأستاذ محمود محمد طه: "إن آجلاً لا يبدأ عاجله اليوم، ليس بمرجو". ولا يوجد تصورٌ أيًا كان وقد اكتمل جملة واحدة. ولو أن ذلك كان ممكنًا حقا لنشأت الأشياء جميعها كاملة منذ الوهلة الأولى.

    لربما رأى البعض أن الحديث عن السياحة في مثل ظروفنا الراهنة ترفًا، وانصرافًا عما هو أكثر أهمية وإلحاحًا. غير أنني أميل إلى الاعتقاد أن هذا من المفاهيم الخاطئة الذي ظللنا ندير بها شؤننا السياسية. لقد كنا منصرفين طيلة العقود الستة ونيف الماضية عن رسم السياسات وتنفيذها ومستغرقين في جدل السياسة. وهو لدينا، في غالبه جدل عقيم. فالسياسة في تجربتنا لحقبة ما بعد الاستقلال أضحت مجالًا غير منتج بفعل صراع المعادلة الصفرية بين القوى الطائفية والأحزاب الأيديولوجية. وأيضًا، بسبب نهج المكاسب الجهوية والفردية الذي ظللنا نمارسه، ولا نزال. وحالة التأخر التي نعيشها تقف شاهدًا على خلل هذا الخلل القاتل في المفاهيم. نحن بحاجة إلى التحول إلى السياسات والبرامج. وكما هو مهم وضع مورد السياحة في إطار السياسات، والبرامج، كذلك مهم وضع موارد الزراعة والحيوان والصناعة والتقنية والمعادن، وغيرها في ذات النسق. (انتهى)
                  

08-15-2020, 05:55 AM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 817

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    لماذا تستنجد بورتسودان بغيرها؟

    النور حمد

    صحيفة التيار 15 أغسطس 2020

    كتب البعض في وسائط التواصل الاجتماعي يتساءلون في استغراب عن السبب الذي جعل ولاية كالبحر الأحمر بها حاميات عسكرية للقوات الجوية والبحرية والبرية، وقوة شرطة بمختلف فصائلها تستنجد بالخرطوم، بل وبدارفور لتعيد الأمن إلى نصابه في مدينة لا يصل عدد سكانها المليون. فبورتسودان هي الميناء الرئيسي للقطر، وبها وجود أمني مكثف وهو ما يجعل التساؤل عن سبب الاستنجاد بقوات من المركز أو من دارفور، أو من أي مكان آخر، تساؤلٌ في محله تماما. كيف لا تكون القوى الأمنية المحلية قادرة على فرض هيبة الدولة في حوادث استخدم فيها الأهالي الأسلحة النارية وتنتظر لتأتيها النجدة من مكان كالفاشر يبعد ألفي كيلومتر؟ لقد استمرت الاشتباكات بين الأهالي في بورتسودان على مدى ثلاثة أيام سقط فيها العشرات من القتلى والمئات من الجرحى ولم يظهر في مدى هذه الأيام الثلاثة أي رد فعل حاسم من جانب القوى الأمنية الموجودة في المدينة وما حولها.

    السؤال الثاني الذي يطرح نفسه: أين جهاز الأمن والمخابرات الوطني؟ لقد تكررت هذه الصدامات الأهلية في المدينة عدة مرات، فأي دور قام به هذا الجهاز هذه المرة في التنبيه إلى أن صدامًا وشيكًا سوف يقع وعلى السلطات أخذ الحيطة والحذر والقيام بالإجراءات التي تمنع حدوثه؟ هل يعقل أن تكون هذه الأحداث قد تفجرت فجأة بلا أي مقدمات؟ ألم تسبقها اجتماعات أو على الأقل سبقها تهامسٌ هنا وهناك؟ هل يعقل ألا يوجد بعض أصحاب "الخشوم الخفيفة" الذين سربوا ما هو معد؟ فإذا لم يقم جهاز الأمن والمخابرات في الولاية بالتغلغل وسط الأهالي فيجمع المعلومات ويقدم تقارير يومية إلى السلطات الحاكمة، لتكون على أهبة الاستعداد، فما هو دوره إذن، بل، ما الداعي لوجوده أصلا؟ خاصة أن هذه الحوادث تكررت عدة مرات في ذات المدينة في عام واحد.

    الشاهد أن كل ما جرى في العام المنصرم يشير إلى أن وراء الأكمة ما وراءها. واضح جدًا أن هناك اتجارًا مقصودًا بأمن الناس وبأرواحهم من أجل قلب المعادلة السياسية الراهنة لصالح قوى عاملة ضمن الشراكة القائمة، لا تزال تربطها أواصر شديد القوة بالنظام المدحور. دعونا فقط نحصي عدد الاضطرابات العنيفة والاقتتال بين الأهالي في المدن وبين القبائل في الريف، الذي جرى في العام المنصرم. فقد جرت حوادث مميتة في كل من بورتسودان، وكسلا، وحلفا الجديدة، وكنابي الجزيرة، وكادقلي، ونيرتتي والجنينة. يضاف إلى ذلك المواجهات بين القبائل المختلفة والاعتداءات على الأفراد في مزارعهم. هل يمكن لأي شخص مدرك أن يقول إن كل هذا الذي جرى وبهذه الكثافة وبهذا الانتشار الواسع في عام واحد أمر طبيعي؟ ما هو الشيء الذي استجد فجعل كل هذا العنف واسع النطاق يجري في هذا العام بالذات إن لم يكن هناك مخططٌ يجري تنفيذه بدقة وفق توقيتات بعينها تهدف إلى انهيار الأمن في القطر كله؟

    ما جرى من فرض لحظر التجول ومن إرسال لجنود القوات المسلحة والدعم السريع إلى بورتسودان ليس سوى حملة علاقات عامة لا تعدو مهمتها التربيت على الأكتاف. فما كان مخططًا له أن يجري في المدينة كان قد جرى بالفعل وأدى الرسالة المطلوبة منه، وهي إسقاط هيبة السلطة وإيغار صدور أهل الضحايا التي لن تبرأ بسهولة. لقد حدث الاحتقان المطلوب وسط الأهالي ولسوف ينفجر مرة أخرى لحظة ارتخاء القبضة الأمنية، في بورتسودان، ولسوف ترتخي، أو ينتقل إلى مكان جديد.
                  

08-16-2020, 07:29 AM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 817

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    استعادة الاستبداد بنسف الأمن وخلق الندرة

    النور حمد

    صحيفة التيار 16 أغسطس 2020

    الذي يتأمل السنة التي انصرمت من عمر الفترة الانتقالية يلاحظ أمرين رئيسيين، أولهما: توالي الاضطرابات الأمنية بكثافة وانتشارها على نطاق واسع من البلاد. أما الثاني فهو استعصاء إنهاء حالة الندرة في السلع الاستراتيجية. فطوابير السيارات لا تزال مصطفة أمام محطات الوقود، وغاز الطهي لا يزال معضلة، وطوابير الخبز كما هي. يضاف إلى ذلك هناك تسارع في ارتفاع الأسعار لا يتناسب مع ما حدث لسعر الجنيه السوداني. فلو انخفض سعر الجنيه مقابل الدولار 200٪ في الأشهر القليلة الماضية، فإن بعض السلع والخدمات ارتفعت بمعدل 300٪، بل ويزيد. بدا واضحًا أن هناك عملاً مدروسًا ومنظمًا لإفشال الفترة الانتقالية، عبر زعزعة الأمن وخلق ندرة في السلع. ويبدو أن الجهات التي تقف وراء هذا المخطط اللئيم تريد أن تقول للشعب: إذا أردت أن تكون آمنا على نفسك وعرضك ومالك، وأن تجد ما يسكت جوع بطنك؛ أنت وأهلك، فعليك أن تقبل بعودة نظام الفساد والاستبداد، وإلا سنجعل حياتك تنتقل من جحيم شديد إلى جحيم أشد. وهذا شبيه بقول الأسد وجلاوزته للشعب السوري في بداية ثورته: "يا نحكمكم يا نقتلكم".

    إن المرء ليعجب أن يكون هناك أناس بهذا القدر من سوء الطوية وموت الضمير بحيث لا يهمهم أن يصلوا إلى كرسي السلطة سيرًا فوق جثث الضحايا وعبر عدم اكتراث تام بآلام وأنات المحرومين من الجوعى والمرضى والمشردين عن ديارهم. ومن الغريب أن يعتقد هذا النفر في قرارة أنفسهم أنهم حين يصلون إلى السلطة سوف يصلحون. فالوسيلة من جنس الغاية، ولا يمكن أبدًا التوسل للغايات الصحائح بالوسائل المِراض. فالغاية النبيلة لا توصل إليها الوسيلة المنحرفة. لقد سبق أن قلت إن ثورة ديسمبر 2018 ثورة أخلاق في المقام الأول. هي ثورة ضد التدليس باسم الدين وضد إفقار الناس باحتكار القلة للموارد ولسلطة القرار. وهي ثورة ضد الكذب والتضليل وإلباس الباطل ثوب الحق. وهي بهذا المعنى ثورة مكتوب لها النصر مهما طال المسير ووعر الدرب وعظمت التضحيات.

    حملة الأقلام الذين لا يستحقون شرف حملها، ممن قرعوا الطبول ونفخوا المزامير في زفة الفساد والاستبداد على مدى ثلاثين عاما لقاء الفتات، لم يتوبوا من ضلالهم القديم. فقد تواترت مقالاتهم تباعًا تحث الجيش على إنهاء الفترة الانتقالية، مدعين حرصًا مخاتلاً على أهداف الثورة. فهم إما أن يكونوا قد عرفوا أن الشعب قد ركلهم بصورة نهائية فلم يبق لديهم أمل سوى أن يأتي مستبدٌ جديد إلى الحكم. وإما أنهم يعيشون حالة إنكار فظيعة من هول الصدمة، وصلت بهم حد التوهم أن الثورة لم تحدث أصلا. هذه الفترة الانتقالية بكل عللها تقوم على وثيقة دستورية، مهما تكن عيوبها فإن الشراكة الحاكمة من مدنيين وعسكريين قد ارتضتها ومن ورائهم الشعب. ومن وراء كل هؤلاء المجتمع الإقليمي والدولي. من يقرأ التغيرات في المشهد السياسي الدولي يرى بوضوح أن الولايات المتحدة قد أخذت تنتبه إلى السودان. كما يمكن أن يرى أن الأحلاف الإقليمية المتصارعة في المنطقة تفقد قوة دفعها. هذا الوضع يتيح للسودان الخروج إلى عهد جديد بذاتية مستقلة. يضاف إلى ذلك، أن الشارع لا يزال يحمي ثورته من عبث الجميع؛ بما في ذلك الشراكة الحاكمة والحاضنة السياسية. فالكلمة ستكون في نهاية المطاف للشعب، ولن تكون هناك كلمة لغيره.
                  

08-18-2020, 09:51 PM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 817

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    حملة النظافة وتحدي استدامتها(1 - 2)النور حمدصحيفة التيار 18 أغسطس 2020 يحمد لوالي الخرطوم الجديد، الأستاذ أيمن خالد نمر، تدشين ولايته بحملة شاملة لنظافة كل أسواق وأحياء العاصمة القومية. وقد ورد فيما تناقلته وسائط الإعلام أن هذه الحملة سوف تستمر لمدة مدى أسبوعين. ورغم أنني أمقت كلمة "حملة نظافة" أشد المقت لكونها ظلت تستخدم في إطار حملات العلاقات العامة لتجميل وجه السلطات الفاشلة. ولقد اعتدنا منذ حقبة نميري وما تلاها، أن تكون حملة النظافة مجرد فورة، لا يلبث أن يذهب زبدها جفاء. غير أن الحالة المزرية التي وصلت إليها العاصمة القومية لم يكن من الممكن معالجتها إلا بحملة ابتدائية، بها يزال هذا التراكم المزمن، ليتمهد الطريق لوضع نظام ثابت مستدام لنقل النفايات. نعرف جميعًا أن الخرطوم من أكثر عواصم العالم اتساخًا، هذا، إن لم تكن الأكثر اتساخا على الإطلاق. ولقد كنت أعجب للمسؤولين في الولاية وفي المحليات الذين يمرون بأسواقها وشوارعها ومجاري مياهها، كل يوم ولا يحرك فيهم ساكنا ما يرونه من هذه الحالة من الاتساخ الشامل. ولعلي لا أبالغ إن قلت إن الاتساخ قد بلغ درجة أصبح معها من المستحيل أن ترى على الأرض قدمًا مربعًا واحدًا في أي جزء من العاصمة وهو خالٍ تمامًا من شيء جرى إلقاؤه عشوائيا. وقد أوصل العجز وقلة الحيلة بعض المحليات أن تدعو المواطنين لوضع أكياس القمامة في الشوارع الرئيسية. فأصبحت أطراف الشارع والرصيف الواقع في منتصف الشارع مكبًا للنفايات. وأخذت النفايات نتيجة لقلة عربات النقل وللأسلوب غير المدروس في الجمع تفيض عن رصيف المنتصف لتحتل جزءًا من الشارع من الجهتين حول رصيف المنتصف. وهكذا أصبح منظر الأوساخ، في بعض الأماكن، ممتدًا بلا انقطاع، لكيلومترات. يضاف إلى ذلك، أن هذا الإلقاء العشوائي للأكياس على الأرض، وعلى طول الطريق، قد جعلها عرضة لنبش الكلاب والقطط الضالة، ما قاد إلى أن تنشر الريح الأوساخ على نطاق واسع جدا. وأن يصبح هذا الركام الممتد من الأوساخ بيئة لتوالد الذباب ولانبعاث الروائح الكريهة. التحدي الذي يواجه الوالي الجديد، الذي أظهر همة عالية، لم يظهرها من سبقوه، هو النجاح في وضع نظام مؤسسي محكم لنقل النفايات يقوم على استرشاد بتجارب الشعوب الأخرى. فنحن لن نعيد اختراع العجلة في هذا الشأن. فهناك شعوب أفقر منا وأقل تعليمًا من شعبنا، ومع ذلك فإن مدنهم وأحياءهم أنظف من مدننا وأحيائنا. فنقل النفايات فرع من فروع علوم الإدارة، وقد أغرق في العلمية بعد أن شرعت البلديات حول العالم في الأخذ بنهج إعادة تدوير المخلفات. يقتضي النجاح في تحويل نقل النفايات إلى عمل روتيني محكم مستدام لا ارتجال فيه، توفر عدد من العناصر، منها: القوة الميكانيكية الناقلة والآليات الكافية، إضافة إلى الوقوف على صيانتها بصورة مستمرة. فما أكثر ما استوردنا من آليات وما أكثر ما أهدي إلينا منها. لكنها كانت لا تلبث أن تنتهي إلى خردة متراكمة في حيشان المحليات. ولقد رأيت قبل بضعة أيام فيديو جرى تصويره من داخل حوش تابع لمحلية كرري، مليء بآليات وبسيارات معطوبة من سيارات نقل الأوساخ، وهي معبأة بالأوساخ. ويعجب المرء كيف أن هذه السيارات مملوءة بالأوساخ وانتهت إلى حوش المحلية بدلا من أن تنتهي إلى المكب العام النفايات. وأيضًا لماذا تركت في الحوش بهذه الصورة؟(يتواصل)

    (عدل بواسطة Salah Musa on 08-19-2020, 07:46 AM)

                  

08-19-2020, 07:46 AM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 817

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    حملة النظافة واستدامتها
    (2 – 2)
    النور حمد

    صحيفة التيار 19 أغسطس 2020

    لقد غيرت الإنقاذ الدور الرئيس للحكم المحلي، بوصفه أداة لترسيخ العمل الديموقراطي، وتسلُّم الشعب سلطة القرار التخطيطي ورسم السياسات وسلطة القرار التنفيذي على مستوى القواعد، وحولته إلى أداة لسلب الشعب حقه في إدارة شؤونه وتكريس الفوقية الاستبدادية الإملائية. سيَّست الإنقاذ الحكم المحلي وجعلته ذراعًا للحزب الحاكم، به يجري تزييف الانتخابات، كما جعلته عينًا لجهاز الأمن تراقب من خلالها المواطنين. في هذا الإطار جرى تصعيد نهَّازي الفرص إلى مواقع القيادة لكي يقوموا بهذه الأدوار، إضافة إلى توسيع ماعون الجبايات، نظير أن يحصلوا هم على فرص الثراء بامتلاكهم سلطة القرار المحلي والتصرف في موارد وقدرات المحليات. لذلك فإن اتساخ الخرطوم بهذه الصورة المؤسفة إنما هو نتيجة لما أحدثته الإنقاذ من تخريب في أجهزة الحكم المحلي. فقد انصرفت هذه الأجهزة عن دورها في خدمة المواطن لتصبح خادمة لنظامٍ فاسدٍ عمد إلى أن يترك أبواب الفساد مشرعة لمنسوبيه. لذلك، إن على ولاية الخرطوم ولجنة إزالة التمكين أن تسرعا في تفكيك هذا المنظومة بتغيير مفاهيمها، أي تحويل الحكم المحلي من أداة محتكرة للسلطة إلى أداة للشعب يحكم من خلالها نفسه بنفسه. فتغيير الأفراد دون تغيير المفاهيم لن يكون مفيدا في عملية الإصلاح.

    من المعيب جدا أن يجري سلب المواطنين سلطة القرار وحرية الإرادة ليصبحوا غير قادرين حتى على تنظيف أحيائهم. والنظافة أصلا فعل تضامني لا تستطيع السلطات الإدارية القيام به دون أن تشرك فيه المواطنين. ولهذه الشراكة عدة أوجه، منها على سبيل المثال: تصعيد قيادات الحكم المحلي من القواعد عبر انتخابات ديموقراطية نزيهة. على أن يكون للشباب والنساء وجود فيها وفقا لصيغة ما. هذا الوضع يمنح القواعد فرصة للمشاركة في رسم السياسات وفي الاطلاع على الميزانيات ومراقبة أوجه صرفها. فالشعب ظل مغيبا عن هذه الأمور تحت حكم الإنقاذ الذي قام على أن الحكم هو حق حصري لفئة بعينها هي منسوبيه وحدهم.

    أيضا من أوجه الشراكة المجتمعية قيام قيادات المحلية بإطلاع المواطنين عبر ممثليهم في الحكم المحلي على ما يجري في المحلية بصورة دورية. يضاف إلى ذلك إشراكهم في وضع الخطط الممرحلة للنهوض بالنظافة وترقية مختلف جوانب البيئة الحضرية من رصف وسفلتة وإنارة للطرق وتطوير نظام الصرف الثحي وتصريف المياه وإضاءة الشوارع وتنظيم وضبط العمل التجاري والصناعي وسط الأحياء والأسواق.

    لن تكتمل هذه الصورة من دون النظر إلى دور التوعية في ترقية سلوك الأفراد. فإذا لم يرتقِ الحس الحضاري والسلوك المديني المنضبط وسط الأفراد، فإن جهود السلطات سوف يصيبها الوهن بسرعة شديدة. في هذا الباب تستطيع ولاية الخرطوم التي تملك محطة تلفزيونية من إدارة حملة للتوعية عبر الحوارات والبرامج المتخصصة والوثائقيات المتعلقة بإزالة النفايات وكذلك تقديم ما يرتقي بالسلوك الحضري للأفراد. كما لابد من التنسيق مع وزارة التربية والتعليم الولائية لإدخال النظافة العامة وقواعد المسلك المتمدن وترقية بيئة الأحياء السكنية ضمن المنهج المدرسي. إلى جانب ما تقدم، يحتاج نظام الحفاظ على النظافة إلى قوانين وموجهات، إضافةً إلى سلطات رقابية ميدانية تملك سلطة فرض العقاب على المخالفات. عمومًا، إن ثورة ديسمبر التي انطلقت من الشارع من أجل الشارع سوف لن تبلغ أهدافها إلا إذا أصبح هذا الشارع هو صاحب سلطة القرار في إدارة شؤون وهو الرقيب اليقظ لكل ما يجري بخصوص مختلف جوانب حياته.
                  

08-20-2020, 08:25 AM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 817

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    الثورة وتشكيلة الحكم الراهنة

    النور حمد

    صحيفة التيار 20 أغسطس 2020

    لا يمكن تجاوز قصور الواقع بقفزة عبر الهواء. فالواقع يفرز ما هو ممكن في السياق الظرفي للحالة الكلية القائمة. ولذلك لابد أن نميز تمييزًا دقيقًا بين الثورة كتصورات وتطلعات ظلت تعتمل في أذهان الثوار، وبين تجلياتها وهي تغالب إكراهات الواقع القائم. لهذا السبب كنت أشعر شعورًا قويًا أن ثورة ديسمبر 2018 ستمر بنفس المضائق التي مرت بها سابقتاها في أكتوبر 1964 وأبريل 1985. بل إن مضائق وتحديات ثورة ديسمبر ستكون أفدح وأكثر حرجًا لأن البلاد قد دخلت حالة إنهاكٍ غير مسبوقة. تؤكد ذلك المعرفة العامة بالعلوم السياسية وبالعلل البنيوية التي اتسم بها العمل السياسي في السودان، عبر مرحلة ما بعد الاستقلال. والآن، لو أننا قمنا بجرد لحصاد العام الذي انصرم، منذ توقيع الوثيقة الدستورية، لاتضح لنا أن الثورة، بوصفها تصورات وتطلعات لواقع جديد شيءٌ، وما تقوم به الشراكة العسكرية المدنية من عملٍ مرتبكٍ، شيءٌ آخر. بل إن أي حوار بين الثورة كما هي في أذهان الثوار وبين الشراكة العسكرية المدنية التي تمسك الآن بعجلة القيادة، لن يكون سوى حوار طرشان.

    كل واقع سبق أي ثورة يصبح، بالضرورة، جزءًا لا يتجزأ من دينامياتها، أرادت الثورة ذلك، أم لم ترد. ولذلك فإن أي توقع لاتساق الأفعال وازدهار الأحوال العامة وانطلاق الفعل الثوري في الواقع بسلاسة عقب انتصار الثورة مباشرة، لا يكون سوى أحلام بلا سيقان تقف عليها. يصبح هذا أكثر تجسيدا حين يكون الواقع السابق للثورة واقع شكله نظام حكم استبدادي كليبتوقراطي استحواذي كنظام الإنقاذ. فالشراكة بين قيادات الجيش، وهم جزء لا يتجزأ من بنية النظام المقتلع، إضافة إلى أن لهم اليد العليا في تلك الشراكة، لا تسمح بتحولٍ حقيقي. ولا يقف الخلل في بينة الحكم القائمة في الشق الذي يمثله المكون العسكري وحده. وإنما في المكون المدني أيضا. فهو الآخر مؤوف بحمول ثقيلة جرها معه من ماضي السياسة السودانية المعتل. لذلك لا غرابة أن أخذت خطوط الثوار تتباعد عن خطوط ما سميت الحاضنة السياسية الممثلة في قوى الحرية والتغيير، وخطوط قوى الحرية والتغيير فيما بينها، أيضا. سبب كل ذلك يعود إلى التربية السيئة للنخب السياسية بمختلف انتماءاتها. فهي تربية معتلة يحكمها التنافس والكيد والتخندق الجهوي وعبادة صنم المنصب. وقد أخذ كل ذلك يتجلى الآن أمام الأعين حتى بدأت تنشأ منه حالة شبه عامة من الاحباط وال################ وسط مختلف قطاعات الشعب.

    عبر العام المنصرم أخذت سوءات الممارسة السياسية المعتلة في السودان تتجلى وسط المكون المدني بكل طيفه الواسع المكون من الأحزاب والقوى المهنية والنقابية والحركات المسلحة والطاقم الحاكم في المجلس السيادي ومجلس الوزراء. كل هذا الجسم السياسي المدني العريض كان أقل بكثير من قامة الثورة. وأكبر الشواهد على انغراس أقدامه في أوحال الماضي طابعه الشللي ونزوعه إلى للمحاصصات وعدم قدرة متنفذيه على التخلي عن المنصب. عدم قدرة السياسي عن التخلي عن المنصب هي ما تجعله ينثني وينحني للضغوط، ويبيع من أتوا به ليبقي على كرسيه. فعدم الشفافية وإخفاء الحقائق عن الثوار أو عرضها بصورة جزئية مما نشاهده الآن، إنما يعود إلى هذه العلل. ولو أنهم ركنوا إلى الشعب وأسندوا ظهورهم إليه، لبقوا في المناصب بأكثر مما يتوقعون. خلاصة القول إن هذه الثورة منتصرة، ولكن عبر موجات متلاحقات سيعمل فيها غربالها في لفظ الشوائب، وما أكثرها.
    .
                  

08-21-2020, 01:14 AM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 817

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    الضغطُ ضروريٌّ لكن بحساب

    النور حمد

    صحيفة التيار 21 أغسطس 2020

    لا تسير الثورة في خط مستقيم تصل به في النهاية إلى أهدافها. فالثورة جنينٌ للواقع بكل علله التي دعت الناس إلى الثورة، في المقام الأول. تعتري مسار كل ثورة الكثير من التعرجات ومن حالات الصعود والهبوط. ومن يتصور أن الثورة تسير في خط مستقيم، بقوة دفع ثابتة، وحالة ضغط متزايدة متنامية باستمرار، حتى تبلغ أهدافها يقع في فخ المثالية التي تعمى عن رؤية تعقيدات الواقع وإكراهاته. فما أكثر ما انتكست الثورات في التاريخ نتيجة للحسابات الخاطئة والاندفاع الأعمى. كل تحرك في مسار أي ثورة ينبغي أن يخضع لحسابات دقيقة فيما يتعلق بالربح والخسارة. ويقتضي ذلك قراءة حصيفة لمكونات الواقع السياسي وقواه المختلفة وأجندتها وتكتيكاتها. ولا جدال هنا أن أداء الشراكة الانتقالية بين القوات المسلحة والمكون المدني لم يكن مرضيًا، وهو ما قاد إلى الشعور بأن الثورة يجري خنقها بعمل ممنهج، يبعدها عن أهدافها كل صبح جديد.

    من منطلق الاشفاق على مصير الثورة خرجت مواكب 17 أغسطس الجاري بغرض إرسال رسالة إلى من يديرون الفترة الانتقالية، مفادها أن جذوة الثورة لا تزال حية. لكن، دخلت على الخط في دعم هذا التحرك، القوى المعادية للثورة. وهي قوى تشمل كيانات من داخل مؤسسة الحكم الراهنة، وأحزاب متآمرة على الثورة، إضافةً إلى أنصار النظام المدحور. أخذت هذه الكيانات المختلفة في التشجيع على هذه المواكب، بل والانخراط بالمشاركة فيها، لكن بأجندة مختلفة، جوهرها خلق حالة من الاضطراب وتصعيدها لتصل إلى فوضى شاملة تبرر للمؤسسة العسكرية أخذ عنان الحكم في يدها منفردة، بدعوى انفراط عقد الأمن. ولقد رأينا الدعوات المتكررة من سدنة النظام المدحور في داخل البلاد وخارجها للقوات المسلحة لإخراج المدنيين من الشراكة والانفراد بإدارة الفترة الانتقالية. وما ذلك سوى ذرٌّ للرماد في العيون، لأنه لن تكون هناك فترة انتقالية، وإنما تطبيق حرفي للنموذج المصري على السودان.

    لا أشك أبدًا أن ما جرى أمام مجلس الوزراء في موكب 17 أغسطس، ومنح الشرطة الفرصة للتدخل العنيف الذي جرى، رغم تعهدات والي الخرطوم، كان عملاً مدبرًا لإيغار صدور الثوار ودفعهم إلى مزيد من التصعيد، وإعادة الأمور كرة أخرى إلى مربع المتاريس وحرب الأحياء مع القوات النظامية. لقد مارست قوى الثورة المضادة طائفة متنوعة من الأعمال الخسيسة، منها على سبيل المثال: خلق الندرة في السلع وإرباك الخدمات، ومضاعفة الأسعار، وإنهاك الجنيه، وإشعال الحرائق في أطراف البلاد. ولما وجدوا أن الشعب قد تحمل كل ذلك بتفهم وجلد كبيرين، التفتوا إلى استغلال المواكب واتخاذها وسيلة لتنويع أعمال الهدم الممنهج التي ظلوا يمارسونها.

    خلاصة القول، لابد من قراءة الخريطة السياسية بعين فاحصة وفرز الأجندة المختلفة لمكونات هذه الخريطة شديدة التشابك. من الأفضل أن تستمر الفترة الانتقالية بعللها، مع الضغط المحسوب لإصلاح ما يمكن إصلاحه منها. من ذلك، استكمال مؤسسات الحكم، كقيام المجلس التشريعي والمفوضيات وغير ذلك. فالانتخابات هي الفيصل في نهاية الأمر. صيغة الحكم الجارية، برموزها، وعلى علاتها الكثيرة، هي ما قبله المجتمع الإقليمي والمجتمع الدولي. إن أفضل ما جرى في الحراك الأخير هو الاعتصام أمام مقار المحليات، التي لا تزال بؤرًا للثورة المضادة. وهذا يعكس نموذجا في تنويع المواقع التي ينبغي أن يُمارس عليها الضغط الثوري، كما يعكس أيضا تنويعا للأساليب. فالانطلاق من مجرد الشعور بالإحباط لا يخدم الأهداف، بل ربما يجهضها ويعيد العجلة إلى الوراء.
                  

08-22-2020, 04:18 PM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 817

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    التصعيد لن يفيد

    النور حمد

    صحيفة التيار 22 أغسطس 2020

    ركبت عدد من القوى السياسية، في الآونة الأخيرة، موجة التصعيد ضد رئيس الوزراء عبد الله حمدوك، وهي موجة صنعتها قوى الثورة المضادة بهدف إفشال الفترة الانتقالية. لقد بدأت هذه الموجة قبل أن يضع الدكتور عبد الله حمدوك قدمه في مكتبه. وكان صاحب ضربة البداية فيها، السيد الصادق المهدي، الذي قال لحظة بدء حمدوك عمله: "إذا فشلت حكومة حمدوك سنذهب إلى انتخابات مبكرة". أما إعلاميو الانقاذ، في الصحف الورقية والإلكترونية، الممولة من قبل جهاز أمن البشير، الذين تكاثروا كما الفطر في البرية، فإنهم ما وجدوا فرصة لإثارة البلبلة وبث الشائعات الضارة إلا وانتهزوها. ولا تزال أموال منسوبي النظام المدحور تعبث بمعاش الناس، ولسوف تواصل خبثها المعهود. المدهش، أن الحزب الشيوعي الذي شارك في الثورة وفي كل مراحل التفاوض وصناعة الوثيقة الدستورية، قد أصبح على رأس هذه الموجة.

    لست بصدد الدفاع عن حكومة حمدوك، فأداؤها ضعيف دون شك. لكن، الأمانة تقتضي أن نقول إن الضعف الذي اعترى أداء حكومة حمدوك، في عامها الأول، يعود بصورة رئيسة إلى الوثيقة الدستورية المعيبة، وأيضًا، إلى الأخطاء في اختيار قيادات العمل التنفيذي. وهذه أمور شارك فيها الحزب الشيوعي عبر ما لديه من منسوبين داخل قوى الحرية والتغيير، وعبر ممثله في المفاوضات، السيد صديق يوسف. لكن، يبدو أن الحزب الشيوعي يسترشد بمقولة الشيخ الراحل، حسن الترابي الشهيرة، للرئيس المخلوع عمر البشير: "اذهب إلى القصر رئيسًا، وسأذهب إلى السجن حبيسا". فالحزب الشيوعي، فيما هو ظاهر الآن، يريد، من جهة، ألا يغيب عن أروقة سلطة الفترة الانتقالية. لكنه يخشى، من الجهة الأخرى، أن يسقط مع السلطة الانتقالية إن هي سقطت، فبادر بحجز مقعده في المعارضة. وهذا هو عين ما مارسه المؤتمر الشعبي، أثناء الثورة، حين دفع بشبابه إلى الشوارع وإلى ساحة الاعتصام، وبقي هو متشبِّثًا بأردان الرئيس المخلوع، حتى سقط.

    تكمن علة السودان، منذ الاستقلال وإلى اليوم في التواءات سياسييه وضمور أفقهم المعرفي. فهم متشابهون، سواءً كانوا في اليمين، أو في اليسار. فالتخندق الجهوي وترشيح الذات لدور البطل الأوحد المنقذ، داءٌ يتملكهم أجمعين؛ من كان منهم زعيمًا لطائفة، ومن كان منهم قياديًا في حزب عقائدي. فالمعدن واحدٌ، في نهاية الأمر. فهل يا ترى يخطط الحزب الشيوعي لإبقاء الصراع حيًّا في الشوارع، حتى ينتهي به إلى حكومة بلشفية، على غرار حكومة لينين، مثلا؟ ولو فرضنا أننا جميعًا؛ عسكرًا ومدنيين، تنازلنا الآن عن السلطة للحزب الشيوعي ليحكم منفردًا، فماذا هو فاعلٌ وحده مع هذه الأوضاع بالغة التعقيد؟ هل سيتمكن من خفض سعر الجنيه مقابل الدولار في التو والحين؟ وهل سيعمل ما يجعل الأسعار تنخفض ثلاث أضعاف، في شهر أو شهرين؟ وهل سيخرج السودان من عزلته الدولية ويقوم بتسديد ديونه البالغة 60 مليارًا في عام أو عامين؟ يقول أهلنا الحكماء: "الفي البَر عوَّام".

    لقد قامت هذه الفترة الانتقالية على وثيقة معيبة، منذ البداية، ولذلك فإنها سوف تستمر معيبة حتى تكمل شوطها. لن يستطيع أي دعيِّ أن يدعي أن بوسعه تحسين معاش الناس فيها بصورةٍ لافتة. فلا اختراق إلا بتوافق شامل. فلو عجزنا عن إحداث التوافق الشامل، فلننهي ملف السلام، ولنشكل المجلس التشريعي، ونعد للانتخابات. ولتشتغل أحزابنا بترميم بنياتها وتحديثها، استعدادا لها. ما عدا ذلك فهو تهريجٌ وغش يشبه تهريج وغش الانقاذ.
                  

08-23-2020, 01:59 AM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 817

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    المقاومة ليست في الشارع وحسب

    النور حمد

    صحيفة التيار 23 أغسطس 2020

    لقد أنجزت لجان المقاومة عملاً تاريخيًا مجيدًا، بالغ العظمة، حين واجهت نظام الرئيس المخلوع عمر البشير بتاتشراته التي انتهكت حرمة الأحياء السكنية، وداست على أجساد الثوار. لقد كانت ملاحم مواجهة الثوار لنظام البشير على مدى أربعة أشهر، عملاً نضاليًا استثنائيا، مارس فيه الثوار من النضال السلمي ما أبهر العالم. وقد انتهت تلك المواجهات الباسلة، بعد تضحيات جسام، إلى أن يخر نظام الإنقاذ المرذول جاثيا على ركبتيه. لكن، كما هو معلوم من دروس التاريخ، فإن الثورة لا تكتمل في ضربة واحدة، ولا تسير عبر مراحلها على وتيرة واحدة. ومن الخطأ، في تقديري، تصور أن العمل في التغيير سيستمر في الشارع، بذات النسق الذي بدأت به الثورة وأنجزت به الخطوة الأولى من خطوات التغيير، وهي إزاحة قمة النظام. فالواقع السياسي يصبح، نتيجة لتضارب المصالح، والمطامع الفردية، والجهوية ونزعة الاستحواذ، أكثر تركيبًا وتعقيدًا في المرحلة التي تلي إسقاط النظام. فالحراك المستمر في الشارع، بلا حسابات دقيقة، ربما يصبح سلاحًا فتاكًا في أيدي مناهضي الثورة وكارهيها.

    أكثر من ذلك، أن الحراك غير المدروس، غير المُجمع عليه تمامًا، يقود إلى إحداث انقسامات وسط الثوار أنفسهم، ويضعف حالة الإجماع العام، التي كانت السبب الرئيس وراء نجاح الثورة. علينا أن نتذكر أن تجربة الثورة المصرية، وكيف أن المصريين قد ضاقوا في مرحلة من مراحل الثورة المصرية، بإغلاق الشوارع وتعطيل معايش الناس وإرباك وتيرة الحياة اليومية. وقد أعقب ذلك الإرباك لإيقاع الحياة اليومية المصرية عامٌ من حكم الإسلاميين جعل قطاعا كبيرا من الثوار المصريين، خاصة وسط المثقفين اليساريين والليبراليين، يخشون من تكرار تجربة التمكين السودانية في مصر. هذا التراكم خلق الثغرة التي كان يبحث عنها العسكر للوثوب إلى السلطة لحماية مصالح مؤسستهم العسكرية، التي استولت على الاقتصاد في عهد مبارك، وحولتهم من جنرالات إلى أرباب أعمال بل وملوكٍ في بزز عسكرية.

    تضار الثورة كثيرًا حين ينحصر نظر الثوار في المساحة الممتدة أمام أقدامهم، لا أكثر. فالنظر الحصيف يقول إن الفترة الانتقالية فترة قصيرة جدًا، وليست هي التي تحدد مآلات الأمور في السودان، مهما صنعنا فيها. ما سيحدد مآلات السودان هو الانتخابات التي تعقب الفترة الانتقالية. ولأن أحزابنا المؤدلجة لا يزال وعيها ملفوفا في أوهام تحقيق الأهداف، عبر الشرعية الثورية، فإنها لا تزال تظن أنه يمكنها قلب كافة الأوضاع، جملةً واحدةً، وإلى الأبد، عبر المرحلة الانتقالية. هذا في حين أن المطلوب هو استغلال فرصة الفترة الانتقالية للعمل على تعديل الأوزان الانتخابية المتوارثة ليصبح جمهور الثورة وأنصارها هم الذين يأتون بأكبر عدد من النواب إلى البرلمان. إذا لم يحدث هذا، وفق صيغة ما، فإن كل ما شكونا منه في الماضي سوف يصبح هو المسيطر على الأوضاع من جديد، عقب الفترة الانتقالية، بل ومسنودا بشرعية صندوق الاقتراع. من يتابع المشهد السياسي السوداني يلاحظ أن أكثرية الفاعلين السياسيين منشغلون بتحقيق المكاسب السياسية في الفترة الانتقالية، بلا اكتراث لما سيحدث عقبها. ولا غرابة، لأن الانشغال بالآني هو طبيعة القوى السياسية لدينا. ولو حصرت قوى الثورة وخاصة لجان المقاومة نظرها في الفترة الانتقالية فإنها تكون قد منحت القوى السياسية المنظمة، وهي قوى معطوبة بنيويًا، فرصة العمر التي تريدها. باختصار شديد، تحويل لجان المقاومة إلى قوةٍ انتخابيةٍ هو الواجب المباشر، وليس العراك في الشوارع وحسب.
                  

08-25-2020, 01:26 PM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 817

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    هل ستفكك الدولة الموازية نفسها؟

    (1 من 2)

    النور حمد

    صحيفة التيار 24 أغسطس 2020

    قرأت بالأمس تقريرًا صدر عن المجلس الأوروبي للعلاقات الدولية، كتبه جان بابتيست قالوبين. حمل التقرير عنوان: "الرفقة السيئة: كيف يهدد المال الأسود الفترة الانتقالية في السودان". والتقرير ليس جديدًا جدًا، فقد صدر في يونيو؛ أي قبل شهرين من الآن. وسوف أقوم بترجمة فحوى الملخص الذي وضعه معدوه على صدره، فهو كاف جدًا ليرسم وصورة واضحة للوضع المأزوم في بلادنا. يقول التلخيص: انتقال السودان إلى حكم دستوري يواجه الفشل. فإصلاح المؤسسات الدستورية لم يبدأ، في حين يواجه القطر أزمة اقتصادية متصاعدة، وتدهورًا حادًا في أحوال الناس المعيشية، مع اشتعال للعنف الموضعي في مختلف أرجاء القطر. فالجناح المدني من الدولة السودانية مفلسٌ، ولكنه لا يود مجابهة الجنرالات الأقوياء الذي يتحكمون في شبكة واسعة من الشركات، ويعملون على الإبقاء على البنك المركزي ووزارة المالية في وضع شبيه بوضع مريض في غرفة الإنعاش في المستشفى، بغرض امتلاك وتكريس السلطة السياسية في أيديهم.

