مقالات دكتور النور حمد في صحيفة التيار

مرحبا Guest
اخر زيارك لك: 08-10-2020, 12:21 PM الصفحة الرئيسية

منتديات سودانيزاونلاين    مكتبة الفساد    ابحث    اخبار و بيانات    مواضيع توثيقية    منبر الشعبية    اراء حرة و مقالات    مدخل أرشيف اراء حرة و مقالات   
News and Press Releases    اتصل بنا    Articles and Views    English Forum    ناس الزقازيق   
المنبر العام
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى شكل سلسلة « | »
اقرا احدث مداخلة فى هذا الموضوع »
07-10-2020, 04:27 AM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 718

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    up
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

07-10-2020, 11:07 PM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 718

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    تعقيب من د عبد العظيم حسن

    المحترم د. النور حمد

    صحيفة التيار 11 يوليو 2020

    لست بالقامة التي تملك أن تعقب على ما تكتب، ولكنني استسمحك التعليق على مقالك الرصين بعنوان: "من الذي يعبث بالفترة الانتقالية؟"، وأقول، بكل تواضع، أنك طرحت أبعاد المشكلة بكل شفافية. غير أنك ذهبت، فيما يبدو، إلى تعليق أسباب العبث، بالدولة العميقة، والشريك العسكري. في حين أنني أرى أن الإشكال الحقيقي في المكون المدني، وليس خارجه. الأزمة باختصار تكمن في ضعف الكفاءة المهنية ونهج المحاصصات والصراعات التي تغلغلت في أجسام المكونات المدنية، فأغرت بسلوكها آخرين، فانجروا إلى التكالب والخوض مع الخائضين. يتضح هذا من تجربة تجمع المهنيين السودانيين الذي تشكّل منه المجلس المركزي للحرية والتغيير، ومن قبضة الأحزاب السياسية التي أخذت تسيطر عبر هذين الجسمين.

    من الواضح أن هناك عجزًا في إدارة الدولة. يتضح هذا للعيان من زاويتين: الزاوية الأولى: هذه الأحزاب لا تملك الكوادر المؤهلة التي تستطيع أن تدير بها دولة. وكما تعلم، هناك فرق شاسع بين الثائر ورجل الدولة. فثلاثين عامًا من التشظي، أفقرت الأحزاب من المورد البشري المؤهل الذي يدير العمل بكفاءة. ما تملكه هذه الأحزاب، بالكاد، عددٌ محدودٌ من الثوار، الذين يتعاملون مع إدارة الدولة بقدرات الهواة وليس المحترفين. الزاوية الثانية: الفترة الانتقالية هذه المرة تختلف في تحدياتها عن السابقات. فإذا كانت في المرات الماضية أتت عقب أنظمة عسكرية لا تقف وراءها أيديولوجيات، فإن النظام البائد كان أيدولوجيا متشددًا ومتجذرًا بعمق، ومتحكماً بكل مفاصل الدولة. فهو لم يترك مجالاً إلا وسيطر عليه.

    مواجهة وضعٍ معقدٍ كهذا لا يكون بواسطة هواة مكنتهم أحزابهم من السلطة دون تأهيل، فأصبحوا غير قادرين على تحقيق مصالحهم، من جانب، وإدارة المصالح العامة من الجانب الآخر. لقد نسوا دورهم الأساسي، وتنكروا لتعهدهم بأنهم لن يتولوا مناصب دستورية في الفترة الانتقالية. فلا هم أوفوا بما عاهدوا الشعب عليه، ولا هم كانوا في مستوى المسؤوليات التي تصدوا لها. ولقد وضح جليا أنهم أقل قامة من حجمها. لذلك، كانت النتيجة الكارثية المتمثلة في خمود الحماس تجاههم من قبل الجماهير.

    لا أرى أن نعلق الأسباب حصراً على مشجب الدولة العميقة، ولا الثورة المضادة، لأن مناهضتهما للثورة معلومة بالضرورة، ومتوقعة. الواجب أن يتصدى للمسؤولية من هو في مستوى التحدي. إلى جانب ذلك، لا يكفي أن تكون هناك لجنة تفكيك دون قيام لجان للبناء. فمن المتفق عليه، أستاذي الكريم، أن البناء دومًا هو الأصعب، وليس الهدم. على سبيل المثال لا الحصر، جرت في بعض الوزارات مواجهات غير مدروسة، أسفرت عن إنهاء خدمات قياديين، ما قاد إلى استقالات عديدة، أربكت دولاب العمل. وهؤلاء لم يستقيلوا لأنهم ثورة مضادة، وإنما بسبب السياسات المتعجلة، والإعفاءات دون تحضير بديلٍ جاهز. لم يجر سلوك طريق الإدارة العلمية المؤسسية، بقدر ما جرى هدمٌ لأوضاع غاية في التعقيد، بلا جاهزية. عمومًا، ما أراه عن قرب، ينم عن فساد إداري ومغامراتٍ غير محسوبة العواقب. فالفساد لا ينحصر في سرقة قوت وأموال الشعب، وحسب. فالفساد قد يصبح أكثر فداحة عندما يجري إسناد المسؤولية لمن هم ليسوا أهلا لها.
    مودتي واحترامي
    د. عبد العظيم حسن
    المحامي - الخرطوم
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

07-12-2020, 09:47 AM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 718

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    هل ستغير واشنطن نهجها؟

    النور حمد

    صحيفة التيار 12 يوليو 2020

    السفير ألبرتو فيرناندز دبلوماسي أمريكي عاش في السودان لعامين تقلده أثناءهما منصب القائم بالأعمال الأمريكي في السفارة الأمريكية بالخرطوم، بين عامي 2007 و2009، في الفترة التي أعقبت اتفاقية نيفاشا. اشتهر فيرناندز بعلاقاته الواسعة بالمجتمع السوداني وتغلغله وسط مختلف فئاته، خاصة السياسيين. وقد تمكن ببساطته وعفويته وحضوره المناسبات الاجتماعية، من خلق شعبية كبيرة في مجتمع الخرطوم. ولقد ساعدته كثيرًا قدرته على التحدث باللغة العربية. نشر فيرناندز أمس الأول تحليلاً سياسيًا، على موقع معهد واشنطن المتخصص في السياسات الأمريكية لمنطقة الشرق الأوسط. نشر فيرناندز تحليله السياسي تحت عنوان: "السودان على الحافة: أسقوطٌ حتميٌّ أم أمامه طريق أفضل؟". أبدى فيرناندز بحكم معرفته بالسودان وأحوال السياسية تعاطفًا كبيرًا مع الفترة الانتقالية وحرصًا على اكتمال التحول الديموقراطي. وحث الإدارة الأمريكية لكي تغير سياستها الحالية وأن تتحرك بإيقاع أسرع.

    ما يهمني إيراده في هذا الحيز المحدود عرض موجز للتوصيات التي ذيل بها فيرناندز. وقد بدأها بقوله: كما هي عادتهم دائمًا، نصح المانحون الدوليون الحكومة السودانية أن تتخذ خطواتٍ في الإصلاح الاقتصادي. وهي خطواتٌ من شأنها أن تضعف شعبية الحكومة أكثر، وتجعل منها، هدفًا سهلاً للشخصيات العسكرية والإسلامية، المهيأة للانقضاض عليها. ففي الوقت الذي يغالب فيه سواد السودانيين عناء البحث عن الخبز والوقود والدواء، يصبح من الجنون أن نتوقع من إدارة حمدوك أن تعلن على المواطنين الذين عانوا طويلاً، أن عليهم أن يرضوا بأقل القليل، وأن يرسلوا الأموال إلى ضحايا الهجمات الإرهابية في الولايات المتحدة. ومن ثم، ينتظرون، ببساطة، قدوم الأيام الزاهية المقبلة.

    يقول فيرناندز أيضًا: إن السياسة الأمريكية الراهنة المتعلقة بالسودان تبدو واضحة. وتتلخص في معالجة العلاقات الثنائية مع السودان بصورة منهجية، مع إبقاء الأمل في الانفراج النهائي بعيدًا، هناك، عند نهاية النفق. ويتضمن هذا تعليق الوعد بإزاحة اسم السودان من الدول الراعية للإرهاب حتى اقتراب انتخابات 2022، أو بعدها. أما السياسة التي سيجري اتباعها، حتى ذلك الموعد، فهي إصلاح القطاع العسكري وحماية الحكومة المدنية من أن يُطاح بها، وذلك بإبقاء المكون العسكري على الخط المفضي إلى التحول الديمقراطي. بعبارة أخرى، إن ما جرى، حقيقةً، هو أن السودان تلقى وعودًا من واشنطن، أكثر مما تلقى مساعدات.

    يقول فيرناندز: مشكلة هذه السياسة أنها مبنيةٌ على أن الوقت سيكون في صالح أمريكا. لكن، لو أن الاقتصاد العالمي كان مزدهرًا والسودان ضمن هذه الحالة فعلا، حتى باقتصادٍ متواضع، لأمكن لمثل هذه السياسة أن تنجح. إن واشنطن تغامر بإهمالها تصور ما يمكن أن يأتي عكس توقعاتها المرتجاة من هذه السياسة، لأنها تترك الحكومة الحالية تفقد سندها الشعبي. على واشنطن أن تتحرك في الملف السوداني بسرعة شديدة، وليس ببطء. ولابد من تقديم أكبر قدرٍ من العون حتى يشعر المواطن السوداني بأن أملاً قد أصبح مجسدًا على أرض الواقع. كما يجب أن يكون هناك حديث واضح لحلفاء واشنطن في المنطقة؛ ممثلين في السعودية والإمارات، حول الكيفية التي تجعل منهم داعمين مخلصين لحكومة حمدوك. على واشنطن أن تحذر السعودية والإمارات، وكذلك أعداءها؛ تركيا وقطر، أن السودان أولويةٌ بالنسبة لواشنطن، وليس ملعبًا لصراعهما. وليت واشنطن تسمع لخبيرها السابق في السودان.
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

07-13-2020, 08:17 AM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 718

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    الإصلاح القانوني ولغو الجهلاء

    النور حمد

    صحيفة التيار 13 يوليو 2020

    في البدء، لابد لي أن أعرب عن الشعور بالغبطة الذي غمرني، وأنا أتابع مجريات اللقاء مع الدكتور، نصر الدين عبد الباري، وزير العدل، وهو يجيب بمعرفةٍ، ومهنيةٍ، ورزانةٍ، على أسئلة الأستاذ لقمان أحمد، في برنامجه التوعوي، "حوار البناء". لقد بدا أن وزارة العدل قد أخذت تعود، بعد طول غياب إلى المهنيين الأكفاء، أهل المعرفة الأكاديمية، والحس العدلي السليم، والإلمام بمبادئ حقوق الإنسان، وبمجمل ثقافة العصر. وافقت مشاهدتي لهذه الحلقة المتميزة، قراءتي هذه الأيام لكتاب كليف تومسون "يوميات ثورة أكتوبر 1964"، الذي قام بترجمته الصديق، بروفيسور بدرالدين الهاشمي، وقدم له بروفيسور عبد الله علي إبراهيم. وكليف تومبسون أستاذ قانون أمريكي، بدأ حياته المهنية في جامعة الخرطوم في الستينات. وقد كتب مشاهداته ومتابعاته اليومية لمجريات ثورة أكتوبر؛ منذ الندوة التي استشهد فيها القرشي، إلى سقوط نظام الفريق عبود، وتشكيل الحكومة الانتقالية برئاسة سر الختم الخليفة. شفع تومسون تلك اليوميات، في السنوات اللاحقة، بمقابلات مُعمَّقة، أجراها مع طيفٍ واسعٍ ممن أداروا تلك الأحداث. فجاء كتابه سجلاً تاريخيًا فريدًا لأسبوعٍ عظيمٍ في التاريخ السوداني المعاصر. نشرت الكتاب، دار المصورات بالخرطوم، وهو كتابٌ جديرٌ بالقراءة وبالاقتناء.

    جاء ذكري كتاب تومسون هذا لارتباط موضوعه، بالصورة المشرفة التي ظهر به وزير العدل في هذه المقابلة. فقد أورد الكتاب مواقف مضيئة ومشرفة لشخصيات عملت في النظام العدلي؛ كالقاضي أبورنات، والقاضي بابكر عوض الله، والقاضي عبد المجيد إمام، والمحاميين، محمد أحمد محجوب ومبارك زروق. من يقرأ الكتاب يعرف مستوى المهنية الرفيع، والاعتداد بالنفس وبشرف المهنة، والحرص على سلامتها من التلوث بدنس السلطة والسياسة لدى كل هؤلاء. لذلك، فإن ظهور وزير العدل بهذه الصورة المشرفة، بعد عقودٍ من تدنيس القضاء، ووزارة العدل، والنيابة العامة، في عهود الحكم الديكتاتوري، خاصة في عهد الانقاذ، بعث في نفسي الأمل أن ماضينا المشرق الذي كدنا أن نيأس من استنقاذه، قد أخذ الآن يبشر بعودةٍ أكثر إشراقا. ولا غرابة، فوزير العدل حاصلٌ على دكتوراه القانون من جامعة هارفارد، المشهود لها في كل العالم؛ شرقه وغربه، بأنها لا يرتادها ولا يتخرج منها سوى المميزين.

    إذا أردنا نهضة يقودوها مهنيون، مجودون لمهنهم، ذوو أخلاقٍ مهنية رفيعة، فعلينا بالتعليم العصري الجيد. ولنذكر الآن الجهلاء الذين حاولوا الطعن في هذا الوزير المتقن لمهنته، المالك لمقتضيات سمتها أيام ترشيحة للوزارة. ولنقارنهم، هم الذين تعلموا وفقًا لمناهج القرون الوسطى بهذا الوزير. إنهم يدافعون عن جهالاتٍ وسخائم نفوسٍ متسخة، أسموها قوانين. من يقرأ صيغ قوانين الانقاذ لا يملك إلا أن يضحك ملء شدقيه، من غرابتها، وركتها، وحرصها اللئيم، على التجريم بغير حق. لا يمكن لدولة تحترم نفسها أن تسمح بوجود قانون ردة ضمن قوانينها. أو تمنح رجالها حق السيطرة المطلقة على حرية تنقل النساء الراشدات، لمجرد أنهم أصبحن زوجاتٍ لهم. كما لا ينبغي أن يسمح أي قانون يتوخى العدل، لبعض الرجال منعدمي الضمير، ممارسة الكيد لزوجاتهم المطلقات، ومنعهن اصطحاب فلذات أكابدهن، إلى الخارج، ولو كانوا في حضانتهن، وقس على ذلك من العسف والفجور الذكوري. فليعلم الذين لا يزالون يتاجرون بدغدغة الفج من العواطف الدينية، أن حكم الوقت قد أسدل عليهم الستار، مرَّةً، وإلى الأبد، فليكفوا عن اللغو الفارغ وليتركوا الحياة ترقى مراقي الرفعة والإنسانية.
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

07-14-2020, 07:46 AM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 718

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    هل جاءت التعديلات بغير سند دستوري؟

    النور حمد

    صحيفة التيار 14 يوليو

    في إشادتي بوزير العدل، في مقال الأمس، ركزت على قضيتين: هما إبطال مادة الردة، وإبطال حق الرجل منع الزوجة المسافرة، أو المطلقة، اصطحاب أطفالها، الذين هم في حضانتها. فهذان انجازان باهران لا مراء فيهما، رغم ما يثيره البعض من اعتراضٍ، بقولهم: إن ذلك ما كان ينبغي أن يجري دون وجود مجلس تشريعي. وأن الدستور وتشريع القوانين أو إصلاحها تقتضي مشاركةً واسعةً، وتفويضًا شعبيًا، ولا ينبغي أن تقوم بها النخب. لكن، هذه النخب لم تأت إلى الحكم بانقلاب عسكري، وإنما أتت بها ثورة شعبية، أهم شعاراتها الحرية والسلام والعدالة. ينطوي هذا النوع الشكلي الإجرائي من الاعتراضات، على رفضٍ دفينٍ مبطَّنٍ للثورة ولشرعيتها. بل، على عدم اعترافٍ بها، لا يفصح عن نفسه بوضوح. الوثيقة الدستورية، التي توافقت عليها كل قوى الثورة، ممثلةً في جماهير الثورة، وفي قوى الحرية والتغيير، وفي الحكومة الانتقالية بقسميها، هي دستور الفترة الانتقالية الذي شهدت عليه القوى الإقليمية والدولية.

