اعتماد العلم على العقيدة (3ـ3) بقلم خالد الحاج عبد المحمود

مرحبا Guest
اخر زيارك لك: 05-10-2021, 06:23 AM الصفحة الرئيسية

منتديات سودانيزاونلاين    مكتبة الفساد    ابحث    اخبار و بيانات    مواضيع توثيقية    منبر الشعبية    اراء حرة و مقالات    مدخل أرشيف اراء حرة و مقالات   
News and Press Releases    اتصل بنا    Articles and Views    English Forum    ناس الزقازيق   
مدخل أرشيف اراء حرة و مقالات
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى شكل سلسلة « | »
اقرا احدث مداخلة فى هذا الموضوع »
10-18-2016, 00:28 AM

خالد الحاج عبدالمحمود
<aخالد الحاج عبدالمحمود
تاريخ التسجيل: 10-26-2013
مجموع المشاركات: 126

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود

مكتبة الفساد

من اقوالهم
(مكتبة مفتوحة للتحديث)
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube
اعتماد العلم على العقيدة (3ـ3) بقلم خالد الحاج عبد المحمود

    11:28 PM October, 18 2016

    سودانيز اون لاين
    خالد الحاج عبدالمحمود-
    مكتبتى
    رابط مختصر

    بسم الله الرحمن الرحيم
    "وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ* يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ"

    منهج العلم المادي التجريبي، لا يختلف في شيء، عن منهج الدين، في اعتماده على العقيدة.. فهو يعتمد بصورة كلية على العقيدة، إلى الدرجة التي معها إذا تخلى عن الاعتقاد في بعض الأمور الأساسية، ينهار بصورة كلية!! ونحن هنا سنتناول بعض جوانب هذا الموضوع.
    نحن نزعم أنه لا يوجد تفكير أو منهج فكري، على الإطلاق إلا ويقوم على مسلمات أساسية، لم يبرهن على صحتها، عقلياً، ولا تجريبياً، وإنما هي تعتبر من الأمور البديهية، التي لا تحتاج إلى برهان، ويُسلم بصحتها ابتداءً.. والمنهج العلمي لا يختلف في ذلك، عن الدين، وعن الفلسفة.. ولما كانت هذه المسلمات هي أساسية، بحيث أن ما يليها ينبني عليها، فإن ذلك، يؤكد ما نقوله، من أن الإيمان هو طبيعة أساسية في التفكير البشري.. ونحن نعني الإيمان بمعناه العام: الاعتقاد أو التسليم بوجود شيء، أو صحة قضية، قبل البرهنة العقلية، أو الاستدلال المنطقي عليها.. وفي الواقع، كل إيمان إنما يقوم على قدر من المعرفة أو التجربة الذاتية، يجعله مقبولاً عند صاحبه.
    ولقد سبق أن أشرنا إلى المعارف الضرورية أو البديهية عند الفلاسفة العقلانيين.. ويقصد بالضرورية، أن النفس تضطر إلى الإذعان لقضية معينة، دون أن تطالب بدليل أو برهان على صحتها، بل تجد، من طبيعتها، ضرورة الإيمان إيماناً غنياً عن كل بينة وإثبات.. ومن هذه المعارف الضرورية مبدأ السببية، ومبدأ عدم التناقض، ويعني: النفي والإثبات لا يصدقان معاً، في شيء واحد، وفي نفس الوقت.. فإذا انتفى هذا المبدأ، ينتفي التفكير السليم كله.. ويلحق به: الصفات المتضادة لا تنسجم في موضوع واحد، وفي نفس الوقت.. أما مبدأ السببية، فيقول: الحادث لا يوجد من دون سبب يؤدي إلى حدوثه – وقد تحدثنا عن ذلك.
    هنالك معارف أولية أخرى، أقل أهمية، تقوم على المعرفة السابقة، أو على التعريف، وهذه مثل قولنا: لا يمكن للمثلث أن تكون له خمسة أضلاع.
    عند الفلاسفة العقليين، إذن، في التفكير البشري، بصورة عامة، فإن المعارف العقلية الضرورية هي المقياس والأساس الذي لا يمكن الاستغناء عنه ويجب أن تقاس صحة أي فكرة أو خطئها على ضوئه.. وهذا في حد ذاته يجعل ميدان المعرفة البشرية أوسع من مجرد حدود الحدس والتجربة.. وقد يُظن أن الفلسفة التجريبية، والمنهج التجريبي، تختلف عن الفلسفة العقلية، ولكن التجربة، وعلى الرغم من كل ما قامت به من دور هام جداً في المعرفة البشرية، إلا أنها بمفردها لم تكن تستطيع أن تقوم بهذا الدور الجبار، لأنها تحتاج، في استنتاج أية حقيقة علمية منها، إلى تطبيق القوانين العقلية الضرورية.. أي أن يتم ذلك الاستنتاج على ضوء المعارف الأولية، ولا يمكن أن تكون التجربة بذاتها المصدر الأساسي، والمقياس الأول للمعرفة.. فشأنها شأن الفحص الذي يجريه الطبيب على المريض.. فإن هذا الفحص هو الذي يتيح له أن يكشف عن حقيقة المرض، وملابساته، ولكن هذا الفحص لم يكن ليكشف عن هذا لولا ما يملكه الطبيب قبل ذلك من معلومات ومعارف.. فلو لم تكن تلك المعلومات لديه، لكان فحصه لغواً، ومجرداً من كل فائدة، وهكذا التجربة البشرية، بصورة عامة، لا تشق الطريق إلى نتائج وحقائق إلا على ضوء معلومات عقلية سابقة.