    أما دولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية فيقول ملخص التقرير عنهما، أنهما فيما يبدو يهيئان قائد مليشيا، يُعرف باسم حميدتي ليصبح القائد الجديد للسودان، غير أن الجيش يناصبه العداء بشدة. ويقول ملخص التقرير أيضًا: أما الدول الغربية والمؤسسات الدولية فقد خذلت الجناح المدني في الحكومة السودانية. فهم قد فشلوا في توفير الدعم المالي والسياسي الذي يمكِّن رئيس الوزراء عبد الله حمدوك من الوقوف في وجه الجنرالات. والفرصة الوحيدة لنجاح الفترة الانتقالية تتمثل في قدرة الحكومة الانتقالية على تثبيت الاقتصاد. وكذلك إذا عمل المدنيون بقوة شديدة لكي يعدلوا ميزان القوة بعيدًا عن الجيش ليصبح في صالحهم. وينتهي التلخيص بالقول: على الأوربيين أن يستخدموا علاقتهم بحمدوك، والإمارات العربية المتحدة، والمملكة العربية السعودية لتأسيس سيطرة للمدنيين على شبكة الشركات الواقعة في يد الجنرالات.

    لقد انفصلت الدولة الموازية عن الدولة السودانية الأم منذ عقود. وقد أخذت الدولة الموازية منذ ذاك الحين في القضاء على الدولة الأم وتحويلها إلى قوقعة فارغة. في عام 2011 أوردت صحيفة الراكوبة نقلا عن ويكيليكس أن رجال أعمال ومسئولين حكوميين ومستشارين أمريكيين قالوا، استنادًا على إفادات لمسؤول سوداني سابق، تعود إلى عامين أو ثلاثة قبل ذلك التاريخ، أي (2009)، إن الاقتصاد السوداني مهيمَنٌ عليه من قبل الشركات شبه الحكومية ذات الصلة بالنخبة الشمالية الحاكمة. وأن هناك أكثر من 400 شركة سودانية شبه حكومية، "ستُمكِّن بقدرتها المالية وأنشطتها، المؤتمر الوطني من الفوز بانتخابات 2009. وقال المسؤول الحكومي: حتى إذا تمت إزاحتهم عن السلطة فسيظلون مهيمنين على الاقتصاد". فدعونا نتصور الآن مدى السيطرة والهيمنة التي وصلت إليها هذه الشركات في الفترة الممتدة من 2009، إلى 2020. وإذا قرنا هذا بمار ورد في تقرير مجلس العلاقات الدولية الأوروبي وتركيزه على ضرورة أن يستعيد المدنيون السيطرة على الموارد الضخمة التي أصبحت حكرا لهذه الشركات الأخطبوطية، فلسوف يتضح لنا جليا أن معركة العبور نحو نظام دستوري مستقر نتنحصر بصورة رئيسية في معالجة هذا الملف، وليس غيره.

    كل حوامة خجولة مرتبكة حول هذا الملف، تتنكب مقاربته بالشجاعة والوضوح الكافي لن تجدي نفعا ولسوف ننتهي إلى اندحار للثورة وضياع كامل لشعاراتها وأهدافها. بعبارة أخرى، توقيع اتفاقية سلام مع القوى المسلحة، وإقامة مجلس تشريعي، واستكمال المفوضيات لا تعنى كلها شيئا إن لم نصل، بتوافق حكيم بين جميع الأطراف، إلى حل لهذه العقدة. (يتواصل)
                  

08-25-2020, 01:30 PM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 817

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    هل تفكك الدولة الموازية نفسها؟
    (2 من 3)

    النور حمد

    صحيفة التيار 25 أغسطس 2020

    ظاهرة تحوُّل الجيوش من مهامها التي يحددها لها الدستور، لتصبح كيانًا منفصلاً عن الدولة الأم له مؤسسات اقتصادية لها أذرع تتكون من عديد الشركات ظاهرة قديمة. غير أنها أخذت أبعادًا جديدة في ظل الأنظمة العسكرية المعاصرة، خاصة في دول العالم النامي. وللدول العربية التي حكمها العسكر لعقود طويلة، نصيب وافر في ممارسة هذا النموذج ولكن بنهج مدمر. ولقد اهتمت مراكز الأبحاث العالمية المشتغلة في مجال السياسة والسياسات بهذه الظاهرة، فأخرجت فيها العديد من التقارير والدراسات والكتب. لقد استطاعت بعض النخب العسكرية عبر هذه الفكرة الشيطانية من السطو على الدول ومن وضع الشعوب تحت السيطرة بإحكام القبضة على الموارد ومن ثم السيطرة على حركة دولاب الحياة اليومية المتعلق بمعاش الناس. وكما هي الحالة القائمة الآن في السودان، فهناك الدولة المدنية المفلسة التي لا تتحكم إلا في 18٪ فقط من الموارد وهناك المؤسسة العسكرية بفصائلها المختلفة ومن يدور في فلكها من الرأسماليين المنتفعين من ورائها الذين يسيطرون على 82٪ من الموارد، ويديرونها بمعزل عن أعين الشعب وحكومته الشرعية.

    يمثل ما تقوم به هذه الجيوش استعادة ذكية للنظام الملكي، عن طريق خلقه من جديد داخل نظام الدولة ذات السمات الجمهورية الجزئية، كما هو الحال الآن في مصر والسودان. فالقوى المسلحة بمختلف فصائلها تتحكم في مفاصل الاقتصاد تحكمًا كاملاً، بلا رقابة من أحد خارج المنظومة العسكرية. والذي تغير الآن، هو أن هذا النظام الملكي الجديد لم تعد تجلس على رأسه أسرة مالكة يترأسها كبيرها، الحامل للقب "ملك" . وإنما تجلس على رأسها مجموعة من الجنرالات الذين خلقوا لأنفسهم نظامًا ملكيًا يعمل لصالح قبيلة جديدة، هي القبيلة المسلحة. وفي هذا استعادةٌ للتاريخ تماثل التطور الذي تحولت به القبائل القوية في التاريخ إلى أُسر مالكة، كما جرى في الجزيرة العربية.

    يرى كثيرون أن شعوب الدول النامية لم تصبح مؤهلة بعد لممارسة الديموقراطية، خاصة نمط ويستمينيستر، وفي هذا قدر من الصحة في تقديري، لكن ليس هذا محل نقاشه. المهم أن حكام الخليج أصحاب الثروات الطائلة والقدرة على شراء السلاح وتوزيعه لتغيير الأنظمة في مختلف الدول، يعتنقون هذا الرأي. فهم يريدون تعميم نموذجهم على المنطقة العربية. وقد كان دورهم واضحًا في إعادة مصر بعد الثورة إلى الحكم العسكري وفق صيغة تشبه صيغة أنظمتهم الملكية. الاختلاف فقط هو وجود جنرال مكان الملك. تقوم معادلة الخليج، بحكم الثراء، على تقديم العيش الرغد مقابل صمت الشعب واستكانته. أما في مصر، حيث الموارد محدودة والقدرة المالية ضعيفة، وحيث عدد السكان بالغ الضخامة، فقد أصبحت المعادلة: البطش والاستقرار المعيشي مقابل الصمت الشعبي.

    لقد مثلت عملية فض الاعتصام بتلك الطريقة البشعة هي ضربة البداية في محاولة تطبيق نموذج السيسي في السودان. غير أن مليونية 3 يونيو 2019 أفشلت تلك الخطة. من ثم، تحول التكنيك من كسر إرادة الثوار، إلى خنق الحكومة المدنية وإفشالها بغرض إبعاد التأييد الشعبي عنها، ووضع الشعب تحت رحمة هذه القوة المستترة الغامضة التي تحاول سوقه إلى الخضوع والاستسلام عن طريق التقتير عليه في معاشه وجعل حياته اليومية جحيمًا لا يطاق. فهل يا ترى ستنجح المعادلة الخليجية في صورتها المصرية المعدلة، القائمة على البطش وشراء صمت الشعب واستكانته لقاء الأمن الشخصي واستقرار الأوضاع المعيشية؟ وهل هناك مخرج آمن يتسم بالحكمة، من هذا المطب الزلِق بالغ الخطورة؟ (يتواصل)
                  

08-27-2020, 11:17 PM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 817

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    هل تفكك الدولة الموازية نفسها؟

    (3 من 3)

    النور حمد

    صحيفة التيار

    الدولة الموازية خطة نفذها نظام الرئيس البشير، ضمن نهجه اللاأخلاقي الذي هدف إلى ترسيخ أركان النظام الكليبتوقراطي اللصوصي الذي استهدف سرقة الموارد بصورة ممنهجة بعيدًا، عن عين أجهزة الدولة الأم. وقد نبه الأكاديمي والباحث الاقتصادي الدكتور خالد التجاني النور، في السنوات الأخيرة من عمر نظام الإنقاذ إلى أن أكثر من ثلاثة أرباع الكتلة النقدية في البلاد تدور خارج الجهاز المصرفي. ورثت البلاد هذه الدولة الموازية عقب الثورة المجيدة وأصبحت بحكم طبيعتها، وغرضها الذي تأسست من أجله، آليةً مجهضة لأهداف الثورة. هي مجهضة لأهداف الثورة ومعوقة لمجريات الفترة الانتقالية، سواءً قصد القائمون على أمرها ذلك، أم لم يقصدوا. يضاف إلى ذلك، تمارس قوى الثورة المضادة في ظل هذا الوضع، اصطفافاتها المخاتلة وصيدها في الماء العكر. والثورة المضادة، فيما أرى، تشمل جزءًا من المكون العسكري، وجزءًا من الأحزاب التي تدعي أنها مع الثورة، إضافة إلى منتسبي النظام المدحور بجميع فئاتهم.

    لكن لا يمثل كلُّ ما تقدم رصده، كلَّ شيء. فهناك قوى وتوجهات أخرى لا تقل أفعالها إضرارًا بمسار التعافي المؤسسي، وجهود تصحيح وضع الدولة الموازية. من ذلك، اللاشفافية التي اتسم بها أداء قوى الحرية والتغيير، وابتعادها المتنامي عن نبض الشارع. يضاف إلى ذلك، ضعف أداء حكومتها التي أتت بها وحالة الغياب التي غرقوا فيها. إلى جانب كل ذلك، هناك أيضًا الحركات المسلحة التي أسهمت في أن يسيطر الضجر على نفوس الجماهير وأن تدب فيهم روح اليأس، بسبب استطالة أمد المفاوضات وتعثرها. إلى جانب ذلك، انحصار هم المتفاوضين في المحاصصات وفي مغانم الفترة الانتقالية، خصمًا على بث روح الأمل في الناس، والسعي إلى تحقيق أهداف الثورة الكبرى في التحول الديموقراطي. لقد تعطل تعيين الولاة المدنيين بهذا السبب وتأخر إنشاء المفوضيات أيضًا. كما عطلت قوى الحرية والتغيير قيام المجلس التشريعي بسبب سيطرة عقلية المحاصصات هذه، وبسبب تراخي قوة الحرية والتغيير في حسم هذه النقطة.

    هذه هي صورة المشهد المتشظي الذي يسهم بالضرورة في ترسيخ عقيدة العسكريين القديمة التي وقفت وراء كل الانقلابات العسكرية التي أكلت 52 عامًا من عمر استقلال البلاد، وانتهت بالبلاد إلى حالة الفشل والضعة التي نراها بها اليوم. تتلخص عقيدة العسكر الراسخة في أن المدنيين لا يصلحون للحكم. وللأسف فإن سلوك المدنيين يقدم للعسكر مزيدًا من الشواهد لكي يظلوا على عقيدتهم تلك. فالمدنيون بأنانيتهم وتمركزهم حول مصالحهم الذاتية والجهوية الضيقة، يؤكدون باستمرار للعسكريين بأنهم ليسوا أهلا للحكم. هذا الوضع المعقد والشائك يحتاج نقاشًا شفافًا في الهواء الطلق. ولا بد أن يكون نقاشًا في الفضاء العام. فنخبنا المدنية والعسكرية لا تزال أسيرة لاتخاذ القرارات خلف الأبواب المغلقة. وفي تقديري أن الجنوح إلى الإخفاء، من قبل العسكريين والمدنيين، على السواء، أمرٌ يقف وراءه شعور بالإثم. وكما قيل قديما: "يكاد المريب أن يقول خذوني". حالة التوازي والتباعد الراهنة التي ظهرت في خطاب حمدوك وهو يخاطب عامة الشعب من جهة، وفي خطاب البرهان وهو يخاطب القوات المسلحة من الجهة الأخرى، وضعٌ يتحتاج إلى تفكيك عبر وساطة تذلل حالة التوازي القائمة هذه. فهذه حالة بالغة الخطورة على مستقبل الثورة ومستقبل البلاد أيضًا. فهل نحلم بأن يضع الجميع بطاقات اللعب، جميعها، فوق الطاولة ليصبح الحوار الشفاف نهجًا لمقاربة إشكالاتنا؟
                  

08-29-2020, 02:32 AM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 817

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    شركات الجيش ما لها وما عليها

    النور حمد

    صحيفة التيار 28 أغسطس 2020

    يستغرب المرء ألا يزال هناك من العسكريين من لا يزالون يريدون مواصلة الإمساك بمقاليد السلطة، والانفراد بها، رغم التجربة الفاشلة للرئيس المخلوع ورهطه على مدى ثلاثين عاما. والأغرب أن بعضًا من هؤلاء كانوا ضمن الحاشية العسكرية للرئيس المخلوع. يعرف هؤلاء أن حكم المخلوع ورهطه هو ما قاد إلى عزلة البلاد الدولية وإلى وضعها ضمن قائمة الدول الراعية للإرهاب وعطل تدفق الاستثمارات إليها. كما أدى إلى حرمانها من التكنولوجيا ومن القروض والمعونات الدولية التي تتلقاها الاقتصادات المتعثرة. كما أوقف، في جملة الحال، عجلة البلاد الاقتصادية، حتى أصبح مظهرها العام بائسًا، كئيبًا، لا يعكس سوى الفقر المدقع وقلة الحيلة. لقد استهزأ الرئيس المخلوع ورهطه بالشعب، وقالوا إنهم لن يسلموا الحكم إلا لعيسى. كما حاولوا الالتفاف على إجراءات الخنق التي مارسها، بالتوجه إلى دول شرق آسيا وبخلق قنوات أخرى ملتوية تخفي أنشطتهم عن أعين المجتمع الدولي. غير أن ذلك لم ينجح وأتت حالة الخنق الدولية أكلها، وقد ساعد في ذلك، الفساد العام الذي سيطر. ثار عليهم الشعب، وخرَّ بنيانهم وهم قيام ينظرون غير مصدقين. فهل يريد جنرالات الجيش أن يعيدوا علينا هذه التجربة الفاشلة بكل تفاصيلها، مرةً ثانية؟

    المرحلة الراهنة مرحلة مرتبكة، وما كان من الممكن أن تكون بخلاف ذلك. بل، من كان يتوقع أن تكون بخلاف ذلك، شخصٌ حالم. القوى السياسية الممسكة بمقاليد الأمور الآن، كانت غائبة عن العمل التشريعي والتنفيذي لثلاثين عاما. يضاف إلى ذلك أنها أتت إلى السلطة وهي تئن من ثقل رزايا التمركز حول الذات الحزبية والأيديولوجية واختطاف مفهوم الشرعية الثورية. فهم الآن يمارسون تمكينا عكسيًا، أشبه بتمكين الإنقاذ. كل الفرق أن التمكين الحالي تقاسمته جهات حزبية عدة، وليس جهة واحدة، كما في عهد الإنقاذ. لكن، فإن المحصلة النهائية واحدة، وهي إقصاء الكفاءات واحتكار سلطة القرار.

    هذا الوضع وضع مأزوم ولا يملك أن يخرج من أزمته هذه إلا قليلا. لذلك، تقتضي الحكمة ألا نسهم في تعقيده أكثر بالشد الحاد والتشاكس ونهج المعادلات الصفرية التي تنتهي بسحق الخصم وتذريته في الهواء. المطلوب في هذا الوضع المأزوم أن نترك الفترة الانتقالية تكمل شوطها على علاتها. وأن ننتظر صندوق الاقتراع ليكون الأداة الحاسمة في قطع الألسن فيما يتعلق بالأوزان الانتخابية. مع أن نسعى بأسرع ما يكون في تكوين المجلس التشريعي بصورة متوازنة وفي إنشاء المفوضيات، وعلى رأسها مفوضية الدستور ومفوضية الانتخابات. وعلى القوات المسلحة وقوات الدعم السريع أن تشرف على ضمان أن يصل هذا المسار إلى غايته، وألا تستخدم قوتها الاقتصادية التي اكتسبتها في فترة حكم الرئيس البشير في زيادة تأزيم هذا الوضع لخدمة أجندتها.

    هناك لغطٌ كثير حول شركات الجيش. وهو لغط فيه الكثير من الخلط بين الحق والباطل. لا ضير أبدًا أن تكون للجيش صناعات عسكرية، بل، ينبغي أن تكون له صناعات عسكرية. أما أن تشتغل القوات النظامية من جيش ودعم وسريع وأمن وشرطة في الاتجار بالموارد، وأن تكون حصائل اتجارها مخفية عن جهاز الدولة، بما في ذلك المراجع العام، فهذا وضع مرفوض. بل، لا يوجد شبيه له في العالم، إلا في دول استبدادية قليلة، يديرها حكام لصوص يستديمون الاستبداد العسكري عن طريق مساومة الشعب عبر خنقه في معاشه وتهديد أمنه.
                  

08-30-2020, 09:01 PM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 817

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    الإنقاذ لا تزال تعيش بيننا

    النور حمد

    صحيفة التيار 30 أغسطس 2020

    واهمٌ من يظن أن نظام الإنقاذ قد ذهب مع ذهاب الرؤوس المدبرة التي كانت تديره. فنظام الإنقاذ أسس قواعده على عللٍ في بنية عقلنا الديني الجمعي، الذي قلبته الخديوية منذ مائتي سنة رأسًا على عقب وحولته من عقل صوفي إلى عقل فقهي. كل ما في الأمر، أننا أصبحنا، منذ دخول الخديوية إلى بلادنا، نتمسح بتراثنا الأخلاقي الأرواحي والصوفي الإسلامي والمسيحي شكلاً، في حين أن بناءنا الأخلاقي اخترقته نزعة نفعية، أساسها حيازة الدنيا باسم الدين. عملت الإنقاذ على التكوين الأخلاقي الروحاني الذي يجمع السودانيين بمختلف عقائدهم، فأنفقت على مدى ثلاثين عامًا جهدًا كبيرًا وأموالاً طائلة في تحويله، فتشوه وغامت الرؤية أمام ناظريه. وحتى الذين لم يتأثروا منا بالخطاب الإعلامي الإنقاذي، كانوا أصلاً متأثرين بالثقافة الخديوية وفقهها السلطاني وأخلاقياته التي ورثتها الإنقاذ وأقامت عليها أبنيتها.

    من الخطأ أن نظن أن تأثير الإنقاذ قاصرٌ على منتسبيها وحدهم. فالتردي الأخلاقي السائد الآن والذي يطالعنا في كل مجريات حياتنا اليومية، ليس قاصرًا على منسوبي الإنقاذ من قيادات ومن قواعد، وإنما هو حالة أشبه ما تكون بالحالة العامة. فهناك القطاع العريض من السلبيين المكتفين بالفرجة على ما يجري، مع انخراط كلي في ممارسة كل الرذائل في مجريات الحياة اليومية؛ من بيع وشراء وغير ذلك من معاملات طابعها المكر والغش. فهؤلاء إنقاذيون حتى مشاش العظم. كما أن كثيرًا ممن يظنون أنهم ثوار، ممن جعلهم يُتْمُ الثورة الممسكين بمقودها، زاعمين أنهم نقيضٌ حقيقيٌّ للإنقاذ، لا يحملون، في حقيقة الأمر، من هذا الزعم سوى الادعاء.

    الإنقاذ تعيش الآن بيننا في كل شيء. فهي لم تأت أصلاً إلا لأن في واقعنا الاجتماعي والسياسي والثقافي ما استدعاها. من يملك حصيلةً متوسطةً من العلوم الإنسانية، وبخاصة العلوم الاجتماعية، يعرف أن الصراع السياسي المرير الجاري الآن لا يعكس في حقيقة الأمر معسكرات متباينة، وإنما يعكس صراعًا داخل معسكر واحد سماته الأساسية التآكل الأخلاقي، والتمركز حول الذات وسيطرة النزعة النفعية. بدأ هذا التآكل الأخلاقي في سردية التاريخ الإسلامي يوم أن نصرت الغوغاء المتسلحة بالنزعة النفعية، معاوية بن أبي سفيان على علي بن أبي طالب. بل، قال أكابرهم: "الصلاة خلف عليٍّ أقوم والطعام عند معاوية أدسم". منذ تلك اللحظة الفارقة، تحولت الدعوة الإسلامية الأخلاقية المتعففة المتنسكة، إلى ملكٍ عضوض. وكل فقه جرى إنتاجه منذ تلك اللحظة، وإلى يومنا هذا كان فقًا سلطانيًا، دوره الرئيس هضم حقوق الأكثرية المضللة باسم الدين، لصالح الأقلية الممسكة بمفاصل السلطة والثروة. هذا ما رسخته الإنقاذ وقدمت فيه نموذجًا بشعا.

    لو راقبنا مسلك المكون العسكري والأمني في المشهد الحاضر منذ فض الاعتصام وحتى خطاب البرهان الأخير، ولو راقبنا سلوك الحركات المسلحة وتعطيلها لمجريات الثورة لتحجز مقاعدها في السلطة، ولو راقبنا مسلك حزب الأمة وتذبذباته، وكذلك، ازدواجية الموقف لدى الحزب الشيوعي وتهافت البعثيين على الظهور الحزبي، لاتضحت لنا البنية الأخلاقية المهترئة التي تجمع كل هذا الشتات. ما جرى، في نيرتتي وكادقلي والجنينة وبورتسودان، ومؤخرًا في كسلا يدل على أن الانقاذ هي كل أجهزة الدولة المختلفة، وهي أيضًا هذا الجمهور النزق القابل للشحن من قبل المغرضين، والانجراف بلا وعي في وجهة تسبيب الانفلاتات الأمنية المتسلسلة. كل ما نراه الآن هو الماضي المعلول بلحمه ودمه. فإذا لم تتحول هذه الثورة إلى ثورة ثقافية تستهدف إصلاح البناء العقلي والنفسي ووقف هذا التآكل الأخلاقي الشامل، فإن مشوارنا نحو التعافي سوف يطول، ولسوف تكتنفه تضحيات جسام.
                  

08-31-2020, 12:56 PM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 817

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    نحو عقدٍ وطنيٍّ جديدٍ مع الجيش

    النور حمد

    صحيفة التيار 31 أغسطس 2020

    تقتضي ثورة ديسمبر العظيمة بأهدافها السامية المتمثلة في الحرية والسلام والعدالة، ضمن ما تقتضي، كتابة عقدٍ جديد بين الشعب السوداني وجيشه. فقد ظللنا نتطلع إلى أن تخرج بلادنا من حالة التكبيل التعيسة التي عاشتها على مدى 64 عامًا، وأصبحت بها الأسوأ في كل شيء، حتى بالمقارنة إلى أقرب جيراننا الذين لا يملكون مواردنا كالتي نملكها. ولكي نبدأ البداية الصحيحة في هذه الوجهة المهمة ينبغي أن نعترف، نحن المدنيين، أننا نحن الذين جررنا الجيش إلى حلبة السياسة، ثم عجزنا أن نخرجه منها. ضربة البداية في هذه الوجهة المهلكة قام بها حزب الأمة، عبر رئيس وزرائه عبد الله خليل، الذي قام بتسليم السلطة للفريق إبراهيم عبود، في نوفمبر 1958، مقوضًا بذلك حكومةً منتخبةً، كان هو رئيس وزرائها. ثم توالى عقب ذلك انهيار قطع الدومينو نتيجةً طبيعية لسقوط القطعة الأولى.

    بسبب تآمر الأحزاب التقليدية الأمة والاتحادي، إضافة إلى الإسلاميين، في فترة الديمقراطية الثانية (1964 -1969)، على أحزاب القوى الحديثة ومن ذلك تعديلهم الدستور ليتسنى لهم حل الحزب الشيوعي وطرد نوابه المنتخبين ديموقراطيا من البرلمان في عام 1956، مضيفين ذلك إلى ما سبق أن قاموا به من في إجهاض ثورة أكتوبر وإنهاء الفترة الانتقالية في بضع أشهر، جاءت مايو لتثأر لليسار مما لحق به، مدعيةً أنها إعادة إحياء، من جديد، لثورة أكتوبر التي أغتيلت في مهدها. فوقفت أحزاب اليسار مع مايو بقوة. هكذا انفلت زمام الأمور وتسلست الانقلابات، واستمر تبادل الثأرات إلى يومنا هذا. عبر الانقلابات سيطر الجيش على السياسة في السودان. وكان نصيبه في الحكم 52 عامًا من جملة 64 عامًا هي مجمل عمر الاستقلال. أما النتيجة النهائية، لهذا الخلل القاتل فإنها تحدث عن نفسها الآن في جميع أحوالنا، بأفصح لسان.

    لا أعتقد أن هناك مواطنًا مدركًا يريد أن ينال من جيش البلاد أو يقلل من شأنه أو أهميته. لكن هناك وضع مختل تسببنا فيه نحن المدنيين واستغلته المؤسسة العسكرية لتخرج من حدود مهامها التي يحددها لها الدستور، فتحتكر السلطة السياسية على مدى 52 عامًا. هذا الوضع خاطئ وينبغي أن يجري تصحيحه وفق عقد وطني جديد شفاف بين الشعب وجيشه. ومما يعين على تصحيح الوضع القائم تجنُّب اللغة الحادة وإرسال الاتهامات وإعادة تدوير اللغة القديمة. فوصف كل من ينادي لإصلاح هذا الوضع بالعمالة والخيانة لن يعين على تصحيح الاختلال. بل سيزيد الأمور تعقيدًا ويقود في نهاية الأمر إلى اعتناق نهج المعادلات الصفرية التي سوف تقود البلاد إلى الانهيار التام، وهي تقف أصلا على الحافة. من الجانب الآخر يمكن للمدنيين مناقشة خلل انخراط الجيش السوداني في السياسة وأن يبينوا وجهة نظرهم بموضوعية، بلا هزؤ وسخرية وإهانات.

    ورد في الأنباء بالأمس حديث للمستشار الإعلامي للفريق أول عبد الفتاح البرهان، رئيس المجلس العسكري الانتقالي العميد الطاهر أبو هاجة، قال فيه: «في ظل وجود المهددات الأمنية المتكررة وعدم ارتكاز القرار السياسي على البعد الأمني بأبعاده الوطنية ستستمر معاناة الشعب خلال الفترة الانتقالية وستتعثر الفترة الانتقالية في الوصول لأهدافها المنشودة». كما ورد أيضًا قوله: «مخطط تقسيم السودان وإضعاف قواته المسلحة هو الأساس الذي يعتمد عليه هذا المخطط والتجارب أمامنا ماثلة وكثيرة». ما قاله العميد أبو هاجة يبعث على الانزعاج ويحتاج إلى مناقشة موضوعية. وسيكون ذلك في عمود الغد.
                  

09-01-2020, 10:29 AM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 817

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    في حالة الاحتقان الراهنة

    النور حمد

    صحيفة التيار .الاول من سبتمبر 2020

    كتبت في عمودي ليوم أمس أننا بحاجة إلى عقد وطني جديد مع الجيش. وقلت إنني سوف أناقش ما ورد على لسان السيد المستشار الإعلامي لرئيس المجلس السيادي الفريق أول، عبد الفتاح البرهان، العميد الطاهر أبو هاجة، الذي قال فيه: «في ظل وجود المهددات الأمنية المتكررة وعدم ارتكاز القرار السياسي على البعد الأمني بأبعاده الوطنية ستستمر معاناة الشعب خلال الفترة الانتقالية، وستتعثر الفترة الانتقالية في الوصول لأهدافها المنشودة». تساءلت في نفسي أول ما قرأت هذه الجمل: كيف يكون: «عدم ارتكاز القرار السياسي على البعد الأمني بأبعاده الوطنية»، سببًا للنتيجة التي صورها العميد أبو هاجة، بقوله: «ستستمر معاناة الشعب خلال الفترة الانتقالية». ما هي العلاقة الشرطية بين الإثنين؟ هل يعني هذا: عليكم أن تتركونا ندير الدولة بمفردنا بنهج أمني صرف، فإن لم ترضوا بذلك، فأبشروا بالمعاناة في معيشتكم اليومية؟ وقد قال العميد أبو هاجة إضافةً إلى ذلك: «وستتعثر الفترة الانتقالية في الوصول لأهدافها المنشودة». يعني ذلك، باختصار، إذا لم نسلم نحن المدنيين بأن يدير الجيش الفترة الانتقالية بمفرده، وفق نهج أمني صرف، فلا ينبغي أن نحلم بعيش بلا عسر، أو إكمال للفترة الانتقالية، وفقًا لما جاء في الوثيقة الدستورية وما جاء، أيضًا، في اتفاق جوبا الذي جرى توقيعه بالأمس مع الحركات المسلحة.

    دعونا نقرأ المشهد الراهن في كليته، مصطحبين معنا ما قاله حمدوك، من أن الدولة لا تتحكم سوى في 18% من جملة المداخيل العامة، ودعونا نقرن ذلك بخطاب الفريق البرهان الغاضب الذي أظهر فيه عدم استعداد الجيش للتفاوض حول إعادة ولاية كل المال العام إلى إشراف الدولة، ورفضه بالتالي خضوعه للمراجعة من جانب المراجع العام. ودعونا نضيف إلى ذلك، دفاع البرهان المستميت عن قوات الدفاع الشعبي، التي لم تكن في حقيقتها سوى مليشيا حزبية عملت على تثبيت أركان النظام السابق المستبد الفاسد. ودعونا نضيف إلى ذلك، أيضًا، محاولة حزب الأمة والمؤتمر الشعبي تكوين حاضنة جديدة للحكومة. ألا يبدو أن هناك رابطًا عضويًا بين جميع هذه التململات، وأن وراء الأكمة ما وراءها؟

    ينشأ مما تقدم سؤال وهو: أين سيكون موضع الدكتور عبد الله حمدوك في هذا البساط الأحمدي؟ هل سيبقى مع أجندة الثورة ومع جمهور الثورة، أم أنه أصيب بالقرف من حاضنته السياسية ومن شلة مزرعته، كما أُصبنا، وربما وجد نفسه مضطرًا ليركن للحاضنة الجديدة التي هي قيد التكوين ليضمن للفترة الانتقالية فرصة إكمال مدتها؟ وهناك سؤال آخر: ماذا ستصنع الأحزاب الأيديولوجية الصغيرة التي اختطفت مقود الثورة في لحظة غفلة من الثوار وانفردت بإصدار القرارات الهلامية التي لا تأثير لها على أرض الواقع ففقدت بذلك جمهور الثورة أو تكاد؟ فلا التمكين جرى تفكيكه كما ينبغي ولا معاش الناس أصبح ميسورًا، ولا أمنٌ جرى استتبابه. بل سارت الأمور في كل أولئك، عكس ما كان الناس يينتظرونه، وبصورةٍ بالغة الفظاعة.

    ظللت باستمرار أرى ألا فرق بين نخبنا السياسية، سواءً أن كانت في اليمين، أو في اليسار. فالعقلية المعلولة واحدة، فهي يسيطر عليها العُجب بالذات ونزعة الانفراد، إضافة إلى الانغماس في نهج المكر وتبادل الثأرات. رغم توقيع اتفاق السلام بالأحرف الأولى في جوبا، الذي يبعث في ظاهره على الأمل في أن تستقر الفترة الانتقالية، ونرجو أن يحدث ذلك، إلا أن هناك من الشقاق والتدابر ومن فوحان روائح المكر ما قد لا يترك الأمور تسير على ما يرام. وستتواصل قراءة ما يجري.
                  

09-03-2020, 01:42 AM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 817

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    هلا خرجنا من حفرة "حبر على ورق"؟

    النور حمد

    صحيفة التيار 3 سبتمبر 2020

    لا أعد نفسي شخصًا متشائما. بل على العكس منذ ذلك، أعد نفسي شخصًا متفائلاً، لا ينفك يتمسك بأهداب الأمل، مهما ضؤل ويتعلق بحلم بوطن مستقر، مزدهر، متوثب. فقد قيل قديما: "ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل"٠ وقد ورد أيضًا في القرآن الكريم: "وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ". يطول بنا زمان التيه ويستعصي الخروج من نفق العجز وقلة الحيلة، ولكن رغمًا عن ذلك تبقى راية الأمل فينا منغرسة الصاري في تربة هذه البلاد، ترفرف وضيئةً في الفضاء، مُنْبِئةً ببشريات تبدل الأحوال الحتمي الذي ينتظرنا عند منعرج الطريق الذي وصفه محمد المكي إبراهيم بقوله البهي: "البوق يصدح والطريق مقوسٌ نضرٌ وألحان السماء ترقرق". لقد تفتحت أعين جيلنا على ثورة 21 أكتوبر، ونحن لم نزل بعد صبية. ومنذ ذلك التاريخ بقينا نحلم بتبدل الأحوال رغم مسلسل الخيبات المتعاقبات، التي يأخذ بعضها برقاب بعض. عبر هذه المسيرة الطويلة المتعثرة، أيقنا شيئًا واحدًا، هو: أن بلادنا بلا قادة وبلا خطة وبلا خارطة للتغيير. أي، نحن شعب بلا قادةٍ قلوبهم مملوءة شغًفا بالتغيير. قادة ذوو ضمائر يقظة وحسٍّ أخلاقيٍّ سليم، وشعورٍ حيِّ يألم لآلام الضعاف الحزانى المحرومين.

    لو تأملنا تاريخ الصراع السياسي الذي شهد نقلةً نوعيةً في الاحتدام والتعقيد، في حقبة حكم الرئيس الراحل جعفر نميري، واستمر إلى يومنا هذا، وتتبعنا مسار ما جرى من اتفاقيات، لهالنا كمها وتنوعها. ودعونا نذكر منها، على سبيل المثال لا الحصر: اتفاقية كوكادام واتفاقية شُقْدُم واتفاقية جيبوتي واتفاقية أسمرا واتفاقية الميرغني قرنق واتفاقية أبوجا واتفاقية نيفاشا وأخيرا اتفاقية جوبا. لم ينتج من كل هذه الاتفاقات أي تأثير إيجابي على مجريات واقعنا السياسي والاقتصادي والاجتماعي. فقد لبثنا: "نخرج من حفرة لنقع في دحديرة"، كما يقول المثل السوداني. لقد كانت اتفاقياتنا، على كثرتها اللافتة، مجرد حبر على ورق. كانت مجرد بنودٍ من النوايا الطيبة مرقومة على الورق. فهي لا تعكس أي عمارٍ في عقول وقلوب الذين عكفوا على مداولاتها المضنية، وقاموا بوضعها على الورق. والدليل على ذلك، هذا التراجع المستمر في أحوال البلاد والعباد، على مدى عقود طويلة، سِمَتُها الرئيسة: العجز والفشل وتدهور الأحوال، على كل صعيد.

    خلاصة القول، العبرة ليست فيما يحويه الورق، وإنما فيما تحويه العقول والقلوب، التي وقفت وراء ما جرى خطُّه على الورق. لقد ظلت نخبنا السياسية تتعاطي مع التغيير بوصفه فعلاً إجرائيا محضا. لذلك هي تنفق الجهد والوقت في تدبيج الخطاب السياسي وفي صياغة بنود الاتفاقيات التي ليست في حقيقتها سوى لغة مرقومة على الورق. ولا غرابة أن بقيت على الدوام بلا تأثير على الواقع. فقد استمر رغما عن كثرة الاتفاقيات تقهقر أحوال الواقع التي تتحكم فيها ديناميات معلولة، شبه ثابتة. فنخبنا السياسية، في مجملها فارغة العقول، معلولة الوجدان. ولأن هذه النخب متضخمة الذوات فإن ما تصيغه في الاتفاقات ينحصر احتفاؤها به في المحاصصات في المناصب وفي تضمين ما يؤمن المصالح الضيقة من الغوائل. لقد ظلوا يختزلون شرط التغيير في مجرد تَسَنُّمهم للمناصب. لم نر منهم انشغالاً بإحداث ثورة فكرية وثقافية وتعليمية واقتصادية واجتماعية، وإنما انشغالا بالمصلحة الفئوية. يتماثل في ذلك العسكر والمدنيون. نسأل الله أن يخالفوا رأينا فيهم هذه المرة.
                  

09-03-2020, 09:00 PM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 817

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    هل يُحدث اتفاق السلام توازنًا عسكريا؟

    النور حمد

    صحيفة التيار 4 سبتمبر 2020

    على الرغم مما أحاط باتفاق سلام جوبا بين الجبهة الثورية والحكومة الانتقالية من تحفظاتٍ وتوجسٍ من قبل البعض واحتفاءٍ عارمٍ من قبل آخرين، تبقى لهذا الاتفاق، على المستوى النظري على الأقل، مزايا لا تخطئها العين. فهو يوجد قدرًا من التوازن العسكري بين القوى الفاعلة في المشهد السياسي الحالي المتسم بالهشاشة. لقد أوجد الرئيس المخلوع قوات الدعم السريع، وفقا لما جرى الترويج له حين نشأتها، بأنها ستكون الذراع العسكري الأخف حركة لنظام الانقاذ العسكري الذي تقمه به الحركات المسلحة الناشطة في مختلف أقاليم البلاد. كما أن لها غرضًا آخر غير مذاع وهو أن تكون رادعًا للجيش، لكيلا ينقلب على البشير ودائرته الصغيرة التي احتكرت السلطة وأقصت الجميع . وأصبح حتى الإسلاميون أنفسهم، مجرد ديكور يزيِّن أطراف بنية النظام، على تفاوتٍ بين فصائلهم. بطبعه لا يأمن الديكتاتور الفاسد أحدًا على كرسيه. لذلك فهو يضحي بحلفائه، متى ما أحس أنهم أضحوا خطرًا عليه. يفعل ذلك مهما كانت الروابط التي ربطته بهؤلاء الحلفاء.

    لقد سارت الأمور على خلاف ما خطط له الرئيس المخلوع. فقوات الدعم السريع أُنشئت أصلًا لتصبح أداةً لإضعاف الحركات المسلحة، ولتصبح، في نفس الوقت، رادعًا استباقيًا للجيش ولمن يقف وراءه من الإسلاميين المتململين. لكنها تحوَّلت عبر تسارع مجريات أحداث الثورة، فكانت هي قطعة المعضلة التي أدى استقلالها بقرارها إلى الانهيار السريع للنظام. فالأمور لم تجر وفقًا لما خطط له الرئيس المخلوع، ولما سعى إليه الإسلاميون عبر جهودهم المنسقة التي تسببت في حالة الانكشاف الاقتصادية والأمنية الخطيرة الشاملة التي حدثت مع بداية الثورة. والآن يأتي اتفاق جوبا ليخلق ترتيبًا جديدًا للمشهد. ففي الوقت الذي أخذت تخرج فيه من أفواه العسكريين تصريحات تشي بالتفكير في القيام بانقلاب عسكري على الفترة الانتقالية، جرى التوقيع على اتفاق جوبا الذي سيدمج قوات الحركات المسلحة في بنية الجيش. أو على الأقل، يشرعن وجودها ضمن المنظومة العسكرية القائمة.

    المشهد الراهن مليء بالشقوق. فحركة العدل والمساواة كانت منخرطة على نحو ما في صراع الإسلاميين فيما بينهم، وربما لا تزال لها صلة ببعضهم. أما الحركة الشعبية قطاع الشمال، فقد انشقت على نفسها وانفصل فيها النيل الأزرق عن جبال النوبة. كما برز من شظيتها الأصغر حجمًا هذه والأقل قوةً، طرفٌ أخر يمثله التوم هجو، الذي وقع في اتفاق جوبا عن الوسط النيلي، بلا تفويض من أهل الوسط النيلي، بل، وبلا قواتٍ عسكريةٍ أصلا. جملة القول، لربما تكون إحدى مزايا اتفاق جوبا أنه، رغم الحديث عن إدماج كل قوات الحركات المسلحة في بنية الجيش، فإنه قد خلق، بطريقةً ما، أقطابًا عسكريةً جديدة، ربما تقطع الطريق على التفكير في القيام بانقلاب عسكري على الفترة الانتقالية. ويقدم ما جرى من اعتداء على شرائح غرفة الأخبار في تلفزيون السودان في الليلة السابقة لتوقيع اتفاق السلام، دليلا على كره قطاعٍ من الإسلاميين لهذا الاتفاق، بل وحالة يأس من جملة الأوضاع. فدافع سرقة الشرائح وتخريب الأجهزة يدل على الشعور بأن هذا الاتفاق قد أبعد احتمال حدوث الانقلاب العسكري. بهذا الاتفاق تعددت الروادع العسكرية الاستباقية، كما اقترب أوان استكتمال أجهزة الحكم الانتقالي وملء الشواغر في السلطة التنفيذية. هذا فيما يتعلق بالتوازن العسكري، أما التوازن العسكري المدني، فله دينامياته المختلفة.
                  