    كأني بالمعترضين يقولون: ليس من حق الثوار تغيير أي شيء تركته الإنقاذ، حتى يأتي المجلس التشريعي المنتخب، لاحقًا، أو المتوافق على تعيينه في الفترة الانتقالية. ينطوي هذا المنحى، في تقديري، على رغبةٍ دفينةٍ في إلغاء الثورة، إلغاءً تاما. رغم أن الثورة، هي في الأصل، قلبٌ للطاولة على النظام القديم، برمته، رأسًا على عقب. وأول ما تجري إزالته من تركة الإنقاذ المثقلة، إنما هو القوانين غير الدستورية، التي حرس بها النظام المدحور شموليته، واتكأ عليها لينكل بالمعارضين السياسيين، وليبسط بها هيمنة الذكور المطلقة على الإناث. من أوجب واجبات وزير العدل، بناءً على الوثيقة الدستورية، وعلى الأمانة التي وضعها الثوار على عاتق الحكومة الانتقالية، أن يصلح عوار قوانين الانقاذ. لا أن يربع يديه وينتظر هؤلاء المتباكين المشفقين مما يسمونه: "فوقية النخب". وهم قومٌ لم نر لهم دموعًا ولا إشفاقًا على أحد، حين كان النظام المدحور يقتل ويعذب ويقهر، بلا رقيب أو حسيب. وحين كانت بعض النساء ينتحرن من وطأة الانسحاق بالقهر، من عنت الأزواج وتسلطهم. لكن، يبدو أن الضمائر الميتة لا يحركها الظلم، بقدر ما تحركها الشكليات.

    حق الحياة وحق الحرية ليسا حقين نسبيين، يمكن أن تؤمن بهما جماعة من الناس وتكفر بهما جماعة أخرى، ثم تكون الجماعتان على صواب. حق الحياة وحق الحرية حقان أصيلان لا ينبغي أن يتركا ليسلبهما الجهل الديني والعلماء والانقياد الطائفي. هذان الحرقان هما بذرة أي دستور وبغير كفالتهما، لا يكون هناك دستور. وأي وثيقة تجهض هذين الحقين لا يمكن أن تسمى دستورا.. لا ينبغي أن نعيد اختراع العجلة، وإنما نسير فيما يتعلق بحقي الحياة والحرية، فيما سار فيه العالم كله، قبلنا. كفالة حق الحياة وحق الحرية أمران في حكم البداهة، فقط، الاستبداد هو الذي شوَّه فهمهما، ولعب بعقول كثيرين بشأنهما. نحن لا نواجه قضايا الحقوق لأول مرة، وكأننا في نقطة فجر الخليقة. نحن نجلس على تراثٍ ضخم من الأدبيات الدستورية. ولا أعتقد أن ثورة قامت ضد القهر والاستبداد والاتجار بالدين، تحتاج لمن يصوت لها على إلغاء حد الردة، أو رفع حيف الرجال على النساء بمنعهن حقهن في اصطحاب أطفالهن خارج البلاد، متى ما أردن. (في اليومين القادمين أعرض تحفظاتي على التعديلات المتعلقة بشرب المواد الكحولية والدعارة).
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

07-16-2020, 05:40 AM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 718

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    الخمور بين التربية والقانون (1)

    النور حمد

    صحيفة التيار 16 يوليو 2020

    عاش السودان منذ انهيار الدولة المهدوية في عام 1898 وإلى سبتمبر 1983 حالة من الاستقرار النسبي. ولم يكن هناك أي جدل حول مسألة تعاطي المشروبات الكحولية. لم تحظ هذه القضية بأي اهتمام، لا من المؤسسة الدينية الرسمية، التي كانت تقف على الدوام إلى جانب مختلف السلطات، ولا من الطرق الصوفية، ولا من عامة المواطنين. باختصار، لم تكن قضية تعاطي المشروبات الكحولية تحتل أي أولوية فيما تجري مناقشته من قضايا في المجال العام. فالبيئات السودانية، المختلفة، منذ الممالك الكوشية القديمة، وإلى يوم الناس هذا، عرفت صناعة الخمر في البيوت، بصورةٍ من الصور. بل ظل تناول المشروبات الكحولية ممارسًا بلا انقطاع، عبر التاريخ الإسلامي، بل وفي بلاط الخلفاء أنفسهم. (راجع كتب شوقي ضيف عن العصر الأموي والعصر العباسي). كما أوردت كتب الأحاديث، بأدلةٍ متواترةٍ، وبوضوح لا لبس فيه، أن النبيذ كان يُشرب حتى في صدر الإسلام. فموضوع شرب الخمر في الإسلام موضوعٌ جدليٌّ مختلفٌ عليه.

    تطبيق الشريعة ومنع الخمور قضية جرها إلى دائرة الجدل السياسي، في السودان، تنظيم الإخوان المسلمين. فهي تمثل في نظرهم وسيلةً سهلة الامتطاء، سريعة الإفضاء إلى كرسي السلطة. لكن، بعد أن وصلوا إلى السلطة، وجلسوا في كراسيها ثلاثين عامًا، لم يطبقوا، ولا حكمًا شرعيًا واحدا. لم نر أيادٍ تُقطع، رغم السرقات التي تحدث كل يوم، ولا زانٍ أو زانيةً رُجما، ولا قاطع طريق جرى قطعه من خلافٍ، وصلبه. حين كان نميري حاكمًا، وقفوا وراءه بشدة في تطبيق العقوبات الحدية على الفقراء، ليحتمل هو وزرها، من سبتمبر 1983، وحتى سقوط نظامه في أبريل 1985. كان الهم هو الوصول إلى كرسي السلطة، وما أن وصلوه تركوا الشحن الديني الذي شحنوا به البسطاء، حول تطبيق الشريعة، يتبخر في الهواء. وهاهم الآن، بعد أن أُبعدوا عن السلطة، يعودون، كرَّةً أخرى، إلى عادتهم القديمة في إثارة البلبلة.

    لا يختلف جَرُّ موضوع الخمر إلى دائرة الجدل السياسي، عن الحملة المفتعلة الخسيسة، التي أدت إلى حل الحزب الشيوعي عام 1965، وطرد نوابه المنتخبين من البرلمان، ومحاكمة الأستاذ محمود بالردة عام 1968. أسلوب الحملتين واحد، وهو إثارة العاطفة الدينية لدى البسطاء، حتى يعموا عن رؤية واقعهم المجتمعي الحقيقي الذي يعيشونه. وهو واقعٌ ظل قائمًا دون أي تغيير، لآلاف السنين، ولم تستطع ولا الدولة المهدية، بكل نزعتها الطهرانية المفرطة، وحشرها أنفها في خصوصيات الناس، أن تغيره. على سبيل المثال، كان القائد المهدوي، النور عنقرة، يشرب خمره في بيته، الذي لا يبعد ميلاً من بيت الخليفة عبد الله. (راجع: مذكرات يوسف ميخائيل).

    يقول الواقع التاريخي للشعوب السودانية، أن الناس ظلوا يصنعون، في كل أقاليم السودان، "الشربوت" و"الدكاي" و"المريسة" و" العسلية" وغيرها من المسميات، في المنازل، خاصةً في المناسبات. كما لم تخلُ، عبر التاريخ، قريةٌ أو مجموعة قرى متجاورة من أماكن لصنع وبيع الخمور البلدية. هذا واقع بالغ القدم، ولن تغيره القوانين المتعسفة، وجهالات المتشددين الدينيين، الذين لا يعرفون حرف الإسلام ولا روحه. هذا الواقع، يغيره الوعي، والتعليم، والتربية الدينية الصحيحة الحكيمة الموزونة، التي تتجه إلى ترفيع الشعور بالمسؤولية الفردية، وبالالتزام الداخلي بصحيح القيم. محاولة منع شرب الخمور بالقوانين لا تختلف في فشلها من محاولة خفض سعر الدولار بالقبضة الأمنية. فالضائع في هذا اللغو الباطل هو الحكمة. (يتواصل).
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

07-17-2020, 08:29 AM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 718

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    الخمور بين القانون والأخلاق،
    (2)

    النور حمد

    صحيفة التيار 17 يوليو 2020

    من الملاحظات اللافتة للكاتب الكبير الطيب صالح قوله: رغم أننا قطر هامشي في منظومة الأقطار العربية والإسلامية، وليست لنا آدابٌ مكتوبةٌ، ولا آثارٌ يُعتد بها في بنية الحضارة الإسلامية، إلا أنا، رغم ذلك، حاولنا مرتين، ادعاء أن لنا دورًا مركزيًا في العالم الإسلامي، بل وفي العالم أجمع. قام الإمام محمد أحمد المهدي بثورته العظيمة في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، وحقق إنجازين عظيمين على المستوى الداخلي، هما: تحرير القطر من المستعمر المصري، التركي، ومنح السودان حدوده الجغرافية الشاسعة. غير أن المهدي توهّم أن دعوته ودولته تحتلان موقعًا محوريًا ينبغي أن يلف حوله جميع العالم. ألغت المهدية العمل بالمذاهب، كما ألغت الطرق الصوفية، وكفَّرت كل من لا يؤمن بمهدية المهدي، وجعلت من منشورات المهدي وراتبه مرتكزا جديدًا للعقيدة، يَجِبُّ كل ما قبله. وبناءً على تصور أن المهدية رسالةٌ إلهيةٌ إلى الناس أجمعين، سيرت المهدية الجيوش لفتح مصر والحبشة. ووثب في الربع الأخير من القرن العشرين، الدكتور حسن الترابي وجماعته إلى السلطة بانقلاب عسكري. جاعلين من فكرتهم ودولتهم منصة ينطلق منها البعث الاسلامي ليعم مشارق الأرض ومغاربها. ولم يتعظ الدكتور الترابي ورهطه من التجربة المهدوية. فانتهت تجربتهم إلى كوارث متلاحقة ودمارٍ فظيعٍ فاق كل ما جرى في الحقبة المهدوية.

    مصر هي موطن الأزهر، أعرق الجامعات الإسلامية. وتركيا هي مركز الخلافة الإسلامية العثمانية، حتى الربع الأول من القرن العشرين. غير أن هذين القطرين لا يحرمان صناعة الخمور، ولا الاتجار فيها، ولا تعاطيها. أما جمهورية باكستان الإسلامية فتمنع تعاطي المسلمين لها، ولا تمنع أن يتعاطاها غيرهم من أهل الديانات، وبها مصنع للخمور. أما ماليزيا وإندونيسيا فتسيران على نهج تركيا ومصر والمغرب وتونس والجزائر ولبنان والعراق وسوريا والأردن، أي نهج السماح بلا قيد. وتختلف درجة السماح قليلًا في دول الخليج. فسلطنة عمان والإمارات وقطر والبحرين، تسمح باستيراد الخمور وتقديمها في الفنادق، وبعض المطاعم. وفي هذه الدول منافذ لشراء المواد الكحولية، لكنها لا تبيع إلا لمن يحمل تصريحًا حكوميًا. لذا يستغرب المرء في تحريض عبد الحي يوسف للجيش للإطاحة بالحكومة المدنية، بدعوى أنها تهدم الدين. لماذا يا ترى يصمت عبد الحي، عن تقديم نفس الطلب للجيش التركي ليطيح بأردوغان؟

    أرجو ألا يظنن أحدٌ أن سبب عدم تشدد هذا العدد الكبير من الدول الإسلامية، يعود لقلَّةٍ في المعرفة بالدين، أو تنكُّرٍ لأحكامه. في كل هذه البلدان علماء أجلاء. بل إن علماءنا تتلمذوا، عبر التاريخ، على علماء الأزهر منذ أيام السلطنة الزرقاء. السبب في تقديري، هو المعرفة بمقاصد الدين، وتوخي الحكمة في التشريع، وفهم الواقع العملي القائم. يضاف إلى ذلك، أن الأحاديث والوقائع المروية في أمر الخمر ورد في بعضها ما يؤكد أن العقوبة تنصب على السُّكْر، وليس على مجرد الشرب. وكما هو معلوم، فإن روايات الأحاديث وروايات الوقائع التاريخية، وردت بصورٍ مختلفة، تصل حد التعارض، أحيانًا. فالفقهاء المتشددون يعتمدون منها ما هو أكثر تشدُّدًا فيجعلوا منه تشريعًا عاما. أما المعتدلون فيميلون إلى النصوص والوقائع التاريخية التي تبتعد عن التشدد والغلواء. وسوف أورد نماذج من هذه الروايات المختلفة في عمود الغد، ومع ذلك، تبقى للحديث بقية. (يتواصل).
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

07-17-2020, 10:48 PM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 718

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    الخمور بين القانون والأخلاق (3)

    النور حمد

    صحيفة التيار 18 يوليو 2020

    ذكرت في العمود السابق، أن الفقهاء صنفان: صنف متشدِّد وآخرٌ معتدل. يميل الصنف المتشدد إلى العنت، والمعتدل إلى اليسر. يضاف إلى ذلك، أن روايات الأحاديث النبوية والوقائع التاريخية الإسلامية، يقع فيها الاختلاف. وقد يجد المرء حديثًا مرويًا بعدة صيغ، أو رواية لحادثة بعدة صيغ، تخلق اقدرًا من الاختلاف في المضمون. وسوف أورد نماذج لهذا في ذيل هذا المكتوب. أيضًا، من المعروف تاريخيًا والموثق، أن جمع الأحاديث جرى بعد أكثر من قرنٍ من بداية التاريخ الهجري. لذلك، فإن درجة الموثوقية العالية التي يمنحها المشتغلون بالفقه للأحاديث، ليست بالتماسك كما يظنون، ويظن كثيرون. وقد كثرت في الفترة الأخيرة الآراء الداعية إلى أخذ روايات الأحاديث بحذرٍ شديد، خاصة حين تتعارض مع نصوص القرآن، ومع المعقولية اللائقة بدينٍ رباني. وقد ذهب البعض إلى ضرورة الاستناد إلى القرآن بوصفه النص الأوثق، الذي ينبغي أن يكون المرتكز النهائي، حين تستشكل الأمور. وعمومًا، فإن العصر الذي جرى فيه تدوين الأحاديث لم يكن عصر تقوى، كصدر الإسلام، وإنما كان عصر ملك عضوض، أصبحت أهواء السياسة حاضرةٌ فيه بشدة.

    أكثر من ذلك، يورد بعض الباحثين أن هناك أحاديث صحيحةً تنهى عن كتابة أحاديث النبيّ، مطلقًا. فقد روى أحمد، ومسلم، والدارِميّ، والترمذيّ، والنسائيّ، عن أبي سعيد الخدريّ، أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم قال: "لا تكتبوا عنّي شيئاً إلاّ القرآن، فمَنْ كتب عنّي شيئاً غير القرآن فليمحه". الشاهد، أن الظن بأن الأحكام المستنبطة من جانب الفقهاء هي أحكامٌ نهائية غير قابلة للمراجعة، أبدًا، ظنٌّ غير صحيح.