    يسمي فلاسفة العلم، الأسس الإيمانية، لعلمهم (مصادرات).. ونحن هنا نورد أهم هذه المصادرات، كما هي عندهم، يقول د. قنصوة عن هذه المصادرات: "يسلّم رجل العلم، وهو بحكم تعريفه من يستخدم المنهج العلمي، يسلّم قبل المضي في خطواته، واصطناع إجراءاته، بمبدأ الحتمية، ولأنه إذا ما كان عليه أن يصف مجرى الحوادث، ويفسرها، ويتنبأ بها، ويتحكم فيها، فلابد أن يكون ثمة ضمان يكفل له الاطمئنان في بلوغ نتائجه التي يستخلصها من مجموعة محددة من الوقائع.. فمن المستحيل أن يعرض رجل العلم لكل الوقائع القائمة في كل زمان ومكان، وحسبه ما يحتاج له منها، أو يختاره، أو يصفه، لكي يصل إلى التعميم الذي يهيئ له أداء وظائف المنهج العلمي من وصف وتفسير وتنبؤ وتحكم. ولن يتحقق له ذلك إلا إذا افترض قبل الشروع في العمل، أن العالم من حوله خاضع لحتمية تجعل ما يصدق عليه هنا يصدق عليه هناك، وما يصدق الآن يصدق في كل زمان.. ويعني هذا أن الظواهر تحدد وقوعها شروط لا تسمح باستثناء.. بيد أن مبدأ الحتمية نفسه يتضمن افتراضات أخرى تسبقه وتبرره وتحدد محتواه"..
    مبدأ الحتمية هذا، بالمعنى الذي ذُكر هو مجرد إيمان، ومن المستحيل البرهنة عليه.. ثم إذا هو لم يقم، بالصورة المذكورة، يستحيل العلم!! ومبدأ الحتمية نفسه، يقوم على اعتقاد أساسي، بأن هنالك نظاماً في الطبيعة، وأن هذا النظام متكرر الوقوع في اطراد.. يقول د. قنصوة في هذا الصدد: "أول هذه الافتراضات أن ثمة نظاماً Order في الطبيعة، والثاني هو أن هذا النظام متكرر الوقوع في اطراد Uniformity، والثالث هو أن هذا الاطراد محكوم بالعلاقة العلية Causality بين السبب والنتيجة".. ويواصل "فالعلم يبدأ إذن بالاعتقاد بأن العالم منظم مرتب، أو بالأحرى يقبل أن ينظم ويرتب وفقاً لتدابير الإنسان التي يجريها".. ودون هذا الاعتقاد، من المستحيل أن يقوم العلم!! يقول د. السيد نفادي، عن مسلمات المنهج العلمي: "وإذا كانت المبادئ على نفس الدرجة من التقيد، مثل الحقائق نفسها، فإنها لا تؤلف علماً. كذلك فإن العلم لا ينبني على مبادئ وحقائق، أي وقائع فحسب، ولكن أيضاً على مسلمات أساسية. أولى هذه المسلمات تبلغ حداً من البساطة يشيع معه إغفالها. وأعني به القول إن "الطبيعة قابلة للفهم". وما هذا إلا تأكيد لإيماننا بأن الظواهر التي يتألف منها عالمنا لا تبلغ من التعقيد أو الغموض حداً يستحيل معه فهمها. والواقع إن هذا الاعتقاد طموح جداً، ولكننا بدون هذه المسلمة لن نستطيع على الأرجح أن نشرع في القيام بأي أبحاث من أي نوع.".. "الطبيعة قابلة للفهم"، لأن تعقيداتها في إطار قدرة العقل على الفهم.. هذا ما يراه العلم.. ولكن في الدين، الأمر أعمق من ذلك.. في الدين الطبيعة قابلة للفهم، لأن طبيعة العقل وطبيعة الطبيعة شيء واحد!! فلو كان هنالك اختلاف نوع بين الطبيعتين، لاستحالت معرفة العقل للطبيعة، مهما كانت بساطة هذه الطبيعة!!