09-05-2020, 01:40 AM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 817

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    الصادق المهدي في "العين الأخبارية"

    النور حمد

    صحيفة التيار 5 سبتمبر 2020

    صدرت يوم أمس 4/9/2020 تصريحات لافتة للسيد الصادق المهدي، في المنصة الرقمية المسماة "العين الأخبارية"، جاء فيها: مواقف الإمارات تجاه السودان إيجابية منذ عهد الشيخ زايد ونشيد بدورها في اتفاق جوبا. كما جاء فيها: نحن مع تسليم البشير وبقية المطلوبين للجنائية الدولية، لأنه وسيلة للتطبيع مع الأسرة الدولية. وجاء فيها، أيضًا: إذا فشلت التجربة الديمقراطية سيكون السودان مرتعًا للإرهاب، والعالم يؤذي نفسه بعدم تحركه لإنقاذ التدهور الاقتصادي في السودان. وحول الانخراط التركي في الملف الليبي قال السيد الصادق المهدي: إن وقف التدخل الخارجي وإجلاء المرتزقة نهائيًا من ليبيا يمثل أهم الحلول للأزمة فيها، وأن تركيا تدعم توجهات ضد الأنظمة القائمة في المنطقة بإيواء الجماعات الإرهابية.

    كل هذه التصريحات إيجابية، ولا يملك المرء سوى أن يبصم عليها بالعشرة. وهي تمثل، في نظري، تحولاً مهمًا في رؤية السيد الصادق المهدي السياسية. كما تمثل نقلةً فارقةً في تكتيكاته في التعاطي مع المستجدات الآنية. تمثل هذه التصريحات منعرجًا لافتًا، لأن السيد الصادق المهدي ظل متهمًا، وبحق، بأنه إخواني الهوى، ما جعل الحركة الإسلامية، منذ ثورة أكتوبر 1964 وحتى قبل ثلاثة أيام، الحليف المفضل إليه، على مدى عقود، في المناورات السياسية، بل، وكذلك في العمل العسكري ضد الأنظمة العسكرية. وقد صرح السيد الصادق المهدي قبل بضعة أيام أنه اتفق مع المؤتمر الشعبي، وهو فرع الحركة الإسلامية الذي أنشأه الدكتور الراحل حسن الترابي، على أن يشكلا معًا حاضنة سياسية جديدة لحكومة الفترة الانتقالية. وهذه واحدة من الأعاجيب التي لا يفتأ يتحفنا بها السيد الصادق المهدي، كل حينٍ وآخر.

    ما من شك أن تحالف السيد الصادق المهدي مع المؤتمر الشعبي رغم بقاء الأخير متشبثًا ببقاء الرئيس البشير في السلطة حتى سقط، ليشكلا معًا، حسب زعمهما، الحاضنة الجديدة لحكومة الفترة الانتقالية، ليس سوى قفزة في الظلام. وهي قفزةٌ من جنس تلك القفزات الكثيرة المماثلة، التي اعتدنا عليها منه. لا يمكن للسيد الصادق المهدي أن يكون واقفًا مع التوجهات الإماراتية السعودية المصرية، خاصةً في حالة الشد الحادة الراهنة في الإقليم، ويصبح في نفس الوقت واقفًا مع المعسكر التركي القطري الإخواني الذي تمثل الحركة الإسلامية السودانية، بسائر فصائلها، وكيلته الحصرية في السودان. لقد انتقد السيد الصادق المهدي الدور الذي تقوم به تركيا حاليًا في الإقليم وهذا عمل صائب. بل ذهب إلى وصف تركيا بأنها تؤوي الجماعات الإرهابية، وهذا اتهامٌ صحيح.

    أما موافقة السيد الصادق المهدي على تسليم الرئيس المخلوع للمحكمة الجنائية الدولية، فتمثل استدارةً بمقدار 180 درجة، من قولته الشهيرة السابقة: "البشير جلدنا وما بنجر فيهو الشوك". وهي نقلة لافتة لا نملك إلا الإشادة بها. فإنه لا مجال للتطبيع الكامل مع المجتمع الدولي إلا بتسليم مجرمي حرب دارفور إلى العدالة الدولية. كما أن موقف السيد الصادق المهدي من تركيا، زعيمة المحور الإخواني الإمبراطوري التوسعي، فتمثل نقلة لافتة أخرى. ختامًا، بقي أن ينأى السيد الصادق المهدي بنفسه عن ديدنه القديم في اتخاذ الكتلة الإخوانية السودانية بطاقة للمناورة في الداخل السوداني. وأن يثبت على هذه التصريحات الراشدة، فلا يخرج علينا لاحقًا بما يناقضها. وعمومًا، ليس من الميسور أن نقف في لحظتنا الراهنة على نفس المسافة من المحورين الإقليميين القائمين الآن. وكما قيل قديمًا: "بعض الشر أهون بعض".
                  

09-06-2020, 03:59 AM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 817

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    حتى لا ننتهي إلى نيفاشا أخرى

    النور حمد

    صحيفة التيار 6 سبتمبر 2020

    أولا لابد من الإشادة بلقاء رئيس الوزراء عبد الله حمدوك بالسيد عبد العزيز الحلو، رئيس الحركة الشعبية لتحرير السودان - شمال. فقد فتح اللقاء ما استغلق في مفاوضات جوبا حول تحقيق سلام شامل. لقد أتاح اللقاء فرصة ذهبية لاستكمال ملف السلام، حتى لا يبقى الباب في قضية السلام، نصفٌ مفتوح وآخرُ مغلق، إذ لا سلام أصلا أن لم يكن سلاما شاملا. وقد أثبتت تجربة الإنقاذ في تجزئة قضية السلام والانفراد بكل فصيل محارب على حده، بغرض تفتيت وحدة القوى الحاملة للسلاح، أنها تنتهي فقط بمناصب ومغانم للأطراف الموقعة. ويبقى أوار الحرب مشتعلا كما هو ويستمر القطر في الأنين والهزال.

    كانت علة اتفاقية نيفاشا الجوهرية رغم جودة نصوصها أن الحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة الراحل جون قرنق ارتضت التوافق مع الإنقاذ على إقصاء القوى السياسية الشمالية. فدخلت منفردة في شراكة مع المؤتمر الوطني لحكم البلاد لمدة خمسة سنوات. وهذا واحد من مزالق ما يسمى "الشرعية الثورية". كان الأمل لدى الحركة الشعبية، أو قل لدى قرنق وبعض قادة حركته، على الأقل، أن تسهم سنوات الشراكة الخمس في جعل خيار الوحدة جاذبًا عندما يأتي أوان الاستفتاء. غير أن الإنقاذ وحزبها المؤتمر الوطني عملا بلا كلل لإفشال الفترة الانتقالية. مستندين في ذلك على وهمهم القاتل الذي غرقوا فيه وهو: أنهم هم الفائزون الحتميون في كل صراع. فأجندتهم، وفقا لظنهم بنفسهم، الطافح بالغرور، هي ما سيبقى في نهاية المطاف. وفجأة، لقي قرنق نحبه في حادثة غامضة، وأخذت الخطوط المتعلقة بالوحدة الجاذبة في التباعد بوتيرة متصاعدة. وانتهت الشراكة عبر الاستفتاء بانفصال الجنوب.

    الآن يعود موضوع الدين والدولة ليسيطر على المشهد من جديد. لكن نرجو أن نخرج به الآن من دائرة الشعارية التعبوية والجدل إلهلامي الملغوم إلى أرض الموضوعية. فحين استقل السودان كان دولة ديموقراطية لها علاتها البنيوية، لكنها كانت خاليةً من هذا الجدل الملتهب. الإسلاميون والرئيس الراحل جعفر نميري هم من أدخلونا في هذا النفق المظلم. لم تأت ما سميت، زورًا وبهتانًا، بالقوانين الإسلامية نتيجة لاستفتاء. وإنما جرى فرضها على الجميع بمراسيم جمهورية فوقية. وحتى بعد أن جاء الإسلاميون إلى الحكم، لم ينشغلوا بتطبيقها وإنما انشغلوا بجعلها ذريعةً لاحتكار السلطة والثروة وإقصاء غيرهم. لم يطبق الإسلاميون عبر ثلاثين عامًا في الحكم حدًّا شرعيًا واحدًا، لعلمهم باستحالة تطبيقه في عالم اليوم. ولم ير الشعب مما سمي تطبيقًا للشريعة سوى الفقر والمرض والإذلال.

    لقد لخص الأستاذ نبيل أديب تباكي الإسلاميين على وهم الدولة الدينية خير تلخيص حين قال: «اتفاق حمدوك الحلو هو خطوة هامة استئناف المفاوضات، وهو لا يغير ما أجمع عليه السودانيون من ضرورة تبني دستور يلزم الدولة بأن تقف على مسافة واحدة من كل الاديان، بغض النظر عن المسميات والمصطلحات، وهو ما تبناه الاسلاميون في دستوري 98 و2005. ولكن سبب احتجاجهم هو أنهم كانوا في الحكم، وكانوا يضمنون بالسلطة أن تظل نصوصا ميتة، ولكنهم الآن يخشون تطبيق تلك النصوص بعد أن فقدوا السلطة». خلاصة القول: أرجو ألا نكرر خطأ نيفاشا وننتهي ببلادنا إلى تفتيت جديد. علينا أن نؤكد وقوف الدولة على مسافة واحدة من جميع العقائد الدينية، وألا ننجرف إلى الجدل الفلسفي واللغوي حول المصطلحات. فالأثر على مجريات الواقع الموضوعي هو المهم، وليس المصطلح.
                  

09-06-2020, 10:39 PM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 817

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    الفيضانات وإدارة الكوارث

    النور حمد

    صحيفة التيار 7 سبتمبر 2020

    للأمم الحصيفة المنتبهة مؤسساتٌ لإدارة الكوارث. والسودان أحد البلدان التي أوجدتها يد العناية الإلهية في نطاق جغرافي رحيم. فما تتعرض له بلادنا يعد خفيفًا جدًا مقارنًا بما تتعرض له بلدان كثيرة أخرى. فبلادنا لا تعرف الزلازل والبراكين والأعاصير المدمرة. وما يحدث فيها، بصورة متكررة وفي أزمنة متباعدة هو المجاعات والفيضانات. ومع ذلك تبقى حكوماتنا، على الدوام، غير جاهزة بما يكفي، للتصدي لها. ولربما يكون توقع أن تكون حكومتنا جاهزة بما يكفي للتصدي للكوارث ضرب من ضروب التمني. فشؤون حياتنا اليومية نفسها التي يفترض أن تكون معافاة في الظروف الطبيعية، بقيت على مدى عقود مأزومةً ومضطربة، وكأننا نعيش حالة كارثة مستدامة.

    يهدد نهر القاش، على سبيل المثال، مدينة كسلا بصورة شبه دورية. لكن تبقى المعالجات منحصرةً في خانة المعالجات الاسعافية التي لا تتعدى طور إنقاذ ما يمكن إنقاذه، لتتكرر ردة الفعل ذاتها في كل موسم جديد. ولو نظرنا إلى فيضانات النيل الأزرق ونهر النيل التي تشكل تهديدًا كبيرًا، نجدها تحدث في دورات متباعدة. ففيضان 1946 وفيضان 1988 فصلت بينهما 42 سنة. وفيضان 1988 وفيضان 2020 فصلت بينهما 32 سنة. هذا الفاصل الزمني كان كافيًا لخلق مؤسسة متخصصة معنية بالدرء الاستباقي للكوارث، إضافةً إلى التعاطي معها بكفاءة حين تحدث. وهذا ما لم يجد منا الانتباه الكافي.

    مما يمكن أن تقوم به مؤسسة ثابتة لإدارة الكوارث إجراء البحوث المتخصصة في مراقبة تغير الأنماط المعتادة للطبيعة التي تنتج منها الكوارث. ويتضمن ذلك الرصد المبكر وتوقع مواقيت الحدوث وتقدير وطأة الكارثة القادمة والقيام بالاستعدادات اللازمة لها. ولكي تصبح سرعة التدخل ممكنةً، ينبغي أن يكون لكل ولاية مستودع للمعينات المتعلقة بالكوارث؛ كخيام الإيواء ومعينات الإعاشة من المواد الغذائية الضرورية. وكذلك المواد والأدوات الطبية وقوارب الإنقاذ الصغيرة. يضاف إلى ذلك مولدات الكهرباء وفناطيس مياه الشرب ومعدات الطهي ومستلزماته، وغير ذلك. أما ما ظل يجري منذ عقود من تشكيل لجان للطوارئ بعد أن تقع الفأس على الرأس، فهو عمل إسعافي من شأنه، إن اكتفينا به وحده، أن يُبقي الأمور دائرة في حلقة مفرغة متكررة، سمتها العجز وقلة الحيلة. ولسوف يجعل ذلك مستوى التصدي لأي كارثة جزئيًا وضعيفا، على الدوام. وهو ما يجعلنا تحت رحمة المانحين الأجانب، أعطونا أو منعونا.

    تعرضت سواحل سلطنة عمان قبل أعوام إلى إعصار مدمر أدى إلى سيول جارفة. وحين عرضت البلدان استعدادها لمد ليد العون، شكرتها السلطنة وأكدت أنها قادرة على التصدي للكارثة بمفردها. وهذا يدل على أن السلطنة كانت مستعدة مؤسسيًا للكارثة. وقد قدمت السلطنة بذلك، درسًا لجميع حكومات العالم النامي في نهوض الدولة بمسؤوليتها تجاه شعبها. وحقيقة الأمر أن انتظار العون القادم من الخارج يجعل المواطنين المنكوبين عالقين في قلب المعاناة الشديدة لأيام في انتظار أن يصل العون الأجنبي. ولا بأس أبدًا في قبول العون الأجنبي، فالتعاون الدولي مطلوب. لكن لا ينبغي أن يكون هذا هو الأساس. بلادنا بحاجة إلى مؤسسة قومية ثابتة للكوارث لها فروع في كل الولايات، تعمل مع مختلف أجهزة الدولة المركزية والولائية على درء الكوارث أولا، ثم تقديم الإسعاف السريع حين وقوعها. ومع ظاهرة التغير المناخي المتنامية فإن الكوارث الطبيعية مرشحة للازدياد في الوتيرة وفي شدة الوطأة، فهلا انتبهنا؟
                  

09-07-2020, 10:37 PM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 817

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    علمانية الدولة ليست نفيًا للدين

    النور حمد
    صحيفة التيار 8 ديسمبر 2020

    شاهدت قبل يومين فيديو مركبًا من عدة مقاطع تحدث فيه الشيخ يوسف القرضاوي وشيخ آخر لا أعرفه، لعله سعودي، إضافة إلى الرئيس المصري الراحل محمد مرسي يمدحون فيه مدنية الدولة بحماس لافت. ولو أضفنا إلى هذا الفيديو ما قاله أردوغان عن ضرورة علمانية الدولة وما قاله الشيخ راشد الغنوشي، عن أن حزب النهضة التونسي قد فصل الدَّعَوِي عن السياسي، إضافة إلى ما قاله الدكتور علي الحاج، الأمين العام لحزب المؤتمر الشعبي عن مزايا العلمانية، لاتضح لنا أن القيادات العليا في حركة الإسلام السياسي تقف مع علمانية الدولة. لكن، للقيادات الوسيطة لفصائل الإسلام السياسي في السودان شأنٌ آخر. فجيشهم العرمرم من الصحفيين ومن الكتائب الإلكترونية وأئمة المساجد، منخرطٌ بحماس لافت في شيطنة علمانية الدولة. وليس في هذا غرابة، لأن التناقض في التصريحات سمةٌ رئيسةٌ لدى أهل الإسلام السياسي. فهم فيما خبرنا ليسوا دعاة دينيين حقيقيين، وإنما هم سياسيون ذرائعيون، بلا مبدأ. كل همهم هو الوصول إلى السلطة والحفاظ عليها بكل سبيل. فإن اقتضى الحال مدح العلمانية أو مدنية الدولة والتغني بمزاياها فعلوا ذلك، دون أن يطرف لهم جفن، وأن اقتضى الحال ذمها وشيطنتها، ذموها وشيطنوها وسلقوها بألسنة حداد. بل، وجعلوها أصلًا لكل الشرور والموبقات.

    على المستوى القاعدي ينحو معتنقو أيديولوجية الإسلام السياسي إلى شيطنة علمانية الدولة. فيبثون عنها الفرية بعد الفرية، ويغرسون كراهيتها في أدمغة الجهلاء، لكي يستغلونهم في الكسب السياسي الآني. هم لا يستثمرون قط في رفع درجة وعي الجماهير لأن بقاءها على الجهل يسهل شحنها عاطفيًا وحشدها واستخدامهم أدواتٍ لتحقيق الوصول إلى السلطة والاحتفاظ بها. هم والطائفية السياسية في هذا سواء. غير أن هذا تكتيكٌ بئيسٌ تعمل قوانين التطور ضده باضطراد. ولسوف يأتي وقتٌ قريبٌ جدًا يصبح فيه هذا النوع من الاتجار بالجهل متعذرًا تماما. ولو أنهم كانوا يفقهون لتأملوا هذه الثورة العظيمة التي قام بها الشباب من الجنسين فانتزعت منهم في أربعة أشهر سلطةً بذلوا في حمايتها كل غالٍ ونفيسٍ على مدى ثلاثين عامًا، بعد أن ظنوا أنهم أحرزوها إلى الأبد. لو تأملوا هذا الذي جرى لهم بعقل رزين غير مُستفزٍّ، ولا حانقٍ، لعلموا صوب أي وجهةٍ تهب الريح. ولأقلعوا، إذن، عن ألاعيب الشيطنة القديمة التي ما فتئوا يمارسونها. ولشفيت البلاد من هذا الاستقطاب الحاد المقعد، المتسم بالغوغائية.

    علمانية الدولة ليست نظرية معرفية كلية تقوم على نفي الدين فلسفيًا والتضييق عليه عمليًا في المجال العام، مثلما فعلت الشيوعية في كل من الاتحاد السوفيتي والصين. علمانية الدولة جاءت أصلاً لقفل الباب أمام الكهنوت الديني الخادم للملوك والمشرعن للاستبداد المناقض لجوهر الدين وللديموقراطية. لقد حكم الإسلام السياسي السودان منفردا لثلاثين عامًا، فأين هو الدين الذي أقامه. ما جرى لم يكن سوى استغلال بالغ السوء للدين لفرض الاستبداد وحماية الفساد وكبت من ينتقدون ذلك. فدعونا لا نغرق في الجدل الفلسفي حول المصطلح ونشأته ودلالته. فالمقصود بعلمانية الدولة، ببساطة شديدة، هو ديموقراطيتها وحيادها بحيث يتساوى الناس تحت مظلتها في الحقوق والواجبات، غض النظر عن أديانهم أو جندرهم أو أوضاعهم الطبقية. فيا أهل الإسلام السياسي من حقكم أن تكسبوا سياسيًا شأنكم شأن غيركم. ولكن اكسبوا بالحق لا بالباطل. فمالكم تلبسون الحق بالباطل وأنتم تعلمون؟
                  

09-09-2020, 10:11 PM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 817

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    الكوارث تعين على تعديل العقل

    النور حمد
    صحيفة التيار 10 سبتمبر 2020

    تحدَّث الناس كثيرًا عبر التاريخ الروحاني للبشر عن أن من الممكن أن تكون النِّغمة نعمة. وبطبيعة الحال، لا نستطيع أن نرى النِّغْمَةُ نعمةً لأنها ذات تأثيرٍ حسي ضار ومباشر. لكنها رغمًا عن ذلك كثيرا ما تتحول إلى نعمة بتأثيرها الإيجابي على العقول وسوقها لتعديل مسارها. يرى العلمانيون الفلسفيون في مثل هذا التصور منحى قدريًا استسلاميًا، يحيل كل شيءٍ إلى إرادة الغيب. ومن ثم يجرد الإنسان من حرية الفعل تجاه ما تواجهه به الطبيعة. غير أن هذه النظرة، في تقديري، لا تتسم بالعمق المعرفي الكافي. ويعود قصورها إلى أن العلمانية الفلسفية تفصل فصلاً قاسيًا بين العقل البشري والعقل الكوني. بل هي لا تؤمن أصلاً بوجود عقلٍ كوني، وتعزو كل ما يحدث من كوارث إلى عشوائية تمثل السمة الأساسية في سلوك الطبيعة.

    تنحو الاتجاهات الروحانية والفلسفية القديمة ومماثلاتها الأكثر حداثة، إضافة إلى بعض تيارات العلوم الطبيعية، إلى القول بأن اختيارات العقل البشري محاطٌ بها من قبل العقل الكلي. فالديناميات الباطنية المودعة في بنية القوى والتب بها تحدث حركة الوجود، لا تعمل في الطبيعة وحسب، وإنما تعمل في الطبيعة وفي العقل البشري، على السواء. فالعقل البشري ليس خارجًا عن قبضة قوانين الكون، ولا يملك حرية الاختيار المطلقة كما يتوهم. فهو موحى إليه من العقل الكلي في جميع أحواله، ولكن بلطف وخفاء يجعلانه يتوهم حرية الإرادة والاختيار. وهذا مجال فسيح للأخذ والرد، ليست هذه مكانه وليس هذا حيزه المناسب.

    يتيح تعميق المفاهيم المتعلقة بعلاقة العقل البشري بالعقل الكلي فرصةً لفهم الكوارث على نحو مركَّب، يخرج من قبضة النظر إلى البلايا بوصفها أحداثًا تجريها قوى غاشمة عمياء، لا تبالي بمصيرنا. بعبارة أخرى، يفتح الفهم العميق لعلاقة العقل المحدث بالعقل القديم لنا الباب لننظر إلى البلايا، على نحو جديد. فالقصص القرآني المشار اليه بالآية الكريمة «نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَٰذَا الْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ»، إنما يشير ضمن ما يشير إلى هذا التعلُّم. فما حاق بأمم كثيرة من بلايا ماحقة، كليًا أو جزئيًا، يقع ضمن مضمار التعلم الأزلي السرمدي. ومما يمكن أن نتعلمه من كارثة الفيضان التي جرت بهذه الوطأة غير المسبوقة، أن عقلنا الفردي والجمعي، بحاجة إلى تعديل. وأكثر ما يحتاج التعديل هو عقل النخب. فقد ظللنا منذ الاستقلال منحصرين في الذاتي مع نقص كبير في الالتفات إلى الجمعي المتعلق بالصالح العام. وعلينا أن نفهم هذه الكارثة كجرس إنذار مبكر.

    يتسم مجتمعنا السوداني بسمة التعاون. وهي سمةٌ قضى عليها النظام الرأسمالي في كثيرٍ من المجتمعات التي تحكم فيها تحكمت كليا، لكي يتيح للمالكين مجالاً أكبر للربح. ومن عناية الله بنا أن الرأسمالية لم تبلغ درجة التحكم في حياتنا هذه الدرجة. غير أن ثقافة التعاون والنفير التي نتمتع بها، بقيت ثقافةً غير فاعلة، في واقعنا الاجتماعي، سوى في حدودٍ ضيقة. في مثل الكارثة الراهنة تخرج هذه السمة الثقافية الحميدة للتجلي في الجهد الشعبي على مستوى أكبر وأوسع، كما نشاهد الآن. غير أن المطلوب هو أن تحدث الكارثة الراهنة نقلةً تحدث تناغمًا مؤسسيًا بين الجهد الشعبي وبين التخطيط المؤسسي. فربما تكون هذه الكارثة مجرد إشارة إلى نمطٍ جديدٍ في سلوك الطبيعة في بلادنا، قابل لأن يتكرر. وهو أمر يقتضي تحولاً في العقل السائد ليصبح قادرًا على استباق الكوارث وعلى إحداث مأسسةٍ لنزعة التعاون والنفير، بها ترتفع مجمل الطاقات إلى مستوى هذا التحدي الجديد.
                  

09-11-2020, 10:46 PM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 817

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    قد تتعثر الثورة قبل أن تنتصر

    النور حمد

    ما اعترى ثورة ديسمبر العظيمة من تعثُّر أمرٌ متوقع. وكل من قرأ تاريخ الثورات في العالم يعلم أن الثورات لا تتبع خطًّا مستقيمًا صاعدًا، يسير بوتيرةٍ منتظمةٍ حتى تبلغ غاياتها. فالثور تنشب، بطبيعتها، ضد نظام فاسد وصلت درجة الفساد فيه حد إشعال شرارة الغضب الشعبي العام. والثورةُ حين تُحدث التحول المتمثل في اجتثاث رؤوس النظام القديم، تواجهها مهمة تفكيك بنيةٍ ضخمةٍ فاسدةٍ، لا يمثل رؤوس النظام المُجتث فيها، سوى قمة جبل الجليد. ويقدم نظام الانقاذ المؤدلج المتمسِّح ظاهريًا بالإسلام أوضح النماذج للأنظمة الكليبتوقراطية التي تعمل بطبيعتها على سرقة سلطة القرار في الدولة واستخدامها في شفط مواردها وضخها في مجاري لا تقع تحت عين الشعب وأجهزته الرقابية المفترضة. بالإضافة إلى ما تقدم، لا يصمد أي نظام حكم شمولي من غير أن تكون له حاضنةٌ ذات شقين؛ شقٌّ رسميٌّ وآخر شعبي. ويتجه النظام الفاسد إلى السيطرة على الشق الرسمي باستمالة الأجهزة الأمنية؛ من جيش ومليشيات وقوى أمنية من مخابرات وشرطة وإشراكها في الثروات المسروقة، حتى تصبح صاحبة مصلحة في بقائه، ومدافعةً عنه.

    أما في الشق الشعبي، فيسعى النظام الشمولي لخلق حزبٍ وحيدٍ يسخِّر له الموارد ليتغلغل في مفاصل الدولة وأركانها. بل وليتوسع بالتضييق على كل التنظيمات التاريخية؛ سواءً كانت أحزابًا سابقة لمجيئه أو نقابات أو منظمات مجتمع مدني، وغير ذلك. اعتمدت أنظمة اليسار العروبي المنقرضة على أحزاب البعث في سوريا والعراق. وخلق نظام عبد الناصر في مصر الاتحاد الاشتراكي ليعتمد عليه. وهو ذات النموذج الذي اتبعه نظام جعفر نميري في السودان. أما نظام معمر القذافي في ليبيا، فقد اخترع ما أسماه اللجان الثورية. وأوجدت الإنقاذ ما أسمته حزب المؤتمر الوطني. تقوم هذه الأحزاب الكرتونية، معتمدةً على استثمار نزعة المصالح الفردية وسط المؤمنين بأيديولجيتها، ومن يلف حولهم من سياسيين انتهازيين، بالتغلغل في سائر القوى الاجتماعية، فتستقطب الانتهازيين في الأحزاب القائمة، مستخدمةً قوة المال. وبسبب تأثير الدين القوي على الجمهور، تركز الأحزاب الشمولية ذات الطبيعة الدينية على اختراق الناشطين في الحقل الديني؛ من أئمة ووعاظ شيوخ للطرق الصوفية، الذين اعتادت أكثريتهم الوقوف إلى جانب الحاكم حفظًا للأملاك والجاه المتوارثين. يجري ربط كل هؤلاء عضويًا بالنظام الشمولي القائم، عن طريق خدمة مصالحهم المالية واستغلال حرصهم على الوجاهة الاجتماعية. فيصبحون، بالضرورة، مدافعين عن الشمولية كارهين زوالها. وحين تهدد الثورة هذه المنظومة الفاسدة، تتعاضد مع بعضها، وتعمل بكل ما أوتيت من قوة لإعادة عقارب الساعة إلى الوراء.

    يمكن أن نضيف إلى كل هذه الفئات التي جرى ذكرها فئة "سارقي الثورات". وهؤلاء فصائل عدة يُحسبون ضمن فئة الثوار. خطر هؤلاء على الثورة لا يقل عن خطر أولئك. فبنيتهم العقلية لا تختلف في انتهازيتها عن بنية عقول أولئك. بل إن باطل هؤلاء يشبه الحق، ما يجعل اكتشافهم يأخذ وقتا. لكل ما تقدم، لا ينبغي أن نظن أن الثورة تسير نحو أهدافها في طريق مستقيم صاعد بصورة متسقة. فالحرب في الثورة، أي ثورة، تجري على عدة جبهات. ويقتضي كسب تلك الحرب صبرًا جميلاً ومثابرةً، ووقوف الثوار متحدين على أمشاط أصابعهم، إضافة إلى تحليهم بعزيمة أنبياءٍ مرسلين. من يتأمل بعمق ما ظل يجري عبر العام المنصرم يتضح له، وبجلاءٍ شديد، أن بنية عقل جسد المصالح الضخم، النقيض للثورة، يمكن أن تنطبق على فصائل الثورة نفسها، مثلما تنطبق على نقيضها الذي تحاول كنسه.
                  

09-12-2020, 09:26 PM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 817

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    حين تصبح المؤتمرات الصحفية هي الإنجاز

    النور حمد

    صحيفة التيار 13 سبتمبر 2020

    سبق أن أشرت، عدة مراتٍ، إلى أن العقلية القديمة التي تعكس الإنقاذ أسوأ تمثلاتها، لا تزال مسيطرةً على الفعل السياسي في بلادنا. من الشواهد على ذلك مواجهة المشاكل العويصة بحملات العلاقات العامة الباهتة والتصريحات التطمينية. كم مرةً سمعنا أن المكون العسكري والمكون المدني في مجلس السيادة يعملان في تناغم. وكم مرةً سمعنا أن الجيش والدعم السريع يدٌ واحدة. وكم مرة سمعنا أن الشراكة العسكرية بين المدنيين والعسكريين التي تدير الفترة الانتقالية سمنٌ على عسل. وحين يصيبنا شيء من الاسترخاء والخدر جراء هذه التطمينات والهدهدة الحنية المضللة، يخرج علينا السيد رئيس الوزراء، بعد أن علت نبرة الشكوى وسط المواطنين، بسبب الخنق الذي لا يعرف الشفقة الذي يتعرضون له في معيشتهم، ليقول: إن 80% مما ينبغي أن يكون تحت سيطرة الدولة فيما يتعلق بإدارة شؤونها المالية والاقتصادية يقع خارج سيطرتها تمامًا. ولا تمضي أيامٌ حتى يجتمع الفريق البرهان بالعسكريين، في رد فعلٍ غاضبٍ ليلقي باللائمة على المدنيين، دامغًا إياهم بعدم الكفاءة والفشل. بل، ومطالبًا بتفويضٍ شعبيٍ، على غرار ما جرى من الفريق عبد الفتاح السيسي في مصر، لإزالتهم من أجهزة الحكم، وهم الذين جاءت بهم الثورة، غض النظر عن العوار الذي صحب مجيئهم. فهم قد وصلوا إلى المواقع التنفيذية في الدولة بناءً على وثيقةٍ دستوريةٍ، وقَّع عليها الشريك العسكري، تحت سمع وبصر العالم أجمع.

    من الأمثلة الصارخة للمؤتمرات الصحفية التي لا تقول شيئًا في مجابهة المشاكل، في حين تقول كل شيء ضمنا عن الزعازع التي تلف المشهد السياسي الراهن، هذا المؤتمر الإنشائي الأخير الذي جرى فيه إعلان حالة الطوارئ الاقتصادية. أكثر ما لفت نظري في هذا المؤتمر حضور الفريق عبد الرحيم دقلو ممثلا للدعم السريع، في حين غاب ممثل الجيش وجهاز المخابرات! أفلا يشير هذا إلى انشقاقٍ واضحٍ حول معالجة كارثةٍ اقتصاديةٍ رهيبةٍ توشك أن تلقي بالبلاد في الهاوية؟ لقد تعبنا من أسلوب مجابهة المشاكل بالمؤتمرات الصحفية التي لا تقول شيئًا ولا يعقبها فعلٌ ذو تأثيرٍ واضح. بل لقد أصبحت هذه المؤتمرات مجرد لعب على الذقون وسلسلة من الإهانات المتكررة لذكاء الرأي العام.

    يتوهم أصحاب هذا الأسلوب الإعلامي المايوي، الإنقاذي، البالي، السذاجةَ والغفلةَ في الرأي العام. فهم يتوهمون في الشعب قابليةً مطلقةً للخداع ولتشتت الانتباه بتأثير الفرقعات الإعلامية والتصريحات الغامضة التي تناقضها مجملُ حقائق الواقع. لكن، على العكس مما يظنون، فإن هذا النهج، يدلفقط على أنهم ليسوا سوى مايويين، إنقاذيين، في ثوبٍ جديد. وعمومًا، فإننا كبشر لا نزال نعبر أخريات المرحلة التاريخية الطويلة المتسمة باللااتساق بين أكثرية الشعوب وقادتها. من شواهد بقايا هذه المرحلة، أن حاجة بعض الشعوب إلى الثورات لا تزال قائمة. فلو كان القادة في مستوى جملة المحصلة الوعيوية والأخلاقية لشعوبهم، لما احتاجت الشعوب أصلا لأن تثور، ولاختفت الاحتقانات والنزاعات العنيفة. فمستوى الوعي والبنية الأخلاقية الجمعية وسط عديد الشعوب أمتن بكثيرٍ مما لدى النخب التي تقودها. تكمن المشكلة في صعود ضعيفي القدرات ومهلهلي البناء الأخلاقي إلى مواقع القرار في كثيرٍ من الدول. والسبب أن الشعوب، رغم وجود الكثير من المقتدرين معرفيًا وأخلاقيًا وسطها، لم تعرف بعد، كيف تستجمع طاقتها وتستبقيها متماسكة، لتحول دون أن ينفذ أهل المطامع والبناء الأخلاقي الهش، إلى مراكز القرار لديها. لكن، رغم كل ذلك، سيبلغ الكتاب أجله وستنتصر الشعوب في نهاية الأمر. كان على ربك حتما مقضيا.
                  

09-13-2020, 11:22 PM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 817

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    تجميد حساب سفارتنا بإسبانيا!

    النور حمد

    صحيفة التيار 14 سبتمبر 2020

    أوردت صحيفة السوداني يوم أمس خبرًا هذا نصه: "السوداني تكشف أسباب تجميد السلطات الإسبانية حساب سفارة الخرطوم بمدريد. (الخرطو - سوسن محجوب): "جمدت السلطات الاسبانية على نحو مفاجئ حساب سفارة السودان بأحد البنوك في العاصمة مدريد. وقال مصدر دبلوماسي رفيع – طلب حجب اسمه – لـ (السوداني) إن تجميد الحساب من قبل السلطات الإسبانية تم بعد الكشف عن عمليات تحويل مالية كبيرة من حساب السفارة إلى حسابات في عدة دول. وأوضح المصدر أن وزارة الخارجية الاسبانية أبلغت رسميًا نظيرتها في السودان بخطوة التجميد، واضاف: "السلطات كشفت عن تدفقات لأموال ضخمة في حساب البعثة السودانية وهي بعثة صغيرة"، ومن ثم، عمليات تحويل تجرى إلى حسابات في عدة دول. ورفض المصدر الكشف عن تحركات الخارجية لمعرفة ما يجري في حساب بعثتها في مدريد. وكان الرئيس المعزول المشير عمر البشير، وجه قبل سقوط نظامه، بهيكلة الخارجية وبعثاتها بالخارج حيث قضت الهيكلة بإغلاق السفارة السودانية في إسبانيا إذ شرعت الخارجية في تجفيف السفارة فعليا. لكن بعد سقوط نظامه أوقف "المجلس العسكري" عملية التجفيف وأرسل دبلوماسيًا لإدارة السفارة". (انتهى نص الخبر).

    تضمن هذا الخبر تلميحات غريبة، خاصةً ما ورد في ذيله. فقد جاء فيه أن الرئيس المخلوع قرر قبل سقوطه إقفال السفارة في مدريد وقد شرعت الخارجية فعلا في تجفيفها تمهيدًا لإغلاقها. غير أن المصدر بالخارجية الذي نسبت إليه الصحيفة الخبر، ذكر أن "المجلس العسكري" قرر إبقاء السفارة مفتوحة. بل، وأرسل دبلوماسيًا لإدارتها! السؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل هذه الجزئية صحيحة؟ أي، هل عطل "المجلس العسكري"، كما ذكرت الصحيفة، أو قل "اللجنة الأمنية"، قرار الرئيس المخلوع لتصفية سفارة مدريد في الفترة التي أدارت فيها البلاد قبل توقيع الوثيقة الدستورية؟ وهل قامت بالفعل بإرسال سفير، كما ذكر المصدر؟ وإذا حدث ذلك، هل جرى هذا بتنسيق مع الخارجية؟ هذه أسئلة تحتاج إلى إجابات. وعلى إجاباتها سوف تنشأ بالضرورة أسئلة أخرى. ورد أيضًا في قول المصدر إن طاقم السفارة السودانية في مدريد صغير، ومع ذلك ظلت تتلقى أموالاً طائلة، كانت ترسلها بدورها إلى حسابات بنكية في دول أخرى، لم يسمها المصدر. ولكي ينجلي الضباب عن حقيقة هذا الخبر المزعج، نحتاج أن نعرف متى أغلقت السلطات الإسبانية الحساب؟ ومتى أبلغت الخارجية السودانية بذلك؟ وما هي الفترة التي جرى فيها هذا النشاط المريب: هل في عهد المخلوع وتوقف مع سقوطه أم امتد إلى الفترة الانتقالية، سواءً في الجزء الذي أدارته اللجنة الأمنية العسكرية بمفردها، أو الجزء الذي أعقب توقيع الوثيقة الدستورية؟

    هذه قضية رأي عام من الدرجة الأولى، لكونها تثير شبهات حول مسلك دولتنا على الساحة الدولية عبر سفاراتها. من حقنا كشعب أن نطالب وزارة الخارجية بالخروج إلى العلن وتقديم الحقائق الأولية حول هذه القضية. على الأقل أن نعرف أنها قد بدأت التحقيق فيها. فالوازرة مطالبة: إما أن تقبل ما أوردته صحيفة السوداني كما هو، أو تقوم بتصحيح ما ليس صحيحًا منه للرأي العام. ختامًا، لابد أن أمرًا مريبًا دفع بالسلطات الإسبانية إلى اتخاذ هذا الإجراء. فهل هناك غسيل أموال؟ وهل هناك تجارة سلاح، أو أي نشاط إجرامي آخر؟ وما هي الحسابات الأخرى التي كانت تصل إليها هذه الأموال، ولأي غرض؟ نحن في انتظار ما ستخرج علينا به وزارة الخارجية.
                  

09-15-2020, 01:53 AM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 817

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    لماذا السعر الرسمي للدولار 55 جنيها؟

    النور حمد
    صحيفة التيار 15 سبتمبر 2020

    ظللت أسأل نفسي لماذا يبقى السعر الرسمي للدولار 55 جنيهًا، في حين ظل سعره يزداد في السوق الموازي حتى تعدى مئتي جنيه؟ ولربما تكون للذين يديرون الاقتصاد، منذ عهد الانقاذ المدحور، وصولاً إلى ما نحن فيه الآن، حكمةٌ اقتصاديةٌ أجهلها. سمعنا قبل شهور أن السعر الحكومي سيرتفع إلى 120 جنيهًا، لكن ذلك بقي نظريًا حتى الآن. أول تساؤلاتي في هذا الصدد: من هم الزبائن المستهدفون بسعر 55 جينها؟ فهل هناك مغتربٌ ينضح وطنيةً يُحضر معه آلاف الدولارات من مغتربه أو مهجره ليذهب بها إلى البنوك وبيعها بالسعر الحكومي، مفضِّلاَ ذلك على سعر السوق الموازي الذي يبلغ ثلاثة أو أربعة أضعاف السعر الحكومي؟

    أعرف، مثلاً، أن هذا السعر هو ما تبيع به الحكومة العملة السودانية للمنظمات الطوعية العاملة في السودان وهي مجبرة وهو، أيضًا، ما تحسب به القروض والمنح. ففي حالة التعامل مع المنظمات، جعلت الحكومة من نفسها سارقًا لأموال الضعاف المستهدفين بخدمات المنظمات، الذين ما جاءت المنظمات لمساعدتهم إلا بسبب عجز الحكومة. تأخذ الحكومة جزءًا كبيرًا جدًا من تلك الأموال لنفسها دون وجه حق، لأنها تعلم أن السعر الذي تحسب به غير حقيقي. وقد كانت حكومة الإنقاذ تتكسب من هذا الإجراء على حساب شعبها فتأخذ، أحيانًا، ما يقارب نصف ما تجلبه المنظمات من عملة حرة بهذا السعر الزائف. فتضطر المنظمات إلى تقليص مشاريعها، لأن نصف الميزانية المرصودة لها يضيع عند عتبة الحكومة المُضيفة.