    من أمثلة الروايات المختلفة للأمر الواحد، ما رواه أبو موسى الأشعري من أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه هو ومعاذًا إلى اليمن. قال أبو موسى: قلنا يا رسول الله إن بها (أي اليمن)، شرابين يُصنعان من البر والشعير، أحدهما يقال له المزر والآخر يقال له البتع، فما نشرب؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اشربا ولا تسكرا". أما الرواية المغايرة فقد ورد فيها أن النبي قال لهما: "اشربا، ولا تشربا مُسكرا". فرواية "اشربا ولا تسكرا"، أباحت لهما الشرب بشرط ألا يسكرا. أما الرواية الثانية فتقول: اشربا ولا تشربا مسكرا" وفي هذه غرابة. لأن السائلين ما سألا إلا لأنهما يعلمان أن هذين الشرابين مسكرين. ولذلك، كان رد النبي الكريم، "اشربا ولا تسكرا". فهذه الرواية أكثر تماسكًا من الأخرى التي قالت: "اشربا ولا تشربا مسكرا". فهما لم يسألا عن مطلق شراب، وإنما سألا تحديدًا عن شرابين، مسكرين، باسميهما.

    أيضًا، من الأدلة على أن العقوبة إنما تنصب على السكر، ما جاء في سنن البيهقي من: "أن رجلا أتى سطيحةً لعمر، فشرب منها فسكر، فأتي به عمر فاعتذر إليه، وقال: "إنما شربت من سطيحتك"، (أي من نفس وعائك). فقال عمر: "إنما أضربك على السكر"، وضربه عمر." حاول هذا الرجل أن يُعفى من العقوبة لكونه قد شرب من نفس الشراب الذي يشرب منه عمر. فرد عليه عمر بأن السبب في معاقبته ليس مجرد الشرب، وإنما السكر. وهذا واضح جدًا في قول عمر: "إنما أضربك على السكر". واجبنا اليوم أن نجتهد، لا أن نستسلم كليًّا للأقدمين. (يتواصل)
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

07-19-2020, 05:42 AM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 718

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    الخمور بين القانون والأخلاق (4)

    النور حمد

    صحيفة التيار 19 يوليو 2020

    إن غرض الدين من إنزال القرآن وإرساء قواعد الشريعة، أن يمتلك البشر القدرة على التفكُّر وأن يصبح التفكُّر طبيعة ثابتة فيهم ومستدامة. فالجمود العقلي والوقوف عند عتبة الدين والنكوص عن الإيغال في عميق معانيه، علامتان من علامات قلة الانتفاع من منهجه. فالدين في الأصل منهج لترقية الفكر وترقية النفس. يقول تعالى: "وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ". ولذلك، يمكن القول، كلما كان المؤمن ميالاً للعنت والتشدد، كلما دلَّ ذلك على عياء فكره، وانطفاء نور الفرقان لديه. فالأصل في الأشياء هو الحل، وهذا متفق عليه. وما المنع والتحريم إلا نتيجة لعجز البشر عن التصرف بمسؤولية، في الحرية الممنوحة لهم. لقد منح الله اليهود سعةً في الحِل، بادئ الأمر. لكنهم أساءوا استخدامها، فصودرت منهم، وأُدخلوا دائرة المنع والتحريم. يقول تعالى: "فبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا". وقد حدث هذا للأصحاب رضوان الله عليهم. فتحريم الخمر لم يحدث، إلا بعد أن أساءوا التصرف في السعة، فأُحيلوا إلى الضيق.

    أمضى النبي في مكة، بعد أن بُعث للناس، ثلاث عشرة سنة، لم تكن الخمر فيها محرمة. بل، بقيت غير محرمة لثمان سنوات، بعد أن هاجر إلى المدينة. وهناك روايتان عن العام الذي جرى فيه تحريم الخمر. فبعضهم يقول: في السنة الثالثة للهجرة، عقب معركة أحد، وبعضهم يقول: في السنة الثامنة للهجرة، ومن بين هؤلاء من المحدثين، الدكتور محمد عابد الجابري. فالأرجح هو السنة الثامنة، لأن الآيات التي تدرجت بالناس نحو النهي، أخذت وقتًا طويلا. فالخمر جرى تحريمها قبل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، بثلاث سنين فقط.

    هناك حادثتان بارزتان في إساءة استخدام الأصحاب لإباحة الخمر. أولاهما ما حدث منهم من أخطاء في قراءة القرآن في الصلاة، بسبب السكر، فنزلت الآية: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ". أما ثانيتهما فقد كانت أفدح من سابقتها. فقد جاء في شرح النووي على مسلم، أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى سيدنا علي بن أبي طالب ناقتين من نوق الغنائم. فأناخهما عند باب رجلٍ من الأنصار. وكان حمزة بن عبد المطلب يشرب الخمر ومعه قَيْنَةٌ (جارية) تغنِّي له. ولعل الجارية أرادت أن يكون لهما مع الشرب شواء. فأثارت حمزة بشيء من الشعر، فنهض، وهو سكرانٌ، واتجه بسيفه إلى نوق علي بن أبي طالب. فقطع أسنمتها (جمع سنام)، وبقر خاصراتها، وأخذ من أكبادها. فشكاه سيدنا علي إلى النبي. فذهب إليه النبي يجرجر أثوابه من الغضب، ومعه زيد بن حارثة، وأنكر النبي الكريم على حمزة فعلته. لكن حمزة كان في حالة سكر شديد، جاء في وصفه أن عيونه كانت محمرة. صوب حمزة بصره إلى النبي في ازدراء، وقال: "هل أنتم إلا عبيدًا لآبائي". فانصرف عنه النبي غاضبا. ونزلت عقب ذلك الآية الكريمة: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ* إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ". (يتواصل).
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

07-20-2020, 07:54 AM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 718

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    الخمور بين القانون والأخلاق (5)

    النور حمد

    صحيفة التيار 20 يوليو 2020

    يعتقد كثيرٌ من المسلمين أن الإسلام قصد منذ البداية تحريم الخمر، وأن الإسلام ترفق وتلطف بمجتمع القرن السابع الميلادي، الذي اعتاد الخمر، فتدرج في التحريم على مراحل. هذا الاعتقاد ليس صائبًا تمامًا، رغم ذيوعه. فالإسلام يقر الأصل في البداية، وهو الإباحة، أما المنع فاستثناء. فكما أقر القرآن في البداية، في مكة، مبدأ الحرية والمسؤولية الفردية، على غرار: "فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر"، فقد أقر أيضًا الإباحة في الخمر بالسكوت عنها. فالإنسان، في الإسلام، حرٌّ، حتى يسيء التصرف في الحرية، فتجري مصادرتها. ولا تكون المصادرة حين تحدث، إلا بقانون دستوري. والقانون الدستوري هو القانون الذي يوفق توفقًا دقيقًا بين حاجة الفرد إلى الحرية الفردية، وبين حاجة الجماعة إلى الأمن؛ فلا يتغول على حقوق الفرد لمصلحة الجماعة ولا على حقوق الجماعة لمصلحة الفرد.

    لو تأملنا الآية 67 من سورة النحل، المتعلقة بالخمر، فإننا نلاحظ أنها تتحدث بحيادٍ عن صناعة الخمر، كونها ممارسة عرفتها المجتمعات البشرية منذ القدم. تقول الآية: "وَمِن ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ". لا يوجد في هذه الآية أي ذمٍّ لصناعة الخمر. وقد مارست مجتمعات الشرق الأوسط، على مدى التاريخ، عصر الزيتون والسمسم للزيت، وكذلك، عصر العنب وتخمير الحبوب والتمور وغيرها، لصناعة النبيذ. وقد جاءت الإشارة إلى هذه الصناعة، بلا ذمٍّ، أيضًا، في تأويل سيدنا يوسف للرؤيا، في الآية 49 من سورة يوسف، التي تقول: "َثُمَّ يأْتِي مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ". من أجل تثبيت الأصل الأصيل، المتمثل في كفالة الحرية وإقرار مبدأ المسؤولية، وحث الناس على التحلي بها، لم يحرم القرآن الخمر على مدى 20 عامًا، مع العلم أن كامل مدة البعثة النبوية المشرفة، كانت 23 عامًا فقط.

    جاء التضييق بعد أن بدأ أصحاب النبي، عليهم الرضوان، يتذمرون مما يأتونه من أفعال وهم سكارى. فقد طفقوا يسألون النبي عن الخمر، فجاء رد الله تعالى عليهم، على هذا النحو: "يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا". ومن يتأمل هذا الخطاب بذهنٍ مفتوح، يرى بوضوحٍ شديد، نهج القرآن في التأكيد على المسؤولية الفردية. فقد أثبت للخمر والميسر منافع. لكنه، أكد أن إثمهما أكبر من نفعهما. وهنا، أيضًا، استمر القرآن يضع المسؤولية على عاتق المؤمن. غير أن أهل تلك الفترة تفاقمت هفواتهم بسبب السكر، فجاءت الآية: "يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ". وحتى هذه اللحظة، أيضًا، لم ينه القرآن عن الشرب، واستمر يدعو إلى التحلي بالمسؤولية. فطالبهم، فقط، بألا يأتوا إلى الصلاة وهم سكارى. ولا بد أن حوادث عديدة مثل حادثة حمزة التي أغضبت النبي، قد حدثت. إلى ثبت أن ذلك المجتمع دون مستوى المسؤولية الفردية، فصودرت حريته. ومع ذلك لاحظ فقهاء وباحثون، أن آية سورة المائدة، التي أغلقت باب شرب الخمر، جاءت في صيغة ملطَّفة، فدعت إلى "الاجتناب"، وليس إلى التحريم، بصريح العبارة. بل إن خاتمة الآية التي تلتها، جاءت في صيغة استفهام يشبه الالتماس اللطيف، فقالت: "فهل أنتم منتهون؟". (يتواصل).
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

07-21-2020, 06:15 AM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 718

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    الخمور بين القانون والأخلاق (6)

    النور حمد

    صحيفة التيار 21 يوليو 2020

    قلت في المقالة السابقة، إن الأصل في الأشياء هو الحل. والحرمة ليست سوى حكم شرعي سببه العجز عن القيام بواجب المسؤولية، الذي هو شرط التمتع بالحرية. جاء في تحديد المحرمات قول الله تعالى: " قُل لَّا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ ۚ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ". على عموم الأمر، كل ما يمر عبر فم الإنسان، من مطعمٍ أو مشربٍ حلال، باستثناء هذه الأعيان الأربعة. وحتى هذه الأربعة سُمح للمضطر، المستوفي لشروط الاضطرار، أن يطعمها. وجاء أيضًا: "لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوا وَّآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوا وَّآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوا وَّأَحْسَنُوا ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ". وهذه من أكثر الآيات وضوحًا في أن التقوى والإحسان تضعان الإنسان في براح الحرية المسؤولة.

    لا يعني ما تقدم، أن معاقرة الخمر تليق بالمتقين المحسنين، فهؤلاء لا حاجة بهم إلى الخمر، أصلا. والقول بأن الحل هو الأصل، ليس دعوةً لمعاقرة الخمر، وإنما لتثبيت مبدأ المسؤولية الفردية. ففي عهد الوصاية، وهو العهد الماضي، جرى سد للذريعة، فكان التضييق. أما في عهد الحرية والمسؤولية والاسماح، فإن التحريم والعقوبة ينبغي أن تنصبَّا على السكر، وليس على مجرد الشرب. وقد قال بذلك، فيما يخص الأنبذة، فقهاء أقدمون، مثال: إبراهيم النخعي، وسفيان الثوري، وابن أبي ليلى، وشريك، وابن شبرمة، وأبو حنيفة، من فقهاء الكوفة، وكذلك أكثرية من علماء البصرة؛ أي، أن المحرم هو السكر نفسه، وليس عين ما يُشرب. (بداية المجتهد ونهاية المقتصد، ص 912). فالأصل هو الإباحة، وجاء المنع بسبب سوء التصرف، وقد كان الوقت وقت وصاية. أما التشريع اليوم، فينبغي أن يضع الناس في موضع المسؤولية، وذلك بحصر المساءلة والعقاب في حالة السكر، في المجال العام، وليس لمجرد الشرب. فالقانون أصلاً لا يملك عينًا تراقب له ما يقع خارج المجال العام. خاصةً وأن تتبع الناس داخل بيوتهم ممنوعٌ شرعًا.

    واجبنا هو تبيين ضرر الخمر على الفرد وعلى الأسرة وعلى المجتمع، عبر منابر المساجد، ومناهج المدارس، والرسائل الإعلامية، والصحية. وأن نبتعد من جعل المنع المطلق والعقوبة بديلين للضمير وللأخلاق وللمسؤولية الفردية. نهج العقوبة المتَّبع منذ سبتمبر 1983، وإلى اليوم لم يغيِّر شيئًا. بل تسبب في اتساع دائرة تعاطي أنواع الكحول بالغة الضرر. هذا النهج لن يغير شيئًا، لأنه شبيه بتصور النعامة حين تدفن رأسها في الرمال، وتظن أن ذلك يخفي جثتها الضخمة، عن عين عدوها. لقد أصبح الإقرار بأن الحرية الفردية هي الأصلٌ في الإسلام أوضح من أي وقتٍ مضى. قال زعيم حركة النهضة في تونس، راشد الغنوشي، في مقابلة في قناة الجزيرة: "ليس من مهمة الدولة أن تفرض الإسلام. ليس من مهمة الدولة أن تفرض أي نمطٍ معيِّنٍ على المجتمع. مهمة الدولة أن تحفظ الأمن العام، تحفظ العدل، تقدم الخدمات للناس. أما الناس: تصلِّي ما تصلِّيش، تتحجب ما تتحجبْشْ، تسكر ما تسكرْشْ، هذا متروكٌ للناس". لقد أبقى تعديل وزير العدل الأخير، فيما يتعلق بالخمور قوانين سبتمبر الشوهاء في مكانها. والاستثناء الذي مُنح لغير المسلمين، إجراءٌ غير موفق. (يتواصل)
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

07-22-2020, 05:13 AM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 718

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    الخمور بين القانون والأخلاق (7)

    النور حمد

    صحيفة التيار 22 يوليو 2020

    إن من أرفع آيات الذكر الحكيم قوله تعالى: "وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ". ومنها أيضًا: "هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ * وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ". الحكمة غير الكتاب، فالقرآن لا يستخدم لفظين مختلفين بمعنى واحد. وتعلُّم الحكمة أعلى من تعلُّم الكتاب. وقوله تعالى "ويعلمهم الكتاب والحكمة" يعني أن معرفة الكتاب هي الباب إلى رفرف الحكمة المنفسح. والفكر المدقق هو الذي يمنح القدرة على التفريق بين مظهر الحكم الشرعي، وجوهر المقصد الرباني.

    فقه المقاصد، ابتداءً بالشاطبي ومرورًا بابن عاشور، وحتى علال الفاسي، يسير في وجهة إعمال الفكر في أمور التشريع. يرى هؤلاء أن علم الأصول وقواعده، وإن كان ضروريًا للفقيه، إلا أنه لا يغنيه عن معرفة مقاصد الشارع الحكيم. فالمقصود من كل حكم أن يجلب الأمن والطمأنينة والخير للناس، وأن يدفع عنهم الضرر. وعلى الرغم من أن فقه المقاصد قد مثل خطوةً متقدمة، مقارنًا بالفقه التقليدي، إلا أنه لا يفي تمامًا بمتطلبات تجديد الخطاب الديني لعصرنا الراهن. لكن، مع ذلك، يبقى منهجه أكثر حكمةً وفائدةً من الفقه التقليدي، المنغلق، المنشغل بالمظاهر، المنصرف عن المقاصد الجوهرية.