    ويواصل د. السيد فيقول: "هنالك مسلمة أخرى يتميز بها العلم، وأعني بها التسليم بأن الطبيعة موحدة، فلولا هذا الإيمان البسيط بوجود مجموعة واحدة فقط من القوانين الطبيعية، لما أمكن وجود العلم كما نعرفه الآن.. والواقع أن الاعتراف الأساسي بوحدة الطبيعة هو مسلمة لها فائدتها الكبرى.. وتؤدي بنا هذه المسلمة إلى نتيجة على جانب عظيم من الأهمية وهي أن تكون لنا الحرية في تطبيق المعرفة المتعلقة بفرع من فروع العلم، على المشكلات التي نصادفها في فرع آخر. فنحن نفترض أن ما نعرفه عن الفيزياء والكيمياء له تطبيقات في ميدان البيولوجيا.. والمسلمة الكامنة من وراء هذه هو أننا لو عرفنا كل ما يمكن أن يعرف عن ذرة أو خلية واحدة، لأمكننا أن نعرف كل ما يمكن أن يعرف عن الكون.".
    مسلمة "الطبيعة موحدة"، مسلمة هامة جداً، ولها أبعاد، أبعد مما يقول به العلماء، وأهم بكثير جداً.. ولكن يعنينا هنا، أن وحدة الطبيعة، بالنسبة للعلماء، هي مجرد عقيدة.. وهي عقيدة من المستحيل أن يقوم العلم من دونها، كما أنه، من دونها يستحيل تطبيق معارف العلم، في فرع من فروعه، على بقية الفروع.. مرة أخرى، جوهر القضية في (الوحدة).. وحدة الطبيعة، على اختلاف صورها العديدة، والمتباينة في الظاهر.. وهذه الوحدة، أدت إلى وحدة العلم، بهذه الطبيعة الموحدة، وهذه الوحدة هي التي تجعل من الممكن، تطبيق معرفة في فرع من فروع العلم، على الفروع الأخرى.. ذلك أن (الوحدة) هي سر الطبيعة، وسر العقل، بل هي سر الوجود كله!!
    يقول السيد نفادي: "تبقى مسلمة غاية في الأهمية، وهي المتعلقة بموضوع بحثنا، ألا وهي الاعتقاد البسيط بالسبب، ولو شئنا أن نعبر عنها تعبيراً دقيقاً، لقلنا إن كل ظاهرة ملاحظة تعد نتيجة لأسباب محددة يمكن قياسها. وما هذا إلا إيمان بانتظام الطبيعة واطراده".. فحسب، علماء الطبيعة، جميعهم، دون استثناء، انتظام الطبيعة، وما يؤدي إليه من مبدأ السببية وشموله، هو مجرد إيمان!! وهذا الإيمان يعتمد عليه، بصورة كلية، كل بناء العلم، بحيث إذا إنهار، ينهار العلم كله.. ونفس المعنى يعبر عنه بوانكريه، بقوله: "وموجز القول عندي أن الاعتقاد باطراد الطبيعة الذي يقوم على استقراء التعميمات، وتصحيح التجارب على أساسه، إنما يتضمن الاعتقاد بوحدة الطبيعة وبساطتها".. "الاعتقاد بوحدة الطبيعة وبساطتها"!! ويعبر د. قنصوة عن نفس المعنى، بصورة أخرى، فيقول: "أما اطراد الطبيعة فيعني اتصال الحوادث واستمرارها في الزمن وانتظام وقوعها، بحيث أن ما كان سيكون. وهذه المسلمة هي مصدر ما يسمى بمبدأ أو مشكلة الاستقراء في المنهج العلمي، بل هي أساس الاستدلال العلمي على وجه العموم. فالدعوى القائلة بأن المنهج التجريبي قادر على البرهنة وإثبات الارتباطات الكلية اللا متغيرة، إنما هي دعوى قائمة على الاعتقاد بأن الطبيعة مطردة".. "الاعتقاد بأن الطبيعة مطردة"!!
    التجربة العلمية، قد لا تكون بصورة مباشرة، وإنما تعتمد على الآثار، دون إمكانية الوصول إلى المصدر الحقيقي لمصدر الآثار نفسه.. وهذا ينطبق على الأجرام السماوية، البعيدة جداً، التي تعجز حتى المراصد عن رؤيتها بصورة مباشرة، كما ينطبق على الأجسام دون الذرية، التي لا نستطيع أيضاً، التعامل معها بصورة مباشرة.. فلا التجربة، إذن، ولا الاستقراء، أو الملاحظة، أو أي خصيصة من خصائص المنهج العلمي، يمكن أن تقوم دون مسلمات عقلية.. وهذا مما يؤكد ما نقوله من أن الإيمان هو الشرط الضروري لأي معرفة، علمية أو دينية، ومن المستحيل أن تقوم المعرفة من دونه.. ثم هو الملازم السرمدي، للمعرفة، يتقدمها دائماً، ويفتح لها الطريق.