    كان بنك السودان قبل بضعة عقود يغطي حاجة المستوردين من العملة الأجنبية، وكان حتى بدايات عهد نميري قادرًا على توفير ما يطلبه المستوردون، وفقًا للضوابط والشروط. أيضًا كان يفي بحاجة الطلاب الذين يدرسون في الخارج والمسافرين للعلاج أو السياحة، من العملات الحرة. غير أن ذلك تراجع مع تدهور أحوال البلاد الاقتصادية، حتى وصلنا إلى هذه الحالة العويصة التي نحن فيها اليوم. الآن لا تستطيع الحكومة أن توفر للمستوردين كل ما يطلبون من عملة حرة. فهي ربما تمنحهم جزءًا، لا أعرف نسبته، ثم تتركهم يكملون النقص من السوق الموازي. فبأي منطقٍ، إذن، تحارب الحكومة السوق الموازي وهي معترفةٌ به أصلا؟ ثم، هل هي تحارب مبدأ وجود سوقٍ موازٍ، أم تحارب تخريبًا ممنهجًا، يتعمد رفع سعر الدولار؟ وإذا افترضنا أن الجواب الأخير هو الصحيح، فما هي الكيفية التي تفرق بها الحكومة بين الفعلين، فتغض الطرف عن واحدٍ، وتقوم بمطاردة الآخر وتجريمه؟

    يدخل المغتربون السودانيون البلاد عبر المنافذ الرسمية كل يوم، وفي حوزتهم عملاتٍ حرة، لا يسألهم أحد عن مقدارها ولا عن أين سيستبدلونها. بل، إن المسؤولون الحكوميون أنفسهم، يعودون من مهامهم الرسمية خارج البلاد، بمبالغ من العملات الحرة. فهل يا ترى يذهبون لاستبدالها بسعر البنك؟ نحن نعاني من اختلال هيكليٍّ وإداريٍّ وتضاربٍ بالغ الفظاعة في الضوابط الاقتصادية. ما نحتاجه هو أن نوقف هذه الفورات الأمنية المتكررة التي لا تسندها سياسات مالية متسقة. وأن نتجه إلى حلولٍ جذرية مستدامة، قادرة على الصمود؟ هناك سوقٌ موازٍ للعملات الحرة في كل الدول ذات الاقتصادات الضعيفة، لكن الفارق بين سعر السوقين الرسمي والموازي، لا يتعدى عادةً في هذه الدول بضع وحدات، في حين يبلغ الفارق عندنا مئات الوحدات! فبالله عليكم اكشفوا لنا المستور، وأطلعونا على حقيقة مسببات هذا الخلل. ودعونا من زبد حملات العلاقات العامة، الذي لا يلبث أن يذهب جفاء.
                  

09-17-2020, 12:55 PM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 817

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    مجانية تعليم ووجبة لكل طالب.. كيف؟

    النور حمد

    أوضحت وزارة التربية والتعليم في مؤتمرها الصحفي الذي عقدته في مقر وكالة السودان للأنباء (سونا) أول أمس، أنها لم تتمكن من طباعة أكثر من كتابين (هناك ثالث في الطريق) من أصل بضع وثلاثين عنوانًا، من كتب مرحلة الأساس للعام الدراسي الجديد. ويبلغ العدد الكلي للنسخ، التي كان من المفترض أن تُطبع، عشرات الملايين. لقد أحسست بالإشفاق، لحظة أن أعلنت وزارة التربية والتعليم منذ عام تقريبًا، أنها بصدد تغيير كامل لمنهج مرحلة الأساس وطباعته بكامله قبل بداية العام الجديد، مضيفةً أنها ستجعل التعليم مجانيًا. وزاد إشفاقي أكثر حين أردفت الوزارة أنها ستوفر وجبةً مجانية ٍلكل طلاب مرحلة الأساس. كان إحساسي أن هذا طموحٌ ثوريٌّ كبيرٌ لا تدل مؤشرات الواقع العملي على إمكانية تحقيقه. فمن طبيعة كل فترة انتقالية كثرة المعيقات. لكنني تريثت وآثرت ألا أعلق، وقلت في نفسي: لابد أن مسؤولي الوزارة يرون شيئًا لا أره. كما خشيت، أن أُعدَّ ضمن مثبطي الهمم من أهل الغرض. لكن، دارت عجلة الأيام وثبت عمليًا أن هذا الطموح لم يكن واقعيًا.

    نحن نعرف، ومنذ وقتٍ طويلٍ جدًا، أن معلمي المدارس لا يحصلون على رواتبهم الشهرية في مواقيتها. بل مرت فترات بقي فيها بعض المعلمين بلا رواتب لشهورٍ متتالية. كما نعلم أيضا تناقص الإيرادات الحكومية في أي فترةٍ انتقاليةٍ، لأن الثورة، بطبيعتها، تُحدث هزةً في الخدمة المدنية. فلكل ثورةٍ، بالضرورة، ثورةٌ مضادة. والثورة المضادة ليست جيشًا غازيًا يأتي من الخارج، وإنما هي قطاعٌ من العاملين في الدولة، ممن يعرفون من أين تُؤكل الكتف. وقد أتقن هذا القطاع أساليب التعطيل وخنق القرارات. فقد سبق أن مارسها في حروب الانقاذيين ضد بعضهم. فوق هذا وذاك، جاءت جائحة كورونا وكارثة السيول، وأصبحت الدولة مواجهةً بمنصرفاتٍ لا قبل لها بها. لذلك كان من المدهش بالنسبة لي أن يكرر السيد وزير التربية والتعليم إصراره على تحقيق مجانية التعليم في مرحلة الأساس في العام القادم. بل زاد دهشتي تأكيده على تقديم وجبةٍ مجانية، متجاهلاً تجربة الوعود السابقة التي تحطمت على صخور هذا الواقع العملي شديد التعقيد. فنحن لم نفق بعد من زلزال الزيادة الضخمة في الرواتب التي منحها وزير المالية السابق للعاملين، وجرى تطبيقها على المعلمين. وقد قرأنا قبل يومين خطاب وزيرة التعليم العالي، الذي أوضحت فيه أن وزارة المالية عجزت أن تمنحهم أي زيادة على الرواتب القديمة.

    تقديم وجبة لطلاب يعدون بالملايين ليس أمرًا هينًا. يحتاج هذا العمل الضخم لإنشاء مطابخ في آلاف المدارس مع توفير الأواني والوقود والمواد الغذائية. يُضاف إلى ذلك، توظيف عدد من الطباخين في كل مدارس القطر. ويعني ذلك، إضافة قوة عاملة جديدة ومنصرفات جديدة على الوزارة، سواءً قامت بذلك بنفسها، أو أوكلته إلى متعهدين. فكيف ستوفر الوزارة ذلك، وهي بحاجة إلى توظيف معلمين لإكمال النقص، وإلى حل مشكلة الإجلاس المزمنة، إضافةً إلى مواجهة تحديات التمدد الأفقي المستمر في قاعدة التعليم. ليس من الحكمة أن نوهم الجماهير أن للثورة عصا سحرية تحيل بها الواقع الذي يعرف كلنا جحيمه إلى نعيم مقيمٍ، في عام أو بضع عام. لا اعتراض لي أبدًا على المبدأ فيما تتطلع إليه وزارة التربية. لكن لابد من إنجاز الأهداف على مراحل، خاصة حين يكون الواقع العملي يعاني من علل هيكلية عويصة. فالحماس للثورة والسعي لنيل رضا الجماهير بإطلاق الأمنيات التي لا يتسع لها الواقع، مضرٌّ بالثورة.
                  

09-17-2020, 10:17 PM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 817

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    توازن القوى بين الثورة والثورة المضادة

    النور حمد

    صحيفة التيار 18 سبتمبر 2020

    لم يحدث في التاريخ أن كانت هناك ثورة مكتملة انتصرت وحققت أهدافها في ضربةٍ واحدة. فالثورة بناء يجري تشييده لبنةً، لبنةً وليست انفجارًا يحدث في ثوان، ثم يعم الصمت المكان، وحين يفيق الناس من صدمة الانفجار، يجدون أنفسهم في خَلْقٍ جديد. فالثورة فعل تراكمي ولذلك فإن ما يسمى بالثورات الفاشلة في التاريخ ليست، في حقيقة الأمر، سوى مراحل من بنية ثورةٍ ناجحةٍ أتت لاحقا. وفقا لهذا المفهوم، فإنني أنظر إلى ثورتي أكتوبر 1964 وأبريل 1985 بوصفهما محاولتين فاشلتين لإحداث التغيير الجذري، لكنهما وضعتا البلاد، على عتبة المحاولة الثالثة الناجحة، التي أتت بعد كل تلك العقود الممتدة التي أمضتها الدولة السودانية في التراجع المستمر. غير أن المحاولة الثالثة، الجارية الآن، لا تعد ناجحةً لمجرد أنها قد حدث وأزالت قمة هيكل النظام القديم. فجسد النظام القديم وعقلية النظام القديم لا تزالان تسيطران على مجريات الأمور. بل إن عقلية النظام القديم منتشرة حتى وسط من يتصدون لقيادة الثورة حاليا. وهذا أمر قد أخذ يتبدى للناس كل صبحٍ جديد.

    لقد قيض لله لهذه الثورة المباركة توازنًا مثاليًا للقوى. والذين يرون المشهد من زاوية واحدة لا يلقون بالا إلى عنصر توازن القوى وأهميته في هذه المرحلة المفصلية الحرجة من مجمل حراك التغيير السوداني، الذي لم يتوقف منذ الاستقلال. لقد كان من الممكن، لولا وجود قوى عسكرية متعددة، متضاربة الأهداف، أن يسحق تحالف المصالح الحاكم، الثورة عبر الخطة الموضوعة لقتل عشرات الآلاف. وكما رأينا، فقد أخذ الرئيس المخلوع الفتوى بذلك من علماء السوء. لقد أتاح توازن القوى العسكرية الذي حيد القوة الغاشمة للرئيس المخلوع ورهطه، مساحةً جديدة للثورة لتتحرك فيها. لذلك حين جرى فض الاعتصام، الذي ظن معدوه أنه الضربة القاصمة، كانت الثورة لا تزال محتفظةً بقواها سالمة؛ حسيًّا ومعنويًا، فأخرجت مليونية 30 يونيو التي أجهضت الانقلاب على الثورة وأبطلت محاولة تتويج جنرالٍ جديد. غير أن سيناريو رابعة العدوية لم يمت بعد. فقد أخذ أهله ينضجونه على نارٍ هادئة، عبر التخريب الاقتصادي وخنق الناس في معاشهم. وقد أدى هذا أيضًا إلى تعادل قوى جديد. فالثورة لا تنجح لمجرد أن عينها مصوبةٌ على تحالف الثورة المضادة؛ في شقيه العسكري والمدني، وحسب وإنما ينبغي أن تكون عينها مصوَّبةً، أيضًا، على من أخذوا يقودون الثورة بأساليب ماكرةٍ خبيثة. فالخطر على هؤلاء من الثورة قائمٌ، مثلما هو قائمٌ من أولئك.

    لقد تمكنت قوى الثورة المضادة، وهي قوى مدنية، أن تقضي على ثورة أكتوبر 1964 في بضعة أشهر. كما تمكنت نفس تلك القوى المدنية من جعل الفترة الانتقالية لثورة أبريل 1985 ذات العام الواحد، فترة خاملة مجردةً من أي إنجاز ثوري، لتعود بعدها العقلية السابقة لنظام مايو لتسيطر من جديد. علينا أن نفكر في توازن القوى بعقلية ترى التركيب والتعقيد الكبير في المشهد السياسي الراهن. ليس من مصلحة الثورة أن تعادي الجميع في آن معًا، لأن هذا يخل بتوازن القوى. واختلال توازن القوى في الظرف الراهن هو الثغرة التي ينفذ منها كارهو الثورة لإجهاضها. هذا المشهد المركب، المعقد، بفترته الانتقالية التي تمددت لأربع سنوات هبةٌ من السماء. فشراء الوقت الآن في مصلحة كثير من القوى الفاعلة المؤثرة، وهذا يتيح فرصًا للمراجعات، ولبروز عوامل داخلية وخارجية جديدة في الصورة.
                  

09-20-2020, 06:10 AM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 817

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    التطبيع واستقلالية القرار السوداني

    (1 من 2)

    النور حمد

    صحيفة التيار 19 سبتمبر 2020

    أحاول في هذه المقالة أن أناقش قضية التطبيع مع دولة إسرائيل من زاوية مغايرة. محور هذه الزاوية هو كسر الحاجز العقلي والنفسي، الذي ظل يحول بين السودان وبين التعاطي الواقعي مع دولة إسرائيل، شأنه شأن سائر دول الجوار. بل وشأن كل الدول المنضوية تحت مظلة الأمم المتحدة التي لها علاقات طبيعية مع إسرائيل. ولا ننسى أن نذكر هنا أن جمهورية مصر العربية، زعيمة كل العرب منذ خمسينات القرن الماضي وحتى سبعيناته، قد طبعت علاقتها بإسرائيل منذ أربعة عقود، تقريبًا. طبعت مصر رغم أنها أول من رفع راية معاداة إسرائيل، وأول من خلق حالة اصطفاف عربية شاملة ضدها. غير أن مصر كانت أول من خرج على هذ الاصطفاف. فقاطعها العرب سنينًا ثم ما لبثوا أن قبلوا خيارها ولم يعودوا يدمغونها بخطيئة التطبيع المزعومة.

    كانت لمصر وللأردن أسبابهما في الخروج من ذلك الاصطفاف. فقد غلَّبتا خيار مصلحتيهما، على خيار العمل لهدف جماعي، عابر للدولة القطرية، يفتقر إلى التحديد الدقيق والآليات الواضحة. والآن تنضم إلى ركب الخروج من الاصطفاف العربي الهلامي، الذي لم يكسب معركة واحدة مع إسرائيل، دولتا الإمارات والبحرين. وبهذا، خرجت إلى العلن أربعة دول عربية، من مظلة مقاطعة إسرائيل. ونعلم جميعًا أن مجموعة أخرى من الدول العربية ظلت تتعامل مع إسرائيل من تحت الطاولة، منذ تسعينات القرن الماضي. بل زار كبار قادة هذه الدول إسرائيل، كما زارها قادة إسرائيليون. كل من يقرأ مسار التراجع في مسيرة العداء المطلق لإسرائيل يتضح له ازدياد حالة تفكك حالة القطيعة وسيرها، باضطراد، نحو التلاشي والزوال.

    يتمسك تيار الإسلام السياسي في السودان بالإبقاء على مقاطعة إسرائيل، في حين أن زعيمتيه تركيا وقطر تتعاملان مع إسرائيل. كما يتمسك بالمقاطعة السيد الصادق المهدي، الذي هرولت زعامة حزبه إلى إسرائيل منذ خمسينات القرن الماضي. أما القبيل الثالث فهم الشيوعيون وغيرهم من فصائل اليسار، الذين يتناسون أن الاتحاد السوفيتي كان من أول الدول التي اعترفت بدولة إسرائيل. ولم يجرؤ الحزب الشيوعي ولا غيره من الأحزاب اليسارية على مطالبة الدولة الشيوعية السوفيتية سحب اعترافها بإسرائيل، حتى بعد الهزيمة العربية في عام 1967، التي احتلت على أثرها إسرائيل كلا من هضبة الجولان السورية، وسيناء المصرية، والقدس الغربية. الشاهد في كل ما تقدم أن مقاطعة إسرائيل بقيت على الدوام حالةً مهتزة ومتناقصة. بل لقد أصبحت بلا معنى، منذ أن تفاوض الفلسطينيون مع إسرائيل وقبلوا باتفاق أوسلو الذي انقسموا بسببه إلى فصيلين رئيسين؛ اختار أحدهما أن يرسل صواريخ بدائية إلى إسرائيل، أما الآخر فلا يتأخر في الذهاب لتقديم واجب العزاء في وفيات أقارب القادة الإسرائيليين.

    لا تنحصر أهمية التطبيع مع إسرائيل فيما يخصنا نحن السودانيين، فيما أرى، في رفع السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، ولا في التعاون التجاري والزراعي والتقني مع إسرائيل، رغم ما في كل ذلك من منافع مؤكدة. يمثل التطبيع في نظري نقلة تاريخية تتمثل في الجرأة على الخروج على الهيمنة العربية التاريخية على القرار السياسي السوداني. بعبارة أخرى، يعني التطبيع بالنسبة لي، بداية نهاية الاحتلال العربي للعقل السوداني، والقضاء على التشوه النفسي التاريخي الذي جعل السودانيين يضحون بمصالحهم مرارًا وتكرارًا لنصرة حقٍّ لا يقف معه أهله أنفسهم. وتمثل خطوة التطبيع، بالنسبة لي ضربة بداية فارقة في مسيرتنا نحو، استعادة الهوية السودانية المضيعة.
                  

09-20-2020, 06:14 AM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 817

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    التطبيع واستقلالية القرار السوداني

    النور حمد

    التيار 20 سبتمبر 2020

    ما من شك أن لإسرائيل تجاوزاتها اللاانسانية، غير أن لبعض الدول العربية تجاوزاتها التي لا تقل منها فظاعة. ولو أننا نعادي الدول بسبب تجاوزاتها ومواقفها من حقوق الإنسان، لوجب علينا قطع علاقاتنا مع دول كثيرة عربية، وغير عربية، بسبب التجاوزات. من بين تلك الدول مصر، التي احتلت حلايب وعملت على تمصيرها. وهو عمل لم يستنكره أي قطرٍ عربي. الحقيقة الثابتة أن كل دول العالم معترفة بإسرائيل باستثناء أكثرية الدول العربية. وهناك دولٌ لا تقع تحت هيمنة المنظومة الغربية، كالهند والصين معترفةٌ بإسرائيل، ولها معها علاقات تتفاوت في الكيفية وفي المقدار. بل للهند، على سبيل المثال، تعاونٌ مع إسرائيل فيما يتعلق بتكنولوجيا السلاح، وغير ذلك من صور التعاون. فعدم الاعتراف بإسرائيل ليس موقفا كوكبيًا ينبغي أن نتَّبعه، ولا هو شأنٌ ينبغي أن يحمل السودان عبئه بأكثر مما تحمله دولٌ جارةٌ مثال: إثيوبيا وتشاد ومصر. الإصرار على عدم الاعتراف بإسرائيل ومقاطعتها بدعوى الحقوق يضعنا في سلة نفاق النخب العربية والمستعربة. وهي سلةٌ لا يعرف العالم سجلاً في حقوق الإنسان، أسوأ من سجلها. فقتل اليمنيين بالقصف الجوي على مدى سنوات، وتجويعهم وتعريضهم للإصابة بالكوليرا لا يقل فظاعةً عما جرى للفلسطينيين، وما جرى للدارفوريين في السودان، من قتلٍ وتشريد بأسلوب الأرض المحروقة. فكل الفظائع الجارية حاليًا في المنطقة العربية؛ كما في سوريا وليبيا واليمن والعراق أبطالها العرب، وليس إسرائيل.

    تتهاوى المقاطعة لإسرائيل حاليا باطراد، وربما يأتي يومٌ نجد فيه أنفسنا الوحيدين المتمسكين بها، الدافعين لفاتورتها على صُعُدٍ مختلفة. يقول البعض أن ثورتنا ثورة حقوق وينبغي أن تقف ضد الظلم أينما كان، غير أن هذا تصور يتسم بالكثير من المثالية. فثورتنا لم تأت لتغير العالم وإنما لتغير بلادنا. كما أن إسرائيل دولةٌ معترفٌ بها من قبل النظام الدولي، ولا معنى لأن نكون غير معترفين بها، اللهم إلا إذا كنا نريد أن نغير النظام الدولي نفسه. إن الإصرار على عدم الاعتراف بإسرائيل لا يختلف، من حيث تطرفه، وتأثيراته السالبة، من التمسك بالشعار العروبي المنقرض، القاضي بإلقائها في البحر. الاعتراف بإسرائيل أو المضي لدرجة تبادل البعثات الدبلوماسية معها لا يجلب بالضرورة إلى بلادنا المن والسلوى. ولكنه يجلب الانفلات من التبعية ويتيح مجالاً لرسم سياستنا الخارجية على نحو جديد، ويفتح الباب لإعادة تشكيل السردية التاريخية والمعرفية التي ينبغي أن تتأسس عليها سياساتنا لإدارة السودان الديموقراطي المتسم بالتنوع الواسع.

    يتناسى قطاعٌ من نخبنا السياسية في المركز أن ما يقارب نصف السودانيين لا يرون في القضية الفلسطينية شأنًا يخص السودان، بأكثر مما يخص المجتمع الدولي. ويجب ألا ننسى أن السودانيين المقهورين في أطراف القطر لم يستطيعوا أن يدفعوا عن أنفسهم غوائل النخب المركزية المستعربة التي أذاقتهم الويل. هذا في حين تُنصِّب هذه النخب نفسها مدافعةً عن حقوق الفلسطينيين. ختامًا، من الخطأ أن إعترافنا بدولة إسرائيل، حين يحدث، سيكون بالضرورة مماثلا لما قامت به دولتا الإمارات والبحرين، أو ما قامت به قبلها دولتا مصر والأردن. فمنطلقنا كسودانيين مختلف، وتسبيبنا مختلف، وأهدافنا مختلفة. كل ما في الأمر أن من الحصافة أن نغتنم اللحظة السيكلوجية الراهنة، لنفك هذا القيد. وهو قيد قيدتنا به حساباتٌ خاطئةٌ أجراها سياسيونا في الماضي، تسبب فيها الاحتلال القومي العربي، والإسلاموي الأممي، لعقولهم. المهم هو الاعتراف والخروج من دائرة العداء. أما أي شروطٍ أخرى نضعها للتطببع و أي اختيارٍ نختاره لمدى مسافة الابتعاد، أو الاقتراب من اسرائيل، فينبغي أن يجري داخل إطار الاعتراف، ويجري تأسييه على دراسات جدوى واضحة.
                  

09-20-2020, 11:09 PM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 817

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    ثوراتنا وصراع اليمين واليسار
    (1)

    النور حمد

    صحيفة التيار 21 سبتمبر 2020

    ما من ثورةٍ من ثوراتنا إلا وكان اليمين واليسار هما المسيطران على مجرياتها. هذا على الرغم من أن الأحزاب التي ننسبها، في السياق السوداني، إلى كل من اليمين واليسار في البعد القُح، أحزابٌ صغيرة. أما اليمين في معناه العام، الذي يندرج تحت وصف "المحافظة" conservatism، فيمثل القطاع الأعرض من المجتمع السوداني. ويعود هذا إلى سيادة المزاج الديني على الوعي الجمعي في البلاد. وقد فطن الدكتور حسن الترابي إلى هذه الحقيقة، فحوَّل حزبه في مرحلتين مفصليتين في تاريخ حركته إلى جبهة عريضة، ضمت أشتاتًا توزَّعت بين أكثرية الناشطين في الحقل الديني وبعض البيوت الصوفية وقطاعًا من الطبقة الوسطى، إضافةً إلى بعض القيادات العسكرية والطلاب. هذا في حين ركز غريمه التقليدي، الحزب الشيوعي السوداني، على العمال والمزارعين وقطاع الطلاب وبعض المثقفين، خاصة من كان مشتغلا منهم في حقلي الفنون والآداب، والثقافة بصورة عامة.

    اليمين واليسار في السياق السوداني، فيما أرى، تقسيمان أقرب لأن يكونا تقسيمين متخيلين أكثر من كونهما تقسيمين واقعيين تنطبق عليهما التسمية تمام الانطباق. والسبب هو أن السياق السوداني كان ولا يزال، إلى حدٍّ كبيرٍ، سياقا غير حداثي؛ أي بلا بنى هيكلية؛ سياسية واقتصادية حداثية. فالييار واليمين، في سياقنا السوداني صدى لحقبة الحرب الباردة الذي امتد إلى الدول النامية. ظن فوكوياما أن الانفجار المفاجئ الذي أخرج الكتلة الشرقية من المعادلة الثنائية السائدة حينها، قد أسفر عن انتصارٍ حاسم للرأسمالية ليثبَّت مكانها سيادة القطب الواحد. غير أن الذي حدث، حقيقةً، أن ذلك الانفجار قد أسفر عن حالةٍ أشبه ما تكون بإعلانٍ عن نهاية عهد القطبية، وولوج العالم متاهةً جديدةً لم تتضح ملامحها بعد.

    هذه مقدمة مبتسرة للدخول إلى دوامة صراع اليمين واليسار ومعاركهما الممتدة بثأراتها المتبادلة التي دارت رحاها لعقود في السياق السياسي السوداني وأنهكت البلاد والعباد. وما أحب أن ألقي عليه بعض الضوء هنا أن ما حدث عقب ثورة أكتوبر 1964 وعقب ثورة أبريل 1985 يعيد نفسه في ثوب جديد عقب ثورة ديسمبر المجيدة 2018. السبب أن بنيات الوعي السياسي وسط القوة السياسية السودانية لم تتغير. فالمعادلة الصفرية التي لا تبحث عن المشترَك مع الغريم السياسي لتُنَمِّيه من أجل خدمة الصالح العام، وإنما تسعى لمحو الغريم واستئصاله وإخراجه من المعادلة كليا. وبما أن بؤرتي ما يسمى "اليسار" و"اليمين" بؤرتين صغيرتي، من حيث الوزن الانتخابي، فإنهما تجنحان إلى خلق الجبهات العريضة. وفي هذا كان حظ اليمن أكثر بما لا يقاس من حظ اليسار، ولا يزال.

    من يراقب المشهد السياسي الراهن يرى بوضوحٍ سعي اليسار، وهو قوى عديدة متضاربة الأهواء، إلى استخدام نهج الشرعية الثورية في الفترة الانتقالية لقلب المعادلة لصالح الكتلة اليسارية، ولكن بلا نجاحٍ يذكر. فهذه الكتلة، لم تملك في كل محاولتيها عبر الثورتين السابقتين أدواتٍ لإنجاز هذه المهمة، وهي اليوم أعجز عن إنجازها منها بالأمس. في نفس الوقت أخذت قوى فاعلة كثيرة من ضمنها حركات مسلحة، وقوى يسارية وقادة رأي يساريون، ينتهجون، ما أخال أنهم يرونه نهجًا واقعيًا وعمليًا، يسير في وجهة إدغام قرارهم السياسي في قرار الكتلة اليمينية التاريخية المكونة من الإسلاميين وحزب الأمة. وبين هؤلاء وأولئك يبقى الشارع العريض الحائر، الذي كره الجميع. ما آراه الآن أن الوقت ليس كافيًا لنشوء كتلة ثالثة توافقية معقلنة تقضي على هذه المعادلة الصفرية العقيم قبل الإنتخابات القادمة. ما يشير إلى أن فرصة اليمين في الانتخابات القادمة هي الأرجح. (يتواصل).
                  

09-21-2020, 11:55 PM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 817

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    ثوراتنا وصراع اليمين واليسار

    (2 من 2)

    النور حمد

    صحيفة التيار 22 سبتمبر 2020

    خلصت في الجزء الأول من هذه المقالة إلى أنني أرجح سيطرة اليمين العريض على مفاصل السلطة عقب الانتخابات، التي سوف تجري في نهاية الفترة الانتقالية. وكما سبق أن قلت فإن مصطلحيْ "يمين" و"يسار" ربما لا ينطبقان على حالة الانقسام السياسية السودانية التاريخية بين هذين القطبين، التي سادت فترة ما بعد الاستقلال، إلا بصورة مجازية. فما يسمى باليمين بقي عبر التجربة السياسية السودانية، لفترة ما بعد الاستقلال، تحالفًا عريضًا غير محدد الملامح. وأكثر ما يدل عليه هو تعدد الائتلافات التي حدثت بين مكوناته لتشكيل عدد من الحكومات، في أوقات مختلفة. وهي ائتلافات جرت بين حزب الأمة والإسلاميين والاتحاديين في الفترات الديموقراطية المتقطعة. وقد كان القاسم المشترك الأعظم بين هؤلاء هو شعار "إسلامية الدولة"، الذي لم يمنع حالات التنافر المؤقتة بينهم.

    مثلت بوتقتا حزب الأمة والاتحادي من الناحية التاريخية الوعاء اللاَّم لأهل المصالح الاقتصادية. وقد انضم الإسلاميون، بعد أن مارسوا الحكم وذاقوا طعمه، وغرقوا في الفساد المالي والإداري، إلى مجموعة مصالح جديدة. تحول الإسلاميون من كونهم كيانًا أيديولوجيًا "رساليًا"، ليصبحوا جزءًا من مجموعة المصالح. والآن، بحكم فقدانهم الغطاء العسكري والأمني الباطش الساند لهم، سيقعون بالضرورة في الوعاء الحاوي لحزب الأمة، بكل شظاياه، إضافة إلى الاتحادي الأصل. يجمع بين كل هذه الكتلة العريضة؛ بشقيها السياسي والاقتصادي، ما يمكن أن نسميه "رهاب اليسار". ورغم أن اليسار غير متحد وأن كتلته أصغر حجمًا من حيث السند الجماهيري، إلا أن كتلة اليمين لم تستهن يومًا بخطره عليها. ولذلك كلما أحست بدنو خطر اليسار منها، تناست خلافاتها والتصقت ببعضها، بدوافع شبه غريزية.

    الآن تعقدت الصورة أكثر عقب دخول القوى العسكرية المختلفة، بصورةٍ جديدة، في هذه المعادلة. فقد أصبح للقوة العسكرية الحكومية شِقَّان شبه مستقلين، تحول كل واحدٍ منهما إلى "تايكون" اقتصادي. ودخلا إلى نادي المصالح بثقلٍ نوعيٍ ضخم، لم يتفق للعسكر في الماضي. يضاف إلى ذلك دخلت الحركات المسلحة بالأجندة الخاصة بها إلى المشهد المعقد أصلا. ولو أضفنا إلى كل ما تقدم السند المالي والسياسية من بعض القوى الإقليمية لهذه الكتلة، يصبح الحلم اليساري التقليدي بإحداث انقلاب راديكالي يقلب الخريطة السياسية السودانية، عبر الثورة رأسًا على عقب، في المدى القريب، مجرَّد تفكيرٍ رغبوي.

    لقد دفعت هذه التحولات والتشكلات الجديدة رموزًا من مثقفي اليسار ومن الحركات العسكرية المحسوبة على اليسار، إلى اقتلاع خيامهم من معسكرهم القديم، لينخرطوا لواذًا في مغازلة كتلة اليمين العريضة هذه. ولهؤلاء، في تقديري، إن صح تحليلي، تبريرهم البراغماتي، وربما التكتيكي لهذه النقلة. فالثورة الآن في مطبٍّ لا ينكره إلا مكابر. فقد أصبحت قدرة الإسلاميين وكارهي اليسار، من أرباب المصالح، ومن بعض شركاء الحكم أنفسهم، على خنق المرحلة الانتقالية، حقيقةً بيِّنة. ولذلك لربما رأى رموز اليسار غير المؤدلج، في الالتفاف حول محور السيد الصادق المهدي ترياقًا ضد عودة الإسلاميين. يضاف إلى ذلك، ربما مثَّل لهم السيد الصادق المهدي مركبًا للتصالح مع المكون العسكري أو بعض قواه المؤثرة، وأيضًا، مع القطاعات المتدينة من الجمهور. وهنا، ربما قال قائلٌ: إن جماهير الثورة قادرةٌ على تعديل كفة الميزان. غير أن تشقُّق كتلة اليسار، وتضعضع قوى الحرية والتغيير، وعدم تجانس حكومة الفترة الانتقالية، إضافة إلى سوء تقديرات الحزب الشيوعي وخطأ رهاناته، ربما جعلت من المستحيل تعديل هذا الوضع قبل الانتخابات. بل ربما أصبحت غاية الآمال أن تمر الفترة الانتقالية بسلام، لا أكثر.
                  

09-22-2020, 11:07 PM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 817

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    عصا نائمة وعصا قائمة!

    النور حمد

    صحيفة التيار 23 سبتمبر 2020

    للمنظومة الحاكمة حاليًا في السودان، برؤوسها المتعددة، عدة ألسن. أما الفضاء العام المحيط بها والذي تسيطر عليه وسائط التواصل الاجتماعي فله ألف لسانٍ متعارض. وتظل الحقيقة في هذا المناخ منفصلةً عن الواقع، سابحةً في هذا السديم الشاسع من الشائعات، والشائعات المضادة. من أمثلة ذلك: عندما ذهب الفريق البرهان للقاء نتنياهو في عنتيبي بيوغندا في فبراير الماضي، طفح على سطح الأخبار أن المكون المدني في الشراكة الانتقالية لم يقرر ذلك اللقاء، وأن الفريق البرهان تصرَّف بمفرده. بل قيل إن رئيس الوزراء عبد الله حمدوك لم يُستشر في أمر ذلك اللقاء. أما ما أعقب اللقاء من الموافقة على عبور طائرات شركة العال الإسرائيلية أجواء السودان، فقد أظهرته القنوات الإسرائيلية، ولم تقابله الحكومة السودانية لا بنفي ولا بإثبات. وبعد أن هدأت الزوبعة، لم يعد أحدٌ مشغولاً ما إذا كانت طائرات شركة العال الإسرائيلية لا تزال مستمرةً في عبور أجواء السودان، أم أنها توقفت. كما لم يخرج قط من إدارة الحركة الجوية السودانية ما ينفي أو يثبت ذلك. في نفس تلك الفترة، حطت طائرة فريق الإسعاف الطبي الإسرائيلي التي هرعت لإنقاذ مهندسة لقاء البرهان ونتنياهو، الدكتورة الراحلة، نجوى قدح الدم، في مطار الخرطوم. وطفح ذلك الخبر، واحتل مواقع الصدارة في وسائط التواصل الاجتماعي، ثم ما لبث أن أصبح نسيًا منسيا.

    الآن تتكرر ذات البلبلة الخبرية وتشتعل وسائط التواصل الاجتماعي من جديد بعد أن ذاع أن الفريق عبد الفتاح البرهان ورئيس الوزراء عبد الله حمدوك سوف يذهبان إلى أبو ظبي يصحبهم وفد وزاري. لكن في اللحظة الأخيرة تخلف رئيس الوزراء عبد الله حمدوك، وذهب الفريق البرهان بمفرده مع الوفد الوزاري. ولم يصدر في الفترة الممتدة بين ظهور خبر ذهاب حمدوك إلى أبو ظبي بصحبة البرهان وبين حدوث الرحلة، أي نفي من مكتب رئيس الوزراء لخبر ذهابهما معًا. أيضا تردد في الأخبار العالمية والمحلية أن وفدًا أمريكيًا ينتظرهما في أبو ظبي. ولم أفهم من جانبي لماذا تجري مناقشة قضية رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب في أبو ظبي، إن كان سبب اللقاء منحصرًا في هذه القضية وحدها. لكن، حين يُشار إلى أن لقاء السودان والإمارات وأمريكا في أبو ظبي مرتبطٌ عضويًا بإدخال السودان في زمرة مجموعة الدول العربية التي وقَّعت قبل أيام، يخرج الناطق الرسمي باسم الحكومة السودانية ليناقض ذلك. وليقول: إن موقف الحكومة السودانية ثابت ولا أحد مفوضٌ بمناقشة قضية التطبيع، الآن. وفي وسط كل هذه البلبلة يسقط الجميع في التَّنُّور الذي يمور بالإشاعات والاشاعات المضادة.

    لقد أعاب الأستاذ الشهيد، محمود محمد طه، منذ ستينات القرن الماضي على القادة العرب اختيار دور القاصر الذي يحب أن يتوارى خلف وصي. كما أعاب عليهم انحلال العزيمة وفعل ما يعتقدونه لواذًا وخفية. وأعاب عليهم أيضًا قلة الشجاعة والقدرة على مواجهة شعوبهم بالحقائق كما هي. لقد كان أنور السادات قائدًا عظيمًا، لأنه حين رأى أن يخرج ببلاده من حالة العداء مع إسرائيل، الضارة ببلاده، انبرى لفعل ذلك ولم يتلفَّت من فوق كتفيه ليري ما يقوله عنه الآخرون. لقي السادات مصرعه شهيدًا بسبب ذلك. وقاطع العرب مصر، ثم ما لبثوا أن عادوا إليها، بل وأعادوا إليها مقر الجامعة العربية، بعد أن نقلوه منها. والآن، لم يعد أحدٌ يطالب مصر بنقض السلام مع إسرائيل. وتفرغت مصر، منذ تلك اللحظة، لإدارة شؤونها الداخلية والخارجية وفق مصالحها القطرية.
                  

09-24-2020, 07:25 AM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 817

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    فعلٌ إبداعي يزدهر وآخر يحتضر

    النور حمد

    صحيفة التيار 24 سبتمبر 2020

    بحكم غرقنا، نحن السودانيين، في الصراع السياسي والانشغال به عما سواه، واختزالنا مجمل أبعاد هذه الثورة العظيمة الشاملة في الفعل السياسي، فقد ات على أكثريتنا أن ترى أبعادها ومضامينها الأخرى، التي تتعدى في أهميتها مجرد الفعل السياسي ونتائجه. لكل ثورة أبعادٌ ثقافية واجتماعية تتمثل في محاولة الخروج من أوضاعٍ عامةٍ متكلسة، إلى أوضاعٍ جديدةٍ أكثر مرونةً وحيوية. لقد ظهرت بعض الاشراقات الثقافية والاجتماعية لثورة ديسمبر، في فترة الاعتصام. غير أن الفعل السياسي التقليدي المنبثق من العقل السياسي التقليدي، الذي يتقاسمه كارهو الثورة من أنصار النظام المدحور، مع أدعياء الثورة ممن اختطفوا مقود مركبتها، ما لبث أن تسيد المشهد. وغطى، من ثم، على الملمحين؛ السوسيولوجي والثقافي، اللذين أبرزتهما الثورة وهي في أوج عنفوانها.

    لم يكن امتلاء الشوارع بالثوار وعراكهم اليومي، كرًّا وفرًّا مع آلة الأمن العسكرية الباطشة، على مدى سنوات هو أهم ملامح ثورة ديسمبر العظيمة. فهناك حراكٌ سوسيولوجي وثقافي بقي يعتمل تحت السطح على مدى عقودٍ طويلةٍ سابقة لمجيء الإنقاذ إلى الحكم. وقد كان الحقل الإبداعي مرآة عاكسة لذلك العراك. ويمكننا أن نقول إن فترة الاعتصام والصدمة التي أصابت المؤسسة القديمة وتسببت في شللها مؤقتًا، أتاحت فرصةً لخروج الطاقات الإبداعية المقموعة سلطويا لعقود طويلة إلى السطح ليشهدها العالم أجمع. ولذلك كانت الكراهية لفترة الاعتصام نابيةً والعمل على شيطنتها نذلاً وخسيسًا، وعلى إنهائها عنيفًا وإجراميا. لقد كان مجمل ما عكسته شهور الاعتصام فضحًا ثقافيًا واجتماعيًا لبنية السائد المعتل قيميًا، الذي خنق الحياة السودانية منذ مؤتمر الخريجين في ثلاثينات القرن الماضي، وحتى يومنا هذا.