    المنع والعقوبة ليسا أمرين مقصودين لذاتهما، وإنما هما وسيلة لحمل الناس، في مرحلة القصور، على الاستقامة، بالإكراه. أما مقصد الدين في الأصل فهو أن يقوِي الضمير والرادع الداخلي، فيبتعد الفرد طواعيةً عن الأفعال غير اللائقة مستعينًا بالصبر والصلاة. المطلوب هو معرفة الحق والتزامه انطلاقًا من الشعور بالمسؤولية، لا لمجرد الخوف من العقوبة. وما من شكٍّ، أن خوف العقوبة شيءٌ حسن، وهو عتبةٌ في سلم التَّرقِّي، لكنها في أوله. الأكمل من ذلك أن يكون الإنسان مسؤولاً، وأن تنطلق قيمه من داخله، لا من خارجه. فالإكراه في الماضي أولد النفاق. ولا تحدث الاستقامة الصادقة المتنامية دومًا، إلا إذا مُنح الفرد حرية الاختيار. وهذا ما من أجله قال النبي الكريم: " لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، وجاء بقومٍ يذنبون فيستغفرون، فيغفر لهم".

    يتعلم الناس عبر التأرجح بين الخطأ والصواب، فيرتفعون في مضمار التهذيب. مقصد الشرع الأعلى أن يبني في داخل الفرد ميزان القيم ويشعل في داخله أنوار المعرفة التي تقوي عزيمته لفعل الصواب، وتجعله يندم بشدة حين يخطئ. والناس ليسوا سواسية في هذا: "قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ"؟ وحديث: "لو لم تُذنبوا لذهب الله بكم"... إلخ، ليس دعوة إلى المعصية وإنما هو تبصير للناس بطبيعتهم الترابية، وحثهم لتحويلها إلى طبيعة نورانية. لقد عرف السادة المتصوفة نهج الحكمة هذا، فلم ينشغلوا بالمنع المباشر وبالتقريع وبالخطب المجلجلة الفارغة، كما يفعل الفقهاء. انشغل المتصوفة بالتربية فقبلوا الناس على علَّاتهم، وأخذوا يحثونهم على أداء الصلوات، وحضور الأذكار، والمحافظة على الأوراد، وأهم من ذلك، خدمة الناس، وقد انصلح سواد الناس بهذا النهج التربوي. جاء في قصيدة "الهبرو مَلُوا"، في وصف ما أنجزه المتصوفة: "كم وسخانين ليهم غسلوا". وجاء فيها، أيضًا: "جابوا الهمبات حردان جملو". (يتواصل).
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

07-23-2020, 09:41 AM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 718

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    الخمور بين القانون والأخلاق (8)

    النور حمد

    صحيفة التيار 23 يوليو 2020

    لقد كان للاستعمارين التركي/المصري، والبريطاني، تأثيرٌ سالبٌ على المزاج الديني المتوارث في السودان، خاصة في البيئات الإسلامية. فقد حارب الخديويون والبريطانيون التصوف ومكَّنا للفقه، الذي ظل عبر التاريخ الإسلامي ذراعًا للسلاطين، يسيطر به الحكام المستبدون على الناس. بسبب تمكين الفقه ابتعد كثيرون من سعة التصوف وأدبه وحكمته، وانجرُّوا إلى ضيق الفقه وشكلانيته المظهرية. في جوهر الدين، لا قيمة للقيد الخارجي إن لم يتحول إلى قيد داخلي ينبع من الذات. "لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَٰكِن يَنَالُهُ التَّقْوَىٰ مِنْكُمْ"؛ أي، لا تنال رضا اللهِ، القرابينُ ولا الشعائر التي تؤدونها، وإنما تناله ثمرتُها، وهي: "التقوى منكم". لا حكمة في فرض قيودٍ لا يمكن تطبيقها عمليًا. الحكمة هي جعل الناس يقيدون أنفسهم بأنفسهم. وهناك وسائل كثيرة لتحقيق هذا الغرض، سبقتنا إليها أممٌ كثيرة. من هذه الوسائل الترشيد، عبر الخطاب الديني الحكيم، وعبر التعليم العام، وعبر الإعلام، إضافة إلى إنفاذ القانون الدستوري، الذي يعاقب على السكر في المجال العام.

    تدور في وسائط التواصل الاجتماعي هذه الأيام مقاطع فيديو، يتحدث فيها عن ضرورة ألا تكون الدولة "دينية"، وإنما "مدنية"، كلٌّ من الشيخ يوسف القرضاوي، والداعية طارق سويدان، والرئيس المصري الراحل محمد مرسي، وبعض شيوخ الوهابية السعوديين، أحدهم سلمان العودة. ولقد سبق أن أوردت ما قاله الدكتور حسن الترابي، أنه لا يجوز اقتحام خلوات الناس، لأن هذا يقع في دائرة التجسس والتحسس، وهو أمرٌ منهيٌّ عنه شرعا. كما سبق أن أوردت حديث راشد الغنوشي الذي قال فيه: إن مهمة الدولة تنحصر في تحقيق الأمن وإقامة العدل وتقديم الخدمات، وليس من مهامها أن تراقب: صلَّى الناس أو لم يصلّوا، تحجَّبوا أو لم يتحجَّبوا، سكروا أو لم يسكروا. إلى جانب هذا الميل المتزايد إلى مفهوم الدولة المدنية، من جانب جماعات الإسلام السياسي، بدأت المملكة العربية السعودية تتراجع عن خطها الوهابي الحنبلي المتشدد، الذي انتهجته منذ أن كانت إمارةً صغيرةً في الدرعية، في القرن الثامن عشر، يتقاسم سلطتيها الدنيوية والدينية، الإمام محمد بن سعود، والشيخ محمد بن عبد الوهاب.

    ما قام به نميري في سبتمبر 1983، لم يكن تحكيمًا للشريعة، وإنما مجرد نزوةٍ حاكمٍ مستبدٍ استنفد كل أوراق اللعب التي تبقيه في السلطة، فاتجه إلى استغلال الدين، وقد آزره في ذلك الشيخ حسن الترابي وقبيله. ولربما لا يعلم كثيرٌ من أبناء وبنات الأجيال الجديدة، أن قوانين سبتمبر 1983، والتي سُمِّيت زورًا وبهتانا، "قوانين الشريعة الإسلامية" لم تصدر من هيئة تشريعية، وإنما فُرضت بمراسيم جمهورية. ونميري الذي فرضها رجلٌ لم يُعرف عنه أي اهتمام بالإسلام، طيلة حياته، بل ولا حتى معرفة بأبسط قواعده. فإلغاء قوانين سبتمبر، هو العمل الدستوري في حقيقة الأمر، والذين يتباكون كذبًا على ضياع الشريعة، يعلمون أن الشريعة بالمفهوم الذي يعتنقونه، غير قابلة للتطبيق. الدليل، أنهم بقوا في الحكم لثلاثين سنة، وهي مدةٌ أطول من مدة البعثة المحمدية المشرفة، التي لم تتجاوز 23 عامًا، ومع ذلك، لم يطبقوا منها شيئا. بل، عملوا كل ما هو نقيضٌ لها. لقد ولَّى إلى غير رجعة، زمان الصراخ والعواء لفرض مظهرٍ كاذبٍ للدين، وجاء وقت جعل الدين قيمًا حقيقية تعاش. وطريق هذه النقلة البرادايمية، هو الاقناع والاقتناع، والتربية الخلقية.
    (يتواصل)
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

07-24-2020, 06:32 AM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 718

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    الخمور بين القانون والأخلاق (9)


    النور حمد

    صحيفة التيار 24 يوليو 2020

    من الخطأ الشنيع ألا نسترشد في تشريعاتنا بتجارب الغير، وأن نظن أننا محقون في كل شيء وغيرنا من أهل الملل الأخرى، مبطلون في كل شيء. فكل الدول، بغض النظر عن أديانها، حريصةٌ على أمن الناس، وعلى صحتهم البدنية والعقلية. يظن كثيرٌ منا أن الغربيين لا يسائلون من يسيئون التصرف بسبب الخمر، وهذا غير صحيح. الفرق بين الدول الإسلامية القليلة التي تتسم بالتشدد وبينهم، أن الغربيين علمتهم التجربة أن يهتموا بالجانب العملي في الإخلال بالأمن العام. فأصبحوا لا يطاردون مواطنيهم فيما وراء نطاق المجال العام. فإذا رأى الشرطي شخصًا يترنح في الشارع؛ فإنه يوقفه ويبعده عن المجال العام. وإذا شك في أن أحدًا يقود سيارته تحت تأثير الكحول، فإنه يوقفه في الحال ويعرضه لجهاز تحديد نسبة الكحول في الدم. فإذا تجاوزت الحد المسموح به، ينزله الشرطي من السيارة، ويأخذ منه مفتاحها. وسوف يتعرض لعقوبة قد تصل إلى السجن، وربما يجري سحب رخصة القيادة منه لمدة يحددها القاضي. أيضًا لا يُسمح لأي فرد عمره أقل من 21 عامًا بشراء مشروبات كحولية. وأي خصٍ توجد في سيارته قارورة خمر مفتوحة يتعرض لعقوبة قاسية جدا. وتسير أكثر من 80% من الدول الإسلامية المعاصرة على هذا النهج، مع الفارق أن الدول الغربية لها قدرة أكبر على إحكام الرقابة على المجال العام، وعلى إنفاذ القانون.

    أوردت صحيفة "وولستريت جورنال" في 17 يناير 2019 أن استهلال المواد الكحولية، في الولايات المتحدة الأمريكية، يتراجع. وأوردت قناة بي بي سي في 15 فبراير 2011 أن استهلاك الكحول في بريطانيا استمر يتناقص، عامًا بعد عام، منذ 2002. هذا التراجع ليس بسبب المنع، وإنما بسبب التوعية والتحسن الطوعي في السلوك. فالمجتمعات هي التي تعلم أفرادها وتهذبهم وليس السلطات. أصبح الغربيون يستهجنون السكر بشدة، رغم أن المشروبات الكحولية متاحة. فالشخص الذي يشرب حتى يسكر في أي مناسبة اجتماعية، يُنظر إليه باحتقار، وقد يُعزل اجتماعيا. فالسلطة الاجتماعية، لها تأثير على تحسين سلوك الأفراد يتجاوز تأثير المنع القانوني. تغيير السلوك بسبب نظرة المجتمع يجري عن قناعة، وعن رغبة وحرص على رضا المجتمع، وقبوله.

    لقد انشغلت كل الأمم بالآثار الضارة لاستهلاك الكحول، فجربت الولايات المتحدة في بدايات القرن العشرين، المنع الكامل للمشروبات الكحولية. في عام 1926 قدم أندرو فوروسيث شهادة أمام الكونغرس الأمريكي، ملخصها أنه راقب منطقة بعينها في مدينة بورتلاند بولاية أوريغون، قبل المنع مباشرة. فرأى أفرادًا في أسوأ صورة يمكن أن يرى بها المرء إنسانًا، بسبب إدمانهم الكحول. وبعد المنع رأى تحسنًا كبيرًا في أحوال الناس في تلك المنطقة. ثم عاد بعد عامين ليرى كيف استمر الحال، فوجد الناس على صورة أسوأ مما كانوا عليها قبل المنع، لأنهم انخرطوا في شرب الخمور غير القانونية، بالغة الرداءة. كما زاد المنع من انتشار الجريمة المنظمة، المرتبطة بالتجارة غير القانونية في الكحول، فتراجع الأمريكيون في عام 1933 عن المنع العام. أيضًا أكد المركز الأمريكي للوقاية والتحكم في الأمراض أن التدخين قد تراجع في عام 2016 بنسبة 14%، رغم أنه لا يوجد قيد مطلق على التدخين. كل ما في الأمر أن الأفراد ارتقوا في وعيهم، وأصبح المجتمع يضيق بالتدخين. فالوعي هو الذي يأتي بالنتائج، وليس المنع.
    (يتواصل)
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

07-26-2020, 07:05 AM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 718

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    الخمور بين القانون والأخلاق (10)

    النور حمد

    صحيفة التيار 26 يوليو 2020

    لا يصح في عصرنا الراهن أن تُصدر دولة ما تشريعين مختلفين لمواطنيها مبنيين على أساس الدين. هذا منزلقٌ أدخلتنا فيه قوانين سبتمبر الشوهاء، التي جبُن مشرعونا عن إلغائها خوفًا من بعض المتشددين الجهلاء، الذين يهتمون بالمظهر الخارجي الكاذب ويتعامون عن حقائق الواقع وجوهر مقاصد الدين. لقد سبق أن ذكرنا، أن المنع الذي جرى في سبتمبر 1983 لم يغير شيئا. فالخمور البلدية ازدهرت صناعتها، وأصبحت منتشرة في مكان. وأصبحت لها شبكات اتجار سرية، بالغة الضخامة. وهي بالإضافة إلى أن تصنيعها لا تحكمه معايير علمية تحدد نسبة الكحول، فقد دخلت في صناعتها المواد الكيميائية الضارة. من يهللون للمنع يتجاهلون المضار الصحية للخمور البلدية، ويتعامون عن عالمها السري، بالغ الضخامة. بعضنا يرضون بغش أنفسهم أن الخمر ممنوعة. يهتمون بمنعها مظهريًا، ويتجاهلون حقيقة أن تعاطيها قائمٌ بل ومتفاقم، وأن أضرارها أصبحت أفدح من أي وقت مضى.

    لقد حرم الإسلام السكر وأوقع عليه العقوبة، كما جاء فيما أوردناه عن الخليفة عمر، رضي الله عنه، وعن ذلك الشخص الذي سكر واحتج بأنه شرب من نفس القِرْبة التي يشرب منها عمر. فرد عليه عمر: "إنما أضربك على السكر". تجريم السكر وإنفاذ العقوبة عليه، هو الذي يجعل المسلم وغير المسلم سواء أمام القانون. يضاف إلى ذلك أن السماح لغير المسلمين باستيراد الكحول وصناعتها يخلق إشكالات عملية كثيرة. فلنفرض، مثلاً، أن شخصًا غير مسلم يصنع الكحول في منزله، أو أنه يستوردها، لكنه تعدى حدود السماح له، وشرع في بيعها لغير المسلمين، فهل يملك القانون طريقةً عمليةً فعالةً للسيطرة على ذلك؟ وإذا جرى القبض على مسلمٍ يتناول الكحول، لكنه لكي يتجنب العقوبة ادعى أنه غير مسلم، فماذا سيصنع القانون معه؟ خاصةً أن قانون الردة قد أُلغي. وأنا هنا لا أتباكى على إلغاء قانون الردة، فإلغاؤه إجراءٌ صحيح؛ دينًا وعقلاً، مأ أريد أن أقوله هو أن القضاء سيجد نفسه عاجزًا عن فعل أي شيء لشخصٍ كهذا. ولا ينبغي أن نستبعد ظهور أشخاص من هذا النوع، فهم موجودون الآن، ويتزايدون. وجود قانونين للمواطنين يحوِّل التقاضي إلى مهزلة ويجعل من القانون أضحوكة.