    وحقائق الوجود، دائماً موجودة، والناس دائماً متعرضون لها فمنهم من يقف عندها، متسائلاً، ومنهم من لا يقف، وإنما يمر عليها مرور الكرام، ولا تثير فيه أية تساؤل.. يقول عالم الفيزياء فاينبيرغ عن الشبه بين العلماء والفنانين: "العلماء شأنهم في ذلك شأن الفنانين، يعتمدون اعتماداً شديداً على الحدس.. فغالباً ما أعرض عن منهج كامل في البحث لمجرد إحساسي بأنه غير صحيح، أو قد أمضى شهوراً في تطوير منهج آخر لمجرد إحساسي بأنه صحيح".
    أما القوانين العلمية، وهي خلاصة ما يؤدي إليه المنهج العلمي، فهي عند أصحابها أنفسهم، لا تنطبق على الواقع، الذي تعبر عنه، وإنما هي أقرب إلى اللوحة التي يرسمها العَالِم عن هذا الواقع.. فاللوحة لا تنطبق على الواقع، والاختلاف بينهما كبير.. يقول ميرسون عن القوانين: "إذا توهمنا أن القوانين التي نحدد صيغها تنطبق على الحقيقة مباشرة، فالفضل في ذلك الوهم إنما يرجع إلى سذاجة حواسنا، والى نقص أساليب البحث وأدواته التي نستخدمها ولا تمكننا من الوقوف على كل ما يدعو إلى اختلاف الظواهر فيما بينها" .. ويقول د. قنصوة: "الفرق بين القانون والواقع هو بمثابة الفرق بين اللوحة المصورة والنموذج الذي تحتذيه، والقوانين تقريبية لأنها مستخلصة من نتائج التجارب التي لابد أن تكون تقريبية، فكل تحسين يطرأ على الأدوات العلمية يؤدي إلى تعديل صيغ القوانين التي سبق تحديدها.. وكذلك هي تقريبية لأننا لا نستطيع أن نوفر كافة الشروط التي يتوقف عليها القانون أو التي ينبغي أن يتوقف عليها القانون وكيف لنا أن نتيقن أننا لم نهمل شرطاً جوهرياً منه"..
    وهكذا، العلم يعتمد على الأدوات العلمية، ونتائجه تتأثر بهذه الأدوات، وتتحسن بتحسنها.. كما أنه يتأثر بالعَالِم الباحث، نفسه.. ومع هذا التأثر، النتائج التي يتوصل إليها، لا يمكن أن تكون هي الواقع الموضوعي نفسه.. أما عدم إمكانية توفر الشروط التي ينبغي أن يتوفر عليها القانون، فأمر يؤكد استحالة إمكانية وصول العلم، إلى القانون الفعلي، وذلك لأن الشرط الأساسي، يتجاهله العلم، وهو خارج إطاره.. هذا الشرط، هو اعتبار القوة التي وراء كل قانون، والإرادة التي ما القانون إلا أثر من أثارها – الإرادة الإلهية.. فالخلل أساسي ولا يمكن تجاوزه، ويتمثل في الإطار المرجعي، الذي يقوم عليه العلم، وهو المادية.. فالمادية، هي العلة الأساسية، في جميع صور القصور، في الفكر الغربي، سواء أكان علمياً، أو فلسفياً.. ولذلك، من المستحيل، تجاوز هذا القصور، الذي يراه العلماء بوضوح، ما لم يتم تجاوز الإطار المرجعي، واستبداله بما هو أكمل منه.
    هذا، ليس كل شيء!! فأهم من هذا التحول الهائل جداً، الذي حدث في العلم، نتيجة لنظرية النسبية، ونظرية الكوانتم، حتى أن العلم، السابق لهما، أصبح يعتبر علماً كلاسيكياً!!
    العلم الحديث:
    العلم المادي التجريبي، كله حديث.. ولكن جد فيه ما أدى إلى فصله إلى مرحلتين متمايزتين بصورة جلية.. فأصبح العلم التقليدي، علم نيوتن، الذي استمر حتى نهاية القرن التاسع عشر، يعتبر علماً كلاسيكياً.. وعند ظهور آينشتاين، ونظريته النسبية، حدث تحول كبير جداً، في الفيزياء.. واتضح بصورة مؤكدة أنه لا يوجد زمان مطلق، ولا مكان مطلق، كما كان الأمر عند نيوتن.. ويعتبر بعض العلماء، أن آينشتاين، هو الفاصل بين العهدين.. والبعض يعتبره أخر العلماء الكلاسيكيين.. فمن هنا، يأتي حديثنا عن العلم الحديث، وما أدى إليه من تحولات خطيرة.. ونحن، بالطبع، سنحصر أنفسنا، في قضيتنا – الفكر.. ما هو أثر العلم الحديث على الفكر الغربي، وهل أصبح العلم ومنهجه ونتائجه، أكثر وثوقاً، مما كان عليه الحال في العلم التقليدي.. ثم ما هو تصور العالم، وفق العلم الحديث.