    لا يتحقق سبر أبعاد أي ثورة، بالتركيز حصريًا على تجليات الفعل السياسي المصاحب لمختلف أطوارها، وإنما بالتركيز أيضًا على تجليات الفعل الثقافي والسيسيولوجي المعتمل في داخلها. لقد أتاحت لنا وسائط التواصل الاجتماعي نافذةً نطل منها على عالمٍ تعتمل قواه تحت السطح، ما كان بوسعنا الاطلاع عليها لولا هذه الثورة التكنولوجيا الشاملة التي انتظمت العالم بأسره. قوام هذا العالم فئة الشباب، التي تحملت العبء الأكبر في الثورة. ومَثَلُه مَثَلُ أي بنيةٍ سوسيولوجية أو ثقافيةٍ، فإن لهذا العالم المقموع قطبان: قطبٌ إيجابي متسامٍ، وآخر سلبيٌّ متسفِّل. يتضح لنا ذلك حين نتفحص موسيقى هذا العالم المُتَجَاهَل من قبل الإعلام الرسمي، ومن قبل القطاع الأكبر من المجتمع، بعد أن قلبت وسائل التواصل الاجتماعي الطاولة على الإعلام الرسمي المتكلس البائس. لهذا العالم القادم نصوصٌ شعريةٌ غنائيةٌ جديدة. وله أيضًا تأليفٌ موسيقيٌّ جديد، وامتلاك لتقنيات الصورة والصوت عجزت عنه الأجهزة الرسمية. غير أن له أيضًا موسيقى هابطة خفيفة الوزن مما تذروه الرياح. ولو نظرنا أيضا إلى ما ينتجه الشباب حاليًا، وبغزارة، من كوميديا على تطبيق "تِك توك"، نلاحظ الفارق الشاسع بين ما ينتجونه وكوميديا أجهزة الإعلام الرسمية الاسترازقية الغارقة في "الهبالة" و"العباطة" ورداءة الصنعة، وبين كوميديا هؤلاء الشباب الذكيِّةٍ الشيِّقة، خفيفة الظل، جيدة الصنعة، رغم أنها إنتاج منزلي.

    مقاومة الثورة لا تأتي من جانب النظام القديم وحده، وإنما تأتي أيضًا من قطاعٍ يحسب نفسه ضمن الثوار. من بين هؤلاء سياسيون وتنفيذيون وعاملون في مجالات الإبداع الثقافي بمختلف صورها. والآن، يحرس المسيطرون على أجهزة الإعلام الرسمية خرابةً آيلةً للسقوط، ويقفون بتشبثهم بنهجها المتوارث وعجزها البنيوي عن المواكبة، ضد التحول الجاري على المستوى السوسيولوجي والثقافي. هؤلاء، دروا أو لم يدروا، جزءٌ من الثورة المضادة. باختصار، هذه دعوة للالتفات الجدي لتجليات الثورة خارج دوامة الفعل السياسي النمطي المتكرر ، الذي خبرنا كثيرا قلة عائده.
                  

09-25-2020, 03:20 AM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 817

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    "الجوع كافر"

    النور حمد

    صحيفة التيار 25 سبتمبر 2020

    لا أخفي أبدًا اعتقادي في أن ما يسمى "اليسار السوداني" كيانٌ معتلٌّ بنيويًا. ويتركز ذلك الإعتلال حصرا في الأحزاب اليساروية الأيديولوجية التي لم تدرك، حتى الآن، أن مفهوم اليسار قد تغيَّر بصورة جذرية عقب نهاية الحرب الباردة. قرأت في اليومين الماضيين بيانًا للحزب الشيوعي تحدث فيه عن الإمبريالية والصهيونية العالمية، وكأننا في ستينات القرن الماضي. هذا في حين دخلت كلٌّ من روسيا والصين في ركب الإمبريالية، بطرقٍ جديدة. ما الفرق يا ترى بين هذا الخطاب الذي تضمنه بيان الحزب الشيوعي وبين رؤية الدكتور الراحل، حسن الترابي التي أرادت أن تجعل من السودان مركزًا لنضالٍ كوكبي ضد الحضارة الغربية؟ كيف يا ترى سيقود الحزب الشيوعي السوداني القطر ويرفع من جديد راية الماركسية اللينينية التي سقطت، من لقا من السودان الذي لا يجد أهله ما يقيم أوَدَهم من الخبز الحافي، فيكون السودان المركز الجديد للنضال الأممي ضد الاستعمار والإمبريالية والصهيونية العالمية؟

    أيضًا استمعت إلى تسجيل للقيادي البعثي الأستاذ، محمد ضياء الدين، يعارض فيه مساعي السلام مع إسرائيل بخطابٍ وكأنه صادرٌ من عراق صدام حسين التي طالما تبجحت بالنضال والصمود، غمسحت بها الإمبريالية والصهيونية الأرض في ثلاثة أيام. تجاهل الأستاذ محمد ضياء الدين أن هناك شيئًا اسمه "اتفاقية أوسلو" وأن الفلسطينيين أنفسهم وقعوا اعترافًا بإسرائيل وتعهدوا بالسلام معها، وأصبحوا، يناضلون من آجل حقهم في دولة مستقلة، من جهة، وضد التغوُّلات الإسرائيلية، من الجهة الأخرى، منطلقين من داخل هذا الاعتراف، وليس من خارجه. بل إن فلسطينيي المناطق الواقعة تحت إدارة حركة "فتح"، يعملون، باختيارهم، في جني محصول البرتقال في المزارع الإسرائيلية. كما يقومون يوميًا بغير ذلك من الأعمال داخل الأراضي الإسرائيلية.

    هذا المكون اليساروي السوداني المتكلِّس العاجز عن التفكير النقدي وعن اقتلاع قدميه من وحل الأيديولوجيا، لا يزال يفضل العيش في غيابة التاريخ السابق لكامب ديفيد ولأوسلو. يحاول هذا المكون جر ثورتنا لخدمة شعاراته البالية وتوجهاته الصدامية العابرة للأقطار، بعيدًا عن خدمة البلد وقضاياها الآنية الملحة. وآرجو ألا نكون قد خرجنا من الابتزاز العاطفي باسم الإسلام الذي تخلصنا منه لنقع في دوامة جديدة من الابتزاز العاطفي باسم العروبة والنضال ضد الصهيونية والإمبريالية. تمارس هذه العقلية اليساروية نفس النهج النرجسي القديم المتمركز حول الذات الحزبية، الذي أفشل ثورتي أكتوبر وأبريل، ويوشك الآن أن يفشل ثورة ديسمبر، باختلاق المعارك الهامشية التي لا تتعدى مجرد إثبات الوجود وهو وجود هامشي على أي حال. لا يعي هذا المكون اليساروي الذي يهذي في أتون حمى الشعارات البالية أنه يركب مع كارهي الثورة على نفس المركب، ويخدم نفس أجندتهم. وأرجو أن تلاحظوا التطابق في: "لا أحد مفوض لمناقشة التطبيع". أفلستم تستنون كقوى حرية وتغيير الآن على تفويضٍ شعبي ثوري في كل ما تقومون به؟ إنكم تتذرعون بالتفويض الشعبي لتحموا قناعاتكم الأيديولوجية البالية.

    السودان في اللحظة الراهنة قطرٌ على حافة الهاوية، من الناحية الاقتصادية. فحكومته لا تستطيع توفير العملات الحرة اللازمة لجلب دقيق الخبز، والمحروقات التي يتوقف عليها نجاح الموسم الزراعي، وغاز الطبخ، والأدوية المنقذة للحياة، التي يعتمد عليها الملايين من السكان. هذا في حين تتهاوى أسعار عملته تهاويًا مخيفًا أمام العملات الأجنبية، ويرتفع معدل التضخم تبعًا لذلك. يبدو لي أحيانا أن علينا آن نسند أمور الاقتصاد للمنظرين الاقتصاديين لليسار، ليرونا حلولهم السحرية الناجعة التي تقوم بمعزل عن الإمبريالية والصهيونية العالمية وعن مؤسساتها المالية، وبمعزل عن الإعانات الخليجية. فيتوفر الدقيق والمحروقات والدواء وغيرها، في التو والحين. هؤلاء يعملون على إفشال الفترة الانتقالية على نفس النسق الذي تعمل به القوى الكارهة للثورة. فهم لا يدركون أن "الجوع كافر"، في حين يدرك ذلك كارهو الثورة، ولذلك يعملون بجدٍّ لكي يسود الجوع الذي سوف يخلط جميع الأوراق ويقود حتما للانهيار.
                  

09-26-2020, 05:27 AM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 817

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    خواء المزايدات

    النور حمد

    صحيفة التيار 26 سبتمبر 2020

    الظرف الذي يمر به السودان الآن ظرف لا يحتمل المزايدات السياسية. فقد ورثت الفترة الانتقالية خزينة خاوية واقتصادًا منهارًا تدور عجلته بعيدًا عن عين الرقيب الحكومي. تنصلت حكومة الإنقاذ عن الصرف على جميع الخدمات الرئيسية كالصحة والتعليم وغيرها وحولت موارد البلاد الرئيسة لجيوب منتسبيها وشركائهم في الداخل والخارج. فأصبح نهب هذه الموارد يجري بصورة يومية ويجري تصديرها إلى الخارج، ولا تتلقى خزينة الدولة شيئا من عوائد صادرها. باختصار، ورثت حكومة الفترة الانتقالية دولةً منخورةً من الداخل، لا حول لها ولا قوة. ومع ذلك، لم تمض سوى ستة أشهر، حتى اجتاحت العالم جائحة كورونا التي أنهكت حتى اقتصادات الدول الصناعية الكبرى، وخلقت لها من الاشكالات ما لم يسبق أن توقعها أحد من الاقتصاديين، أو السياسيين. ولم تمر أكثر من ستة أشهر أخرى حتى اجتاحت السيول والفيضانات البلاد وأحدث دمارًا لا شبيه له فيما حوته الذاكرة الحية من كوارث الفيضانات التي حدثت في المئة سنة الأخيرة وتناقلت أخباره الأجيال. الشاهد، أن وضع البلاد الحالي غريب في استثنائيته. ويحتاج الخروج منه، مقاربات استثنائية وعقولا حرة نزيهة لا تزايد من أجل الكسب السياسي الرخيص، ولا تتاجر بمصير البلاد والعباد.

    كل من يقول أن في وسع السودان الخروج من هذا المطب الخطير بقدرته الذاتية، فهو إما شخص مزايدٌ لا يبالي أو أنه غير مدرك لحجم الأزمة وخطرها. جارتنا إريتريا رفعت منذ ثلاثين عاما الشعارات اليساروية الانغلاق ية، فماذا أنجزت؟ لقد تحولت إريتريا إلى بلقع هجره أهله وتشتتوا في بقاع الأرض، ولقي زهرة شبابها حتفهم غرقا في البحر الأبيض المتوسط، أو تعذيبًا على أيدي محترفي الاتجار بالبشر. أما الذين يتحدثون عن الكرامة وعن استقلالية القرار السياسي ونحن نعبر حالة الخنق الاقتصادي الماحقة الراهنة، فشراذم من المتنطعين الذين لا يعرفون إكراهات السياسية وموازناتها، ولم يدبروا شواهد التاريخ كما ينبغي.

    لقد سبق أن ذكرت في بعض مما كتبت أن الاعتداد الياباني والألماني بالذات لا مثيل له. ومع ذلك عرفت كلتاهما كيف تحنيان رأسيهما عند المنعطف الخطر. لقد دوخت اليابان أمريكا في المحيط الهادي ودمرت ميناءها الحربي وقطع اسطولها في بيرل هاربر. واحتلت ألمانيا النازية أوروبا القارية بأكملها واوشكت أن تجعل بريطانيا العظمى تركع بين يديها، لولا التدخل الأمريكي الكاسح. أيضا زحفت ألمانيا على الاتحاد السوفيتي وتوغلت في أراضيه حتى لينينغراد. وحين فاجأت أمريكا اليابان، ومن ورائها العالم بأجمعه، بإلقاء القنبلة النووية على هيروشيما وناجازاكي، لم تجد كلا ألمانيا واليابان أمامها ما تفعلانه سوى الركوع للجبروت الأمريكي، والأوروبي. حنت كل من ألمانيا واليابان رأسيهما ولعقتا جراحهما واتجهتا إلى بناء اقتصاديهما بعد أن جرى تجريدهما من الآلة العسكرية، فأصبحتا في بضع عقود ثاني وثالث أقوى اقتصادين في العالم. قبل كلتاهما الهزيمة في الحرب لكنها انتصرتا في الاقتصاد وتخطيتا في ذلك بريطانيا العظمي وفرنسا.

    نحن لم نتعرض للمهانة التي تعرضت لها كل من ألمانيا واليابان. لدينا فرصة لانتشال بلادنا من حفرة الوأد بتبادل ما لدينا من عناصر القوة بما لدى خاطبي تعاونا مما نحن بحاجة إليه حاجة حياة أو موت في هذا المنعطف الحرج. كل ما يتعين علينا في هذه اللحظة الفارقة بين فرصة البقاء وانهيار الدولة بالكلية هو الخروج من الاعتداد الزائف بالذات، ومن نزعة التحدي الصدامية الرعوية ومن الانسياق وراء الشعارات. هذا ما سوف يحفظ بلادنا ويخرجنا من سياسات المزايدة إلى نطاق الفعل في الواقع الذي لم نمارسه منذ الاستقلال مهدرين طاقاتنا في المزايدات وفي تدبيج الخطاب السياسي المعلق في الهواء. لا مخرج من وضعنا الراهن الخانق إلا بعون أجنبي وهو ما يقتضينا في اللحظة الراهنة، شيئًا من المرونة وحني الرأس للعاصفة وابتلاع الشعارات الفارغة. وهذا في تقديري ما سوف يحدث.
    ا
                  

09-27-2020, 04:05 AM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 817

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    ههنا يكمن التكلُّس اليساروي
    (1)
    النور حمد

    صحيفة. التيار 27 سبتمبر 2020

    عكست الردود التي ازدحمت بها الأسافير حول مقالتي في نقد اليسار الشيوعي والبعثي في السودان، حقيقة هذين التنظيمين الطنَّانين. جنحت غالبية تلك الردود إلى الهتر، وهو أمر لم أكن أتوقع غيره، على أي حال. فاليسار السوداني صنع قبيلةٍ، ولم يصنع حزبًا سياسيًا ديموقراطيًا حداثويًا. لذلك ما أن شاعت مقالتي في الأسافير امتشق صغار فرسان هذه القبيلة اليساروية سيوفهم وشرعوا يدافعون بالنصال عن صنم قبيلتهم وبقرتهم المقدسة. هؤلاء لا يناقشون، لأنهم لا يملكون حصائل معرفية يناقشون بها. ولذلك، ينحدرون تلقائيًا على منزلق الهتر الفج والغوغائية. يريد كل فارسٍ منهم نيل رضا القبيلة، وقد سنحت لذلك الفرصة. هذا النهج، هو ما جعلهم، باستمرار، خارج ساحة الفعل الفكري المنتج. وقد تأكد لي الآن، أكثر من أي وقت مضى، ألاَّ فرق في طريقة مقارعة الرأي المغاير، بين التكفيريين المسلمين، وهؤلاء التكفيريين اليسارويين.

    قلنا لهم إن مفهوم اليسار تغيَّر عقب نهاية الحرب الباردة، فلم يلقوا بالاً إلى ذلك. لم يناقشوا ذلك، ولم يسألوا ماذا يعني، وإنما ذهبوا إلى "محفوظاتهم الأولية" في التخوين وكيْل التهم بخدمة الإمبريالية والصهيونية العالمية، وترديد الشعار الأجوف: "قضية فلسطين هي قضية العرب المركزية". هذا في حين أن حلايب محتلَّةٌ عربيًا، ونصف أهل دارفور وغيرهم يعيشون في معسكرات النزوح. كلُّ ما عناهم أن القبيلة هوجمت، وأن عليهم الدفاع عنها، كيفما اتفق. لا جدال في أن اليسار لا يزال حيًّا وناميًا في جميع بقاع العالم. وقد أدخل تحت مظلته حماة البيئة والحركات النسوية ومعتنقي الاتجاهات الروحانية الجديدة، وغيرهم. لقد تغير مفهوم اليسار بعد أن مخرت سفنه بعيدًا عن مرافئ الماركسية اللينينية وأطرها. فالماركسية اللينينية لم تعد تصلح أداةً لتحليل ما يجري الآن على مستوى الكوكب، كما لم تعد تصلح لقيادة اليسار المتنامي وسوقه نحو تحقيق أهدافه. العمل اليساري لم يعد ذاك العمل الثوري الملحمي الذي يقلب الأوضاع بالعنف والقوة، ويسلِّم الطبقة العاملة مقاليد الأمور. وإنما انحصر في نطاق الاصلاحات المطلبية التي تحول النظام الرأسمالي، تدريجيًا، إلى نظام اشتراكي عبر وسيلة الديموقراطية، وليس بغيرها.

    تسير الصين (الشيوعية سابقا) في طريق الأتمتة Automation، إذ أخذت تحل الآلة محل الإنسان وتسير في هذا الطريق بأسرع مما يفعل الغربيون، بشهادة الغربيين أنفسهم. ولسوف يأتي وقتٌ قريب لن تكون هناك طبقة عاملة تقليدية كالتي وصفتها الأدبيات الماركسية. ولسوف يُخرج الذكاء الصناعي وعلم الروبوتات، في العقود وربما السنوات القادمات، الإنسان من أي موقعٍ للعمل يمكن نتصوره. وبناء عليه ستصبح دولة الرعاية الاجتماعية أمرًا مفروضًا على الجميع. فإن لم تتكفل الدولة برعاية مواطنيها وتركت الحبل على الغارب للرأسمال، فإن جيوش العطالى سوف تتحول إلى جيوش من المجرمين. وربما بسبب هذا، بدأ بعض المجانين يفكرون في إنقاص سكان العالم بالحروب وبالأوبئة، أو بكليهما. حين نقول إن الحزب الشيوعي السوداني حزب متكلِّس فإننا نعني ذلك تمامًا ولا نقصد بذلك الهزؤ، وإنما قصدنا إيضاح حقيقته على ما هي عليه. فهو حزب بلا أدبيات يُعتد بها وبلا تجديد فكري وبلا قادة مفكرين. هو الآخر مجرد "لمة" امتدت إلى حاضرنا من تاريخ العمل النقابي، وتحولت إلى قبيلةٍ كثيرةٍ الضجيج، مفرطةٍ في نرجسيتها، لا ترى من حق الناس أن يروا غير ما ترى. أما البعث، فهو لم يعد سوى صدى باهتٍ لحقبة طويلةٍ من الفشل ومن الدم المسفوح، انطمرت تحت التراب. (يتواصل)
                  

09-27-2020, 05:24 PM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 817

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    🔵يغمط كثيرون الصديق الدكتور النور حمد علي شجاعته في إبتدار النزال الفكري بجرأة لامثيل لها .
    غض النظر عن رأينا فيما يعرض من موضوعات ويقدم من طروحات نقدية ، لن ينكر مُنصف توفر الرجل علي قلم مستنير مكتنز بأدوات تعبيرية ديجتال تبتز مايتسلح به التقليديون من مفروشات برندات السوق .
    إذن ، لاغرو إن جاء محصوله الفكري متميزا في النسج والنوع . فأدواته التي يحشدها تسندها مناهج بحثية وأوعية علمية راسخة .
    إستطرادا ، يجئ طرح د. النور متسقا مع شخصيته : مثقفا حرا وطليقا من أي مُكبلات وقيود حزبية او فكرية . فليس بمستغرب ألاّ يسيغ صراحته المستفزة ومباشرته المؤلمة من يضيق بهم الماعون ، فالالتزام العقائدي وصمدية المحفوظات يناقضان قوانين الحركة والخيال . يتعين علينا أن نحيي قدرات النور حمد الاستثنائية في تمزيق أكفان القداسة الفكرية ، المُتَوّهْم منها ومابطن ، وغاراته الجسورة علي القباب المنصوبة في فضاء حياتنا السياسية والفكرية وولوجه مزاراتها ونبشه لمراقدها وكشفه ان مومياء الفكي ليست سوي أضغاث في أكفان ، والضغث لغة هو ما تظفر به من قبضة الحشيش فيمتزج الطويل بالقصير، الطّري باليابس والرطب بالقاسي ، وما يصلحُ للأكل وما لا يصلح.وما اكثر هذا النوع الاخير !
    عبدالرحمن الامين
    واشنطن
                  

09-28-2020, 00:56 AM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 817

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    ههنا يكمن التكلُّس اليساروي
    (2)

    النور حمد

    صحيفة التيار 28 سبتمبر 2020

    لقد نادى بتجديد جلد الحزب الشيوعي السوداني شيوعيون نابهون مُطَّلعون، مثال: الخاتم عدلان وصديق الزيلعي، والشفيع خضر، وكثيرون غيرهم ممن لم تظهر مساهماتهم على السطح. ويعلم كلنا كيف كان مصيرهم مع الكهانة الأرثوذوكسية القابضة على رقبة الحزب الشيوعي؟ لقد جرت شيطنتهم على نفس النهج الذي تجري به شيطنتي اليوم، التي تقوم بها في الأسافير الأقلام قصيرة النَّفَس، لصغار محاربي قبيلة الحزب الشيوعي. لقد نادى المفكر الشيوعي د. فاروق محمد إبراهيم بتغيير اسم الحزب الشيوعي بناءً على المستجدات الفكرية والسياسية، والافصاح عن علاقته بالدين وعن علاقة الدين بالماركسية، ولكن لا حياة لمن تنادي. فالحزب ليس في أيدي مفكرين، وإنما في أيدي كادر نقابي متمرس، لا يعرف شيئًا أبعد من العمل التنظيمي والمناورات السياسية.

    تمر الفترة الانتقالية الآن بفترة عصيبة في وقت يعاني فيه الشعب ضائقة معيشية غير مسبوقة. بل لقد أصبحت الفترة الانتقالية في مجملها على كف عفريت بسبب سوء إدارتها. مر أكثر من عام منذ أن تسلمت الحكومة الانتقالية مقاليد السلطة. ولم تجن الجماهير العريضة التي أشعلت هذه الثورة وضحت من أجل نجاحها بدمائها، سوى حملات علاقاتٍ عامةٍ باهتة، تتمثل في حلقات نقاش تلفزيونية يديرها من سرَّبهم اليسار إلى الأجهزة الإعلامية. إضافةً إلى مؤتمرات متتابعة "مكلفتة" لا تسمن ولا تغني من جوع. وهي مجرد حملات علاقات عامة غرضها التخدير وشراء الوقت في انتظار ما لا يأتي.

    لقد حوَّلت قلة كفاءة من أداروا التفاوض مع اللجنة الأمنية، ومن بينهم شيوعيون كبار، هذه الثورة حتى الآن إلى جهدٍ بلا عائد. لقد تحوَّلت أحلام الثوار في إدارة مقتدرة للفترة الانتقالية إلى تمكين حزبي جديد متعدد الرؤوس، وإلى اقتناص متلهف للمناصب. ونذكر كلنا أن التوجه الأول للثورة تمثل في أن تدير الفترة الانتقالية حكومة كفاءات. لكن، ما لبثنا أن رأينا الشخصيات الحزبية تأخذ طريقها إلى المناصب. لقد فات على قوى اليسار وغيرها، وهي تمارس خداع الشعب، منطلقةً من غرائزها البدائية الأولى التي تأثيرها المناصب، أن هناك أجيالاً من السودانيين تعرف بعضها منذ أيام الدراسة في الثانويات والجامعات، ويعرفون إلى أي حزب ينتمي غالبية من تبوأوا المناصب. لقد أرسلت أحزاب اليسار إلى المناصب من ظنوا أن انتماءهم مجهول لدى عامة الناس، وفي هذا جهل بالبيئة السودانية، وبمدى معرفة السودانيين ببعضهم.

    لقد أفشل الشيوعيون ثورة أكتوبر وجعلوا فترة الانتقالية لا تتجاوز بضعة أشهر بسبب سوء تصرفهم. لقد ظنوا أن ثورة أكتوبر هي الثورة البلشفية، ولن تلبث الطبقة العاملة أن تأتي إلى دست الحكم. وكان ذلك جهلا موبقا بالسياق السوسيو/اقتصادي السوداني. رفعوا شعار لا زعامة للقدامى، ولا أحزاب بعد اليوم، ومنحوا جبهة الهيئات التي يسيطرون عليها 7 وزارات، في حين منحوا كلا من حزب الأمة والاتحادي وجبهة الميثاق وزارة واحدة. كما منحوا أنفسهم وزارة واحدة، وفقًا لما حسبوه ذرًّا للرماد في العيون. غير أن الجميع كانوا يعلمون أن نصيب الأسد من وزارات حكومة أكتوبر الذي ذهب إلى جبهة الهيئات، إنما ذهب إلى الحزب الشيوعي "باللفة". لذلك، ألَّبت عليهم الأحزاب الكبيرة الشارع ومورس ضغطٌ رهيبٌ على رئيس وزراء الفترة الانتقالية السيد، سر الختم الخليفة، فاستقال وانهارت الفترة الانتقالية، وتبخرت أحلام الثائرين، وأصبحت أكتوبر أثرًا بعد عين. (راجع كتاب تيم نيبلوك: "صراع السلطة والثورة في السودان"، ترجمة محمد علي جادين والفاتح التجاني، وراجع كتاب محمد سعيد القدال "معالم في تاريخ الحزب الشيوعي السوداني"). غدًا أعرض بعضًا من تفاصيل محاولات "تكويش" الحزب الشيوعي على أكتوبر حتى أجهضها. (يتواصل)
                  

09-29-2020, 04:00 AM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 817

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    ههنا يكمن التكلُّس اليساروي
    (3)

    النور حمد

    صحيفة التيار 29 سبتمبر 2020

    فاجأنا عضو اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوداني، والاقتصادي الماركسي المعروف، الدكتور صدقي كبلو بتصريحٍ مثيرٍ للدهشة، في ختام حديثه في المؤتمر الاقتصادي الأخير. قال كبلو، وأنا أنقل هنا حرفيًا ما جاء في الفيديو الذي حوي حديثه: "يا جماعة للمرة المليون، عشان ما في زول ينزل بعد ما أنزل .. آخر كلمة .. إنو يقول: الزول ده قاعد يدعو للاشتراكية. نحن عايزين نعمل نظام رأسمالي صناعي حديث لازم تقوم فيهو الدولة بدورها الاجتماعي والاستثماري عشان تحدث الثورة ...". (بقية الكلام لم تكن واضحة بسبب مقاطعة رئيس الجلسة).

    معلومٌ أن في الأدبيات الماركسية ما يسمى: "مرحلة الثورة الوطنية الديمقراطية". ولقد يجد د كبلو تبريرًا لحديثه، لدى نفسه وقبيله، في أنهم يعملون، الآن، لإحداث الثورة الوطنية الديمقراطية، وهي مرحلة رأسمالية الطابع، بطبيعتها. لكن هذا لا يبرر القول: "ما في زول يقول الزول ده قاعد يدعو للاشتراكية". فهل يعني العمل في مرحلة الثورة الوطنية الديموقراطية أن يتوقف من هو شيوعي، تمامًا عن الدعوة للاشتراكية؟ فإلي أي وجهة إذن يسوق الشيوعيون الناس، وأي خطابٍ يقدمونه لهم؟ لم يعد أحد الآن يتحدث عن مرحلة الثورة الوطنية الديمقراطية سوى شيوعيي السودان، استنادا على "المانيوال". الماركسي اللينيني الذي تخطته السياقات الراهنة وأضحى أدبيات نفقت وذرتها الرياح. فتمسك الشيوعيين بها لا يعني، في تقديري، سوى شراءٍ للوقت للخروج من وحسةٍ دخلوا فيها منذ انهيار المعسكر الشيوعي في ثمانينات القرن الماضي، ورغم مرور ثلاثة عقود، لم يدروا كيف يخرجون منها.

    ودعونا نعود لثورة أكتوبر لنرى بدقة كيف تصرف الحزب الشيوعي إزاءها، وفقًا لما جاء في كتاب تيم نيبلوك "صراع السلطة والثروة في السودان". يقول نيبلوك أن جبهة الهيئات، (وهي المعادل آنذاك لقوى الحرية والتغيير الحالية)، سيطرت على مجريات الثورة، عبر الشهور الأولى، فطرحت أجندةً راديكالية، جعلت القوى التقليدية الطائفية تشعر أن هناك اتجاهًا لإقصائها وتصفيتها. سنت جبهة الهيئات تشريعات منحازةً للعمال والمزارعين والنساء. فضمت الحكومة التي أُعلنت في 31 أكتوبر سبعة وزراء من جبهة الهيئات، من بينهم السكرتير العام لاتحاد نقابات عمال السودان، وسكرتير اتحاد المزارعين، واثنين من الجنوبيين. أما حزب الأمة، والاتحادي، والشعب الديمقراطي، والميثاق الإسلامي، والشيوعي، فقد مُنح كل حزبٍ منها وزيرًا واحدًا فقط. (ورد في النسخة الورقية للتيار وزيران لكل حزب، وكان ذلك خطأ مني). غير أن وزراء جبهة الهيئات كانوا تابعين، من الناحية العملية، للحزب الشيوعي السوداني، ما جعل الحزب مسيطرًا على مجلس الوزراء.

    أيضًا، اتجهت تلك الحكومة الانتقالية في أشهرها الأولى إلى وضع مقترحات للإصلاح الزراعي، وإلى التصفية التدريجية للإدارة الأهلية، والتمهيد لأن تستلم الشركات السودانية تجارة الصادر والوارد من الشركات الأجنبية، وتنشيط التجارة مع الدول الشرقية. وكذلك، اتباع سياسات نشطة في دعم حركات التحرر في إفريقيا والشرق الأوسط. أي، التطبيق الحرفي لرنامج الحزب الشيوعي الراديكالي المتطرف. وكان أكثر ما أثار قلق القوى التقليدية هو الاقتراح الذي تقدمت به جبهة الهيئات لتخصيص 50% من مقاعد الجمعية التأسيسية للعمال والمزارعين، (راجع: نيبلوك). ولقد قدم محمد سعيد القدال في كتابه (معالم في تاريخ الحزب الشيوعي)، مراجعةً نقديةً للاندفاعات الراديكالية لجبهة الهيئات، وهي تدير تلك الفترة الانتقالية القصيرة. وقد اتسم نقده بالموضوعية، وبالتأكيد على ضرورة التحلي بالحكمة وتفهُّم مُقيِّدات الواقع. لكن يبدو أن الحزب الشيوعي يطأ على أراء عقلائه بحذاءٍ ثقيل، ويمضي في طريقه المُفضي إلى الهاوية. (يتواصل).
                  

09-29-2020, 07:03 AM

بدر الدين الأمير
<aبدر الدين الأمير
تاريخ التسجيل: 09-28-2005
مجموع المشاركات: 18639

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    فوق لحين عودة
                  

09-30-2020, 01:42 AM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 817

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: بدر الدين الأمير)

    *

    (عدل بواسطة Salah Musa on 09-30-2020, 02:06 AM)

                  

09-30-2020, 02:23 AM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 817

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    ههنا يكمن التكلُّس اليساروي
    (4)
    النور حمد

    صحيفة التيار 30 سبتمبر 2020

    ما أن خرج الحزب الشيوعي السوداني من تجربة إفشاله ثورة أكتوبر 1964، حتى دخل بعد خمسة أعوام في مطبٍّ جديدٍ قضى على أمجاده وزخمه الكبير الذي عُرف به على المستوى الإفريقي والعربي والدولي. فقد كان يشار إليه بأنه أقوى الأحزاب الشيوعية على المستويين العربي والإفريقي. المطب الذي وقع فيه الحزب الشيوعي وأفقده توازنه حتى اليوم، هو تأييده لنظام مايو والانخراط في أجهزة حكمه. وقد كان تأييده لانقلاب مايو مجرد ردة فعلٍ ثأرية لما حدث له في عام 1965. فقد تسببت محاولة الحزب الشيوعي تهميش الحزبين الكبيرين في حكومة أكتوبر، ومحاولته ضربه الإدارة الأهلية التي تمثل قاعدةً لهذين الحزبين الكبيرين، في ردة الفعل العنيفة التي بدرت من هذه القوى ضده في عام 1965. يُضاف إلى ذلك، كما أورد تيم نيبلوك، محاولته تمكينه العمال والمزارعين التابعين له في تلك الحكومة، وإظهاره نيته الهجوم على شركات القطاع الخاص وتحويل التجارة السودانية إلى المعسكر الاشتراكي بقيادة روسيا. عرفت الأحزاب اليمينية نوايا الحزب الشيوعي الماكرة تجاهها، فقررت أن تقضي، عليه بعد أن سيطرت على البرلمان في الانتخابات التي أعقبت انهيار الفترة الانتقالية التي أعقبت ثورة أكتوبر.

    افتعلت جبهة الميثاق الإسلامي بقيادة الدكتور حسن الترابي معركة مع الحزب الشيوعي عقب حادثة طالب معهد المعلمين العالي، الذي قيل أنه خاض في العرض النبوي المشرف فسيَّر الإسلاميون المظاهرات وحركوا المساجد وألهبوا العاطفة الدينية لدى البسطاء، ودعوا إلى حل الحزب الشيوعي وطرد نوابه من البرلمان. كان مُشعل فتيل تلك المؤامرة عضو جبهة الميثاق الإسلامي البارز ، علي عبد الله يعقوب. وقد تلقف منه الدكتور حسن الترابي رأس الخيط وصعَّد الأمر في الجمعية التأسيسية (البرلمان آنذاك) وطالب بتعديل المادة 105 من الدستور، وهي مادة كفالة الحريات، فجرى تعديلها. وجرى من ثم حل الحزب الشيوعي وطرد الحزب الشيوعي من البرلمان. ولأن الحزبين الكبيرين أحسا بخطورة الشيوعيين عليهما منذ تجربة حكومة أكتوبر التي أجبروها على الاستقالة، فقد وجد كل من الإمام الهادي والسيد الصادق المهدي والسيد إسماعيل الأزهري الفرصة سانحةً للقضاء على الحزب الشيوعي الذي استهدفهما عقب ثورة أكتوبر. فسارا وراء جبهة الميثاق الإسلامي في مخططها الإجرامي. وهكذا تحولت الديموقراطية الثانية (1964 -1969) إلى دكتاتورية مدنية ذات طبيعة دينية.

    لم يراجع الحزب الشيوعي مواقفه الخاطئة المتعجلة إبان ثورة أكتوبر، التي كشفت نواياه السيئة تجاه القوى التقليدية، ونزعته الفوقية الانقلابية، وإنما اختار السير في طريق الثأر. فما أن تحرك الجيش بقيادة نميري مع ثلة من الضباط القوميين اليساريين وأطاحوا بحكومة الديمقراطية الثانية، بقيادة السيد محمد احمد المحجوب ، حتى بادر الحزب الشيوعي بتأييد الانقلاب. بل، وانخرط الحزب مشاركًا في أجهزته السياسية والتنفيذية، بل والأمنية. شارك الحزب في حكومة نميري الأولى بعدد كبيرٍ من الوزراء، نذكر منهم على سبيل المثال: فاروق أبو عيسى وزيرًا لشؤون الرئاسة، الرائد فاروق حمد الله وزيرًا للداخلية، عبد الكريم ميرغني وزيرًا للاقتصاد والتجارة الخارجية، جوزيف قرنق وزيرًا لتموين، موريس سدرة وزيرًا للصحة، محجوب عثمان وزيرًا للإرشاد، مرتضى أحمد إبراهيم وزيرًا للري. وهناك مجموعة أخرى لست متأكدًا من انتمائهم للحزب الشيوعي مثال: محمد عبد الله نور وزير الزراعة، وسيد أحمد الجاك وزيرً الأشغال، ومنصور محجوب وزير الخزانة. عمومًا، كانت حكومة انقلاب نميري مناصفة، تقريبا، بين الشيوعيين والقوميين العرب. لكن هل اقتنع الشيوعيون بهذا الوضع. الذي صبغوا فيه انقلاب مايو بصبغتهم ؟ والإجابة: لا. فهم بناء على نظرتهم التي لم يراجعوها، لا يرضون أن يكون غيرهم في السلطة. هذا ما سأتناوله في الحلقة القادمة. (يتواصل).
                  

10-01-2020, 02:39 AM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 817

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    ههنا يكمن التكلُّس اليساروي

    (5)

    النور حمد

    صحيفة التيار 1 أكتوبر 2020

    (لزمني تصويبان للمقالة 4: الأول: المادة التي عٌدِّلت من الدستور لحل الحزب الشيوعي هي المادة 5-2 وليس 105. الثاني: أن رئيس الوزراء عند انقلاب نميري هو محمد احمد محجوب وليس الصادق المهدي، فمعذرة).

    رغم أن الشيوعين شاركوا في حكومة نميري الانقلابية بما يقارب عشرة وزراء من أصل 21، إلا أنهم سرعان ما اختلفوا مع نميري ولم يستمر تناغمهم معه سوى تسعة أشهر. فقد ضاق نميري باعتراضات عبد الخالق محجوب ومحاولاته الظهور بأن حزبه ليس جزءًا من نظام مايو، رغم مشاركة حزبه في الوزارة. فقام بنفي عبد الخالق إلى مصر في 22 مارس 1970. ورافق ذلك، حظر نشاط الحزب الشيوعي وحل المؤسسات التابعة له، وهنا بدأت مرحلة العداء السافر. لكن، نتيجةً لالتماسٍ من الرئيس المصري جمال عبد الناصر، أعاد نميري عبد الخالق بعد ثلاثة أشهر إلى الخرطوم. لكن، أُعيد اعتقاله مراتٍ، كان آخرها في 16/11/1970، في سلاح الذخيرة بالخرطوم. وهناك، كما تشير عديد الشواهد، بدأ التفكير في الانقلاب العسكري الذي جرى في 21/7/1971.

    اعترض عبد الخالق محجوب على الوحدة الثلاثية بين السودان ومصر وليبيا، وقدم انتقادات وتحفظات متكررة على سياسات نميري، حتى وصل الأمر بينهما نقطة الافتراق. الشاهد، أن ازدواجية المواقف التي يمارسها الحزب الشيوعي، ظاهرةٌ قديمة؛ فهو يقف مع الشيء وضده. تدل على ذلك الآن مواقفه المتناقضة المتمثلة في مشاركته في المفاوضات التي أنتجت الوثيقة الدستورية، والشراكة العسكرية/المدنية المختلة لصالح العسكر، وحكومة حمدوك المشلولة، ثم ظهوره، رغم ذلك، بمظهر المعارض. وقد انتقد حزب المؤتمر السوداني ذلك السلوك قائلاً: إن الحزب يقوم بالتصعيد ضد حكومة الفترة الانتقالية رغم أنه ينتمي لتحالف الحرية والتغيير. كما وجه رئيس حزب الأمة القومي الصادق المهدي انتقادات حادة للحزب الشيوعي، أيضًا، لكونه ينتقد الحكومة وهو جزء من تحالف الحرية والتغيير.

    التذبذب الذي مارسه الحزب الشيوعي عقب تأييده لانقلاب نميري واشتراكه بوزرائه في حكومته، هو ما أدى إلى انقسامه في سبتمبر 1970. يقول الإرشيف الخاص بالحزب إن ذلك الانقسام: «شق الحزب من القمة الي القاعدة، وخرج فيه اثنان من أعضاء المكتب السياسي من مجموع 10، و12 من أعضاء اللجنة المركزية من 33، وعديد من المتفرغين والكوادر الجماهيرية وقادة لجان المناطق والمكاتب المركزية والأعضاء العاديين». (راجع موقع الحوار المتمدن: (https://bit.ly/33dQ3XOhttps://bit.ly/33dQ3XO) تحول الحزب الشيوعي بسبب ذلك الانقسام الخطير إلى شظيتين، أصبحت أضعفُهما، من الناحية العملية، التي وقفت بقيادة عبد الخالق محجوب ضد نظام نميري. هذا الانقسام، في تقديري، هو ما رجَّح خيار القيام بانقلاب يوليو 1971 لدى جناح عبد الخالق.