    الدولة الراشدة هي التي تطلب من جميع مواطنيها، بغض النظر عن دينهم، أو ثقافتهم مستوى محددًا من السلوك المنضبط في المجال العام. بعبارة أخرى، ينبغي أن يكون السكر جريمةً بالنسبة للمسيحي والوثني واللاديني والمسلم، سواءً بسواء. فتطبيق القانون وتثبيت فعاليته هي جزء من القانون، وهو ما يسمى law enforcement. فالقانون الذي يتعذر تطبيقه عمليًا ليس سوى حبر على ورق. وما دامت سلطات القانون لا تستطيع شرعًا دخول بيوت الناس، فإن منع الشرب يصبح بلا معنى. حين يكون القانون موحدًا تستطيع الدولة أن تبني منظومة قيم موحدة، تشمل جميع مواطنيها بلا استثناء. فالدولة لا دخل لها فيما بين الفرد وربه، ولا ينبغي، إطلاقًا أن نخلط ما بين الفرد وربه وما بين الفرد والمجتمع. أعتقد أننا بسبب حرصنا على التدين المظهري الكاذب، ندخل أنفسنا وديننا في جحرٍ ضيق. نحن بحاجة إلى أن نفهم الإسلام على نحو أفضل، وأن نشرِّع لعصرنا بعقلانية، وأن نوائم بين مقاصد الدين وواقع حياتنا، وأن نسترشد بالمفيد من تجارب الشعوب.
    (غدًا المقال الأخير من هذه السلسلة)
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

07-27-2020, 09:21 AM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 718

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    الخمور بين القانون والأخلاق (11)

    النور حمد

    صحيفة التيار 27 يوليو 2020

    هذه هي خاتمة هذه السلسلة وأود أن أعرض فيها خلاصاتٍ لمجمل المفاهيم الأساسية التي هدفت إلى تبيانها. أولها هناك ضرورة لتجديد الخطاب الديني، إذ لا فرصة للمجتمعات الإسلامية لكي تتطور بدونه. فهي مجتمعات جمَّدها الفقه المدرسي وأمات حيويتها وقدرتها على صنع حياة مزدهرة، آمنة، مستقرة. لقد ظن طلائع مثقفي ما بعد الحقبة الاستعمارية أن الدين مجرد خرافة تعيش أيامها الأخيرة، وسوف تنقرض تلقائيًا بفعل الزمن، وهم ليسوا بحاجة لأن يبذلوا جهدًا في إماتتها. لكن، وضح من التجربة العملية أن هذا غير صحيح، فعدد من كبار المفكرين يرون أن التاريخ دورات متعاقبة، يتبادل فيها الدين واللادين إدارة الحياة في دوراتٍ متعاقبة.

    بسبب فتونهم بالنموذج الغربي، أخلى المثقفون المسلمون الساحة لرجال الفقه المدرسي الذين ساعدوا كل ديكتاتور في كبت حرية الفكر، وتحويل الناس إلى قطيع مطيع، لينام الديكتاتور مطمئنًا على كرسيه، وينالوا هم رضاءه وأعطياته. فالدعوة لتطبيق قوانين الشريعة ليست دعوة لبعث روح الدين في المجتمع، وإنما هي مجرد حيلة لتكريس الاستبداد والاسترزاق من وراء ذلك. ولقد رأينا عمليًا نتيجة ما قام به كل من جعفر نميري والدكتور حسن الترابي، اللذيْن أضاعا علينا ستة وأربعين عامًا، لم نر فيها سوى تشويه الدين ووأد الثقافة والتراجع الاقتصادي والاجتماعي والعمراني والعزلة الدولية.

    الأخلاق لا تتحقق بالقانون وإنما بالتربية فالدين إنما جاء أصلاً لإيقاظ الضمائر وجعل الواعز الأخلاقي نابعًا من الداخل، وليس مفروضًا من الخارج. لكن لا يعني هذا أن القانون لا دور له. فللقانون دور كبير، لكن، بشرط أن يكون قانونًا دستوريا. فالأصل هو: "فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر". و "من شاء" هنا تعني مطلق بشر، وليس غير المسلم. ولذلك، لا مسوغ إطلاقًا لمنع الناس من شرب الخمر بالقانون، فهو عمل غير دستوري. الذي ينبغي أن يمنع منعًا باتًا وتجري العقوبة عليه، هو السكر في المجال العام. فالمرء حرٌّ في نفسه ومسؤول مسؤولية فردية أمام ربه، في كل ما يأتي وما يدع. لكنه ليس حرًا في التعدي على المجال العام وتعكير صفوه، ووضع الآخرين في موضع الخطر، أيًا كان نوعه.

    قوانين سبتمبر ليست قوانين إسلامية، بل هي قوانين استبدادية قُصد منها تكريس حكم الفرد وقهر الناس وتجميد وعيهم. وما كان ينبغي أن يكون هناك تردُّدٌ في شطبها، جملةً واحدة. لذلك، فإن ما جرى مؤخرًا من سماحٍ للمسيحيين بتناول الخمور، ومنعٍ للمسلمين من تناولها وتجريمهم عليه، عملٌ خاطئٌ لا تسنده فلسفة القانون ولا فلسفة الدستور ولا قواعد الحقوق الأساسية. لا يصح أن يكون في الدولة الواحدة قانونان للجنايات مبنيان على اختلاف العقيدة. لقد منح استثناء غير المسلمين من قانون الخمر قوانين سبتمبر الشوهاء عمرًا جديدا. ولسوف يخلق بلبلةً وربكةً عمليةً في التطبيق، كما سيخلق سوقًا سرية للخمور ويفاقم من الجريمة المنظمة المرتبطة بها.

    لن تنهض أي بلاد تعزل نفسها عن العالم وتخلق عوائقًا أمام التقارب القانوني الكوكبي بالإصرار على مصادرة الحرية الشخصية، التي لا تغوُّل فيها على حريات الآخرين. لماذا لا ننظر إلى تجارب الدول الإسلامية مثال: إندونيسيا، وتركيا، ومصر والمغرب وغيرها، ونبتعد عن التشدد المجافي لروح الدين، وعن الانشغال بالتدين المظهري؟ لماذا يعتقد هؤلاء الذين أدخلونا في هذا الجحر الخَرِب، أنهم خلفاء الله على أرضه؟
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

07-28-2020, 08:49 AM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 718

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    إمبراطوريات الورق وسياستنا الخارجية
    (1 من 2)

    النور حمد

    صحيفة التيار 28 يوليو 2020

    تنشط في منطقة الشرق الأوسط والقرن الأفريقي حاليًا ثلاثة نماذج لأنشطة إمبراطورية توسعية. النموذج الأول هو النموذج الإيراني. والثاني هو النموذج السعودي الإماراتي، الذي تتحكم في أغلبه الأجندة الإماراتية. أما النموذج الثالث فيمثله التحالف التركي القطري الداعم لحركات الإسلام السياسي في المنطقة. تقف هذه القوى الثلاث وراء كل الحرائق والاضطرابات الجارية الآن في منطقة الشرق الأوسط. أصبحت إيران عقب الغزو الأمريكي، فاعلةً بقوة في العراق وامتد نشاطها فشمل سوريا، وصولاً إلى لبنان حيث يتحكم حزب الله. كما دخلت، أيضًا، منطقة جنوب البحر الأحمر، مستقطبةً الحوثيين، الذين خلقت منهم قوة رئيسية أضحت شوكةً في خاصرة المملكة العربية السعودية. وتسيطر على العناوين العريضة للأنباء، هذه الأيام، حرب الوكالة الدائرة في ليبيا بين المحور الإماراتي السعودي المصري، الداعم لقوات خليفة حفتر في شرق ليبيا، والمحور التركي القطري الداعم لحكومة السراج في غرب ليبيا. وتنخرط كل من روسيا وفرنسا فيما يجري هناك. ولا يقف الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة بمبعدة من هذا الصراع.

    ظهرت هذه النزعة الإمبراطورية في منطقتنا بعد نصف قرن ويزيد من أفول شمس الإمبراطوريات الكبرى. وقد وقفت وراء هذه الأحلام الإمبراطورية ثلاث نزعات: نزعةٌ أيديولوجيةٌ شيعيةٌ، تدفع بإيران إلى تمديد نفوذها، ونزعةٌ سنيةٌ، إخوانيةٌ، تدفع كلاً من تركيا وقطر في لتمديد النفوذ في المنطقة. ثم نزعة ثالثة، تسببت فيها التخمة المالية في دول النفط، تلازمت مع ضمورٍ في الخيال السياسي النهضوي التنموي، وعجزٍ عن استخدام القوة الناعمة، فكان الاعتماد في تمديد النفوذ على القوة الخشنة. ويبدو أن الاعتقاد في أن المال يمكن أن يفعل كل شيء هو ما يقف وراء الفعل السياسي الإماراتي والسعودي والقطري، على مستوي الإقليم. اتجهت الإمارات إلى صناعة جيش من المرتزقة، وظفته لنشر نفوذها في الإقليم وهي تبحث عن الأرض والموانئ فيما حول البحر الأحمر وخليج عدن. وجرَّت الإمارات معها المملكة العربية السعودية، التي انخرطت معها، لكن بحماس أقل. وتفعل كلٌّ من تركيا وقطر نفس الشيء في ليبيا وفي الشام. وقد امتد هذا النشاط إلى الصومال، وسقطرى، إضافةً إلى محاولات، كلا الحلفين من خلف الستار، للتحكم في المشهد السياسي السوداني عقب الثورة. ولو أن الإمارات والسعودية وقطر استخدمت المال والنفوذ السياسي في أقنية القوة الناعمة، لكسبت كثيرًا، ولحدثت في المنطقة نهضةٌ علمية واقتصاديةٌ واجتماعيةٌ شاملة. لكن اختارت هذه الدول الغنية درب القوة الخشنة، التي سوف تفشل في تحقيق أهدافها، بعد أن يحل بالمنطقة مزيدٌ من الدمار والتراجع.

    تواجه الولايات المتحدة التي تمثل الإمبراطورية الأكبر في العالم اليوم، صعوباتٍ جمة في رسم الخرائط الجيوسياسية عن طريق القوة الخشنة، فأصبحت توكل هذا الدور إلى من تشعر أن لديهم أحلامًا إمبراطورية، خاصة في منطقة الشرق الأوسط. ولسوف لن تفلح هذه الأحلام الإمبراطورية، إلا في تحقيق خطة الشرق الأوسط الكبير، في التشظية، التي تحدثت عنها كوندوليزا رايس قبل أكثر من عقد من الزمان. وسيذهب المال إلى الجيب الغربي والشرقي الذي يصنع السلاح. ستتفكك دول المنطقة وتتراجع جميع أحوالها، وسيكون الرابح والضاحك الأخير، هو الصهيونية العالمية والهيمنة الغربية. والعلة، كل العلة، في هذا العقل العربي، الذي يأبى أن يشب عن الطوق. لكن، لدينا نحن في السودان، الآن، فرصة ذهبية للانفلات من هذا المدار المدمر.
    (يتواصل)
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

07-29-2020, 07:54 AM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 718

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    إمبراطوريات الورق وسياستنا الخارجية

    (2 من 2)

    النور حمد

    صحيفة التيار 29 يوليو 2020

    بسبب من التعليم المصري، الإلحاقي، الاستتباعي، الذي جرى تعليم السودانيين وفقه منذ عهد محمد علي باشا واسماعيل باشا، مرورً بالملك فؤاد والملك فاروق، استبطنت طلائع المتعلمين السودانيين مقاصد الخطة المصرية المحكمة لإلحاق السودان بمصر، وتحويله الى هامش ثانوي ملحق بها وبعموم المشرق العربي. مناهج اللغة العربية والتربية الإسلامية والتاريخ الإسلامي التي جرى تدريسها للسودانيين لم تكن لتخرج سوى متعلِّمٍ مُمَصْرنِ الوعي. تحت تأثير الاحتلال العقلي والوجداني أصبح طلائع المتعلمين السودانيين يعون المصالح الوطنية المصرية، ويعملون لخدمتها، بأكثر مما يعون ويخدمون المصالح الوطنية للسودان. وعلى سبيل المثال، ضحت حكومة عبود بالأرض وبآثارنا التاريخية وبملايين من أشجار النخيل، ورضيت أن يجري إغراق ثغرها الشمالي (مدينة وادي حلفا) ومعها عشرات القرى، خدمة لنهضة مصر. أجبرت حكومتنا أهالي حلفا على الهجرة إلى وسط السودان لتخزن مصر مياهها في أراضينا. وعمومًا، قاد الانسحاق أمام المصريين والانجرار وراء سياساتهم وخياراتهم إلى أن ينخرط السودان في كل حروب الشرق الأوسط، التي لا ناقة له فيها ولا جمل. ومؤخرًا، بلغ بنا انمحاق الكرامة الوطنية، حدَّ إرسال مرتزقة ليحاربوا في اليمن خدمة لأجندة غيرنا.

    في الأسبوعين الماضيين قدمت لنا إثيوبيا درسًا بليغًا في العزة والكرامة الوطنية. فرغم تعثر مفاوضات سد النهضة وتصاعد الأزمة، واصلت إثيوبيا تنفيذ ما تريد وفقا لجدولها المرسوم. آمنت إثيوبيا بحقها في استغلال مياه النيل الأزرق لإنتاج الكهرباء، ومضت في هذا السبيل، ولم تغير في خطتها، شيئا. والآن، لم تعد المفاوضات بالنسبة لها سوى تقديم بعض التطمينات في بعض الأمورٍ الفنية التشغيلية، التي تحفظ ماء وجه مصر، ولا تمس شيئًا من خطتها الأصلية. أما نحن، الذين احتلت منا مصر إقليم حلايب، واحتلت منا إثيوبيا منطقة الفشقة، فإننا لم نستخدم، في كلتا الحالتين، أيًا من هاتين الورقتين للضغط على مصر أو على إثيوبيا. ويبدو أن سكوت حكوماتنا عن ضم حلايب قد جعل ضم إثيوبيا لمنطقة الفشقة في وعينا أمرًا عاديا.

    لم يطمع أي محور عربي، أو غير عربي، في إخضاع إثيوبيا أو جعلها تحيد عن أجندتها الوطنية؛ لا بالترغيب ولا بالترهيب. ومع ذلك بقي العرب، وغير العرب، يخطبون ود إثيوبيا. ويستثمرون فيها بنفس القدر الذي يستثمرون به في بلادنا، بل وأكثر. مع فارق كبير في شروط الاستثمار التي تحرص الحكومات الإثيوبية على أن تكون خادمة لمصلحة بلادها. فنحن نحط من قدر أنفسنا وقدر بلادنا، بصورة جعلت المحاور العربية لا تتوقف عن حشر أنفها في شؤوننا. والآن، فقد وضعت ثورة ديسمبر المجيدة السودان في موقع جديد. وقد حدث شيء من التحسن في سياستنا الخارجية، لكنه لا يزال دون المطلوب بكثير.

    خلاصة القول: لكي تنهض بلادنا، لا مناص لنا من تحرير عقولنا من تأثيرات الاستتباع، ومن وضع أجندتنا الوطنية في موقع الأولوية التي لا تعلو عليها أولوية أخرى. نحن بلدٌ غني ماديًا وروحيًا وبشريا ويميزنا نزوعٌ قويٌّ نحو الديموقراطية. هذه ميزات تدفع الأنظمة الشمولية إلى محاولة تكبيلنا وتعويق نهوضنا. باختصار نحن بحاجة إلى وعي هويَّوي جديد، ومنظور جيواستراتيجي وجيوسياسي جديد أيضا. لقد جعلنا الإلحاق والاستتباع نتراجع عن دورنا المحوري في منطقة القرن الإفريقي، وهو دور كنا الأكثر تأهيلاً له. أخليناه، فاحتلته إثيوبيا. غير أن استرجاعه ممكن، إذا حررنا عقولنا من الاحتلال ووعينا إلى إي مدى نحن مستتبعين.
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

07-30-2020, 08:45 AM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 718

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    السيولة الأمنية والإعلامية

    النور حمد

    صحيفة التيار 30 يوليو 2020

    نشرتُ قبل اسبوعين تقريبًا عمودًا عن السيولة الأمنية التي تعيشها البلاد. وكان ذلك بسبب اعتصام نيرتتي واحتجاجهم بسبب فقدانهم الأمن الشخصي. ولم تمض أسبوعان حتى فُجعت البلاد بمذبحة بلدة مستري البشعة، التي راح ضحيتها أكثر من ستين قتيلاً وخمسين جريحا. جاء في الأنباء أن المذبحة استمرت لتسع ساعات كاملة. وإذا علمنا أن بلدة مستري لا تبعد أكثر من 40 كيلو متر جنوبي مدينة الجنينية، فإن عددًا من الأسئلة يطرح نفسه بصورة تلقائية. بل إن طابع الأسئلة التي تنشأ سيكون الاستغراب الممزوج بالاستنكار. من هذه الأسئلة، على سبيل المثال: كيف تستمر مذبحةٌ لتسع ساعات في بلدة لا تبعد من مدينة الجنينة 40 كيلومترا، ثم لا تصل إليها نجدة طيلة هذه الساعات التسع؟ فالسيارة تقطع مسافة الـ 40 كيلومتر في نصف ساعة، في حالة الطريق المعبد، وفي ساعة، أو يزيد قليلاً، في حالة الطريق غير المعبد. فكيف يموت أكثر من ستين شخصًا ويُجرح أكثر من خمسين على مدى تسع ساعات ثم لا يكون هناك وجود للسلطات والقوات النظامية، ولو في وقتٍ متأخر؟ أتوقع مع انتشار الهواتف النقالة أن يكون واحدًا أو أكثر من واحد من سكان هذه البلدة المكلومة قد أخبر السلطات في الجنينة. يريد الرأي العام أن يعرف ما جرى بالضبط، ولا أحد يقول ما الذي جرى بالضبط.