    الاختلاف الأساسي بين العلم الكلاسيكي، والعلم الحديث، هو أن الأول يتعامل مع السرعات الصغيرة، مقارنة بسرعة الضوء، ومع الأبعاد الكبيرة بالنسبة للذرة.. فالعلم الكلاسيكي يتعامل مع الكون الشاسع، ما فوق الذري.. أما نظرية الكم فتتعامل مع الذرة والجزئيات.. وقد كان التصور الأولي، أن (الكون الكبير) والكون الصغير، يقومان على نفس القوانين، ونفس التصور العام، ولكن اتضح أن الأمر خلاف ذلك تماماً.. يقول صاحب كتاب (من الذرة إلى الكوارك)، عن الاختلاف بين المجالين، ما نصه: "هذه الإطلالة الكلاسيكية تمتد حقيقة لتقدم تفسيراً ممتازاً للعالم الفيزيائي عندما تكون السرعات صغيرة، مقارنة بسرعة الضوء، وتكون الأبعاد كبيرة مقارنة بحجم الذرات.. لكن نظرية النسبية غيرت مفاهيمنا، وتصوراتنا الأعمق، لثنائية المكان – الزمان، وبدلت ميكانيكا الكم تصورنا للواقع الموضوعي.. فكلتا النظريتين مخالفتان للخبرة اليومية، ولإحساسنا المشترك بالعالم، خاصة ميكانيكا الكم".
    نظرية الكم تتعامل مع الأجسام الأولية، والتركيب الداخلي لها.. يقول سام تريمان، عن تكوين الذرة: "كانت البروتونات والنيوترونات من أوائل الجسيمات دون الذرية subatomic التي اكتشفت في أوائل القرن العشرين، تتألف منها نوي الذرات، ولذا تعرف بالنيوكليونات nucleons، وتكون أكثر من 99.9% من مادة الكون.. أما النسبة 0.1% الباقية فهي إلكترونات.. وتوالى بعد ذلك اكتشاف العديد من الجسيمات الأساسية.. واكتشف مؤخراً أن هذه الجسيمات دون الذرية، هي مكونة من جسيمات أخرى، سميت الكواركات quarks فأصبحت بذلك القاعدة الأولية التي تنبني عليها المادة، وبالتالي الكون المادي، هي الكواركات.. والكواركات تنقسم إلى ثلاثة أنواع.. ثم أضيفت ثلاث كواركات أخرى، وأصبح المجموع ستة كواركات تتكون منها سائر الجسيمات المعروفة في الطبيعة، والتي هي أساس بناء المادة".. ولهذه الكواركات ستة أضداد مثلها.. وفي عام 1963م، أقترح الفيزيائي أوسكار غرينبرغ وجود ألوان مميزة لتلك الكواركات، ونشأ بذلك علم جديد، عرف باسم (ديناميكا اللون الكوانتية).. فقد عُرف للستة كواركات، ستة أضداد مثلها، ولكن بإشارة مخالفة، وبذلك أصبح العدد أثني عشر كواركاً وضُدَيدُه.. وعندما يأخذ كل واحد منها ثلاثة ألوان مختلفة لينتج عن ذلك ستة وثلاثون كواركاً أو عضواً في عائلة الكواركات.
    بصورة عامة، عدد الجسيمات الأولية وضديداتها المعروفة، حتى الآن، وصل إلى عدة مئات!! وهذه، في جملتها تقوم عليها الدراسة الكوانتية.. الآن، ما هي الكواركات؟ وهل شاهدها العلماء، بوسائلهم العلمية!؟ جاء في الكتاب المذكور أعلاه (من الذرة إلى الكوارك)، في التصدير، قوله: "غير أن جميع محاولات مشاهدة الكواركات فرادى، باءت بالفشل، حتى الآن، إلى درجة أن العديد من العلماء اعتبروها مجرد تسهيلات رياضية، ليس إلا، أي مجرد نظام نظري لوصف التأثيرات، وليس كائنات (حقيقية) يمكن ملاحظتها ودراستها، ولكن نتائج التجارب العلمية التي أجريت حديثاً على جسيمات عالية الطاقة، أدهشت الجميع بتقديم الدليل الذي يرجح أن الكواركات كيانات واقعية"..