    في يوم انقلاب مايو أصدر الحزب الشيوعي تقييمًا لما أسماه "الطبيعة الطبقية للانقلاب". واصفًا قيادة الانقلاب وفق "المانيوال"، بـأنها "برجوازية صغيرة". وأبدى القيادي الشيوعي عمر مصطفى المكي، الاستعداد للتعاون مع الانقلابيين، بشرط أن يحتفظ الحزب بقدراته الايجابية في نقد وكشف مناهج البرجوازية الصغيرة واحتمال نقلها قيادة الثورة من يد الطبقة العاملة إلى يدها هي. وهكذا، اختار الحزب الشيوعي الوقوف مع انقلاب نميري، والاشتراك في حكومته، ضاربًا عرض الحائط بالديموقراطية. واشترط الحزب الشيوعي أن يسلمه الانقلابيون المايويون عجلة القيادة، لأنه يرى أنه المؤتمنٌ الوحيد على إبقائها في يد الطبقة العاملة. لكن، أفلا تنتمي القيادات العليا مثال: عمر مصطفى المكي وعبد الخالق محجوب وغيرهم إلى فئة "البرجوازية الصغيرة"؟ آليست هذه نرجسيةٍ وتزكيةٍ مجانيةٍ للذات ذات جذر عقائدي؟ أليست تنم عن شعورٍ بامتلاك حصري للحقيقة، وعن امتلاء بالاستحقاق المطلق في أن تكون الأمور في أيديهم وحدهم؟ (يتواصل).
                  

10-02-2020, 00:53 AM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 817

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    ههنا يكمن التكلُّس اليساروي
    (6)
    صحيفة التيار 2 أكتوبر 2020
    النور حمد

    لا تقف خطيئة وخطأ الحزب الشيوعي السوداني عند قيامه بانقلاب يوليو 1971، الذي انتهى بمآسي مؤلمة وتجاوزات بشعة من جانب جعفر نميري، وإنما تتعدى ذلك إلى قبوله الضمني لانقلاب مايو نفسه. فاشتراك الحزب بقرابة عشرة وزراء، وممارسته دور المُوجِّه في الشهور التسع الأولى من عمر مايو، تدحض كل محاولاته للتملص من سُبَّة مفارقة المبدأ واعتناق التفكير الانقلابي. يتساءل كثيرون، وأنا واحدٌ منهم: كيف لا يكون للحزب الشيوعي دورٌ في انقلاب مايو 1969 وقد اشترك ضابطان شيوعيان فيه، هما: هاشم العطا، وبابكر النور سوار الدهب؟ بل، لقد حامت شبهة الانتماء للحزب الشيوعي حول ضابط ثالث، هو فاروق عثمان حمد الله، الذي كان ضمن طاقم الضباط الذين قاموا بانقلاب مايو بقيادة جعفر نميري. كما أن فاروق حمد الله عاد من لندن في نفس طائرة الخطوط البريطانية مع بابكر النور، عقب استيلاء هاشم العطا على السلطة في الخرطوم في 19 يوليو 1971. وهي الطائرة التي أنزلها العقيد القذافي قسرًا وهي تعبر أجواء ليبيا، وأرسل هؤلاء الضابطين إلى نميري، ليقوم بإعدامهما في محكمة إيجازيةٍ مبتسرةٍ "مكلفتة". فلو لم يكن فاروق حمد الله شيوعيًا أو على الأقل مؤتمنًا على توجهات الشيوعيين، لما استدعاه هاشم العطا من لندن، ليكون في قيادة انقلاب يوليو، ولما قبل هو العودة. يضاف إلى ما تقدم أن حمد الله كان أحد الضباط الذين أبعدهم نميري عقب مفاصلته مع الشيوعيين. وعمومًا، لم نعرف عن الشيوعيين أنهم يسندون أمورهم إلى غيرهم، حتى فيما هو أقل بكثير من ذلك الشأن الخطر.

    ناقش الدكتور عبد الله علي إبراهيم في واحدةٍ من مقالاته انقلابيْ مايو1969 ويوليو 1971، ناعيًا على الشيوعيين مفارقتهم منهجهم الماركسي، في مقاربتهم للانقلابيْن، مذكرًا إياهم بأنه لا توجد صيغة شيوعية سودانية ألزم وأدق عن فساد فكرة الانقلاب في السياسية، تقارب تلك التي وردت في اجتماع اللجنة المركزية للحزب الشيوعي، في مارس 1969، وهي أن: "التكتيك الانقلابي بديلاً عن العمل الجماهيري يمثل في نهاية الأمر، وسط قوى الجبهة الوطنية الديمقراطية، مصالح طبقة البرجوازية والبرجوازية الصغيرة". غير أن هذه العبارة التي وردت في اجتماع اللجنة المركزية تبقى لديَّ مجرد عبارة هوائية، لا أكثر. فهي لا تعني شيئًا إطلاقًا، ما دام أن الحزب قد أيد الانقلاب وأشترك في وزارته. فالعبرة بالعمل، لا بالقول.

    ذكر الدكتور، أيضًا، أن تلك العبارة هي ما صدع بها الحزب في وجه الضباط الأحرار بقيادة جعفر نميري، حين دعوه للاشتراك في انقلابهم. لكن ما حدث فعلا أنهم بعد أن "صدعوا بها" في وجه الانقلابيين في مارس 1969، نسوها بعد شهرين فقط، فأيدوا الانقلاب حال حدوثه وشاركوا في حكومته بذلك الثقل الكبير. (راجع عبد الله علي إبراهيم: "يوليو 1971: محنتنا المزدوجة"، سودانايل، 19 يوليو 2020). الشاهد، في كل ما تقدم، أن ممارسات الحزب الشيوعي تؤكد أنه لا يتبع مبدأً، سواءً كان ماركسيًا أو غيره. فتاريخه يؤكد أنه حزب "براغماتي" هدفه الأوحد هو الإمساك بالسلطة، شأنه شأن الإسلاميين. فبدلاً من أن يجهد الدكتور عبد الله علي إبراهيم نفسه في تذكيره بضرورة اتباع المنهج الماركسي في تحليل الانقلابات العسكرية والالتزام بذلك النهج، أرى من الأفضل له، إن حق لي أن أنصح، أن يتجه إلى تأسيس حزبه الماركسي الخاص به، وينتشل قدميه من وحل هذا التاريخ الملتبس المضطرب. (يتواصل).
                  

10-03-2020, 00:46 AM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 817

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    التكلُّس اليساروي: فوقية الحداثيين
    (7)
    النور حمد
    صحيفة التيار 3 أكتوبر 2020


    كتب منصور خالد: "لا نظلم القوى الحديثة شيئا إن قلنا ... بأن تعسفها عن الطريق، من بدايته، هو الذي انتهى بها إلى ضياعٍ، لم يبق لها معه غير تبادل الملامة". ويقول محمود ممداني في كتابه حول دارفور، Saviors and Survivors، إن القوى المدافعة عن الحداثة في السودان بشقيها "العلماني" و"الإسلامي"، تستند على طبقات وتكوينات اجتماعية حضرية، وبالأخص تلك المنتمية إلى الانتليجنسيا من المهنيين، وضباط الجيش، وطبقة التجار، مضافًا إليهم قطاع الطلاب. وقد أيقن أفراد هذه الانتليجنسيا الطموحون، منذ بداية الاستقلال، أنهم لا يمثلون سوى جزيرةٍ "حداثية" صغيرةٍ جدًا في خضمٍّ كبير جدًا من القوى "التقليدية". ولم يكن في وسعهم، من ثم، أن يحصلوا على أغلبيةٍ من الناخبين تأتي بهم إلى الحكم. ولذلك فقد عنت "الديمقراطية" بالنسبة لهم حركةً حداثيةً ثورية، تختصر الطريق إلى الحكم. كانت رؤيتهم ألا يتم تفريغ الديمقراطية من دورها الإنمائي النهضوي، لتصبح مجرد وسيلةً يواصل بها "التقليديون" الجلوس المستمر في كراسي الحكم. يرى ممداني أن ذلك هو الذي جعل أنظمة الحكم في السودان تتأرجح بين أنظمة ديمقراطية برلمانية، وبين سلسلة من الانقلابات العسكرية. فالحلقة المفرغة، التي ظل يدور فيها السودان، منذ الاستقلال، سببها الرئيس، في نظره، هو الصراع بين معسكر "الحداثيين" ومعسكر "التقليديين، وليس الصراع بين طرفي القوى التقليدية الكبيرة المتمثلة في حزب الأمة والاتحادي، (ص 11)".

    سبب قعود الدولة السودانية هو صراع المعادلة الصفرية الذي انتهجه الحزبان العقائديان؛ الحزب الشيوعي وحزب جماعة الإسلام السياسي، وهما الحزبان العقائديان اللذان ظلا يملآن الساحة السياسية السودانية ضجيجا وعنفا. لقد مارس بعض الشيوعيين النقد الذاتي فيما يتعلق في الضلوع في الانقلابات، وفي أمور أخرى، لكن بلا مردود عملي في مسلك الحزب. من ذلك ما قاله القيادي الشيوعي الراحل، التجاني الطيب، في ندوة جرت في 4-6 يوليو 1993، بمركز الأهرام بالقاهرة نظمها مركز الدراسات السودانية، حيث ذكر أن هناك ثلاثة أخطاء تستوجب الاعتراف، وهي: (1) موقف الحزب الشيوعي من قضية الحكم الذاتي قبل الاستقلال (2) المشاركة في المجلس المركزي لحكم عبود (3) تدبير انقلاب نميري. (راجع: فتحي الضو، سقوط الأقنعة، (2006)، ص 66). المدهش أن خطأ المشاركة في مجلس عبود المركزي تكرر بالاشتراك في مجلس البشير الوطني بقيادات من عيار محمد إبراهيم نقد وفاطمة أحمد إبراهيم. وخطأ معارضة الفيدرالية بالنسبة للجنوب ناقضه الحزب الشيوعي بما هو أسوأ، وهو الموافقة على حق تقرير المصير للجنوب. والآن يتحالف الحزب الشيوعي مع عبد العزيز الحلو رافعا راية تقرير المصير في جبال النوبة. باختصار، الحزب الشيوعي السوداني حزب متخبط فاقد للبوصلة، لا مبدأ له، ويلبس لكل حالة لبوسها.

    في 31 مايو 2004 كتب الأستاذ، كمال الجزولي في صحيفة الرأي العام ما نصه: "ما نقوله باستقامة كاملة أن الحزب الشيوعي السوداني مسؤول أمام الجماهير عن انقلاب 25 مايو، طالما قطاع مؤثر وقوي من قياداته مشى في تدبير الانقلاب قبل قيامه، أو مؤازرته بعد قيامه .... إذن الحزب مسؤول أخلاقيًا وسياسيًا، وندعو أي "زول" مسؤول في الحركة السياسية عن انقلاب عسكري أن يعترف بذلك دون تبرير"، (راجع فتحي الضو، نفس المرجع والصفحة). إذن لا جدال في أخطاء الحزب الشيوعي الفادحة المتسلسلة التي أقرت بها كبرى قياداته. المشكلة أن الحزب مُحصَّن من أن يتعلم من أخطائه.
                  

10-04-2020, 01:02 AM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 817

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    التكلُّس اليساروي: الاستغلال السيئ للنقابات
    (8)
    النور حمد
    صحيفة التيار 4 أكتوبر 2020
    العمل النقابي هو في الأساس عمل مطلبي القصد منه تحسين أوضاع العاملين، لكن كثيرَا ما جرى استغلاله لأغراض سياسية، خاصة من جانب الشيوعيين. أدى ذلك النهج المعوج إلى إضعافٍ متنامٍ للاستقرار السياسي للدولة السودانية، ولقدرتها على النمو. ولقد اتَّبع الحزب الشيوعي السوداني أجندةً أمميةً مرتبطةً باستراتيجيات الشيوعية الدولية. وهو لا يختلف في هذا عن الإسلامويين ذوي الأجندة العابرة للأقطار. يؤمن الحزب الشيوعي السوداني بالعمل النضالي التراكمي وسط النقابات الذي يؤدي، في نهاية الأمر، إلى أن تقع السلطة برمتها في يده وحده. لكن اتضح عمليًا أن ذلك النهج لم يثمر في أي قطر من أقطار العالم، ولم يُوصل أي حزب شيوعي إلى السلطة. بل تخلت أكبر الأحزاب الشيوعية في العالم، التي وصلت إلى السلطة عن طريق الحديد والنار، عن النظرية نفسها، في نهاية الأمر.

    لا يعرف الحزب الشيوعي السوداني، التوافق الحزبيbipartisanship . فضعف جماهيريته هو ما يجره إلى التحالف مع الآخرين. لكنه يظل يعمل من داخل أي تحالف لتكون له السيطرة على مجريات الأمور. فنهجه النضالي المُتبَّع هو هلهلة الأوضاع وإرباك الحكومة القائمة وشل قدرتها على الفعل لإثارة غضب الجماهير عليها. ولا يهم إن أربك ذلك نمو القطر وعبث باستقراره وأضعف بنية الدولة. المهم أن يقود ذلك النهج إلى أن يستلم الحزب السلطة، ليطبق برنامجه الذي يَرى فيه الحل السحري لكل معضلة. وهذا شبيه بما يمارسه الإسلاميون الآن، ولكن بوسائل أخرى، يأتي على رأسها الخنق المعيشي للجماهير.

    لقد كانت الاضرابات النقابية التي هندسها الشيوعيون عقب الاستقلال مباشرة، أحد أسباب تسليم حزب الأمة السلطة للفريق عبود. لم يصبر الشيوعيون على الحكومة الوطنية الأولى التي تشكلت عقب الاستقلال. فحرَّكوا ضدها، بعد عامٍ واحدٍ من الاستقلال، النقابات التي كانوا يسيطرون عليها. قدم اتحاد نقابات العمال مطالب، يتعلق بعضها بتحسين أوضاع العاملين، وبعضها الآخر كان سياسيًا، فتجاهلتها الحكومة. نتيجةً لذلك، شرعت 42 نقابة، مثلَّت في مجموعها 98% من مجموع القوى العاملة في البلاد في الاضراب، (راجع: محمد سعيد القدال، معالم على طريق الحزب الشيوعي السوداني، ص 97). وقد ذكر تيم نيبلوك، أن خطاب الفريق عبود للأمة صبيحة انقلابه في 17 نوفمبر 1958، كان محاولةً للتماهي مع مخاوف المؤسسة التقليدية التي انتابتها، نتيجة لضعف الحكومة البرلمانية الأولى في مواجهة الحركة الراديكالية التي ازدادت عُتوّا، (ص 209).

    لقد أدى نهج الحزب الشيوعي السوداني في تحريك النقابات لأغراض سياسية، دون انتباه إلى ما يقود إليه من نسفٍ للاستقرار وهدمٍ للثوابت وتعويقٍ لجهود بناء الدولة، إلى تدمير العمل النقابي برمته. بل، وإلى القضاء على القطاع العام نفسه، الذي يمثل أكبر مُخدِّمٍ في الدولة السودانية. وكلنا يذكر اضراب السكة حديد الذي حركه الشيوعيون ضد نميري فأنشأ نميري ما أسماه "الكتيبة الاستراتيجية"، وأصبح أفراد الجيش يقودون القطارات ويديرون حركتها أثناء الاضرابات. وقد قاد ذلك نميري إلى ضرب العمل النقابي في أساسه. وحين جاء الإسلاميون إلى الحكم استرشدوا بتجربة نميري. فقاموا بتدمير السكك الحديدية ومشروع الجزيرة وغيرهما. وانتهى الأمر بتفكيكٍ شبه كاملٍ لمؤسسات القطاع العام. لهذا السبب انطلقت ثورة ديسمبر من الشارع في المدن القصية فلهث وراءها ما سُمي "تجمع المهنيين" وسطا عليها. لكن، في أقل من عامين نخر فيه السوس الشيوعي المعتاد، وطال من ورائه الحاضنة السياسية برمتها. (يتواصل)
                  

10-05-2020, 02:25 AM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 817

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    التكلس اليساروي: معاداة الغرب
    (9)
    النور حمد
    صحيفة التيار 4 أكتوبر 2020

    اكتوت كثير من البلدان فيما يسمى العالم النامي بنيران الاستعمار والامبريالية، لكن بعضها لم يقع فريسةً للدعاية السوفييتية المضللة، فسلمت، عقب استقلالها، من الوقوع في فخ العداء الحاد للغرب. يلاحظ أن نفس هذه الدول هي التي نجحت في بناء نفسها عقب الاستقلال، ومن بينها: الهند وماليزيا وإندونيسيا والمغرب وتونس وغانا وكينيا، وغيرها. أما نحن فقد أوقعنا الخطاب الشيوعي والعروبي في فخ معادة الغرب، خدمةً لأجندة الشيوعية الدولية. وقد كان انقلاب نميري في 25 مايو الذي دبره الشيوعيون والقوميون العرب هو الذي أخرج سياستنا الخارجية من الاعتدال النسبي، إلى الراديكالية الصدامية. ولسوء حظنا أن الإسلاميين ساقونا في هذا الخط إلى نهاياتٍ كارثيةٍ أوصلتنا إلى ما نحن فيه الآن. نحن الآن بحاجة إلى فك براثن هذين التنظيمين المتطرفين من رقبة السياسة السودانية.

    كانت موجة الانجرار وراء المعسكر السوفييتي في ستينات وسبعينات القرن الماضي موجةً عامة، تمددت بها الشيوعية في اليمن الجنوبي، وإثيوبيا، والصومال، والسودان. بعبارة أخرى، وقعت منطقة القرن الإفريقي بما فيها البحر الأحمر ومضيق باب المندب، وخليج عدن في القبضة غير المباشرة للشيوعية الدولية. وأصبح السودان، بسبب التوجه اليساروي، من الناحية الجيواستراتيجيًة والجيوسياسية، في سلة الشيوعية الدولية، ومعاداة الغرب. انهارت أنظمة إثيوبيا واليمن الجنوبي والصومال المناصرة للشيوعية. وفشل انقلاب الشيوعيين بقيادة هاشم العطا في السودان. ولم ينشغل الاتحاد السوفييتي بإنقاذ أيٍّ من هؤلاء، فقد كان هو نفسه يعاني سكرات الموت. وانهارت الأنظمة العروبية في كلٍّ من مصر واليمن والعراق وليبيا. أما سوريا فهي كما نرى الآن مجرد ركام من الدمار.

    لا ينبغي أن نظن أن الأحزاب الشيوعية العربية وأحزاب البعث العربية والأحزاب الناصرية أحزبًا متصالحة مع بعضها وتعمل قي توافق. بل على العكس من ذلك، فإن بينها ما صنع الحداد. فشيوعيو العراق المناصرين لعبد الكريم قاسم، الذين كان ثلث ضباط القوات الجوية تابعين لهم، أو من مناصريهم، تعرضوا عقب انقلاب البعث في 8 فبراير 1963، إلى مجازر فظيعة. وبعد أن تصالحوا مع الرئيس أحمد حسن البكر في عالم 1973 مُشكِّلين معه ما أسموه "الجبهة الوطنية التقدمية"، انقلب البعث عليهم عقب سيطرة صدام حسين، على السلطة في عام 1979، وتعرضوا للتصفية الدموية مرة أخرى. أما شيوعيو السودان فقد انقسموا بسبب الموقف من مايو وبدد شمل ما تبقى منه جعفر نميري عقب محاولتهم الانقلاب عليه في 19 يوليو 1971. ولقد تآمر العروبيان، معمر القذافي وصدام حسين مع نميري في ضرب انقلاب الشيوعيين.

    من سوء حظنا أن الشيوعيين والبعثيين هم من سيطروا على الحاضنة السياسية للحكومة الانتقالية لثورة 18 ديسمبر، ويمثل هذا خطرًا عظيمًا على مستقبل القطر السوداني وثورته. والسبب أن هذين الحزبين انبتا تمامًا من جذورهما، وأصبحا معلَّقين في الهواء. فلا البعث ككيان قومي عابر للأقطار عاد له وجود، ولا الشيوعية الدولية بوصفها منظومة أممية، عادت هناك. تحوَّلت روسيا إلى أوليغاركية، وأصبحت الصين أكبر شريك تجاري لأمريكا، وتسير فيتنام "هوشي مِنَّه" على طريق الصين. فما هو وزن الحزب الشيوعي السوداني يا ترى بإزاء هؤلاء؟ نحن بحاجة إلى توجهٍ جيواستراتيجي وجيوسياسي جديد، ينهي العداء الأخرق للغرب ويعقلن العلاقة معه. الشيوعيون والعروبيون لا يختلفون عن جماعة "أمريكا قد دنا عذابها"، وقد آن الأوان ليذهبوا هم أيضًا. فقد أثبتوا أنهم غير قادرين على تغيير جلدهم البالي. (يتواصل)
                  

10-06-2020, 04:06 AM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 817

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    التكلس اليساروي: شيطنة المعونة الأمريكية
    (10)
    النور حمد

    لا يمثل التاريخ السياسي للحزب الشيوعي السوداني سوى سلسلة متصلة من الأخطاء. وهي أخطاء فادحة لا يراجع الحزب فيها نفسه، وإنما يطأ عليها بقدميه ويمضي في حال سبيله. وقد سردنا من هذه الأخطاء، حتى الآن، ما يكفي، وعلى رأسها ما كان منها تعبيرًا عن طبيعته الانقلابية الفوقية. ونزيد عليها اليوم الزوبعة الشعبوية التي أثارها الحزب الشيوعي السوداني حول المعونة الأمريكية، في خمسينات القرن الماضي. لم يتحرك الشيوعيون ضد المعونة الأمريكية، حين تحركوا، دفاعًا عن مصالح السودان وإنما خدمةً للشيوعية الدولية. ومعلوم أن أمريكا لم تقدم برنامج المعونة بدافعٍ إنسانيًّ محض، وإنما بدافع سياسي، هو وقف التمدد الشيوعي في أقطار العالم النامي، بسد الثغرات الاقتصادية والاحتياجات التنموية لتك الأقطار. روج الشيوعيون في عام 1957 على لسان حسن الطاهر زروق أن المعونة الأمريكية مشروطة. ولم تكن تلك سوى فرية دعائية يساروية فالمعونة الأمريكية للأقطار النامية لا تأتي بشروط ملزمة.

    أرسل السفير الأمريكي في الخرطوم في 24/5/ 1958، رسالة إلى وزارة الخارجية الأمريكية، كانت عبارة عن تقرير عن مظاهرة كانت قد خرجت ضد المساعدات الامريكية في السودان في يوم 16 من نفس الشهر. ذكر السفير الأمريكي أن أول تظاهرة ضد المعونة الأمريكية جرت في السودان كانت في مدينة الأبيض، وقد نظمتها الجبهة المعادية للاستعمار الشيوعية. وذكر أن الحاج الطاهر، مرشح الجبهة المعادية للاستعمار، الذي خسر دائرته في الانتخابات في دائرة الأبيض هو الذي خاطب التظاهرة. كما ذكر أن حسن الطاهر زروق، ممثل الجبهة المعادية للاستعمار تحدث في البرلمان، شانًّا هجومًا عنيفًا على الولايات المتحدة، ذاكرًا أن هناك بنودًا سريةً في اتفاقية المساعدات الأمريكية. وضمَّن السفير الأمريكي في رسالته إلى الخارجية الأمريكية بتاريخ 14/4/1958، ردود الفعل التي ظهرت في عددٍ من الصحف السودانية. ومن ضمنها ما جاء في صحيفة "الأيام" التي قالت: "لا توجد في الاتفاقية شروط، لهذا، نقبلها. لكن، تجب مراقبتها، ربما فيها شروط وأهداف سرية". وفي تقديري، أن هذا التحفظ الأخير الذي أبدته "الأيام"، تجاه الاتفاقية، ليس سوى جزء من الفوبيا اليساروية المعهودة تجاه الغرب، إضافة إلى سوء الظن العريض المعهود بالمسؤولين السودانيين واتهامهم في وطنيتهم. قالت "الأيام: "لا توجد في الاتفاقية شروط، لهذا، نقبلها"، ثم ختمت نفس الجملة بقولها: "ربما فيها شروط وأهداف سرية"!! وقد علق الأستاذ محمد علي محمد صالح، الذي ترجم الوثائق التي حوت هذه الرسالة، بما يدحض فرية حسن الطاهر زروق، قائلا: "يبدو واضحًا أن الاميركيين كانوا حريصين على الإشارة في الاتفاقية الى "احترام استقلال وسيادة جمهورية السودان"، وأن المستشار القانوني للخارجية الاميركية وقع عليها للتأكد من ذلك".

    أورد السفير الأمريكي أيضًا، أن أربعة آلاف شخص تظاهروا في يوم 18/5 بقيادة بابكر قباني، عضو الحزب الاتحادي في مجلس الشيوخ. وقد جرت التظاهرة قرب منزل إسماعيل الأزهري، نائب دائرة امدرمان الشرقية، ورئيس الوزراء السابق. وقد خطب الأزهري في جمهور تلك التظاهرة، قائلاً إن اتفاقية المساعدات الأمريكية الى السودان، "أسوأ من الاستعمار البريطاني". وخطب أيضًا كل من نصر الدين السيد، وعماد الدين عثمان، واحمد محمد الشيخ، ورفع المتظاهرون لافتات قالت: "لا نريد المعونة الامريكية" و"المعونة الامريكية استعمار جديد"، و"حزب الأمة يقود السودان نحو أحلاف عسكرية أجنبية". وسوف أناقش موقف الأزهري الانتهازي الذي ركب فيه مؤقتًا على سرج الشيوعيين في المقالة القادمة. (يتواصل).
                  

10-07-2020, 07:43 PM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 817

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    التكلس اليساروي: أزهري يركب الموجة
    (11)
    صحيفة التيار 7 أكتوبر 2020
    النور حمد
    لا يمكن مقاربة الموقف من المعونة الأمريكية للسودان، دون الأخذ في الاعتبار خوف النخب العربية من جمال عبد الناصر، وسوف أعرض لذلك في المقالة القادمة. واصل السفير الأمريكي في الخرطوم، في رسالته إلى الخارجية الأمريكية قائلا: في رد فعل على موقف الشيوعيين وتظاهراتهم إضافة إلى تظاهرة الاتحاديين، تظاهر في يوم 21/5/1957 مؤيدو حزب الأمة قرب قبة المهدي، وأيدوا قبول المعونة الاميركية. وقد خطب فيهم وزراء حزب الأمة: محمد أحمد محجوب، وعبد الرحمن نقد الله، وعبد الرحمن على طه، وزيادة أرباب. وقد علق السفير قائلا: تبدو هذه التظاهرات المعادية موجهة ضد حزب الأمة، أكثر منها موجهة ضد المعونة الامريكية، (انتهى تقرير السفير الأمريكي). (راجع ما نشره الأستاذ محمد علي محمد صالح في صحيفة الراكوبة، نقلاً عن وثائق الخارجية الأمريكية).

    أصبح موقف الشيوعيين والأزهري، فيما يتعلق بالمعونة الأمريكية، متطابقًا. غير أن وقوف الأزهري ضد المعونة الأمريكية لم يكن مبدئيًا كموقف الحزب الشيوعي، وإنما كان موقفًا تكتيكيًا انتهازيا. كان الأزهري حينها قد فقد رئاسة الوزارة وحل محله عبد الله خليل ممثلاً لحزب الأمة. وقد جاءت تلك الوزارة التي ترأسها عبد الله خليل، نتيجةً لائتلافٍ جرى بين حزب الأمة (حزب طائفة الأنصار)، وحزب الشعب الديموقراطي (حزب طائفة الختمية)، وسُمِّيت "وزارة السيدين". أصبح الأزهري حانقًا على حزب الأمة، ولم تعد أمامه فرصة سوى أن يتطلع إلى مصر لتجري مصالحةً بينه وبين حزب الشعب الديموقراطي، الحليف التاريخي لمصر. وهو أمرٌ يسعد مصر، التي فقدت نفوذها في السودان. وقد تماهى موقف الأزهري في رفض المعونة، حينها، مع موقف عبد الناصر الحانق على أمريكا، بسبب رفضها تمويل مشروع السد العالي.

    قبل تلك الخطوة، كان الاتحاديون، وعلى رأسهم يحي الفضلي، قد أساءوا كثيرًا لحزب الختمية. وأصبحوا يطلقون النعوت النابية على السيد علي الميرغني تحت ما أسموه، "مصرع القداسة تحت أقدام السياسة". لكن حين فقدوا السلطة أخذوا يخطبون وده. رأت مصر أن الفرصة سانحة لتجمع الختمية والاتحاديين لإسقاط حكومة حزب الأمة المعارض للنفوذ المصري. سافر السيد علي عبد الرحمن، أمين حزب الشعب الديموقراطي، إلى مصر، وأعلن من هناك، في خطوة انتهازية مماثلة لخطوة الأزهري، أنه يقف في معارضة حكومة عبد الله خليل. (راجع صحيفتي: "أنباء السودان" 15/11/1958م، و"الرأي العام" 9/11/1958م)‏. الطريف أن السيد علي عبد الرحمن كان لحظتها، لا يزال نائبًا لرئيس وزراء حكومة عبد الله خليل، ووزيرًا لداخليتها! أنكر السيد، على عبد الرحمن ذلك لاحقًا، لكنه يبقى مجرد إنكار. (راجع: شهادة السفير الإثيوبي في الخرطوم الواردة في وثائق الخارجية الأمريكية: محمد علي محمد صالح، سودانايل).
    استغل الأزهري مسألة المعونة الأمريكية ليركب موجة الزوبعة التي أشعلها الحزب الشيوعي، بغرض إحراج حزب الأمة الذي انتزع منه رئاسة الوزارة. ولم يكن الحزب الشيوعي محايدًا في معارضته للمعونة، وإنما كان يريد جر السودان للاصطفاف خلف الاتحاد السوفييتي. سممت تلك الزوبعة الأجواء السياسية في السودان وخلقت ماءً عكرًا أصبح كل قبيلٍ فيه يصيد بطريقته. قاد التخوف من عودة المصريين للتحكم في الشأن السوداني من جديد، إلى أن يسلم عبد الله خليل، في مغامرةٍ غير محسوبة العواقب، السلطة للفريق إبراهيم عبود. لتدخل البلاد منذ تلك اللحظة الفارقة في سلسلة الانقلابات العسكرية التي أهدرت، حتى الآن، 52 عامًا من عمر استقلال البلاد. (يتواصل).
                  

10-08-2020, 02:11 AM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 817

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    التكلس اليساروي: التبعية العمياء للسوفييت
    (12)
    النور حمد
    صحيفة التيار 8 أكتوبر 2020

    حاول الحزب الشيوعي السوداني أن يستخدم مسألة المعونة لخلق اصطفاف جماهيري ضد الاستعمار والإمبريالية، وفقًا لخارطة الطريق المتبعة لدى الشيوعية الدولية. فالحزب الشيوعي السوداني لم يكن مالكًا لقراره بقدر ما كان تابعًا لأوامر موسكو منصاعًا لها. ودعونا نرى ما أورده الأكاديمي المرموق، محمد محمود، حول خضوعه لتوجيهات موسكو، في قضية بالغة الأهمية. في ورقته الشهيرة القيمة المُسَمَّاة: "البيت الذي بناه عبد الخالق". ناقش محمد محمود في جزئيةٍ منهاه ما كتبه د. فاروق محمد إبراهيم عضو اللجنة المركزية السابق حينها، عن محاولتهم عقب حل الحزب الشيوعي تحويل الحزب إلى حزب اشتراكي، يعتمد برنامجًا وطنيًا ديمقراطيا. وهو اقتراح أجيز بعد مناقشات مستفيضة. وتقرر دعوة المؤتمر الرابع للانعقاد في الجريف في أبريل 1966 لإجازة التوجه الجديد وانتخاب لجنة مركزية جديدة.

    لكن بعد أن وصل الأعضاء إلى مكان انعقاد المؤتمر جرى إخطارهم أن المؤتمر تغيَّرت صفته من "المؤتمر الرابع" إلى "المؤتمر التداولي". كذلك قيل لهم إن الأمين العام للحزب المرحوم عبد الخالق محجوب لن يتمكن من المشاركة في المؤتمر لأنه مضطر للسفر إلى موسكو، للمشاركة في مؤتمر الحزب الشيوعي السوفيتي المنعقد هناك في نفس التاريخ. بعد عودة عبد الخالق بفترة تقرر أن قرار تحويل الحزب الشيوعي إلى حزب طليعي، كان "انحرافًا يمينيًّا" يؤدي إلى حلّ الحزب الشيوعي. وفي دورة من دورات اللجنة المركزية التي انعقدت في ضاحية من ضواحي الخرطوم في نوفمبر 1966، قام نفس أعضاء اللجنة الخمسة وخمسين الذين انتخبهم مؤتمر الجريف، بإدانة القرارات التي سبق أن اتخذوها بأنفسهم، قبل ستة أشهر. (راجع: محمد محمود، "البيت الذي بناه عبد الخالق"، "مجلة الكلمة"). وكما يفعل الشيوعيون الصينيون تحت قيادة ماو تسي تونغ، والكوريون الشماليون تحت قيادة كيم إل سونغ، في النقد الذاتي التذلُّلي، شكر الأعضاء، الأمين العام على تصحيحه "انحرافهم اليميني". وبدوره شكر الأمين العام الرفاق السوفييت للنصائح القيمة التي أسدوها له خلال زيارته لموسكو، لتصحيح ذلك الانحراف. (راجع: محمد محمود، نفس المصدر").

    أوردت هذا الجزئية مما ذكره الأستاذ فاروق محمد إبراهيم، لأدلل على أن الحزب الشيوعي وهو يتنطع بعداء الاستعمار والامبريالية والمعونة الأمريكية، كان في حقيقة أمره حزبًا تابعًا لجهة أجنبية توجهه وتحدد له إن كان قد ارتكب "انحرافًا يمينًا"، أم لا. فهو يقرأ واقع بلاده التاريخي والاجتماعي والسياسي، بعينٍ أجنبية. وهو في تقديري لا يزال، إلى يومنا هذا، على تلك الحالة المزرية التي كان عليها آنذاك، رغم تبدل الأحول الدولية. فالأراضي السوفييتية المقدسة التي كان يحج إليها آنذاك، غدت بلقعًا قفرًا، يحق فيها قول الشاعر: "أضحت خلاءً وأضحى أهلُها ارتحلوا، أخنى عليها الذي أخنى على لُبدٍ".

    لقد أضاعت غوغائية الحزب الشيوعي السوداني وتبعيته العمياء لموسكو على السودان فرصًا ذهبية للتنمية. كان الحزب منحبسًا في أيديولوجيته، ولا يزال، وكان منخرطًا في خدمة أجندة الحرب الباردة. وقد انجر وراء الحزب الشيوعي السيد إسماعيل الأزهري بما عرف به من انتهازية وحب للسلطة. أدى الإضراب الكبير الذي دبره الشيوعيون في عام 1957، وضغطهم على حكومة الاستقلال الوليدة، ومعارضتهم للمعونة الأمريكية، إضافة إلى تآمر السيد إسماعيل الأزهري والسيد على عبد الرحمن مع جمال عبد الناصر لهزيمة حكومة حزب الأمة، إلى تعقيدٍ بالغ للأوضاع السياسية. الأمر الذي دفع بالسيد عبد الله خليل، ومن ورائه حزب الأمة، إلى تسليم السلطة المنتخبة طواعيةً إلى الجيش.
                  

10-08-2020, 11:45 PM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 817

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    التَّكلُّس اليساروي: النُّخب المراوغة
    (13)
    صحيفة التيار 9 أكتوبر 2020
    النور حمد
    اتسم سلوك قادتنا السياسيين بالمراوغة. فهم، حتى حين يكونون، مقتنعين بسلامة قرار ما اتخذوه، يتلفَّتون من فوق أكتافهم ليروا ماذا سيكون رد فعل الآخرين. وقد كان موضوع المعونة الأمريكية من أفضل النماذج التي تعكس هذا النوع من ضعف الشجاعة القيادية لديهم. ولقد كانت حملة شيطنة المعونة الأمريكية حملةً شعبويةً بامتياز، قادها الحزب الشيوعي السوداني وأصحاب التوجهات العروبية.

    في 13/3/1958، أي قبل ثمانية أشهر من انقلاب الفريق إبراهيم عبود، أرسل السفير الأمريكي في الخرطوم رسالة إلى وزير الخارجية السودانية آنذاك، محمد أحمد محجوب يقول فيها: "يشرفني أن أشير الى الاتصالات الاخيرة بين حكومتينا. وأن أبلغكم أن حكومة الولايات المتحدة الامريكية، في روح تعاون ودي واحترام لاستقلال وسيادة جمهورية السودان، مستعدة لتقديم مساعدات اقتصادية وفنية". وكتبت الخارجية الأمريكية إلى سفيرها في الخرطوم في 1/4/1958 ما نصه: "نرفق مع هذا توقيع المستشار القانوني لوزارة الخارجية على الاتفاقية والمراسلات المتبادلة بين حكومة الولايات المتحدة الامريكية وحكومة جمهورية السودان لتقديم مساعدات اقتصادية وفنية". (راجع محمد علي محمد صالح، وثائق الخارجية الأمريكية).

    دعونا نرى كيف لوَّن كلٌّ من عبد الله خليل ومحمد أحمد محجوب، قبولهما المعونة الأمريكية، بلون خوفهما من الشيوعيين والعروبيين. فبعد عشرة أيام من تسلمه خطاب الخارجية الأمريكية أرسل السفير الأمريكي في الخرطوم في 11/4/1958، رسالةً إلى الخارجية الأمريكية، جاء فيها أن صحيفة "مورنينق نيوز"، التي تصدرها دار صحيفة الأيام، نشرت بيانًا لعبد الله خليل حول قبول المعونة. ووصف السفير الأمريكي بيان عبد الله خليل بأنه كان "اعتذاريا". فقد زعم الخبر المنشور أن حكومة السودان أجرت تغييرات أساسية في مسودة الاتفاقية، حتى لا تكون شبيهة لاتفاقيات عقدها الأمريكيون مع حكومات أخرى. وقال السفير الأمريكي إن هذا القول غير صحيح ولا يسنده شيءٌ مما وقعوه مع حكومة السودان. كما ذكر السفير أنهم لاحظوا لمسات محمد أحمد محجوب في البيان. وأضاف السفير، أن مصدرًا موثوقًا أخبرهم: أنه كان في مكتب محمد أحمد محجوب، قبل يوم من نشر الصحيفة للخبر. وشاهد محجوب يتصل تلفونيًا مع رئيس تحرير الصحيفة، ويتحدث معه عن طريقة معينة لنشره. (راجع: محمد علي صالح، الوثائق الأمريكية).

    ذكر السفير، أنهم اتصلوا بعد أربعة أيام بالسيد، عبد الله خليل، مستغربين طريقة نشر الخبر. وأقر عبد الله خليل للسفير الأمريكي أن الخبر، كما نشرته الصحيفة، غير صحيح. لكنه قال إن أشخاصًا في الصحيفة هم المسؤولون. وجاء أيضًا في تعليقات السفير الأمريكي أن حكومة السودان كانت تتوقع حملةً دعائيةً ضدها. وتريد أن تثبت، أنها لا تزال تلتزم بمبدأ "الحياد الايجابي". الشاهد، أن النزعة اليساروية التي يختلط فيها الغرض الشيوعي بالغرض العروبي في العداء للغرب شكلت ضغطًا رهيبًا على حكومة عبد الله خليل. ولم يكن ذلك الضغط بغرض المصلحة الوطنية المجردة، وإنما بغرض المصلحة، كما يراها الشيوعيون والعروبيون، وهي الاصطفاف خلف الإتحاد السوفييتي. فالحياد الإيجابي يعني أن تتعامل مع الكتلتين وفقًا لمصلحتك، لا مع كتلةٍ واحدة، كما أراد الشيوعيون والعروبيون. وعمومًا فإن ما قام به كلٌّ من عبد الله خليل ومحمد أحمد محجوب، أظهرهما بمظهر المراوغ، لا أكثر. خاصةً، أن عبد الله خليل اعترف للسفير الأمريكي أن الخبر كما أوردته الصحيفة غير صحيح. وفي النهاية، لم تمنع تلك المراوغة من أن تقوم القيامة على المعونة الأمريكية. (يتواصل).
                  