    في مثل هذه الأحوال ينبغي أن يخرج رئيس الوزراء ووزير الداخلية على الناس ويملكوا الشعب الحقائق المتوفرة، أولاً بأول. كما ينبغي أن يضطلع الإعلام بدوره في محاصرة المسؤولين المحليين والمركزيين واستنطاقهم عما جري، أو ما لا زال يجري. لكنَّ شيئا من هذا لم يحدث. لقد اطلعنا على الأنباء، أول ما اطلعنا عليها، من بيان أطباء غرب دارفور الذي نشروه على فيسبوك، وليس من أي جهة حكومية. فقد أوردوا القصة ومعها قائمة كاملة بأسماء القتلى والجرحى. أما تلفزيون السودان فقد أورد الخبر متأخرًا جدًا وأذاعه وكأن المذبحة قد جرت في بلد آخر. لم يجر التلفزيون مع الخبر أي اتصالات بالميدان. كان من واجب التلفزيون القومي أن يتصل بالمسؤولين في الجنينة، وبوجوه القوم من بلدة مستري، وبمسؤولي الحكومة المركزية ليحدثوا الناس عن حقيقة ما جرى، وما هي أسبابه؟ أيضًا من الأسئلة التي تطرح نفسها، لماذا لم تتوقع الأجهزة الأمنية ما جرى؟ أليس من واجب الأجهزة الأمنية جمع المعلومات لتقديم إنذار مبكر عن الخطر الأمني؟ وإذا كانت لا تفعل ذلك فما هي فائدتها؟

    لا نتوقع أن يُشفى الإعلام من أمراض أعوام الإنقاذ الثلاثين الكالحة، في عام واحد. لكن يبقى من الضروري التنبيه الى تغيير المفهوم الذي يجعل من الإعلام خادمًا للحكومة. في النظام الشمولي تستدعي الحكومة الإعلام لتعطيه نسختها للأحداث، وتأمره بإذاعتها في الناس. هذا في حين أن دور الإعلام الحقيقي هو أن يكون مبادرًا وخادمًا للحقيقة، لا للحكومة. وبخدمة ةالحقيقة يخدم الإعلام الشعب. فلنجعل من حادثة مستري منعطفًا لفعل حكومي ديموقراطي مسؤول. وعلامة ذلك أن تخرج السلطات على الناس مع بداية كل حدث لتكشف للناس ما جرى أو ما يجري. وأيضًا، لابد من نهج إعلامي مهني جديد، تحرر القائمون عليه من العبودية للحكومة، ومن عادة تَسَقُّط ماذا تريد الحكومة أن تقول ليجري ترديده والاكتفاء به.
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

07-31-2020, 00:45 AM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 718

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    السياحة المورد المُهْمَل (1)

    النور حمد

    صحيفة التيار 31 يوليو 2020

    من علامات الجهل بقدر السياحة الاقتصادي والتنموي والثقافي والدبلوماسي، جعلها جزءًا من وزارة، تضم أقسامًا أخرى غيرها، تجد عناية أكبر منها. لقد ظلت الحكومات الوطنية المتعاقبة، منذ الاستقلال، وإلى اليوم، قليلة الاهتمام بالسياحة. رغم أن السياحة موردٌ اقتصاديٌّ لا يقل قيمة عن أي موردٍ اقتصادي آخرٍ، ظلت البلاد تعول على إيراداته بصورة رئيسة. وجميعنا يعلم ما تدره السياحة على مصر في الظروف الطبيعية، كل عام. تتفوق السياحة على بقية الموارد بميزة أن الاستثمار فيها قليل الكلفة، وعوائده بالغة الضخامة. ويتميز السودان بالكثير من عوامل الجذب السياحي وعلى رأسها آثار حضارة مروي حوالي شندي، وآثار حضارة نبتة، في منطقة البركل، وآثار حضارة كرمة في منطقة الدفوفة شمالي دنقلا وفي غير هذه المواقع، مما له صلة بالتاريخ الكوشي القديم. يضاف إلى ذلك المتاحف الموجودة في تلك المواقع الأثرية وفي متحف السودان القومي في الخرطوم.

    غطت على هذا التاريخ السوداني العظيم عدة عوامل. من أهمها: إلحاق علماء المصريات الغربيين حضارة كوش بالحضارة المصرية، وعدِّها امتدادًا ثانويًا لها. وهذا أمرٌ جرت مراجعته مؤخرًا، وثبت أن حضارة السودان مستقلةٌ عن الحضارة المصرية، بل وسابقةٌ لها. أما العامل الثاني فهو تبني المصريين لوجهة النظر الغربية الخاطئة هذه، فهي تفيد خطتهم في استتباع السودان وإلحاقه بالقطر المصري. وتجعل، من ثم، الآثار المصرية هي الأصل ومصر هي نقطة الجذب السياحي الأساس، الأمر الذي يُبقى التاريخ الكوشي السوداني في الظل، بحيث لا يمثل أكثر من فرعٍ ثانويٍّ قليل الأهمية. والعامل الثالث الذي عوَّق صناعة السياحة في بلدنا، هو جهلنا بتاريخنا، وانصرافنا عنه إلى التاريخ العربي الإسلامي، وعدَّه التاريخ الوحيد للشعوب السودانية. هذا، في حين أن التاريخ الإسلامي السوداني لا يمثل سوى رافدٍ واحدٍ من عدة روافد، ولا يتعدى عمقه الزمني الخمسة قرون.

    رغم أهمية التاريخ الكوشي وغناه وكثرة آثاره المنتشرة في السودان، فإنه لا يمثل سوى عاملٍ واحدٍ من عوامل الجذب السياحي. فالسودان قطرٌ بحجم قارة، حتى بعد أن فقد الجنوب. يتمتع السودان بتنوع مناخيٍّ وطبوغرافي وثقافي يجعل السياحة عديدة الصور. وعلى سبيل المثال، للسودان ساحلٌ على البحر الأحمر يصل طوله إلى 750 كيلومترًا، وتعد مياهه من أصفى المياه وأجملها لونًا، وهو من أنسب الأمكنة لممارسة هواية الغطس. أيضًا يمتاز هذا الساحل بحياة بحرية مدهشة. وللسودان، إلى جانب ذلك، صحراء شاسعة يمكن أن تكون مصدرًا لجذب السياحة الصحراوية التي لها هواة في كل بقاع العالم وكذلك لمنافسات راليات السيارات الصحراوية. أيضًا يتمتع السودان بفصل شتاء جاف مشمس هادئ الرياح، يصلح لرياضة المناطيد الحرارية. وهناك أيضًا محمية الدندر بغاباتها وحياتها البرية وجبل مرة وجبال النوبة. وكل هذه المناطق ذات طبيعة ساحرة ولقبائلها تراث غني بالطقوس وفنون الرقص والمصارعة والأعمال اليدوية. وعمومًا يمكن أن يكون موسم الخريف في عديد بقاع السودان نقطة جذب سياحية كبيرة. وليتنا درسنا تجربة مهرجان الخريف في صلالة في سلطنة عمان الذي أصبح جاذبًا لكل موطني دول الخليج وأسرهم. ما نحتاجه هو بنية تحتية جيدة، وقدرات ترويجية فعالة، ومكافحة الانغلاق والتشدد الديني، ونشر الوعي السياحي والمسلك المتمدين وسط الجمهور. (يتواصل)
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

08-01-2020, 05:45 AM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 718

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    السياحة المورد المهمل (2)

    النور حمد

    صحيفة التيار 1 أغسطس 2020

    لكي نتصور ازدهار السياحة في الاقتصادات المتقدمة والمتوسطة التقدم، ربما احتجنا أن نلقي نظرة على بعض الأرقام. ودعونا نأخذ بعض الأمثلة القليلة من الدول الصناعية، حيث تتربع فرنسا على عرش السياحة في العالم بعدد سياح سنوي يبلغ 91 مليون سائح تقريبا، بعائد سنوي يبلغ 54 بليون دولار تقريبا. تليها الولايات المتحدة بعدد 76 مليون بعائد يبلغ 206 بليون. ثم إسبانيا بعدد 75 مليون سائح، بعائد 60 بليون دولار. ثم الصين بعدد 59 مليون سائح بعائد يبلغ 44 بليون دولار. ولا يتفاوت العائد بين دولة وأخرى بناءً على كثرة عدد السياح وإنما بمقدار ما يصرفه الفرد الزائر. ففرنسا يزورها91 مليون سائح، بعوائد سنوية تبلغ 54 بليون دولار، في حين يزور الولايات المتحدة 76 مليون سائح، ولكن بعائد يبلغ 206 بليون دولار.

    ولنأخذ أمثلة أخرى من الدول ذات الاقتصادات المتوسطة. فتركيا يبلغ عدد زوراها السنويين، 30 مليونا، بعائد سنوي يبلغ 18 بليون دولار. أما تايلاند، فيبلغ عدد زوراها 32 مليونا بعائد يقدر بـ 48 بليون دولار. ويبلغ عدد زوار ماليزيا 26 مليونا بعائد يقدر بـ 18 بليون دولار. وتأتي دول الشرق الأوسط وإفريقيا في أسفل قائمة القارات التي يزورها السياح. والدولة الأكثر استقبالاً للسياح في المنطقة العربية وتعد استثناء هي الإمارات العربية المتحدة، بعدد سياح يبلغ 14 مليون، بعائد سنوي يصل إلى 19 بليون دولار. ثم المغرب بعدد 10 مليون سائح بعائد سنوي يبلغ 6 بليون دولار. وتونس 5 مليون سائح بعائد سنوي يبلغ 1 بليون دولار. ومصر 5 مليون سائح بعائد سنوي يبلغ 2 بليون دولار. أما السودان فيأتي في المرتبة 130 عالميا من حيث عدد السياح، إذ يبلغ عدد من يزورونه 800 ألف سائح، بعائد بليون دولار. (راجع موقع: worldpopulationreview.com).

    يعد مورد السياحة في السودان، من حيث الإمكانات موردٌ ثرٌّ، لكنه مهمل. فبعض الأقطار التي تجني عشرات البلايين من الدولارات سنويًا من مورد السياحة، أقل في المقومات السياحية الطبيعية والتاريخية، والتنوع البيئي والثقافي، من السودان، لكنها تتفوق على السودان في البنية التحتية للسياحة، وفي سهولة الاجراءات وفي القدرة على الترويج للسياحة وفي الاندماج في المجتمع الدولي. وكذلك، في قبول السياح على ما هم عليه، دون أي مضايقات تضطرهم إلى تغيير أسلوب حياتهم الذي اعتادوه. كان من الممكن للسودان أن يتفوق على كل من الإمارات والمغرب وتونس ومصر، في الجذب السياحي، لولا الأخطاء السياسية الفادحة.

    من هذه الأخطاء السياسية الفادحة صدور قوانين سبتمبر عام 1983 في عهد الرئيس الراحل، المخلوع، جعفر نميري. كانت تلك هي اللحظة التي فقد فيها السودان الزوار الأجانب الذين كانوا يقصدونه للسياحة. أما الضربة التي قصمت ظهر مورد السياحة، غير المُطَّور أصلاً، فقد كانت من حكومة الانقاذ، التي أدخلت البلاد في قائمة الدول الراعية للإرهاب. وجعلت من البلاد مزارًا ومقامًا للجماعات الدينية المتطرفة من سائر أنحاء العالم الإسلامي. تسببت العزلة والحروب الأهلية التي انتشرت في سائر أطراف البلاد في جعل السودان دولة مضطربة غير آمنة. كما أن المسؤولين الإنقاذيين المتشرِّبين تزمت الفكر الإخواني التقليدي، أظهروا عداءً للغرب وللغربيين، بل وللحداثة برمتها، فخرج السودان، أو كاد، من دائرة الجذب السياحي. (يتواصل)
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

08-02-2020, 03:17 AM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 718

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    السياحة المورد المهمل (3)

    النور حمد

    صحيفة التيار 2 أغسطس 2020

    تخدم البنية التحية المتطورة للدولة السياحة بصورة تلقائية. لكن ربما تضطر الدولة في بعض الأوضاع أن ترفد ما هو قائمٌ من بنية تحتية، بالقيام ببعض الإضافات التي يحتاجها قطاع السياحة على وجه الخصوص، مثال: إيصال الطرق المعبدة إلى المواقع السياحية المهمة. وعمومًا فإن البنية التحتية المتعلقة بالمواصلات داخل السودان لا تزال متخلفة جدا. وقد لا يدانيها في التخلف سوى بنيات أقطار قليلة في إفريقيا جنوب الصحراء. وبما أن السودان بلدٌ شاسعٌ فإن تخلف بنياته التحتية في جانب المواصلات، يصبح أكثر فداحة. لم تستثمر حكوماتنا الوطنية المتعاقبة في قطاع الطرق السريعة استثمارًا يذكر. فبلادنا إلى الآن، خلو من طريق مزدوج واحد. بل، إن أكبر مدينتين رئيسيتين متقاربتين فيه، كالخرطوم ومدني، لا يربط بينهما طريق مزدوج، رغم كثافة حركة التنقل بينهما. فالطرق التي جرى تشييدها سيئة التنفيذ، غير معتنى بها من حيث الصيانة، وما أكثر ما تجرفها الأمطار في فصل الخريف. وما أكثر ما تنهار الجسور على هذه الطرق بفعل السيول. ولعلها تكون من أخطر الطرق على وجه البسيطة.

    لقد لعب الفساد دورًا رئيسيا في رداءة الطرق. فما يكتب من مواصفاتٍ على الورق شيء، وما يجري تنفيذه على أرض الواقع شيءٌ آخر تماما. ولا نحتاج لذكر ما آلت إليه الخطوط الجوية السودانية في بلد هو من أكثر البلدان حاجةً لشبكة طيران داخلي واسعة، كثيفة الحركة. يضاف إلى ذلك أن الناقل الوطني (سودانير)، الذي تعد نظيراته لدى كثير من الدول أحد أهم وسائل الترويج السياحي، قد أوشك أن يصبح عندنا أثرًا بعد عين. الشاهد أن هناك ارتباطًا عضويًا بين تقدم البنية التحتية للمواصلات في الدولة التي تخدم التنمية الاقتصادية العامة، وبين اتساع فرص الاستثمار في مجال السياحة. فالأخيرة تتسع وتزدهر بناءً على اتساع الأولى، والعكس بالعكس؛ فتخلف الطرق ووسائل المواصلات ينعكس سلبًا على فرص الإفادة من مورد السياحة.