    يلاحظ أن الدليل الجديد، حسب النص أعلاه، لا يفيد أن الكواركات (كيانات حقيقية) إنما يرجح!! وإذا كانت الكواركات كيانات حقيقية، أو لم تكن، فالأمر المحسوم، والذي يقوم عليه العلم، أنها المكونات الأساسية، للجسيمات الأساسية والأولية التي يقوم عليها العلم اليوم.. فكونها حقيقية أو غير حقيقية لا يؤثر على مسيرة العلم.. ولكن من المؤكد أن "جميع محاولات مشاهدة الكواركات فرادى باءت بالفشل"!!
    القضية التي تعنينا، ومن أجلها أوردنا الحديث عن الكواركات، هي أن العلم، يقرر بصورة جازمة، أن كل الكون مكون من جسيمات أفتراضية، قد تكون حقيقية أو غير حقيقية، وهي لا يمكن رؤيتها فرادى!! وهذا أمرٌ هامٌ جداً، في المعرفة، لأنه يؤكد استحالة وجود حدود فاصلة بين ما هو مادي وما هو غير مادي.. فالمادة، إذا تم استقصاؤها، دائماً تقود إلى منطقة مجهولة، يستحيل وضعها في الأبعاد المعروفة للمادة.. وهذه تجعل العلم، يقرب من التصور الديني، في الوحدة، وفي الحقيقة أن الكون، في جوهره ليس مادياً، بالمعنى الذي نعرفه عن المادة!! كما أن موضوع الكواركات، يؤكد ما قلناه عن الإيمان، فقضية الكواركات، تقوم على الإيمان بوجود هذه الكواركات، دون ملاحظتها بصورة مباشرة.. وإذا كان للكواركات وجود حقيقي، أو لم يكن، فإن العلم الذي ينبني عليها علم صحيح، وعملي ومفيد.. يكفي أنها القاعدة الأولية، التي ينبني عليها كل الكون المادي!!
    لقد حسمت نظرية الكم، موضوع الحتمية، فلم يعد أحد من العلماء يقول بها، وهذا من أهم إنجازاتها.. يقول سام تريمان: "الصبغة الاحتمالية لميكانيكا الكم، هي المغايرة الأكثر عمقاً، وهي التي تميزها عن الميكانيكا الكلاسيكية.. ذلك أنه بالنسبة لمنظومة جسيمات كلاسيكية، تكون حالة سلوكها محددة تماماً في أي لحظة، بواسطة متغيري الموضع وكمية التحرك لجميع الجسيمات.. والبيانات الخاصة بالمواضع وكميات التحرك في أي لحظة، هي التي تكون ما يمكن أن نسميه (حالة) state للمنظومة في تلك اللحظة، فهي كل ما يمكن معرفته ديناميكياً بخصوص المنظومة.. هنالك كميات أخرى مثل الطاقة، وكمية التحرك الزاوي، وغيرهما، يتم تعريفها بدلالة متغيري الموضع وكمية التحرك.. الميكانيكا الكلاسيكية إذن تتسم بالحتمية، بمعنى الحالات المستقبلية للمنظومة تكون وحيدة ومحددة تماماً، إذا كانت الحالة محددة في لحظة ابتدائية ما.. الحاضر يحدد المستقبل".. هذا عن الميكانيكا الكلاسيكية، أما عن ميكانيكا الكم فيقول: "هنالك اختلاف عميق جداً، يتمثل في أن الحالة الكمية state quantum لا تحدد بدقة موضع الجسم وكميات تحركه، وإنما تحدد احتمالات ذلك فقط.. وهذا يعني أن ميكانيكا الكم احتمالية".. يسأل سام تريمان سؤالين، الأول: كيف تحدد (تقرر) النواة وقت التحلل؟.. ويقول أن السؤال الأول كانت الإجابة عليه متاحة منذ 1905م، بمعادلة آينشتاين عن التكافؤ بين الطاقة والمادة E = M C2 .. أما السؤال الثاني، فيقول عنه: "أما السؤال الأعمق كان عليه ان ينتظر الأجهزة والأدوات التفسيرية لميكانيكا الكم.. إذا أخذت مجموعة ذرات متطابقة تنتمي إلى نوع ما نشط إشعاعياً، فأنك ستجد أن الذرات لا تتحلل جميعها في لحظة ما مميزة، وإنما يحدث ذلك عشوائياً في أوقات مختلفة".. فالأمر في أساسه، لم يعد يقوم على الاحتمال وحسب، وإنما هو أيضاً يقوم على العشوائية!!
    اكتملت الصورة، المتعلقة بالاحتمالية، بمبدأ اللايقين لهيزنبيرج، وهو يقول ببساطة، أنه من المستحيل معرفة موقع وسرعة، جسيم دون ذري، مثل إلكترون، في وقتٍ واحد.. وهذه الاستحالة ليست تصور مؤقت في المعرفة، وإنما هي مبدأ ثابت، علمياً، لن يأتي يوم يتم فيه تجاوزه!!