10-10-2020, 06:07 AM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 817

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    التكلس اليساروي: التَّنمُّر الشيوعي الناصري
    (14)
    النور حمد
    صحيفة التيار 10 أكتوبر 2020

    ورد في بعض الردود اليساروية على هذه السلسة، التي تترى هذه الأيام في مختلف المواقع الإلكترونية، أن هذا الحلقات ليس لها خيطٌ ناظم. غير أن هذا غير صحيح. فأحد جانبي خيطها الناظم هو سلوك اليسار الشيوعي والعروبي وعداؤه الحاد للغرب وابتزازه للقوى السياسية الأخرى بالخطاب الديماغوجي الشعبوي، ومواقفه المتخشبة التي أسهمت إسهامًا معتبرًا في إبطاء تطورنا الاقتصادي، وجعلت أحوال بلادنا نموذجًا في التراجع والتردي. ليس هناك قطرٌ اليوم، حتى في جوارنا الإقليمي، يشابه السودان من حيث انهيار أجهزة الدولة الإدارية، وفي التخلف الاقتصادي، وفي ضعف بنياته التحتية، وفي اضطرابه وعدم استقراره.

    أما الجانب الآخر من الخيط الناظم فهو علل النخب السياسية، ممن يُسمَّوْن آباء الاستقلال، الذين خضعوا للابتزاز اليساروي وللتخويف العروبي المنطلق من الآلة الإعلامية الناصرية والبعثية والفلسطينية، وما يكيله ذلك الإعلام من هذه المنصات الثلاث، لمخالفي خطه؛ من تهم العمالة والخضوع للاستعمار والإمبريالية. فنحن منذ الاستقلال بين يسار مُتنمِّر ينثر خطابًا ديماغوجيًا شعبويًا ملتهبًا يربك به من هم في السلطة، أيَّا كانوا، وبين ساسة غير واثقين مما يفعلون، قابلين للابتزاز، غير قادرين على مواجهة الزوابع اليساروية الشعبوية الموسمية.

    اخترت قضية المعونة الأمريكية وأفردت لها بعض الحلقات، لأدلل بها على الابتزاز اليساروي الذي كان يريد أن يجر البلاد إلى محور الكتلة الشرقية الشيوعية، باسم استقلال الإرادة السياسية والتحرر من ربقة الاستعمار. في حين لم يكن الأمر سوى تبديلٍ لتبعيةٍ مثمرةٍ، بعض الشيء، بتبعيةٍ للمعسكر الشيوعي، بلا ثمرٍ إطلاقا. فالتجربة الشيوعية الأم في الاتحاد السوفييتي نفسه، انتهت بعد سبعين عامًا، إلى أن يقف الشعب في صفوفٍ متراصَّةٍ، طلبًا للخبز والجبن وضروريات الحياة اليومية.

    أما الجانب الآخر من اختياري لقضية المعونة التي سيطرت على المشهد السياسي السوداني منذ 1957 وإلى بداية الستينات، فغرضه إيضاح تأثير الابتزاز اليساروي لنخبنا السياسية التي أصيبت بحالة من الاضطراب وفقدان التوازن، حتى لم تعد واثقةً مما تفعل. فأصبحوا يركضون إلى السفارات الغربية ليقولوا لهم ما لا يستطيعون قوله في العلن لشعبهم وإقناعه بالوقوف وراء قراراتهم. لقد أصبحوا أسرى لما يقوله عنهم الشيوعيون ولما تقوله عنهم آلة جمال عبد الناصر الإعلامية. غالى جمال عبد الناصر في عداء الغرب، فعاش في حالة هزيمة عسكرية وتنموية مستدامة إلى أن مات. ولم تتطرف ماليزيا في عدائها للغرب، وكانت أفقر من مصر بما لا يقاس حين نالت استقلالها، فتخطى اقتصادها في بضعة عقود، اقتصاد مصر، بقدر لم تعد معه المقارنة قائمة.

    هذا النمط من التنمر اليساروي الديماغوجي لا يزال مستمرًا حتى يومنا هذا. فحين نقول لهم إن مفهوم اليسار تغيَّر وأن الرأسمالية تعيش أيامها الأخيرة، وأن التوجه نحو الاشتراكية متنامٍ، ولكنه لن يكون وفقًا لخارطة الطريق الماركسية اللينينية والأحزاب الشيوعية التي خلفها الزمن، يخرج إلينا العقائديون من حفظة النصوص بلا فهم، المُدَرَّبون على أساليب الشيطنة والتشنيع اللاأخلاقية، ليقولوا: إنك "نيوليبرالي" وإنك "مستلبٌ غربيًا" وإنك "مفتون بالرأسمالية". هؤلاء العقائديون المساكين لا يتهمون أنفسهم إطلاقًا بأنهم لم يفهموا الأمور على وجهها الصحيح. عمومًا، سوف نضع أيدينا على جذور أسلوب الشيطنة الفج هذا، بدءً بشيطنتهم للرائد الشيوعي عوض عبد الرازق.
                  

10-10-2020, 11:30 PM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 817

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    التكلس اليساروي: التَّنُّمر وشيطنة الآخر
    (15)
    صحيفة التيار 11 أكتوبر 2020
    النور حمد
    التنمر وشيطنة الآخر المخالف في الرأي ليسا قاصرين على من ينتقدون الحزب الشيوعي من خارجه. وإنما مورسا في البداية ضد من خرجوا على الخط الأصولي، الذي ظل ينتهجه الحزب منذ نشوئه، وبقيت مستمرة إلى يومنا هذا. وأسلوب شيطنة الخصم الفكري معروفٌ وسط التنظيمات العقيدية المنغلقة التي لا تناقش الموضوعات، وليس لديها صبر على المناقشة. فهي تهرب من النقاش الذي لا تجيد أدواته، أو لأنها ترى أنه لا فائدة منه، إلى استخدام حملات الإثارة، الدعائية التي تهدف إلى إعابة الآخر المعارض وتقبيحه والتنفير عنه، إلى درجة اغتيال الشخصية. وقد كان لهذا النهج ضحاياه المعروفين، من الشيوعيين أنفسهم. لكن، ما لم ينتبه إليه الشيوعيون بسبب تجاهلهم تغيُّر السياقات، وازدياد الوعي العام لدى الناس، وانتهاء عهد احتكار المنابر الإعلامية للمؤسسات والأحزاب، أن هذا السلاح اللاأخلاقي الخبيث قد انثلم حده، ولم يعد ماضيًا كما كان. وكل باطلٍ مصيره إلى الزوال.

    السبب الرئيس الذي يقف وراء التنمر وشيطنة الآخر المخالف في الرأي، هو العقيدة الصماء المنغلقة، المنكفئة على ذاتها. وكذلك، الامتلاء بثقةٍ مطلقةٍ في صحة النظرية الشيوعية، أو النظرية العروبية، أو الإسلاموية، والإيمان الأعمى بصلاحيتها لكل زمانٍ ومكان. وفي هذا لا يختلف كثيرٌ من أعضاء الحزب الشيوعي السوداني ومن العروبيين، عن المتطرفين من المسلمين، أصحاب العقيدة الصماء. أتقنت قيادات الشيوعيين حملات التنُّمر والشيطنة، وبرعوا في صك الألفاظ التي ينثروها وسط جمهورهم، الذي ينبري ليرددها في ببغاوية مؤسفة. من أمثلة ذلك: "الردة اليمينية"، "البرجوازية الصغيرة"، و"التحريفيين"، و"الانهزامية" و"الانتهازيين"، و"التصفويين" إلخ.

    شاعت كثيرًا مثل هذه التنميطات في الأدبيات السوفيتية وأدبيات الثورة الثقافية في الصين في حقبة الشيوعية. وأخيرًا سمم الشيوعيون أجواء البلاد وأغلقوا أبواب الحوار الهادئ الموضوعي بمصطلح "الهبوط الناعم"، في حين كانوا هم أحد أبرز أبطاله في مجريات هذه الثورة. فقد شارك الأستاذ صديق يوسف، الذي نكن له كل الاحترام والتجلة، في المفاوضات الطويلة الشاقة التي أنتجت الوثيقة الدستورية، التي انتهت إلى هبوطٍ هو أنعم ما يكون. لكنهم، عندما ذُهلوا من نتيجة ما صنعته أيديهم، عادوا يتباكون أن الحاضنة السياسية (قحت) أضحت خارج المشهد السياسي. وقبل ذلك، تناسوا قرارهم بخوض انتخابات برلمان عبود المسمى "المجلس المركزي". كما تناسوا مشاركتهم في برلمان الانقاذ، الذي ظلوا يتحفوننا بمداخلاتهم من داخله. ومع ذلك، يتحدثون عن شخصي بوصفي أحد عرَّابي "الهبوط الناعم". عجيبة والله!

    دعونا نرى الفجاجة التي برر بها الحزب الشيوعي مشاركته في برلمان عبود المسمى "المجلس المركزي، مما أورده محمد محمود في ورقته القيمة: "البيت الذي بناه عبد الخالق". كتب محمد محمود: "وكان الحزب الشيوعي قد أصدر في نوفمبر 1962 مطبوعةً بعنوان "الكتاب الأسود بمناسبة الذكرى الرابعة للانقلاب العسكري"، أعلن فيها أن "المجلس المركزي جاء أبعد ما يكون عن تحقيق الديمقراطية بل هو نكسة خطيرة إذا ما قورن بالمؤسسات التي حققها الشعب قبل انقلاب 17 نوفمبر 1958." ويواصل محمد محمود فيقول: "وفي يناير 1963 قررت اللجنة المركزية دخول الحزب الشيوعي في انتخابات المجلس المركزي، وبرّرت ذلك بقولها إنها رغم علمها بالطبيعة الرجعية للمجلس إلا أنها تريد أن تفضحه من الداخل، وتسخره كمنبر للدفاع عن الديمقراطية، لتستنهض الجماهير وتطيح بالنظام". أليست حجة "فضح نظام عبود من الداخل" تبدو شبيهة بحجة الدكتور حسن الترابي عند دخوله أجهزة نميري عقب المصالحة الوطنية؟ إنها لعمري، ذرائعيةٌ بلا ضفاف! (يتواصل)
                  

10-12-2020, 02:07 AM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 817

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    التَّكَلُّس اليساروي: عبد الخالق ونهج التشنيع
    (16)
    النور حمد
    صحيفة التيار 12 أكتوبر 2020
    ما لم ينتبه له الشيوعيون أن اعتناقهم المبكر للفكرة المادية عن الكون، كما تقدمها المادة الديالكتيكية، واستغراقهم الحصري في فكرة المادية التاريخية، التي تفسر مجمل تاريخ العالم من زاوية العلاقات الاقتصادية حصرًا، قد باعد بينهم وبين الاعتدال الفكري والأخلاقي. وحتى لا تذهب الأذهان إلى غير ما أرمي إليه، فإنني أعني بالاعتدال الأخلاقي هنا أن يكون المرء موزونًا في تعامله مع معارضيه. وألا يجنح إلى تشويه صورتهم وإلصاق النعوت بهم لمجرد أنهم اختلفوا معه في الرأي. وهذا سَمْتٌ للروحانية الحقة دور عظيمٌ فيه. فنهج التشنيع الشيوعي نهج فاشي يشبه ما يقوم به المتعصبون دينيًا مع مخالفيهم في الرأي. ففهم أيضًا، خاوي الوفاض من الروحانية. ما أريد أن أقوله هنا باختصار شديد، إن الحزب الشيوعي اتبع، منذ بداياته الأولى، نهجًا يعود تاريخه إلى لينين وأسلوبه في شيطنة مخالفيه في الرأي. وهو نهج أعمى يريد الانتصار على الخصم الفكري بأي سبيل. ويدخل هذا السلوك تحت ما يسمى name-calling، أي إطلاق النعوت المشوِّهة للتنفير.

    قدَّم "أنري فايشينيسكي" ممثل الاتهام الرئيس للدولة السوفيتية في محاكمات موسكو في عام 1938 ملخصًا لتلك المحاكمات إلى مجلة الحزب الشيوعي المسماة: "روسيا السوفيتية اليوم". في تلك المقالة أطلق فايشينيسكي نعوتًا جاهزة للوصم والتشنيع، على أولئك الذين جرت محاكمتهم وإدانتهم. فقال: "لقد ثبت أن اليمينيين، والتروتسكيين، والمنشفيك، والثوريين الاشتراكيين، والبرجوازيين الوطنيين، إنما هم مجموعة من القتلة، والجواسيس، والمخربين التحريفيين الذين ليس لديهم أيديولوجية، ولا مبدأ. هؤلاء مجموعة من المجرمين الذين باعوا أنفسهم لأجهزة الاستخبارات التابعة لأعدائنا". (راجع: ريوك شوهي Name-calling in the History of Russia، الأكاديمية الكورية للقيادة 2010).

    بقراءة لتاريخ الحزب الشيوعي يتضح أنه كان ولا يزال يسير على ذاك النهج السوفييتي في إطلاق النعوت. ففي الخلاف الذي نشب بين عبد الخالق محجوب وعوض عبد الرازق، وكلاهما رائد في الحراك الشيوعي في السودان، ظل عبد الخالق محجوب لا يذكر عبد الرازق، دون أن يقرن اسمه بصفة "الانتهازي". يقول محمد محمود عن عبد الرازق وعبد الخالق: "رغم أن كليهما كان ذا نزعة ثورية إلا أن تجربة عبد الرازق العملية عجمت عوده، وجعلته أقدر على الأخذ والعطاء وعلى التنازل انتظارًا للحظة ارتفاع المد. أما عبد الخالق فكان أقرب لأفق "النظرية" وأقرب للحَرْفية في هذه الفترة. ويكشف هذا الخلاف المبكّر عن نزعةٍ قويةٍ لدى عبد الخالق للتشنيع والانتقاص من معارضيه. فرغم ما تحقّق في فترة عبد الرازق من إنجاز، فإن اختلاف عبد الخالق مع رؤيته لمستقبل الحركة جعله يلقي بإنجازاته عرض البحر وأصبح حريصًا، وهو يشكّل ذاكرة الحزب، على قرن اسم رفيقه في الكفاح، كلما ذكره، بصفة "الانتهازي". "(راجع: محمد محمود " البيت الذي بناه عبد الخالق"). وقد دافع الأستاذ عادل عبد العاطي عن عوض عبد الرازق، ودعا إلى رد الاعتبار له. وقال إن اتهامه بأنه كان يريد إذابة الحزب الشيوعي في الأحزاب الاتحادية ليس سوى فرية. كما تحدث الدكتور عبد الله علي إبراهيم مؤكدًا ممارسة عبد الخالق شيطنة الخصوم، وأن الشيوعيين الدعويين التربويين خرجوا، كجماعةِ أقلية (أو منشفيك بلغة الشيوعيين)، مجلَّلين بعار مفارقة التاريخ، مقهورين منبوذين، مقابل النجاحات الجماهيرية المؤكدة التي أحرزها الجهاديون الثوريون (راجع: عبد الله علي إبراهيم، "الترابي البولشفيكي وعوض عبد الرازق المنشفيكي"، صحيفة الراكوبة." (يتواصل).
                  

10-12-2020, 10:50 PM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 817

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    التَّكلُّس اليساروي: البيئة الطاردة للمثقفين
    (17)
    النور حمد
    صحيفة التيار 13 أكتوبر 2020
    ما أحاول القيام به هنا ليس موجهًا ضد نهج الحزب الشيوعي واليسار العروبي حصرا. ولا يتجه إلى أن يقول إن هذه التنظيمات لم يكن لها دور وأنها كانت باطلاً مطلقا. إذ ما من شك أبدًا، أن اليسار السوداني لعب، عبر طيفه العريض، دورً رائدًا في الحياة السياسية والفكرية والثقافية في السودان. ولسوف يرد ذكر ذلك، لاحقًا. فالغرض وراء هذا الاسترجاع لتاريخ التزمت العلموي اليساروي هو أن تنفتح أذهان الأجيال الجديدة على حقيقة السِّيَر السياسية السودانية. ومثلما ظللتُ أفضح تنظيم الإسلاميين، وبلا هوادة، عبر مئات المقالات وعشرات المقابلات التلفزيونية والندوات والمحاضرات، فإنني أفعل ذات الشيء بسيرة الحزب الشيوعي المسربلة برداءٍ زائفٍ من الطهر والقداسة. إن أكثر ما يصيب الوعي العام في مقتل، خاصة أوساط الشباب، لهو هذه الحركية السياسية الفيزيائية، الناشطية الصرفة، التي تفتقر إلى الأفق المعرفي.

    الحركية السياسية، التعبوية، التحشيدية، هي ما ساق بها الدكتور حسن الترابي شباب الإسلاميين إلى التطرف والعنف وإلى محارق الحروب. فما لبثت حركته أن أكلت نفسها بنفسها، وضاع جهده الضخم أدراج الرياح. ومثلما لفظ تنظيم الشيوعيين المفكرين والمبدعين، كذلك لفظ تنظيم الإسلامويين، المعتدلين الخارجين عن سلطة الأخ الأكبر big brother، كما في الرمزية التي ابتدعها جورج أورويل في روايته 1984. ويسير قبيلٌ من الجمهوريين العقائديين، الآن، على ذات النسق الشيوعي في شيطنة الآخر، كما جرى من شيطنةٍ نابيةٍ للعالِم الجليل، الدكتور عبد الله أحمد النعيم، على صفحات المواقع الإلكترونية. فالذي يجمع هذه النزعات الثلاث هو التكلُّس العقيدي والاعتقاد المطلق من قبل أصحابها، في صحة ما يرون، واعتقادهم أن هناك قصدًا شريرًا مبيتًا يقف وراء ما يقوله مخالفوهم. وهذه "بارانويا" ووسواس معروف، لا يسلم منه عقائديٌّ مُتكلِّسٌ، قط.

    تنبه عبد الخالق محجوب مبكرًا إلى علاقة حزبه بالمثقفين والمبدعين، فكتب عنها، لكن ذلك لم يغير شيئا. فالنهج اللينيني الذي سيطر باستمرار على تصورات الحزب للأمور لا تغيِّره مثل تلك التنبيهات الاستدراكية العابرة. فالمثقف والشاعر والفنان التشكيلي وكل مبدع لا يسهل صبهم في القوالب الجاهزة. ولهذا السبب هرب المبدعون من الاتحاد السوفييتي، ذرافات ووحدانا، إلى الغرب. ورغم أن الحزب الشيوعي السوداني كان أكثر تحررًا في نظرته للفن والأدب من نظيره السوفييتي، إلا أن المفكرين والمثقفين والمبدعين ظلوا يبتعدون عنه، لِعلل متأصلة فيه. فالمظلة الفضفاضة التي يضعها الحزب على دائرة من يسميهم "الديموقراطيين" تضعهم في عداد "المغفلين النافعين". ولربما يكون الانشقاق المُزلزل الذي جرى للحزب عقب انقلاب مايو، وأفقد الحزب اتزانه، وجعل قيادته التاريخية تجنح إلى سلاح الانقلاب قد مثَّل، هو الآخر، عنصرًا طاردًا للمثقفين.

    الغريب أن الشيوعيين السودانيين حين يغادرون الحزب لا يبتعدون عنه وحسب، وإنما يذهبون إلى النقيض. وهذه ظاهرة تحتاج الدراسةَ البحثيةَ المدققة. ولا أريد أن أذكر أسماء من خرجوا منه وارتموا في حضن الإسلاميين، فهم معروفون. أما من لم يرتموا في حضن الإسلاميين فقد احتفظوا بالود مع رفاق الأمس. ولكنهم، احتفظوا لأنفسهم بمسافةٍ كافيةٍ عما يجري في الحزب من تنظير أو حراك. ولكن كلما تقدم الزمن كلما اتسعت تلك المسافة، الأمر الذي أصاب الحزب بالعقم الفكري والإبداعي. فغرق أكثر وأكثر في الحركية التعبوية، الفاقدة للأفق الجيواستراتيجي والزاد المعرفيٍّ والثقافي. فانتهى الزخم الثقافي الضخم الذي أحدثه الحزب في عقدي الستينات والسبعينات إلى مجرد "كورالٍ" ينيص في المناسبات. (يتواصل).
                  

10-15-2020, 10:32 AM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 817

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    التكلُّس اليساروي: من أبادَماك إلى العوز الثقافي
    (18)
    النور حمد
    التيار 14أكتوبر 2020
    أرسل إليَّ أحد الأصدقاء الأعزاء ممن كانوا في الحزب الشيوعي، رسالةً يقول فيها: "إنت يا النور قايل الخلَّانا، ونحنُ كُثْرٌ، ننجوا بجلودنا، هيِّن؟ إنت اكتشفتها بالبحث والملاحظة والمعايشة من بُعد، ولكن نحن عشناها بكل تفاصيلها ... والحمد لله على نعمة العقل، على كل حال". والحق أن كثيرين ممن تعرضوا للتنمر والشيطنة من قبل كهنة الحزب الشيوعي فقدوا عقولهم، أو اهتزت شخصياتهم، اهتزازًا لم يعودوا بعده أشخاصًا طبيعيين متماسكين. ولقد رددت على رسالته بأنني عشت طرفًا من تجربة الضغط النفسي عن كثب، وأنا طالبٌ في الثانوية، رغم إني لم أكن عضوًا في الحزب. لكنني كنت منتسبًا إلى الجبهة الديموقراطية، وكنت عضوًا نشطًا في تنظيم "طلائع الهدهد". فقد تعرضت، ومن هم على شاكلتي، للنظرة الدونية من زملائنا الطلاب أعضاء الحزب، الذين كان يعدون أنفسهم طبقةً أرفع، وكانوا يتصرفون تصرف "الأعرف". وقد خلقوا بذلك دائرةً داخليةً، أو ناديًا للامتياز الرفاقي، مع أساتذتنا الشيوعيين، الذين كانوا يرعون أنشطتنا الثقافية.

    كان تنظيم طلائع الهدهد وعاءً ثقافيًا يعمل أعضاؤه تحت مظلتي الجبهة الديموقراطية، ومن ورائها الحزب الشيوعي، لاستقطاب طلاب الثانويات. وقد كان بعض الطلاب يعلم ذلك، وبعض آخر لا يعلم ذلك، وبعضٌ ثالث غير مهتم. نبعت فكرة طلائع الهدهد فيما يبدو من تنظيم أبادَماك الذي أسسه الشيوعيون منذ الديموقراطية الثانية، ووصفوه بأنه: "اتحاد الكتاب والفنانين التقدميين". وكان الدكتور عبد الله علي إبراهيم أحد أبرز القائمين على أمره او ربما أبرزهم جميعا. وقد تمددت الفكرة إلى خلق أفرع مماثلةٍ له في الثانويات. فتأسست "طلائع الهدهد" في حنتوب الثانوية، و"طلائع القندول" في القضارف الثانوية و"طلائع النخيل" في مروي الثانوية. ولولا صدام الشيوعيين مع نميري عام 1971، الذي هدم كثيرًا ما شيَّده الحزب الشيوعي، لكان لذلك النشاط الرائد أن يحدث تغييراتٍ كبيرةً في الوسط الثقافي المدرسي، وفي مجريات الثقافة في المجال العام. لكن لأن الغرض الحزبي الضيق كان هو المسيطر، ولأن التنظيم كان ذا طبيعة مغامرة، متعجلة جنحت إلى الانقلاب العسكري، فقد تبخَّرت تلك النهضة.

    لقد كان تنظيم أبادماك عملاً مدنيًا متميزًا في الدفع بالثقافة في المجال العام وفي الوسط التعليمي. لكن، عابه انجراره نحو ثقافة الكتلة الشرقية، وأيضًا انجراره إلى عموم "الكانون" الثقافي الغربي، حال المثقفين العلمانيين في الدول حديثة الاستقلال، في بدايات النصف الثاني من القرن العشرين. كان هناك ابتعادًا عن الثقافة الإسلامية وحالةً عميقةً من الاغتراب. كانت أنشطة فروع أبادَماك المصغرة في الثانويات عملاً متقدمًا فيما يسمى، في مجال التربية، بـ"الأنشطة اللاصفية" extra curricula activities، وهي أنشطة لا تقل شأنًا عن المنهج الرسمي. بل ربما تكون أهم منه أحيانًا، خاصةً حين تتصل الأمور بالثقافة العامة وبالوعي السياسي، وبما يسمى حاليًا "تعليم التمدن" civic education، وكل ما يتصل بتعليم قواعد المواطنة الصالحة والانخراط في المجتمع العريض.

    الامتلاء بثقةٍ زائفةٍ في الذات، والعزوف عن النقد الذاتي الصريح، أضر كثيراً بتجربة الحزب الشيوعي السوداني. ولو أنهم تمهلوا قليلاً وتأملوا لماذا حصلوا في انتخابات 1965 على 11 مقعدًا، في حين حصل الإسلاميون على 5 مقاعد، ولاحظوا كيف انقلب الوضع بعد ثورة أبريل 1985، فحصلوا في انتخابات 1986، م على 3 مقاعد، في حين حصل الإسلاميون على 51 مقعدًا لاتضح لهم خطأ طريقهم. تغليب التوجه الحركي التعبوي التحشيدي طرد المثقفين اليساريين من سوح الحزب، فصعد إلى قمته الحزبيون التنظيميون، وانتهى الأمر إلى هذا العوز الثقافي الذي يُملأ الفراغ بضجيج الشعارات المستهلكة. (يتواصل).
                  

10-15-2020, 10:33 AM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 817

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    التكلُّس اليساروي: حلَّقوا هُنيهةً ثم طاروا(19)النور حمدصحيفة التيار 15 أكتوبر 2020 إذا أراد أي حزب سياسي أن يعرف مدى تكلُّسه، وعدم قدرته على النمو، عليه أن ينظر إلى إيِّ مدى تحاشاه المبدعون، أو إلى أي مدى حلَّقوا حول دوحته هُنَيْهةً ثم طاروا. يشم المبدعون شميم التكلس في القوى السياسية من مكان بعيد فيقتربون، لكنهم لا يلبثون أن يبتعدوا حين تُفعم خياشيمهم الرائحة. ويمكن القول: ألاَّ حزب في السودان جمعت دوحته طيور المبدعين كما فعلت دوحة الحزب الشيوعي السوداني. ولكنها عجزت طيلة سبعين عامًا أن تحتفظ بهذه الطيور. ولو كان الحزب الشيوعي السوداني أفضل حالاً، من حيث سعة الأفق المعرفي ومن القدرة على تجديد الدم وعلى فهم السياقات المتبدلة والتعامل معها بمرونة، لكان حاله غير الحال الذي نراه عليه الآن من اليباس. لقد كتبت مرارًا في أوراق وفي مقالات مختلفة أن الإبداع في السودان يساريٌّ بامتياز، ولم يكن للإسلاميين فيه شروى نقير. غير أنني لم أشرح حينها، ماذا أعني باليسار، ولم أكن بحاجة للشرح في تلك الإشارات المبتسرة. التوجه اليساري في السودان قديم. وهو سابق لنشوء الحزب الشيوعي السوداني. لقد فشل الحزب الشيوعي السوداني، حتى يومنا هذا في التجذير لنفسه في تربه بلادنا وتاريخها وتراثها وفي تلمُّس وجدان أهلها. فقد عازه المفكرون والمنظرون الحاذقون. لذلك، لم يستطع أن يصبح مركزًا لحركة يسارية عريضة متصالحة مع المكونات المحلية، وقادرةً في نفس الوقت على شدها نحو آفاق التحرر الواسعة.الشعراء الخمسة الذين تناولتهم في كتابي "مهارب المبدعين" مثَّلوا إرهاصًا مبكِّرًا لنزعةٍ تحررية سودانية بالغة القوة. غير أن انغراس أقدام منظري الحزب الشيوعي السوداني، في وحل النظرية الأجنبية التي يبست وتفسير السلوك استنادًا إلى الطبقة وحدها، حرمه القدرة على أن يفهم الظواهر خارج ذلك القالب الاقتصادي الغربي. لقد مثَّل كل من محمد سعيد العباسي ومحمد المهدي مجذوب، والناصر قريب الله، والتجاني يوسف بشير، إرهاصًا مبكرًا لتيار اليسار السوداني العريض. لكن، ماذا نفعل مع التحليل الاقتصادي للتاريخ وحشر كل شيء في قالب الطبقة المنقول من السياق الرأسمالي الغربي إلى صحاري السودان وسهوله؟ لقد سبق هؤلاء الشعراء الرواد الذين ذكرناهم، نشوء الحزب الشيوعي بعقودٍ طويلة. في حقبة الستينات من القرن الماضي، توافدت أسراب المبدعين على دوحة الحزب الشيوعي السوداني وعلى حرمها المحيط بها. فقد كان الحزب الوحيد في الساحة السياسية السودانية الذي كان في وسع المبدعين أن يسقطوا عليه تطلعاتهم وآمالهم في حياةٍ حرةٍ ناميةٍ مزدهرة. ودعونا نذكر، على سبيل المثال، لا الحصر، هذا الرهط المميز حقًا من المبدعين: تاج السر الحسن، جيلي عبد الرحمن، مبارك حسن خليفة، عبد الله شابو، النور عثمان أبكر، محمد المكي إبراهيم، عبد الرحيم أبو ذكرى، محمد عبد الحي، علي عبد القيوم، ألياس فتح الرحمن، محجوب شريف، محمد الحسن سالم "حميد". حلق كل هؤلاء حول دوحة الحزب الشيوعي في مرحلة ما من مراحله المختلفة. فمنهم من حط على غصونها لفترة، ومنهم من حلَّق هنيهةً ثم طار. لكن يمكن القول وباطمئنانٍ شديد، لم يبق أحد من هؤلاء قريبًا من مركز الحزب. كما بعد كثيرون حتى عن محيطه. فهو مركزٌ طاردٌ ومنفِّر لذوي القلوب الحية والوجدانات العامرة والنزوع للحرية. فالحزب بقي ماكينةً سياسيةً تقتات على مجريات الصراع اليومي، فاقدًة القدرة على فهم الظواهر السوسيوثقافية المعقدة وعلى الاستشراف. (يتواصل)

    (عدل بواسطة Salah Musa on 10-16-2020, 03:34 AM)

                  

10-16-2020, 03:34 AM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 817

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    التكلُّس اليساروي: المغفلون النافعون
    (20)
    النور حمد
    صحيفة التيار 26 أكتوبر 2020
    كتبت في الحلقة الماضية عن تحليق عدد من المبدعين في مدار الحزب الشيوعي. وأحب أن أنوه هنا إلى أن هؤلاء الذين ذكرتهم لم يكونوا جميعهم شيوعيين، فبعضهم كان شيوعيًا، وبعضهم كان "ديموقراطيًا"، بمصطلح الشيوعيين. وكما هو معلوم فإن "الجبهة الديموقراطية"، أو دائرة "الديموقراطيين"، هي الدائرة التي تحيط من الخارج بدائرة الحزب الشيوعي. والذين يصعدون إلى عضوية الحزب الكاملة إنما يجري انتقاؤهم، (وغالبًا بطلبٍ منهم)، من تلك الدائرة المحيطة. وقد كان بعض الشيوعيون، وربما لا يزالون، يتهامسون فيما بينهم، باسمٍ آخر للدائرة المحيطة بالحزب الشيوعي، وهو: "المغفلون النافعون". أي، الذين يدعمون خط الحزب الشيوعي دون أن تكون لهم دراية كاملة بمخططات الحزب وتكتيكاته كما تعرفها عضويته. فهم متحالفون ومؤيدون لا يعرفون على وجه الدقة حقيقة ما هم مسوقون إليه. وحتى عضوية الحزب نفسها، فإن اطلاعها على الأمور الحزبية العليا، يقع في درجات متفاوتة يحددها موقع الفرد منهم في سلم العضوية. وهذا من طبيعة الحركات التي تعتمد السرية في عملها.

    لا يوجد في السودان تنظيم أكثر سرية من الحزب الشيوعي السوداني. وقد اتسمت معظم الحركات الثورية في العالم بهذه الصفة؛ أي صفة السرية التي هي أبعد ما تكون عن الديموقراطية وعن أساليبيها في العمل العام. فالديموقراطية إنما تقوم على التنوير وعلى تمليك الناس المعلومات، ليتخذوا أي قرار يقررونه بمعلوماتٍ وافيةٍ وبحريةٍ كاملة. لهذا السبب، وعلى سبيل المثال فقط، بقيت غالبية عضوية الحزب الشيوعي ليست على يقينٍ ما إذا كان الحزب الشيوعي له ضلع في انقلاب مايو، أم أنه فقط بارك قيامه، رغم أن الحزب انخرط بقوة في مؤسسات نميري في السنة الأولى عقب الانقلاب. كما بقيت عضوية الحزب الشيوعي السوداني، ليست على يقين ما إذا كان سكرتيره العام، الأستاذ عبد الخالق محجوب هو من خطط لانقلاب يوليو 1971، وهو في معتقل الشجرة، أم لا. وهل كان هروبه من معتقل الشجرة بسبب قرب موعد تنفيذ الانقلاب، أم لا؟ فهذه السرية تفتح الباب على مصراعيه للصفوة القائدة لتمارس الدكتاتورية في أبشع تجلياتها. وأيضًا، لتصبح ديكتاتوريةً مبررةً ومحميةً بالإجراءات واللوائح والبنية التنظيمية نفسها، وبطبيعتها الهرمية التي تسمح بحصر المعلومات في الدوائر العليا للتنظيم، بحجة "التأمين". عمومًا، هذا هو أسلوب المنظمات السرية بمختلف أشكالها وأهدافها.

    من أكثر المبدعين السودانيين الذين دخلوا في عراك حام مع الحزب الشيوعي وقيادته، الشاعر الكبير صلاح أحمد إبراهيم. فقد كان عضوًا في الحزب وجرى فصله. وصلاح، كما هو معلوم، شاعرٌ من عيارٍ خاص جدًا، إضافةً إلى كونه مثقفًا واسع الاطلاع. وقد كتب عن عراك صلاح مع الحزب الشيوعي الدكتور عبد الله علي إبراهيم (سودانايل 28/5/2015)، وذكر أنه كتب مقالة من ثلاث حلقات استسخف فيها، مع تفهمه للدوافع، حسب تعبيره، "ثأرية صلاح الناشزة وجفاء عبارته"، بحق عبد الخالق محجوب وعمر مصطفى المكي. وذكر أنه "أعلن الحب على صلاح بغير مواربة وعلناً"، من على صفحات جريدة "الميدان". غير أن تلك "الهرطقة"، حسب قوله، لم تعجب أسرة تحرير الميدان، فكفت عن النشر منذ الحلقة الثانية. فاتصل بعبد الخالق وحكا له ما جرى، فطيَّب عبد الخالق خاطره، وذكر له من الضروري أن يفرق الشيوعيون بين صلاح الشيوعي السابق وصلاح الشاعر، وواصلت الميدان فنشرت المقالة الثالثة. أصل العلة فيما أرى، في عدم الانعتاق من يباس اللينينية وقيد الواقعية الاشتراكية. وهو قيد لا تزال أقدام الحزب راسفةً فيه. (يتواصل)
                  

10-17-2020, 00:39 AM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 817

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    التكلُّس اليساروي: شيطنة جلبير الأشقر
    (21)
    النور حمد
    صحيفة التيار 17 أكتوبر 2020
    في فبراير من هذا العام، دعا الحزب الشيوعي السوداني الأكاديمي المرموق جلبير الأشقر، لتقديم محاضرة لعضوية الحزب، بعنوان: "التحديات التي تواجه الثورات على المستوى الإقليمي ومآلاتها". وكانت الدعوة بمناسبة التحضير لمؤتمر الحزب. وصل الأكاديمي المرموق، أستاذ دراسات التنمية والعلاقات الدولية بمعهد الدراسات الشرقية والأفريقية بجامعة لندن إلى السودان تلبيةً للدعوة. غير أن الأوساط السياسية والثقافية فوجئت ببيان صادر للحزب على صفحات فيسبوك يقول فيه: "تمت مقابلة الأشقر في المركز العام الخميس 13 فبراير2020م بناءً على معلومات خاطئة. فقد أكد الحزب الشيوعي اللبناني للحزب الشيوعي السوداني أن جلبير الأشقر ليس عضوًا فيه. وأضاف البيان أن معلومات رشحت بأنه كان يعمل مستشاراً للجيش البريطاني ووزارة الدفاع البريطانية، ومستشاراً لدى المركز القطري/الإخواني الذي يديره عزمي بشارة. وعلي ضوء ذلك قرر المكتب السياسي للحزب الشيوعي السوداني إلغاء اللقاء المزمع معه. وكذلك إلغاء ندوة الاثنين 17 فبراير المُعلنة التي كان من المفترض أن يتحدث فيها". وعلى أثر ذلك، كتب صلاح جابر، مقالاً تحت عنوان: "الحزب الشيوعي السوداني يكشف التروتسكي المشبوه جلبير أشقر". وقد لخَّص عنوان مقال صلاح جابر، في تقديري اللينينية المعششة في أذهان عضوية الحزب الشيوعي السوداني، بما لا مزيد عليه.

    رد الأكاديمي المرموق جلبير الأشقر على بيان الحزب الشيوعي السوداني المضطرب، سيء الصياغة قائلاً: إنه جاء إلى السودان بناءً على دعوة وصلته من لجنة التحضير لمؤتمر الحزب. مؤكدًا أنه لم يدَّعِ قط أنه عضوٌ في الحزب الشيوعي اللبناني، وذكر أنه منتمٍ إلى حزب العمال البريطاني. كما نفي اتهام الحزب الشيوعي السوداني له بأنه عمل مستشاراً للجيش البريطاني، واصفًا ذلك بأنه افتراء مغرض. كما نفى أن يكون مستشاراً لدى أي مركز قطري/إخواني، موضِّحًا أنه عضو في الهيئة الاستشارية لمجلة (سياسات عربية) التي تصدر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات الذي يديره عزمي بشارة، والتي تضم 22 باحثاً وأكاديمياً، مضيفًا أنه لا يتقاضى أي أجر لقاء تلك العضوية.

    علق على ذلك الموقف أيضًا، سلام الكواكبي بقوله: "في صياغةٍ وفيةٍ لما حفلت به أدبيات سياسية عقودًا خلت، حيث كانت العبارات الخشبية هي سيدة الموقف ... أقدم الحزب الشيوعي السوداني على إصدار بيانٍ مستقى من مكارثية مستجدّة، بحق الكاتب والأكاديمي، جلبير الأشقر، عازفاً عن استقباله، بعد أن وجه إليه دعوة للحديث أمام منتسبيه. وقد استند هذا الحزب، في بيانه الشبيه ببيانات أجهزة المخابرات العربية على معلومات وردت إليه من الحزب الشيوعي اللبناني". وتساءل الكواكبي: "ماذا حصل اذاً للحزب الشيوعي السوداني، الذي كان مشهوداً له بالنضال الحقيقي ... والذي عرف قياداتٍ تقرأ وتفهم، ليجعله يصل إلى مستوىً من الضحالة الفكرية، لتبرير منع أكاديميٍّ مشهودٍ له باحترام المعايير العلمية في أعماله".

    هكذا فضحنا الحزب الشيوعي بسبب "لينينيته" و"مكارثيته" أمام ضيف دعاه بنفسه وأمام مجمل الوسط الأكاديمي والثقافي العربي بحججٍ غايةٍ في التخلف. تصور حزبًا يدَّعي الحداثة والديموقراطية، يمنع ضيفًا دعاه هو بنفسه بعد وصوله للبلاد من التحدث متعللاً بمثل هذه الوساوس. فهل كون الضيف ليس عضوًا في الحزب الشيوعي اللبناني سببٌ كاف لعدم مقابلته ولمنعه من التحدث. وهل كونه عضو في الهيئة الاستشارية لدوريةٍ أكاديميةٍ مُحَكَّمة سببٌ آخر للمنع؟ ثم كيف تحقق الحزب من التهم الأخرى التي رمى بها الرجل؟ تمثل هذه الحادثة المؤسفة في تقديري أن هذا الحزب يعاني من خواءٍ معرفيٍّ وعدم قدرة على إحسان التصرف. (يتواصل).
                  

10-17-2020, 08:40 PM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 817

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    التكلس اليساروي: مفهوم اليسار العريض
    (22)
    النور حمد
    التيار 18 أكتوبر 2020
    كتب عاطف عبد الله في كتابه "طائر النوء: قطار الشهيد عبد الخالق محجوب: مدخل إلى التجديد"، الصادر عن دار الياسمين (2015)، يشرح جانبًا من فكرة اليسار العريض مشيرًا إلى "برنامج الحزب الاشتراكي "1966 و"برنامج التحالف الديمقراطي "، 1986 قائلًا إنهما، تقريبًا، يمثلان برنامج التحول الديموقراطي نفسه، الذي وصفه بأنه "لا يزال عالقًا حتى الآن". ويرى عاطف أن من الممكن أن يُطلق الشيوعيون والديمقراطيون الثوريون من خلال هاتين التجربتين ما أسماه "قطار عبد الخالق محجوب"، الذي يحمل، حسب وصفه، تحالف الشيوعيين والديموقراطيين الثوريين والمثقفين العلمانيين وكافة تحالف قوى اليسار، من أعضاء المنظمات الديموقراطية في الأحياء والمؤسسات التعليمية ومراكز العمل، إضافة إلى مواقع العمل والمؤسسات التعليمية.