    يأتي في المرتبة الثانية في البنية التحتية المتعلقة بالسياحة انتشار الفنادق والموتيلات والشقق الفندقية، والاستراحات بصورة متوازنة، وبجودة في تقديم الخدمة في جميع أرجاء القطر، خاصة في مناطق الجذب السياحي. وقد انتشر في العالم، مؤخرًا، نتيجة للقفزة التكنولوجية الهائلة إيجار البيوت الخاصة، أو جزء من البيت الخاص، عن بعد، باستخدام تطبيقات مختصة في هذا المجال، مثال: Airbnb. وهو تطبيق معلوماتي جديد ينبغي رفع وعي المواطنين به. فهو يوسع من جانب البنية الفندقية في القطر، بالجهد الشعبي. ومن جانب آخر فهو وسيلة جيدة لرفع دخول الأسر. وعلى خلاف الفنادق، فإن ضبط الجودة في خدماته تتولاه الجهة صاحبة التطبيق عن طريق إفادات المستأجرين. فهو تطبيق شبيه جدًا بتطبيقات التاكسي مثال: Uber وLift، وترحال وغيرها، ولكن في مجال إيجاد سكن مؤقت.

    لقد أضر نظام الإنقاذ بالاقتصاد ضررًا بليغًا، بحكم تسببه في العزلة الدولية للسودان نتيجة لسياساته الخارجية الرعناء. وقد انعكست هذه العزلة سلبًا، وبصورة تلقائية، على فرص السياحة في البلاد. ويمثل تعذر دخول السودان مجال استخدام بطاقات الائتمان للدفع المؤجل، بسبب المقاطعة الأمريكية، واحدةً من الكوارث التي تسببت فيها الإنقاذ. فالناس في جميع أنحاء العالم أصبحوا لا يحملون معهم من النقود، إلا القليل جدًا، ويعتمدون، في الدفع، بصورة رئيسية، على هذه البطاقات الإلكترونية، التي أصبحت مقبولة في جميع أنحاء العالم. لذلك إن إعادة السودان إلى حضن الأسرة الدولية تترتب عليها أمور جوهرية شتى، لن تنهض البلاد اقتصاديا بدونها. (يتواصل).
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

08-04-2020, 02:28 AM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 718

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    up
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

08-04-2020, 04:45 AM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 718

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    السياحة المورد المهمل (4)

    النور حمد

    صحيفة التيار 4 أغسطس 2020

    لتبيين التأثير الإيجابي لنمو البنية التحتية الاقتصادية للدولة على البنية التحتية للسياحة يمكن أن نضرب مثلاً بالجارة إثيوبيا، التي تخطت دول منطقة شرق إفريقيا في العقدين الأخيرين في السعة الفندقية. فقد أورد موقع hospitalitynet.org أن عدد غرف الفنادق في إثيوبيا بلغ 5717 غرفة، متخطية بذلك كينيا التي يبلغ عدد غرف الفنادق فيها 3444، وتنزانيا التي بلغ عدد غرف الفنادق فيها 1494 ويوغندا التي يبلغ عدد غرف الفنادق فيها 1238، ورواندا التي يبلغ عدد غرف الفنادق فيها 655 غرفة. أيضًا يُعد متوسط سعر الغرفة لليلة الواحدة في إثيوبيا، الأعلى في إفريقيا كلها. ويُعزى زيادة التدفق السياحي على إثيوبيا إلى تسهيل إجراءات الفيزا مقرونةً بتحول إثيوبيا إلى أكبر مركز إقليمي للسفر بالطائرات. فقد أضحت أديس أبابا أكبر مدينة إفريقية في أعداد المسافرين. ففي عام 2018 ازداد معدل السفر من مطار أديس أبابا بنسبة 48.6% لتبلغ عوائده الإجمالية 7.4 بليون دولار.

    يعد السفر والسياحة أحد أهم مفاتيح دافعية النمو في اقتصاد القارة الإفريقية. ويقدر إسهامهما بـ 8.5%، وهو ما يعادل 194.2 بليون دولار من الناتج الإجمالي للدول الإفريقية. ويضع معدل النمو هذا إفريقيا في مرتبة أسرع القارات نموًا في قطاعي السفر والسياحة، إذ تأتي في المرتبة الثانية بعد آسيا الباسفيكية. فقد ازداد عدد السياح الواصلين إلى الأقطار الإفريقية في الأعوام الأخيرة، بصورةٍ ملحوظة. فبلغ في عام 2018 ما يقدر بـ 67 مليون سائح، مقارنة بـ 63 مليون سائح في عام 2017، و58 مليون سائح في عام 2016. وتأتي كل من جنوب إفريقيا والمغرب في المرتبتين الأولى والثانية في عدد السياح سنويًا، بـعدد 11 مليون سائح لجنوب إفريقيا و10 مليون سائح للمغرب. وقد أدى النمو في قطاع السياحة بصورة غير مباشرة إلى توظيف 24.3 مليون شخص في القارة. وأعتقد أن نصيبنا من هذا السوق ذي النمو المتسارع، ضئيلٌ جدا مقارنا بأغلبية الأقطار الإفريقية. فنحن لم نلتفت الى هذا المورد الكبير في حين التفتت اليه غالبية أقطار أفريقيا بصورة جدية.

    صناعة الضيافة أو الفندقة صناعةٌ عالمية تسيطر عليها شركات دولية كبرى، يقع كثيرٌ منها في الولايات المتحدة الأمريكية. ويعتمد جذب الاستثمارات الدولية في قطاع الفندقة، على تناغم علاقة البلد المعين مع المنظومة الدولية، اقتصاديًا، وكذلك على درجة قبول سياسات البلد والثقة فيه كعضو منسجم مع المجموعة الدولية. وقد فقد السودان هذه الوضعية بسبب دخول اسمه ضمن قائمة الدول الراعية للإرهاب، كما سبق أن قلنا. وكذلك بسبب ضعف اقتصاده واضطراب أحواله السياسية والأمنية. فتسارع الاستثمارات العالمية في مجال الفندقة في عديد الأقطار الإفريقية، في العقدين الأخيرين، كان بسبب تسارع نمو اقتصاداتها وسياساتها المنفتحة المرنة، وما تقدمه من تسهيلات.

    يثق رواد الفنادق على مستوى العالم في أسماء الشركات الكبيرة المتخصصة في بناء الفنادق وفي إدارتها خاصة الذين يبحثون عن الخدمة الجيدة. فهذه الشركات الكبرى هي ما يجتذب أكثرية الزبائن لأنها تضمن لهم جودة الخدمات، وسائر سبل الراحة والنظافة والضوابط الصحية، والطواقم الإدارية والخدمية المدربة، وتوفير المواقع الإلكترونية المؤمنة، المربوطة بمواقع شركات التسويق الكبرى في العالم. فالقطر الذي تري مقاطعته اقتصاديا، كما حدث لنا في عهد الانقاذ، يفقد اقبال المستثمرين. وعمومًا، يعود تخلف السودان في القدرة على اجتذاب الاستثمار في القطاع السياحي إلى عدة عوامل، سأحاول لمسها في الحلقة القادمة.
    (يتواصل).
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

08-05-2020, 08:38 AM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 718

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    السياحة المورد المهمل (5)

    النور حمد

    صحيفة التيار 5 أغسطس 2020

    سبق أن أشرت، بضع إشارات، لبعض هذه المعوقات التي تعترض صناعة السياحة، ومنها عدم الاستقرار السياسي والأمني، وضعف النمو الاقتصادي وضعف البنية التحتية للمواصلات والفنادق، ومختلف أماكن الإقامة. أضف إلى ذلك أيضًا، ضعف تدريب الكوادر التي تعمل في مختلف مكونات هذا القطاع. غير أنني أشرت بصورةٍ خاصة إلى الانحراف الثقافي الذي أحدثته قوانين سبتمبر، التي سنها الرئيس الأسبق جعفر نميري في عام 1983. وهو ذات الانحراف الذي أغرى الإسلاميين، الذين اشتركوا في سنها مع جعفر نميري، بإكمال مشوراها عبر انقلابهم على النظام الديموقراطي في 1989.

    لقد مرت منذ سبتمبر 1983 إلى الآن 37 عامًا وهي المدة التي ابتعد فيها السودان عن طريق النهضة. عكست تلك الأعوام السبعة والثلاثون، اللوثة العقلية التي ارتدت رداء التدين، نتيجةً لإدمان العيش في متون الكتب القديمة، والتعلق بالأحلام الغرة، كحلم إقامة خلافة إسلامية تضم مشارق العالم الإسلامي ومغاربه. انحبست عقول من سعوا في هذا الدرب الزلق في تصوراتٍ منغلقة دافعها الرئيس هو التمرد على سلطة الغرب وسطوته، واستعادة الخلافة الإسلامية، بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير. وهذا مما اشتهرت به حركة الإخوان المسلمين في بدايات القرن العشرين. وهي لم تشب، رغم مرور الوقت، عن طوق أفكار سيد قطب وأبي الأعلى المودودي المتمحورة حول شعار "الحاكمية لله"، ومشروع "الدستور الإسلامي"، مبهم الملامح.

    حاولت الحركة الإسلامية السودانية عبر مسمياتها التي اتخذتها في مختلف مراحل ما بعد الاستقلال، الانفلات من قبضة السلف، والظهور بمظهر العصرية. غير أن الأساس الذي تأسست عليه ظل يستعصي على تلك المحاولات. فالمحاولات أصلاً لم تكن صادقة، كما لم تقم على إيمانٍ راسخ بالحرية وبالتنوع. لقد كانت مجرد طلاءٍ خارجيٍّ لا يمس الجوهر. لذلك، رغم محاولات الدكتور الترابي، هنا وهناك، إضفاء صبغةٍ عصريةٍ على حركته ومنحها استقلالية فكرية عن التيار الإخواني العالمي، إلا أن إدارة حركته للمجال العام، عندما أصبحت في السلطة، اتسم بالسلفية السلطوية العنفية، التي هي الطبيعة الأصلية للحركة. لم يظهر منها حين حكمت سوى الوصاية والاستبداد ورفض الحداثة وقمع الحريات الشخصية. بل بلغ فيها الاستبداد حد التعذيب الممنهج، والقتل الفردي والجماعي خارج نطاق القانون، وإحصاء أنفاس الناس.

    لقد أحدثت تجربة حكم الإسلاميين للسودان في أعوامها الثلاثين، ردَّةَ كبيرة جدًا في الوجدان السوداني. شملت هذه الردة الذوق الجمالي، والمظهر الحضري للمدن، والسلوك المتمدين للناس. ولقد كان لكل ذلك أثره السلبي على صناعة السياحة. لقد خربت الإنقاذ الاقتصاد الريفي ومنظومة الخدمات فيه، ما دفع بالناس إلى الهجرة إلى المدن، بأعدادٍ لم تحدث في تاريخ السودان. فاكتظت المدن بأكبر من طاقتها الاستيعابية، وانهارت فيها، من ثم، مظاهر التمدن. فالسلوك المتمدن لا يقوم في الهواء، وإنما يحتاج روافع تسنده. فالمدن التي تعيش أزماتٍ معيشيةٍ خانقة يتردى فيها السلوك الحضري بصورة تلقائية. ولا أخال سائحًا أجنبيًا يستطيع قيادة سيارة في الخرطوم الآن، أو يستطيع استخدام المواصلات العامة فيها، أو يمكنه قيادة سيارة بنفسه في طريق سريع. أما العنصر الثاني فهو الإعلام الإنقاذي الموجه الذي أعلى من قيم البداوة وحط من قيم التمدن وروَّج للقبلية ولكراهية مظاهر الحداثة الثقافية، وعمل على نشر التزمت والتطرف الديني والضيق بالآخر المختلف. وكل هذه عوامل هادمة للجذب السياحي. (يتواصل)
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

08-07-2020, 04:20 AM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 718

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    السياحة المورد المهمل (6)

    النور حمد

    صحيفة التيار 7 أغسطس 2020

    تواجه الفترة الانتقالية الحالية التي يُفترض أن تراجع كل ما أحدثه نظام الانقاذ من تردي، العديد من التحديات، من بينها التراجع المريع، في الجذب السياحي، بسبب سياسات التطرف الديني التي أدخلت البلاد في عزلة مطبقة لثلاث عقود. يضاف إلى ذلك، التخطيط للدفع بصناعة السياحة قدما. لقد حولت الإنقاذ السودان من قطر حر منفتح إلى ثكنة داعشية عبر التأثير الضار على عقول البسطاء. ومن يراقب الحملة الإعلامية المنظمة التي تديرها ذيول النظام المدحور، هذه الأيام من عديد المواقع على الشبكة العنكبوتية، بهدف إرباك الفترة الانتقالية وإفشالها، يلحظ استخدامًا مكثفًا للخطابٍ الدينيٍّ السطحيٍّ المخاتلٍ، المنسوجٍ من قيم البداوة المنقرضة. هذا الخطاب كان هو الرافعة التي أوصلت الحركة الإسلامية إلى دست الحكم عبر مسار طويل امتد منذ ستينات القرن الماضي. ولأن الخطاب الديني الذي استخدم كان غوغائيًا شعبويًا، لم تكن مفاجأةً لي، ولا لكثيرين النهاية المحزنة التي انتهى إليها ما سمي "المشروع الحضاري". فقد عادت الأمور، بعد أن فقدنا ثلاثين عامًا عزيزة، إلى أصلها الأصيل الذي انطلقت منه. وانتهى، كل شيء، إلى "همبتةٍ" بدويةٍ قُحة، وأصبح الدين مجرد أداة استبدادية قمعية لحماية تلك "الهمبتة".

    تحاول مواقع ذيول النظام الآن استخدام نفس الخطاب المتخلف الذي سبق أن جاءوا به إلى السلطة. من ذلك، وصم الفترة الانتقالية بالعلمانية، وبالشيوعية والبعثية، وبأنها فتحت الباب على مصراعيه للتفسخ والانحلال. هذا في حين أنهم يعلمون أن التفسخ والانحلال ظواهر عرضية، جانبية، لا يخلو منها مجتمعٌ من المجتمعات؛ مسلمًا كان أو غير مسلم. يستدعي خطاب الفلول النعرات البدوية الانغلاقية المعادية للتحديث، ويستجدي تعاطفها ويستنفرها ضد التقدم ليعيق جهود اللحاق بركب الأمم الناهضة. وآخر النماذج الفجة، مما شهدناه مؤخرًا، في هذه الحملة الرجعية، الاعتراض على اختيار امرأة واليةً للولاية الشمالية، وأخرى لنهر النيل. وقد بلغت السماجة بشاعر نهر النيل أن قال إن قبولهم بأن تحكمهم "إنتاية"، على حد قوله، أشنع في حقهم من أن يصلُّوا الجمعة في "الإنداية". هذا هو نتاج تكريس القيم الذكورية البدوية الجاهلية التي تتدثر بدثار الدين المزيف التي ظل الخطاب الديني الإنقاذي الزائف يروج لها عبر أئمة المساجد والإعلام المأجور. والآن، لكي يعود السودان مزارًا سياحيًا، مثله مثل غيره من دول الجوار، لا مناص من دحر هذا الخطاب المتخلف.