    يلخص تريمان قضايا نظرية الكم الأساسية، بقوله: "إنها تتميز بمفاهيم جديدة ومتطورة، وإن كان يصعب تصورها في بعض الأحيان لأنها لا تتفق مع ما اعتدنا عليه من تصورات تقليدية (كلاسيكية).. مثال ذلك: تغير المسافة والزمن تبعاً لسرعة مناط الإسناد.. وثنائية جسم – مادة – ومبدأ الارتياب.. والحالة المتراكبة قطة شرودنغر واعتبار أن مجرد ملاحظة الشيء تؤدي إلى تغيره، وكأن التجربة تعي وجود من يراقبها.. وغير ذلك مما يصعب تصوره بالطريقة الاعتيادية، إلى درجة أن قال ريتشارد فاينمان، الحائز على جائزة نوبل العام 1965م، عبارته المشهورة: (نظرية الكم هي النظرية التي يستخدمها الجميع، ولا يفهمها أحد على الإطلاق)..".. كيف يمكن أن يستخدمها الجميع، ولا يفهمها أحد على الإطلاق!؟ قوله: "يستخدمها الجميع" يعني أنها تدخل في تطبيقات، يمكن للجميع أن يستخدموها في حياتهم.. أما قوله: "لا يفهمها أحد على الإطلاق"، اعتقد أنه يعني لا يفهمها، بمعنى لا يتصورها، لأنها خارج ما ألفناه من تصورات، في كوننا، الكبير الذي نتعامل معه، وخارج قوانينه التي نعرفها، ونألفها، وتقوم على تجريدات رياضية، لا يمكن تصورها، ولكن يمكن إدراك صحتها، رياضياً، وتجريبياً، ونحن وإن كنا لا نتصورها، إلا أننا نحكم على صحتها، في المجالين: الرياضي والتجريبي.. وهكذا، أصبح العلم في المجال الذري، ودون الذري، مجرد معادلات رياضية، يمكن أن تؤدي إلى نتائج تطبيقية!!
    فالمعرفة العلمية، عندما تم تعمقها، قادتنا إلى مجرد احتمالات، تقوم على عدم اليقين، وتتجاوز تصوراتنا، التي تقوم على تجربتنا البشرية!! يمكن أن يقال أن قمة العلم المادي التجريبي، قادتنا إلى الإبهام، وعدم اليقين.. وهذا أعظم إنجازاتها!!
    هذه المعرفة العلمية، بما وصلت إليه، أثارت أسئلة وجودية وفلسفية من المستحيل أن تجيب عليها هذه المعرفة.. ونهاية ما وصل إليه العلماء هو أن العالم، في أساسه – الذري والجزئي – يقوم على الشواش!! وهذا ما رفضه آينشتاين، وقال قولته المشهور: "الله لا يلعب النرد"!! قولة آينشتاين هذه، حق، ولكن مجالها ليس العلم المادي التجريبي، وإنما مجالها توأمه الأكبر، العلم التجريبي الروحي.. والعلم والدين، لا يتناقضان، وإنما يتكاملان.. في العلم التجريبي الروحي، كل شيء في الوجود، في مكانه تماماً، ومنسجم مع كل شيء غيره، ولا يوجد أي نشاز، ولا يمكن أن يوجد.. والانتظام ليس في الظاهر فقط، إنما هو في الظاهر، وفي ما وراء الظاهر.. ومعرفة ما وراء الظاهر، هي المعرفة الأساسية، والأهم، وهي معرفة، ليس إليها من سبيل، عن طريق العلم المادي التجريبي.. وسبيلها الوحيد، هو العلم الروحي التجريبي – العلم بالله.
    من الأفضل أن نورد هنا بعض أقوال الأستاذ محمود عن العلم والدين.. أورد الأستاذ محمود في كتابه (الإسلام)، مقولة ألبيرت آينشتاين، كما وردت في كتاب د. أحمد زكي (مع الله في السماء).. يقول آينشتاين: "إن أعظم جائشة من جائشات النفس وأجملها تلك التي تستشعرها النفس عند الوقوف في روعة أمام هذا الخفاء الكوني، والإظلام، إن الذي لا تجيش نفسه لهذا ولا تتحرك عاطفته، حي كميت، إنه خفاء لا نستطيع أن نشق حجبه، وإظلام لا نستطيع أن نطلع فجره، ومع هذا نحن ندرك أن وراءه شيئا هو الحكمة، أحكم ما تكون، ونحس أن وراءه شيئا هو الجمال، أجمل ما يكون، وهي حكمة، وهو جمال، لا تستطيع أن تدركهما عقولنا القاصرة، إلا في صور لهما بدائية أولية، وهذا الإدراك للحكمة، وهذا الإحساس بالجمال، في روعة، هو جوهر التعبد عند الخلائق.) ويقول أينشتاين، وهو أعلم علماء الأرض في الكون وظواهره، وأحقهم بالكفر، إن كان علم يدعو إلى كفر، وأولاهم باتباع ما اعتاد بعض علماء الغرب ومقلدوهم من أهل الشرق، من إغفالهم ذكر الله، يقول أينشتاين: (إن الشعور الديني الذي يستشعره الباحث في الكون، هو أقوى حافز على البحث العلمي، وأنبل حافز) وهو يقول: (إن ديني هو إعجابي، في تواضع، بتلك الروح السامية التي لا حد لها، تلك التي تتراءى في التفاصيل الصغيرة القليلة التي تستطيع إدراكها عقولنا الضعيفة العاجزة، وهو إيماني العاطفي العميق بوجود قدرة عاقلة، مهيمنة، تتراءى حيثما نظرنا في هذا الكون المعجز للأفهام، إن هذا الإيمان يؤلف عندي معنى الله)!!..".