    لكن، لكي يتحقق كل ما تقدم، يرى عاطف، لابد أولا: من، "قيام حزب ليبرالي يضم ويجذب مختلف القوى الليبرالية والديموقراطية باسمٍ جديدٍ وبرنامجٍ جديد، وبعضوية تضم أعضاء الحزب الشيوعي الحاليين والديموقراطيين وأصدقاء الحزب والموالين له، حزب علني بدون أسماء حركية، ويعمل في العلن وفي ظل القانون، وبأهداف لا تخرج عن تحقيق الديموقراطية الليبرالية والعدالة الاجتماعية وبسط الحريات الأساسية". أي، ما أسماه عاطف (تحقيق برنامج التحول الوطني الديموقراطي) . أما ثانيًا، فإن عاطف يري لابد من: "العمل على إعادة بناء الحزب الشيوعي على أسس ماركسية لينينية عبد الخالقية، مع الأخذ في الاعتبار المتغيرات العالمية والنظريات المتجددة في مجال تطور قوى الإنتاج في ظل الثوة العلمية التكنولوجية حيث الثروات تتراكم من الحقوق الفكرية ومن ناتج المجهودات الذهنية والبرامج الحاسوبية أضعاف، أضعاف ما تراكم من بيع الجهد العضلي وفائض القيمة"، (ص ص 216 -217).

    إذن، الحديث عن ضرورة تشكيل تحالف يساريٍّ عريض فكرةٌ داعبت عقول عدد من المنتمين إلى الحزب والعاطفين عليه، سواء بسواء. لكن مما يمكن ملاحظته في عجالةٍ على طرح الأستاذ عاطف عبد الله، أنه بعد أن تحدث عن ضرورة خلق تحالفٍ يساريٍ عريضٍ، عاد مرَّةً أخرى ليتحدث عن: "العمل على إعادة بناء الحزب الشيوعي على أسس ماركسية لينينية عبد الخالقية". وهكذا، وكأننا يا بدر لا رحنا ولا جئنا، وكما يقولون فإن الطبع يغلب التَّطَبُّع. فالماركسية اللينينية لم تطرح الديموقراطية الليبرالية نهجا للتغيير، وإنما دعت إلى تحقيق "ديكتاتورية الطبقة العاملة" عبر العنف الثوري. وعبد الخالق الذي يراه الأستاذ عاطف صاحب تطويرٍ سودانيٍّ للنظرية الماركسية اللينينية لدرجة أنه قال: "على أسس ماركسية لينينية عبد الخالقية"، هو نفس عبد الخالق محجوب الذي انتهج أسلوب الانقلاب العسكري، عندما انقسم حزبه، وعندما قامت مجموعة أحمد سليمان ومعاوية سورج ومنصور محجوب ورفاقهم بوضعه وحزبه على الرف. تمامًا مثلما فعل الإسلامويون بمرشدهم الدكتور حسن الترابي، عقب المفاصلة. إن وضع إخوتنا الشيوعيين وضعٌ موسفٌ حقًا. فهم كلما حاولوا فك أقدامهم من قيد هذه التجربة المضطربة المتناقضة، نراهم يعودون إليها من جديد وهم أكثر شوقا ووجدا. ويبدو أن الإديولوج لا يخرج من قبضة حتمياته "المحفوظة"، "بأخوي وأخوك".

    يتهموننا بالانحياز للرأسمالية المتوحشة وبكل الموبقات الموصوفة في أدبياتهم التكفيرية، ولا يتوقفون هنيهةً لمعرفة حقيقة ما نقول. فهل يا ترى قرأوا الكتاب الذي حرره الدكتور صديق الزيلعي حول إمكانية تجديد الحزب الشيوعي السوداني؟ وهل وقفوا على ما طرحته الأقلام التي أسهمت بالمواد التي ضمها ذلك السفر القيِّم؟ عمومًا، سوف لن نتوقف عن دك معاقل التشنيع والتخوين والتخويف ولن نكف عن تكسير صنم هذه الكهانة العلموية المخربة للعقول والمعيقة لتخلُّق يسارٍ سودانيٍّ معتدلٍ فاعلٍ. فطالما عطلت البلاد بنرجسيتها النضالي وعبادتها لماضيها ونزقها و"مشاترتها".
                  

10-18-2020, 08:05 PM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 817

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    التلُّكس اليساروي: نرجسيةٌ عوَّقت اليسار
    (23)
    التيار 19 أكتوبر 2020
    النور حمد
    لمست في المقالة السابقة مسألة اليسار العريض لمسًا خفيفا. وقلت إن اليسار السوداني كان نزوعًا فكريًا وثقافيًا واجتماعيًا، حلم بالتحرر من ربقة الاستعمار ومن قبضة التقاليد البالية، ومن قبضة الطائفية على رقاب الناس، بسبب الجهل والفقر. وقلت إن اليسار بهذا المعنى الفضفاض سابق لنشوء الحزب الشيوعي السوداني. وسأحاول في هذه المقالة إيضاح بعضٍ مما أجملته هناك، بقدر ما يسمح به هذا الحيز. وأدلف مباشرة إلى القول إن التَّخندُق الأيديولوجي أضر باليسار السوداني العريض وعوق نموه وحال بينه وبين أن يصبح جبهة عريضة وقوة انتخابية مؤثرة. لم يستطع الشيوعيون انتزاع عقولهم من الفكرة القديمة التي تريد أن تخلق إيديولوج مُنمَّط، من كل من أراد الانتماء إليهم. تماما كما تريد الجماعات الدينية أن تخلق نسخةً طبق الأصل من "المؤمن" الجديد الذي طرق بابها. لو كان الحزب الشيوعي يريد أن ينتهج النهج اللينيني وأن يوصل المجتمع السودان عبر الثورة العنيفة إلى دكتاتورية البروليتاريا، لكان ما ظل ينتهجه مقبولا. لكن إذا كان الحزب قد اختار طريق الديموقراطية للوصول إلى السلطة، فإنه لا يحتاج إلى أعضاء عقائديين بقدر ما يحتاج إلى عضوية عريضٍة قابلة لأن تمنح البرنامج اليساري صوتها في الانتخابات.

    لقد نجح الترابي بفضل مرونته التكتيكية في أن يخلق جبهةً عريضةً حول الشعار الاسلامي الفضفاض، فأحرز في انتخابات الديمقراطية الثالثة التي أعقبت ثورة أبريل 1985، 51 مقعدًا في البرلمان، في حين تراجع الحزب الشيوعي من 11 مقعدًا عقب ثورة أكتوبر 1964 إلى 3 مقاعد فقط، عقب ثورة أبريل 1985، كما سبق أن أشرت فأنظروا إلى كسب جبهة الترابي الضخم، وخسارة الحزب الشيوعي الضخمة في مدى عشرين عاما. نرجسية الحزب الشيوعي، وفتونه بصورته الأولى التي كانت له في شبابه، وشعور قيادته وعضويته بالتميز وبـ "اصطفاء الحتمية التاريخية لهم"، بما يشبه ما يشعر به المتدينون المتعصبون، هي التي عوَّقت نمو التيار اليساري العريض الذي ينبغي أن يقلب الطاولة على اليمين المسيطر منذ الاستقلال. ولقد نبَّهت في مقالاتٍ عديدة إلى أن الفترة الانتقالية سوف تنتهي قريبًا جدًا ولا يوجد في الساحة أي جهدٌ لتشكيل جبهة يسارية عريضة. فقلد بقي الحزب الشيوعي وأحزاب البعث، بسبب العقائدية والجمود، والنرجسية، عائقًا أمام تخلق قوى يسار عريض، قادرة لأن يكون لها وزن في صناديق الاقتراع.

    العقائدية الجامدة التي تظن أن السماء قد عقدت لها على خناصرها لواءات النصر وأنه لن يقود الشعب سواها، بقيت عقبةً كأداء أمام جهود تخلُّق يسارٍ عريضٍ فاعل. أعني خلق يسارٍ يكون على الأقل معادلاً في القوة الانتخابية لقوة اليمين، أو متفوقًا عليها. غير أن هذا لن يحدث ما لم تغير أحزاب اليسار جلدها وتخرج من كهفها التاريخي، لتفهم دور اليسار في هذه المرحلة فهمًا موسعًا وعميقا. إن أحلام استغلال الفترة الانتقالية لقلب الطاولة على اليمين باسم الشرعية الثورية بتكتيكاتٍ هزيلةٍ، لن تلفح إلا في تأخير عقارب الساعة. فلقد جرى تجريب القفز بالإجراءات استنادًا على الشرعية الثورية، عقب ثورة أكتوبر، وكذلك، عقب ثورة أبريل وكان الفشل حليف التجربتين. وهاهم الآن يحاولونها، عقب ثورة ديسمبر. أما فشلها الأكبر من كل ما سبق فسوف يظهر حين يجري فتح صناديق الانتخابات التي ستجري عقب الفترة الانتقالية الحالية، إن نحن بلغنا تلك المرحلة بسلام. وبيننا وبينهم الأيام، "قل انتظروا إنا معكم منتظرون". (يتواصل).
                  

10-19-2020, 11:25 PM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 817

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    التكلُّس اليساروي: نحو ختامٍ للسلسلة
    (24)
    النور حمد
    صحيفة التيار 21 أكتوبر 2020
    تواترت هذه المقالات لتصبح ملخصاتٍ وخطوط ٍعريضةٍ، تمثل كل مجموعة منها فصلاً من كتاب سأعمل على إخراجه قريبا. ومبتدأ هذا الأمر قناعتي الراسخة، التي كثيرًا ما أعلنت عنها، وهي أن التاريخ السوداني مليء بالزيف، ويشمل ذلك تاريخنا الاجتماعي والسياسي. تجنح الأحزاب، الطائفية، والعقيدية إلى خلق سردية نظيفةٍ من غير أي شوائب ليتغذى منها الولاء الشخصي للمنظومة. كما تصبح، هذه السردية التي تغلب عليها "الفبركة"، شبكةً لاجتذاب قادمين جدد إلى دائرتها المغلقة. تميل العقائدية، بحكم تكوينها الملتف حول مركزٍ متكلِّسٍ، إلى تزكية الذات والإعلاء من شأنها. ومن هنا يجيء الضيق ذرعًا بالنقد. فهي أحزاب عقيدية اختلطت العقيدة الدوغمائية فيها بمزاجٍ بدوي أساسه الفتون بالذات وعبادتها. وهذا هو ما جعلنا فاشلين في العمل الجماعي التوافقي. ولا أعرف قطرًا، لا في محيطنا الإقليمي ولا في المحيط الدولي، اتسم أهله بعدم القدرة على العمل الجماعي، وعلى عدم القدرة على الاستماع لبعضهم بآذانٍ مفتوحة، مثلنا. كل قبيلٍ منا يدور داخل في دائرته المغلقة ويصرخ من تلافيفها مناديًا، محاولاً كبس الجميع في "كستبانتهٍ" تخصه وحده وهي لا تتسع لشيء.

    أرجو أن نكون قد خرجنا باقتلاعنا نظام البشير الانقلابي من الدائرة الشريرة للانقلابات العسكرية التي أهدرت من عمر السودان المستقل 52 عامًا أُنفقتها الأنظمة العسكرية المتعاقبة في التجريب العشوائي. لذلك يميل الخطاب السياسي لدينا إلى إلقاء اللوم على العسكر، في حين أن الحقيقة الغائبة أو المُغيَّبة، على الأصح، أن العسكريين لم يأتوا إلى الحكم، قط، من غير أن يكون المدنيون طرفًا فاعلاً في مجيئهم. فقد ظل المدنيون يعملون على الدوام لأن تكون لهم أذرعًا داخل الجيش. تغلغل الشيوعيون والبعثيون والإسلامويون وسط الجيش وفق خطط ممنهجة. كما فعل ذلك حزبا الأمة والحزب الاتحادي، ولكن بقدرٍ أقل. وأبعد هؤلاء عن التوبة النصوح هم العقائديون اليسارويون، وأعني تحديدًا الشيوعيين والبعثيين. ففي حين ترتضي الأحزاب التقليدية بالديموقراطية، لا إيمانا راسخًا بها وإنما لكونها لا تزال تأتي بهم إلى الحكم، فإن العقائديين اليسارويين لا يؤمنون بها إلا نفاقًا. فهم حين يعلنون الإيمان بها، يستبطنون الرغبة في السيطرة على السلطة، منفردين. والآلية التي يظن هؤلاء أن سوف تضع السلطة في أيديهم هي آلية "الشرعية الثورية"؛ عقب أي ثورة، عبر سرقتها والإمساك بعجلة قيادتها.

    قد طالعت كثيرًا من ردود الشيوعيين على مقالاتي هذه، فلم أجد فيها سوى إغراقًا في ممارسة نفس النهج القديم في الشيطنة وكيل التهم الملفقة. غير أن سوق هذا النهج الغث قد بار، بفضل الله، ثم بفضل تقدم الوعي، وتقدم تقنيات النشر الموسَّع. لقد أظهرت الردود على مقالاتي لينينيةً قُحَّةً، وكأننا لا نزال نعيش في العقد الثاني من القرن العشرين. والحمد الله الذي سخَّرنا لاستنطاقهم حتى يشهدوا على أنفسهم بأنفسهم، من جديد. ومن فضل الله على حراك الوعي في السودان أن ثورة ديسمبر جاءت من حيث لم يحتسب أحد من أدعياء التحكم في مسار التاريخ. لقد كانت ثورةً سلميةً، لم تجنح قط للعنف، رغم ما واجهته من بطش. فقد كانت بطبيعتها تلك، ضد العسكر، وضد الحزبيين الذين طالما زرعوا عضويتهم في الجسم العسكري السوداني، بل ومارسوا الانقلاب العسكري جهارًا نهارا. خلاصة القول، رغم بقايا الطائفية والعشائرية في مجتمعاتنا، لا مجال لغير الاحتكام لصناديق الاقتراع. أما سرقة السلطة المطلقة عبر "الشرعية الثورية" فلم تعد سوى ضربٍ من ضروب "أحلام ظلوط".
                  

10-20-2020, 10:54 PM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 817

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    التكلُّس اليساروي: الحلقة الأخيرة
    (25)
    النور حمد صحيفة التيار 21 أكتوبر 2020
    على الرغم من أن الشيوعيبن لا ينفكون ينفون طبيعة تفكيرهم الانقلابي، لكنهم، في ذات الوقت، يخطون بأقلامهم ما يؤكد تلك الطبيعة المدمرة، التي لازمت البنية المفاهيمية والتنظيمية لحزبهم ذي الطبيعة الانقلابية. من أكثر الكتب التي وفرت لي ولكل قارئ، فيما أحسب، شهاداتٍ واضحةٍ نسفت الشك باليقين حول الطبيعة الانقلابية للحزب الشيوعي السوداني، لذلك الكتاب الذي أعده الدكتور عبد القادر الرفاعي، عضو اللجنة المركزية للحزب. حمل الكتاب عنوان، "الرائد الشهيد هاشم العطا"، وهو من إصدارات مركز عبد الكريم ميرغني الثقافي، في عام 2018. في هذا الكتاب شهادات غاية في الوضوح عن تدبير الأستاذ عبد الخالق محجوب لانقلاب يوليو 1971 بالتنسيق مع الجناح العسكري للحزب في القوات المسلحة. والكتاب في جملته وثيقة ضخمة تكشف كثيرًا مما اكتنف حركة يوليو 1971 من غموض. يقع الكتاب في 560 صفحة من القطع الكبير. ولم أجد في مقالاتي الخمس وعشرين التي تمثل هذه المقالة خاتمتها فرصة لأناقش ما ورد في هذا الكتاب المهم. لكن، سوف يكون لديَّ متسعٌ من الحيز لأناقش ما جاء فيه في واحد من فصول الكتاب الذي أنوي إخراجه، قريبا بإذن الله.

    ما يمكن أن أخلص إليه ونحن نعاني آلام المخاض العسير لميلاد الديموقراطية الرابعة في هذا الظرف الحرج، بالغ الدقة، أنه لا مجال لكي يتحكم فينا إيديولوج مرَّةً أخرى. فقد أخذنا نصيبنا من هذا النوع من التحكم في عقولنا وضمائرنا، وحركاتنا، وسكناتنا، عبر الثلاثين عامًا المنصرمة من حكم الإسلامويين. مشكلة الإيديولوج أنه لا يرضى الشراكة في الحكم، وإنما يريد أن يحكم منفردا. ولكي يحكم منفردًا فهو لا يملك إلا أن يمارس العسف والعنف. فهو صاحب خارطة طريق ترتكز على نظرية كلية يرى أنها كاملةً ومطلقة الصحة وقادرةٌ على الدوام على تفسير الظواهر وابتداع الحلول بناءً التنبؤات التي وضعتها تلك النظرية وهي تستقرئ التاريخ، وكذلك، وهي تستشرف المستقبل. ولا أرى اختلافًا ذا بال بين الإسلامويين والشيوعيين في اعتقادهم بمطلق صحة ما يعتقدون، وإن اختلفت المرجعية. لقد لجأ القوميون العرب والشيوعيون والبعثيون وتيار الإسلام السياسي في السودان إلى الانقلابات العسكرية، ليقينهم الراسخ أن أحزابهم لن تصبح أحزابًا جماهيرية ذات وزن انتخابي يوصلها إلى السلطة. كما لجأت، هذه التنظيمات، أيضًا، إلى أسلوب سرقة الثورات كتكتيك بديلٍ للانقلابات. غير أن الزمن السوداني، تعدى هذا النوع من الألاعيب.

    لن تستقر الديموقراطية ويرسخ مسارها ما لم تتشكل كتلتان كبيرتان؛ تمثل إحداهما برامج وسياسات اليمين الرأسمالية المحافظة، التي تطلق العنان لقوى السوق، وتقيد برامج الرعاية الاجتماعية، في حين تمثل الأخرى برامج وسياسات اليسار ذات التوجه الاشتراكي الذي تضع فيه الحكومة بعض القيود على قوى السوق كما تنشط في برامج الرعاية الاجتماعية، وفي العمل على ردم الهوة بين الأغنياء والفقراء عبر إصلاحات مستمرة.

    لكي تتشكل هاتان الكتلتان لابد أن ينهزم أهل الأيديولوجيا القابضة المتكلِّسة، بجميع مشاربهم. أعني أن ينهزموا جماهيريًا وأن تنغلق أمامهم أبواب الانقلابات العسكرية، وأبواب سرقة الثورات. فيضطرون للعمل التشاركي الشفاف لخلق التحالفات البرامجية والسير في وجهة تشكيل كتلة يسارية كبيرة تناضل سلميًا لتصل إلى السلطة عن طريق صندوق الاقتراع، وتصبر على بث الوعي وترفيه الممارسة السياسية مهما طال انتظارها للوصول إلى السلطة. أما اليمين فهو موجود بطبيعة الحال، لأنه هو التجسيد القائم في كل وقت لتاريخ المظالم وإعادة انتاجها. خلاصة القول، التمسك بطروحات الأيديولوجيا الكلية القابضة في السياق الكوكبي الراهن، وخاصة في السياق السوداني بخصائصه التي نعرفها، باطلٌ وقبْضُ الريح. (انتهى)
                  

10-23-2020, 07:00 AM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 817

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    الأزمات المُزمنة في السلع الضرورية
    (1)
    النور حمد
    صحيفة التيار 23 أكتوبر 2020
    هناك أمورٌ محيِّرةٌ جدًّا يتفرد بها السودان، دون غيره من أقطار العالم. من هذه الأمور ظاهرة استطالة أمد الأزمات في السلع الضرورية. فكل من زار أقطار الجوار، وهي أقطار تشابهنا في أحوالها من حيث تخلف التنمية وضعف الاقتصاد، إلا أننا لا نرى فيها مواطنين مصطفين لأخذ حصصهم من السلع الضرورية. لا توجد، على سبيل المثال صفوفٌ للخبز وللوقود ولغاز الطهي في دول جوارنا؛ لا في إثيوبيا ولا في كينيا ولا في يوغندا ولا في جيبوتي ولا في الصومال ولا في تشاد. ولو صحت هذه الملاحظة، وهي عندي صحيحة، لأنني زرت أكثرية هذه الأقطار المحيطة بنا، ولم ألحظ وجود مثل هذه الصفوف، فإن الاستنتاج الطبيعي الذي يمكن أن يصل إليه المرء هو أننا نعاني من علِّةٍ مستفحلةٍ تخصنا وحدنا. يضاف إلى ذلك أننا، لسببٍ ما، قد عجزنا عن تشخيص هذه العلة، وبالتالي فشلنا في التوصل إلى طريقةٍ لإبرائها.

    لقد بدأت ظاهرة صفوف السلع الضرورية في بلادنا في سبعينات القرن العشرين، في فترة حكم الرئيس الأسبق جعفر محمد نميري. فعاصمتنا ومدننا وقرانا، لم تعرف قبل فترة حكم نميري، صفوفًا أمام المخابز، ولا أمام محطات الوقود. أما غاز الطهي فلم يكن استخدامه قد اتسع بعد في تلك الفترة، خاصةً في الأرياف. يضاف إلى ذلك، أن أعداد السيارات لم تكن بهذه الكثرة التي نراها بها اليوم. وهي كثرةٌ لا تتناسب مع الأحوال الاقتصادية العامة للمواطنين ولا مع مستوى اقتصاد البلاد. ويبدو، علاوةً على السياسات الخاطئة، التي جعلت قطاع النقل العام ضعيفًا، الأمر الذي اضطر المواطنين إلى امتلاك السيارات الخاصة. أيضًا، هناك "الاغتراب"، في دول النفط وغيرها، الذي مكَّن الأسر متوسطة الحال ودون المتوسطة الحال من اقتناء السيارات. وكل هذا نتاجٌ لأخطاء التخطيط والسياسات. فمع الهجرة الكثيفة من الأرياف إلى المدن وعلى رأسها العاصمة المثلثة، أصبحت السيارات والحافلات الصغيرة والسيارات الصغيرة وغيرها من المركبات كسيارات "أمجاد"، و"الركشات" وسائل لزيادة الدخل الأسري، ما فاقم من عدد المركبات، وأحدث، من ثم، زيادةً مهولةً في الطلب على الوقود.

    تحدث الظواهر السالبة نتيجة لأخطاء في السياسات وفي السياسة. وهي غالبًا ما تكون غير متعمَّدة، وإنما ناتجة عن ضعفٍ في الكفاءة وقصورٍ في الرؤية وعدم دراية بالتخطيط الحاذق. لكن تلك الظواهر السالبة؛ كالأزمات في السلع الضرورية، لا تلبث أن تتحول إلى أداةٍ سياسيةٍ يستخدمها قبيلٌ من أجل الكسب السياسي. فلقد كان جزءٌ من الأزمات في حقبة نميري من صنع القوى التي كانت تعارض نميري. وأعني هنا تحديدًا ما كانت تسمى "الجبهة الوطنية"، التي ضمت حزب الأمة والاتحاديين وجماعة الإسلام السياسي. وفي حقبة الديموقراطية الثالثة (1985 -1989)، استخدم الإسلامويون أذرعهم الاقتصادية في خلق الأزمات، ضد حلفاء الأمس، تمهيدًا للانقضاض على النظام الديموقراطي عن طريق الانقلاب العسكري، وهو ما حدث بالفعل في عام 1989.

    لقد أصبح خلق الأزمات في السودان سلاحًا سياسيًا. وما يجري الآن ليس منحصرًا في خواء خزينة الدولة من العملات الحرة، وحسب، وإنما هناك أيضًا قصدٌ مبيَّتٌ لإضعاف حكومة المدنيين وإظهارها بمظهر العاجز لأمرٍ في نفس يعقوب. وقد ساعد على هذا الوضع الشاذ حقًا، خلق نظام عمر البشير دولةً موازيةً تدير اقتصادًا آخر في الخفاء، لا تستطيع الدولة الأم رؤيته ولا التحكم فيه. إنها سياسة الضرب تحت الحزام التي أدمنتها نخبنا السياسية والعسكرية، سواءً بسواء.
    (يتواصل)
                  

10-23-2020, 10:55 PM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 817

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    الأزمات المُزمنة في السلع الضرورية
    (2-2)
    النور حمد صحيفة التيار 24 أكتوبر 2020
    فصلت بين بداية السبعينات من القرن الماضي وزمننا الحالي خمسون عامًا. ولقد بقيت الأزمات في السلع الضرورية وفي الخدمات الضرورية، عبر هذه الخمسين سنة المنصرمة، تراوح مكانها. فنخبتا السياسية ونخبنا العسكرية، كانت، في تقديري، هي الأفشل، من بين نخب العالم النامي، في خدمة الشأن العام. فكل شيء في بلادنا بقيَ مُجيَّرًا للصالح الجهوي؛ من حزبي، ومؤسسي، وقَبَلي، وطائفي، وشخصي. باختصارٍ، هناك علةٌ مزمنةٌ لم نعمل قط على تشخصيها ولا على إبرائها، من ثَمَّ. عادت، كرَّة أخرى، طوابير السيارات التي تبيت ليلةً وليلتين أمام محطات الوقود، إلى ما كانت عليه في فترة حكم جعفر نميري، والصادق المهدي، وعمر البشير. وعاد الناس يقفون على حواف الشوارع لوسائل نقلٍ لا تأتي. بل، زهد كثيرون في الحركة وبقوا في بيوتهم. وفي كل حيٍّ تكتظ واجهات الأفران بالمنتظرين للخبز طيلة اليوم. وهو خبزٌ لا تنفك موادُّه وصناعته تسوءان باضطراد. ولا أظن أن هناك شعبًا من الشعوب النامية تعرض للمهانة اليومية الممنهجة المتطاولة، بمثل ما تعرض له الشعب السوداني.

    رأينا مرارًا وتكرارًا من يدلقون عجين الخبر في مكبات النفايات للتضييق على الشعب حتى يكره حكومته ويثور ضدها. غرضهم أن يعودوا إلى سرقة المال العام والرضاع من ثدي الدولة الذي عز عليهم الفطام منه. ورأينا الشاحنات التي تأتي إلى المخابز في جوف الليل لتأخذ كميات هائلة من الخبز، لا ندري أين تذهب. كما رأينا النخب العسكرية تخرج ما بين حين وآخر، لتتصدق على شعبها، وتمن عليه بذلك من على وسائط الإعلام بصدقةٍ تُقدَّمُ له ماله الذي لم يعد يملكه. ويجري ذلك على قاعدة قول المتنبي: "جوعانُ يأكلُ من زادي ويُمسكُني لكي يُقالَ عظيمُ القدرِ مقصودُ". كما رأيناهم يتباطأون في إسعاف أهلهم وهم في أوج المسغبة، وأموال الشعب في حوزتهم، استدرارًا لهباتٍ وعون يأتي من الخارج، لقاء مواقف سياسيةٍ مشتراة. ولربما يكون حرصهم على ألا ينفقوا مثقال ذرَّةٍ مما احتاشوه من المال العام، متطابقٌ مع خطة القوى الخارجية الكارهة للثورات، التي لا تريد أن يكون للشعوب صوت. فالخطة الموضوعة، فيما يبدو هي خنق الشعوب بالضوائق وشظف العيش، بل وبالمسغبة الشديدة، حتى ترضخ. فيأتيها العلف، وتستيقن حينها أن شرط العلف هو الصمت، والاكتفاء، من الآن، وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، بدورِ السائمةِ المعلوفة. لكن، هيهات، فما لهذا خُلق الإنسان.

    لم تكن السياسية في أي يوم من الأيام لعبةً نظيفة. لكن ممارستها على المستوي الدولي، والإقليمي، والمحلي، قد ساءت في العقود الأخيرة، بصورةٍ بالغةِ الغرابة. لقد انقرضت، أو كادت، على مستوى الكوكب، النخب المبجَّلة من سياسيين مدنيين وعسكرين، ممن كانوا يهتمون بالشأن العام، أو، على الأقل، يولون الشأن العام جزءًا كبيرًا من اهتمامهم. وأمسكت بمقاليد الأمور نخبٌ سياسيةٌ؛ مدنيةٌ وعسكريةٌ لا ترى في السياسة ولا في العسكرية سوى منصة لملء جيوبها، وتحقيق مجدها الشخصي والأسري، وإنشاء امبراطورياتٍ صغيرةٍ تافهة، يعقبها فيما رأينا من حولنا خرابٌ عظيم. لقد تعمق وسط نخبنا المحلية؛ المدني منها والعسكري، ومنذ أمدٍ طويلٍ، نقصانٌ مريعٌ في الشعور بما يحيط بهم من فقرٍ ومرضٍ وسوء أحوال، حتى تحوَّلت تلك الغفلة إلى تبلُّدٍ شبه كاملٍ بلغ حد فقدان الحياء من الذات. نراهم في وسائط الإعلام؛ مدنيين وعسكريين، منخرطين في ذات الملهاة القديمة، فنتساءل: يا ترى، أي فعلٍ إيجابيٍّ ملموسٍ لهؤلاء في واقع حياتنا؟
                  

10-24-2020, 09:25 PM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 817

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    الأجندة المُستتِرة للرافضين للتطبيع
    النور حمد
    صحيفة التيار 25 أكتوبر 2020
    يمكن أن نحصر المنصات السياسية الرافضة للتطبيع في ثلاث: أصحاب الأجندة الإسلاموية، وأهل اليسار الماركسي والعروبي، والمتعلِّلين بمناصرة الشعوب المستضعفة والدفاع عن حقوق الإنسان. الفئتان الأُوْلَيان؛ وأعني أصحاب الأجندة الإسلاموية واليساروية، يتخذون من التظاهر بالدفاع عن حقوق الفلسطينيين ذريعةً للمناورة السياسية لخدمة أجندتهم الحزبية في الصراع السياسي الدائر حاليًا في الساحة السياسية السودانية. فالإمام الصادق المهدي اختار أن يركب في هذه القضية على سرج الإسلامويين. السبب، أنه مشدودٌ للجذر الديني لطائفة الأنصار وللارتباط العضوي لمشروعه السياسي بهذا الجذر، ولرؤيته لذاته كـ "مُخَلِّص" وصاحب رسالة "إسلامية"، ديني/سياسية. هذا في حين يقف ابن عمه، السيد، مبارك الفاضل المهدي، منه في موضوع التطبيع، على طرف النقيض تمامًا. أما أهل اليسار الماركسي واليسار العروبي فيعتقدون أن إعادة إحياء الخط الناصري الصدامي الذي قضى نحبه منذ عقود، يتيح لهما لف الجماهير حول أجندتهم السياسية الراهنة. وهذه قراءة خاطئة تغفل التحولات في الوعي الجماهيري التي جرت في العقود الثلاثة الأخيرة. كما تهمل، أيضًا، التغيرات التي جرت للسياسات العربية، بما في ذلك الموقف الفلسطيني، منذ اتفاقية أوسلو. أما الذين يرفعون راية الدفاع عن الشعوب المستضعفة، فإنهم يزايدون بموقفٍ تركه الفلسطينيون، أهل القضية أنفسهم.

    كانت حكومة الإسلامويين الإنقاذية في طريقها إلى التطبيع مع إسرائيل (راجعوا تصريحات وزير خارجية الإنقاذ، إبراهيم غندور – "الراكوبة" 16/1/2016). لذلك، فإن موقف الإسلامويين ليس مبدئيًا، وإنما هو موقف منفعة. فهم مع التطبيع إن أسهم في إطالة مدة حكمهم، وضده إن قام به خصومهم السياسيون. يريد الإسلامويون، حاليًّا، أن يستمر خنق المواطنين بالندرة عبر بقاء العقوبات في مكانها، ومن ثم، إحجام من في وسعهم تقديم العون للسودان من قوى المجتمع الدولي والإقليمي، عن تقديم أي عون للسودان، في هذه الفترة بالغة الحرج. فيثور الشعب على حكومته الانتقالية ويتحقق إجهاض الثورة.

    أما التذرع بأن القرار ينبغي أن يصدر من حكومة منتخبة فهو تَذَرُّعٌ واه. فمجلس الوزراء والمجلس السيادي، مُجتَمِعَيْن، ظلا يقومان بمهمة التشريع في غياب المجلس التشريعي، ولم يعترض على ذلك أحد. فلماذا جاء الاعتراض حين دخل الأمر حوش السياسة الخارجية؟ لقد نصت الوثيقة الدستورية في بابها الثاني – "مهام الفترة الانتقالية"، على: "وضع سياسة خارجية متوازنة تحقق المصالح الوطنية العليا للدولة وتعمل على تحسين علاقات السودان الخارجية وبنائها على أسس الاستقلالية والمصالح المشتركة بما يحفظ سيادة البلاد وأمنها وحدودها". فالقول بأن قرار التطبيع لابد أن يأتي من حكومة منتخبة، مجرد تَمَحُّك لا أكثر.

    لقد خرقت قوى المواجهة مع إسرائيل مقررات مؤتمر الخرطوم ولاءاته الثلاث. فقد طبَّعت مصر وطبَّعت الأردن وطبَّع الفلسطينيون، واعترفوا بدولة إسرائيل، بل أصبحوا ينسقون معها أمنيا. فما الذي يجعل قطرًا كالسودان، يبعد آلاف الكيلومترات من إسرائيل، رافضًا للاعتراف بإسرائيل؟ ومن قال إن التطبيع يمنع انتقاد السياسات الإسرائيلية الخاطئة؟ فالعالم ينتقد الصين لتجاوزاتها ضد المسلمين الإيغور، وينتقد ماينمار لتجاوزاتها ضد أقلية الروهينقا، وينتقد السودان للتطهير العرقي الذي ظل يجري في دارفور لخمسة عشر عامًا. فهل اقتضى ذلك قطع العلاقات مع الصين وميانمار والسودان؟ وتحتل مصر إقليم حلايب السوداني منذ ربع قرن فهل قطعنا علاقتنا مع مصر بسبب ذلك؟ إن الغرض السياسي يقود كثيرًا من القوى السياسية لدينا للاتجار المتهافت بالخطاب الشعبوي لخدمة الأجندة الحزبية الآنية. إن الانفلات السوداني من قبضة الخطاب العروبي التالف، يعيد السودان لطبيعته الشرق إفريقية ولخصوصيته وهويته المضيعة.
                  

10-26-2020, 00:09 AM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 817

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    رفع العقوبات هو المهم
    النور حمد
    صحيفة التيار 26 أكتوبر 2020
    معارضو التطبيع، أصحاب الأجندة المستترة، يحاولون صرف أنظار الشعب عن القضية الأهم وهي إخراج السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب ورفع العقوبات، إلى القضية الأقل أهمية وهي التطبيع مع إسرائيل. يحاول معارضو التطبيع إحداث زوبعة سياسية يظنون أنها تخدم أجندتهم السياسية التي تعثرت بسبب حساباتهم الخاطئة، وانحصار همهم في المصالح الحزبية الضيقة، وتقديمهم لها على مصلحة البلاد العليا. لقد أدخل الإنقاذيون السودان في كارثة مستطيلة وهي كارثة العقوبات التي استمرت لعشرين عاما. وضعت الولايات المتحدة الأمريكية السودان في قائمة الدول الراعية للإرهاب وأوقعت عليه عقوبات اقتصادية في نهايات الفترة الثانية من حكم الرئيس بيل كلينتون في عام 1997. وكان التسبيب لذلك الإجراء هو مواصلة السودان دعمه للجماعات الإرهابية، وجهوده المستمرة في زعزعة استقرار دول الجوار، وانتهاكاته المتكررة لحقوق الإنسان. في يناير 2017 رأت حكومة الرئيس السابق باراك أوباما، وهي في أخريات أيامها، في السلطة، أن السودان أحدث تقدمًا يستحق عليه تخفيف العقوبات. خفف الرئيس أوباما العقوبات وترك الباب مواربًا للرئيس القادم، حينها، دونالد ترمب ليواصل المسار ويرفع العقوبات بصورة نهائية.

    لقد أوقع وضع البلاد في قائمة الدول الراعية للإرهاب، وإنزال العقوبات الأمريكية عليها أضرارًا اقتصادية بالغة. ظن الانقاذيون أنهم بالاتجاه شرقًا نحو الصين وغيرها من دول جنوب شرق آسيا، سوف يجعلون العقوبات الأمريكية بلا تأثير. غير أن الأيام أثبتت سذاجتهم السياسية وضمور معرفتهم بمجريات السياسة الدولية. فبعد أن تسبب الإنقاذيون في فصل الجنوب بنفس تلك السذاجة السياسية، أدركوا عمليًا التأثير المدمر لفقدان ريع النفط، فعادوا يستجدون أمريكا رفع العقوبات. لم يقم الرئيس ترمب بأي تقدم في الوضع الذي تركه أوباما. ورغم أنه قدم خطة للشرق الأوسط ووثق صلاته بالمملكة العربية السعودية وبدول الخليج، إلا أنه لم يلتفت إلى السودان إلا مؤخرا. مع تضاؤل فرصه في الفوز بفترة حكم ثانية في انتخابات نوفمبر القادم، أراد ترمب أن يتقرب إلى اللوبي اليهودي بتوسيع دائرة السلام الإسرائيلية مع الدول العربية. فكان التطبيع مع كل من الإمارات والبحرين، ثم لحق بهن السودان في مسار مختلف نوعا ما.
    لم تكن أمام السودان أي فرصة ليخرج من الانحدار المستمر صوب الهاوية من غير أن ترفع عنه الولايات المتحدة الأمريكية العقوبات، التي كانت سوف تلقي به في الهاوية، لا محالة. في مثل هذا الوضع يوازن السياسي الحصيف بين نهج الصدام الذي يقف وراءه كبرياء زائف، يؤدي إلى الانهيار الكامل، وبين واقعية سياسية توقف الانهيار ليبدأ الصعود. وهناك صلة قوية بين إخراج السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب ورفع العقوبات الاقتصادية عنه، من جهة، وبين إعلان السلام مع إسرائيل، من الجهة الأخرى. ورغم أن حكومتنا قالت قبل أيام أنه لا ارتباط بين الأمرين، لكن تسارع الأحداث أثبت عكس ذلك تمامًا. وهكذا هم سياسيونا لا ينفكون يراوغون بلا داع.

    الذين يحاولون إثارة زوبعة حول مسألة التطبيع يحاولون صرفنا عن مكسب الخروج من حفرة دعم الإرهاب. هؤلاء يسيرون على ذات خط البشير الصدام، العبثي، العدمي، الخادم لأجندة المتوهمة عابرة الأقطار. لقد ترك أهل القضية الأصليون أنفسهم خط الصدام، فأصبحوا ينعمون بأحوال عامة أفضل منا بكثير . فهم مرتبطون عضويًا بالعالم وتتقدم أحوالهم العامة تبعًا لذلك. يلتقون بالإسرائيليين صباح مساء ويأخذون ويردون معهم ويصفو الجو بينهم حينًا ويتعكر أحيانا أخرى. في حين ندفع نحن ثمن "المقاومة" بالتردي المستمر في أحوالنا العامة، ومغالبة النتائج الكارثية لركلنا خارج دائرة العصر.
                  


[رد على الموضوع] صفحة 2 „‰ 3:   <<  1 2 3  >>

تعليقات قراء سودانيزاونلاين دوت كم على هذا الموضوع:
at FaceBook




احدث عناوين سودانيز اون لاين الان
اراء حرة و مقالات
Latest Posts in English Forum
Articles and Views
اخر المواضيع فى المنبر العام
News and Press Releases
اخبار و بيانات



فيس بوك تويتر انستقرام يوتيوب بنتيريست
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة
About Us
Contact Us
About Sudanese Online
اخبار و بيانات
اراء حرة و مقالات
صور سودانيزاونلاين
فيديوهات سودانيزاونلاين
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
منتديات سودانيزاونلاين
News and Press Releases
Articles and Views
SudaneseOnline Images
Sudanese Online Videos
Sudanese Online Wikipedia
Sudanese Online Forums
If you're looking to submit News,Video,a Press Release or or Article please feel free to send it to [email protected]

© 2014 SudaneseOnline.com

Software Version 1.3.0 © 2N-com.de