    دخل السودان نطاق التحديث بالغزو البريطاني الخديوي في عام 1898. ولقد بقي جزءًا لا يتجزأ من النسيج الكوكبي، حتى صدور قوانين سبتمبر 1983. كانت بنيته السياحية طيلة تلك الفترة، على تخلفها، تستقبل الكثير من السياح الذين يفدون في موسم الشتاء، بصورة متكررة. وقد كانت حظيرة الدندر، وآثار مروي ونبتة، وحوانيت الأناتيك والأشغال اليدوية في سوق أمدرمان مزارات سياحية مرموقة. وكان الشعب يستقبل السياح بحفاوة، دون أدنى انزعاج بزيهم أو أسلوب حياتهم. لقد سمعنا مراتٍ ومرات السياح وهم يتحدثون عن إعجابهم الشديد بالسودان وبالإنسان السوداني، وأنهم لم يروا عبر تجوالهم في إفريقيا شعبًا شبيهًا بشعب السودان؛ في الود والصدق والحفاوة والاستعداد لتقديم العون. الشاهد أن لدينا رأسمال عيني وبشري ممتاز، وبلاد غنية بكل ما يمكن أن يتجذب الأجنبي. لقد جرى تخريبٌ كبيرٌ لهذا الرأسمال الكبير، غير أن استنقاذه ممكن بقليل من الاهتمام والجهد الذي يضع القواعد الصحيحة لدمج البلاد في المجتمع الدولي. (يتواصل).
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

08-08-2020, 09:19 AM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 718

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    السياحة المورد المهمل (7)

    النور حمد

    صحيفة التيار 8 أغسطس 2020

    من أهم المهام التي ينبغي علينا الاطلاع بها، ضمن جهود جعل بلادنا جاذبة للسياحة، تغيير مناهج التعليم، بصورة تزيل منها التشوهات التي ألحقها بها نظام الانقاذ التعليمي والإعلامي المتخلف. نحن بحاجة لإعادة عقول الناس إلى حالة سلامة الفطرة والصحة النفسية التي كانوا عليها، بعد أن تأثروا بالدجل باسم الدين الذي مورس عليهم على مدى ثلاثين عاما. وهو دجل طمس الفطرة السوية لدى كثيرين، وأثر سلبًا على روح التسامح وقبول الآخر، وكرَّس التوحش والجلافة والرعونة في الفكر والمسلك. لقد خلقت الإنقاذ هوةً ثقافيةً مهولةً بيننا وبين شعوب العالم، حتى أصبحت حالتنا، في عمومها مشابهةً لتك التي صنعتها طالبان في أفغانستان.

    باختصار شديد، يقتضي الجذب السياحي تناغمًا في قيم التحضر بين الزائرين والبلد المزور. ولا يعني هذا أن تدمج ثقافتك في ثقافة الزائرين، أو أن تصبح مستلبًا لقيمهم، وإنما يعني أن تقبل الآخرين على ما هم عليه، من غير أن تتأثر سلبًا بقيمهم. فقبول التنوع لا مناص منه، لأن الله قد خلق الناس مختلفين وسيبقون مختلفين. ومن يظن أن في وسعه إلباس الناس، جميعًا، جلبابًا قيميًا واحدًا، ليس سوى جاهلٍ أو موهوم. يقول تعالي: "وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً * وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ". ويقول، أيضًا: "وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ". فاختلاف الألسن والألوان المشار إليه في الآية، ليس مجرد اختلاف سطحي، إنما هو اختلاف في التصورات ومعايير القيم وأنساق السلوك.

    عبارة قبول التنوع التي أصبحت تتردد كثيرًا في معرض النقد للأحادية الإنقاذية المنغلقة، لا تعني فقط قبول التنوع داخل بلدك، وإنما تعني أيضًا قبول التنوع فيما يتعلق بالبلدان الأخرى وقيمها. فقد أصبح العالم مترابطًا بصورة غير مسبوقة. ولسوف يزداد ترابطه في السنوات والعقود المقبلة بما لا نستطيع تخيل أبعاده كلها الآن. فشعوب الأرض وثقافات الأرض لم تعد محصورة داخل الحدود السياسية للدولة القطرية. فالبشر بجميع ثقافاتهم أصبحوا يعيشون ويتقلبون في كل جزء من أجزاء العالم، ولسوف تزداد هذه الظاهرة باستمرار، بحيث يصبح لا مناص لأي قطر من قبول التنوع وارتضاء تعايش الثقافات المختلفة في الفضاء العام داخل حدوده. ويكفي أن نشير إلى أن دولاً مثل الإمارات وقطر، على سبيل المثال، أصبح تعيش على أرضها مئات الجنسيات من مختلف شعوب العالم، تتشارك المجال العام بتنوع كبير في المظهر والمسلك.

    لقد فهمت غالبية الدول الإسلامية، أنه لا مناص من قبول التنوع، فوطنت نفسها ومواطنيها على ذلك. لذلك، بقي فيها المجال العام منفسحًا للأجانب للزيارة والإقامة، دون أن يحس مقيمٌ أو وافد أن هناك مشكلة. ينسى المخاتلون الذين يثيرون نعرات رفض الآخر المختلف، أن عشرات الملايين من المسلمين يعيشون في الدول الغربية، من غير أن يتأذوا من نسق الغربيين في العيش، أو يتأذى من نسق عيشهم الغربيون. لابد أن نغرس في النشء في المدارس قبول الآخر. وأن ندير في منابرنا الإعلامية حوارات معمقة حول التنوع والتعايش. التسامح والقبول هو ما اتسم به إسلام السودان الصوفي، منذ السلطنة الزرقاء. ولم يتغير إلا في الحقبة المهدوية، وفي فترة حكم الإسلاميين التي اتسمت بالغلو السلفي المستورد، المفروض فرضا عن طريق القهر والاستبداد. (يتواصل)
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

08-09-2020, 05:49 AM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 718

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    السياحة المورد المُهمَل
    (8)

    النور حمد

    صحيفة التيار 9 أغسطس 2020

    تحتاج الموارد السياحية إلى التنمية المستمرة. لذلك لا ينبغي أن نكتفي بالمواقع الأثرية وبالمحميات الطبيعية وبالأسواق الشعبية والمتاحف الموجودة التي تنقصها العناية اللازمة. وإنما ينبغي أن نسعى إلى توسيع هذه الموارد كما ونوعا. ولسوف أعرض في هذه المقالة إلى بعض النماذج. وأبدأ بنموذج من مدينة أليكساندريا بولاية فرجينا حيث أصبح مجمع الفنانين التشكيليين مزارا سياحية مرموقا. يحتل مجمع الفنانين هذا مبنى قديما يسمى مصنع الطوربيدات The Torpedo Factory، يقع على الضفة الغربية لنهر البوتاماك المطلة على العاصمة واشنطن دي سي. كان هذا المبنى المكون من طابقين مصنعًا للطوربيدات في فترة الحرب العالمية الثانية. في عام 1974 قام مجلس المدينة بتحويل هذا المبنى إلى محترف للفنانين التشكيليين. ويجري منح المساحة المخصصة لكل فنان بناءً على إيجارٍ مدعوم من مجلس المدينة، بعد أن تستوفي أعمال الفنان ضوابط وشروط استحقاق المساحة. يمارس عشرات الفنانين العمل التشكيلي في هذا المبنى ويعرضون فيه أعمالهم للبيع.

    بالإضافة إلى أن هذا المبنى أتاح للفنانين ستوديوهات يمارسون فيها نشاطهم الفني، في موقع مرموق في جزء مدينة أليكساندريا المسمى "المدينة القديمة"، فقد أصبح المبنى مزارًا سياحيًا جاذبًا لعشاق الفن التشكيلي، ولمقتني اللوحات والخوف والتمثيل وغيرها. وقد وصل عدد الزوار السنوي لهذا المبنى 500,000 زائر في العام. وبما أن المبنى مطل على النهر فقد تحولت الساحة الفاصلة بينه وبين كورنيش النهر التي تضم مرسى للقوارب إلى منطقة حية للتنزه والإطلال على النهر، وعلى جسر وودرو ويلسون، وللتصوير. في الخرطوم وغيرها من المدن مئات الفنانين التشكيليين الذين يبحثون عن مكان كهذا المكان. وقد شاهدت على فيسبوك أعملا للفنانين السودانيين بالغة الروعة. يستحق هؤلاء الفنانون من وزارة الثقافة والإعلام ومن ورائها الدولة اهتمام مماثلا للذي أبداه مجلس مدينة أليكساندريا للفنانين المقيمين في المدينة. فالدولة حين تقيم مجمعا كهذا في موقع مرموق فإنها تستثمر على صعيدين: الأول الصعيد الثقافي والثاني الصعيد الاقتصادي. فالفن التشكيلي أصبح ثروة يخزنها هواة اقتناء الأعمال الفنية، كما يخزنون المعادن النفيسة.

    أما النموذج الثاني فمكون من شقين ويوجد بدولة قطر. ولقد شاهدت قيام هذين النموذجين أثناء عملي في دولة قطر. ولم يستغرق بناء هذين الصرحين السياحيين الكبيرين سوى بضع سنوات. أحد هذين الصرحين هو سوق واقف والآخر هو مجمع كتارا الثقافي في مدينة الدوحة. جرت إعادة تشييد سوق واقف وهو اسم لسوق قديم في الدوحة بأسلوب العمارة القطرية التقليدية. وأصبح السوق مجمعا للحوانيت الصغيرة التي تبيع مختلف المصنوعات الشعبية، كما يضم غاليري للفنون التشكيلية ومجموعة كبيرة من المطاعم والمقاهي المتنوعة. وفي وقت قياسي أصبح هذا السوق بؤرة جاذبة للسياح ولسكان المدينة الذين يقضون نهاراتهم وأمسياتهم في مطاعمه ومقاهيه المختلفة. ولقد استضافت حفلات سوق واقف الراتبة عددا من المغنين السودانيين أذكر منهم أبوعركي البخيت وطه سليمان.

    أما مجمع كتارا الذي جرى تشييده على ضفة الخليج، فهو حي ثقافي متكامل يضم مقرًا للجمعية القطرية للفنون التشكيلية، ومقرًا لجمعية المهندسين القطريين وغيرها من مقرات مجاميع المهنيين. كما يضم العديد من المطاعم والمقاهي، كما يضم دارًا للأوبرا. يقيم هذا المجمع العديد من المسابقات الفنية والأدبية ومعارض الفن التشكيلي المحلية ةوالأجنبية. ليست لدينا إمكانات أليكساندريا في فرجينيا ولا دولة قطر، لكن البداية ممكنة، واستقطاب الجهد الشعبي وجهد القطاع خاص ممكن دائما. (يتواصل)
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات

08-10-2020, 04:18 AM

Salah Musa
<aSalah Musa
تاريخ التسجيل: 03-29-2004
مجموع المشاركات: 718

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
Re: Re:مقالات دكتور النور حمد في جريدة التيار (Re: Salah Musa)

    السياحة المورد المُهمَل (9)

    النور حمد

    صحيفة التيار 10 أغسطس 2020

    تزدهر السياحة بالترويج وتستثمر الدول الكثير من المال في ذلك. فبلدان مثال تركيا وماليزيا، وهما أكثر بلدين إسلاميين استقبالاً للسياح، أصبحتا تعلنان عن السياحة في القنوات الفضائية الأكثر مشاهدة في العالم؛ مثال CNN وBBC، وغيرهما. لقد مكنت عوائد السياحة المالية الضخمة هذين البلدين من أن تعلنا في قنوات تكلف دقيقة الإعلان فيها أموالاً طائلة. ومؤخرًا، أخذت عددٌ من الدول الإفريقية، تروج للسياحة في هذه القنوات العالمية، بعد أن وضح لها حجم مساهمة السياحة في الدخل القومي. لكن، لابد في البداية من أن تهيئ الدولة رأسمال معقول، لتحسين البنيات التحتية للسياحة، ثم تشجيع القطاع الخاص المحلي والمستثمرين الأجانب على الانخراط في أنشطتها. وقبل هذا وذاك، لابد من رؤية طموحة وواضحة يجري تحويلها إلى سياسات وخطط وبرامج عمل تنتظم أقاليم القطر كله. الرؤية الحكومية الواضحة وإيكال أمر السياحة لأشخاص ذوي قدرات قيادية وأطقم مدربة، ثم وضع السياسات المشجعة، هو ما يجتذب رأس المال المحلي ورأس المال العالمي للانخراط في الأنشطة السياحية. ويمكن أن تكون البدايات بسيطة يجري التوسع فيها وفق خطة ممرحلة.

    لا يتوقف الترويج للسياحة على الإعلان المباشر في أجهزة الإعلام، وإنما يتعدى ذلك إلى الإعلان غير المباشر، الذي يعني كل ما يظهر للناس عن القطر المعين في وسائطه الإعلامية. لذلك، لابد من إيجاد ضوابط لقنوات التلفزة الفضائية السودانية. وقد سبق أن كتبت أن ترك الحبل على القارب للبث التلفزيوني، بصورة الراهنة، له آثاره الضارة بسمعة البلد. فالبث التلفزيوني من حيث هو مرآة عاكسة لحال البلد من عديد الوجوه. وربما لا يكون بعضٌ أو كثيرٌ ممن يقفون وراء بث الصورة التلفزيونية مدركين لما يمكن أن يحدثه ما يقومون به من أضرار نتيجة للعفوية، والارتجال والإهمال. لذلك لابد أن ينتبه المخرجون التلفزيونيون للرسائل التي تحملها الصورة التلفزيونية. ينطبق ذلك على الصورة التي يقدمونها في التقارير الإخبارية، أو في الدراما، أو في الرياضة، أو في الفنون، أو في الدعاية والإعلان، وغير ذلك من صنوف الصور التي تخرج عبر البث التلفزيوني. بعبارة أخرى، عليهم أن ينتقوا الأحسن، الذي يعكس أوجه التقدم في البلد، ويعكس جمال الطبيعية، وجمال العمران، وتحضر الأفراد. أما هذه الخم العشوائي للصور التلفزيونية من الواقع بلا فرز ولا تفكير على قاعدة (خلِّينا نخلص ياخي)، وهو ما ظل يمارس لدينا منذ فترة طويلة، ولم يتحسن إلا بمقدارٍ ضئيل جدًا، فإن له آثاره المدمرة على سمعة البلد، فهو، ببساطة، ينفر ولا يجذب.

    ليصبح كل ذلك ممكنًا أرى أن من الضروري وضع السياحة والآثار تحت مظلة وزارة منفصلة. فالسياحة والآثار موردان اقتصاديان كبيران مرتبطان ارتباطا عضويًا. وهما من الأهمية والضخامة بحيث لا ينبغي أن يكونا جزءًا من وزارة الثقافة والإعلام. فإذا كنا نفرد، على سبيل المثال، وزارة للشباب والرياضة، وهي، على أهميتها الكبيرة جدًا، لا تمثل موردًا اقتصاديًا، مثلما تمثله السياحة والآثار، فلماذا لا نفرد وزارة للسياحة والآثار؟ فالسودان بلد زاخر بالآثار، ولايزال الكثير منها مدفونًا ينتظر الاكتشاف. فلو أصبحت السياحة والآثار تحت مظلة وزارة واحدة فاعلة، فإن مورد السياحة سيتولى تمويل خطط تطوير مورد الآثار، إضافةً إلى حفظها وصيانتها والتوسع في تشييد المتاحف وغيرها من معالم الجذب السياحي. (يتواصل)
                  
|Articles |News |مقالات |بيانات


[رد على الموضوع] صفحة 2 „‰ 2:   <<  1 2  >>

تعليقات قراء سودانيزاونلاين دوت كم على هذا الموضوع:
at FaceBook




احدث عناوين سودانيز اون لاين الان
اراء حرة و مقالات
Latest Posts in English Forum
Articles and Views
اخر المواضيع فى المنبر العام
News and Press Releases
اخبار و بيانات



فيس بوك تويتر انستقرام يوتيوب بنتيريست
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة
About Us
Contact Us
About Sudanese Online
اخبار و بيانات
اراء حرة و مقالات
صور سودانيزاونلاين
فيديوهات سودانيزاونلاين
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
منتديات سودانيزاونلاين
News and Press Releases
Articles and Views
SudaneseOnline Images
Sudanese Online Videos
Sudanese Online Wikipedia
Sudanese Online Forums
If you're looking to submit News,Video,a Press Release or or Article please feel free to send it to [email protected]

© 2014 SudaneseOnline.com

Software Version 1.3.0 © 2N-com.de