    يقول الأستاذ محمود: "والعلم التجريبي الروحي ليس جديدا، وإنما هو قديم قدم العلم المادي، وبحق، إنهما توأمان، ولدا في وقت واحد، ودرجا معا، وظلا يتعاونان في مدارج النمو، فإن الإنسان الأول عندما وقف على رجليه، لأول مرة، أمام قوى الكون المادي الهائلة امتلأ قلبه بالخوف، والتقديس، فأما القوى التي أخافته هونا ما، واستطاع مناجزتها فقد هدته إلى العلم التجريبي المادي، وأما القوى التي استرهبته، واستغرقته خشيتها، فقد تزلف إليها، وتملقها، وهدته بذلك إلى العلم التجريبي الروحي. ونحن نسمي هذين التوأمين اليوم، العلم، والدين، وقد قفز العلم قفزة واسعة جدا في العصر الحديث، وتخلف الدين، وبذلك حدث الاختلال في التوازن، وظهر الاضطراب، والقلق الذي أشرنا إليه، في صدر هذه الكلمة، وليس إلى إعادة التوازن من سبيل، إلا إذا قفز الدين هذه القفزة الجريئة نفسها، فرد قواعد الأخلاق البشرية إلى أصلها الأصيل، على نفس النحو، وبنفس القدر، الذي به ردت مظاهر الكون المادي إلى أصلها الأصيل".. وهذا الأصل الأصيل الذي يتحدث عنه الأستاذ هو الوحدة، وعن ذلك يقول الأستاذ محمود: "وحين ينتهي بنا العلم التجريبي المادي إلى رد جميع ظواهر الكون المادي إلى وحدة هي (الطاقة)، يبرز لنا من جديد، وبصورة خلابة، العلم التجريبي الروحي، ليتولى قيادنا في شعاب الوادي المقدس، الذي يقع وراء المادة، ونستطيع، بمواصلة البحث والاستقصاء، في العلم التجريبي الروحي، أن نرى هل يمكن أن ترد ظواهر الأخلاق البشرية إلى أصل واحد، كما ردت ظواهر الكون المادي إلى أصل واحد، ويتم بذلك الاتساق، والتلاؤم، بين سلوك البشر، وبين البيئة المادية التي يعيشون فيها، فينتهي بذلك القلق الحاضر، ويعم الأرض السلام..".. هذا هو التحدي الذي يفرضه الواقع الحضاري.. وهو تحدي، لن تتم الاستجابة الناجعة له، إلا إذا رُد كل شيء، في الوجود المادي، وفي النفس البشرية وسلوكها، إلى الوحدة، التي هي أصل كل شيء!!
    يقول الأستاذ محمود: "فأنتم ترون، من هذا الحديث، كيف رد العلم التجريبي الظواهر المختلفة إلى أصل واحد، وكيف حمل هذا العلم أكبر علمائنا المعاصرين - آينشتاين - ليقول هذه الكلمة الخالدة، التي أوردناها في آخر ما اقتبسناه من كتاب الدكتور أحمد زكي، فكأن العلم التجريبي لا يريد أن يكتفي بأن يظهر لنا وحدة العالم المحسوس، وإنما يذهب إلى أبعد من ذلك، فيرينا كيف أن العالم المحسوس، إذا أحسن استقصاؤه، يسوقنا إلى عتبة عالم وراءه، غير محسوس، ويتركنا هناك وقوفا، في خشوع، وإجلال، نلتمس وسائل، غير وسائل العلم التجريبي المادي، بها نهتدي في مجاهيل الوادي المقدس، الذي يقع وراء عالم المادة.. اقرأوا، مرة ثانية، الكلمة الخالدة التي حمل العلم التجريبي المادي الحديث أكبر علمائنا المعاصرين على قولها!! واقرأوا، بشكل خاص، قوله فيها (وهو إيماني العاطفي، العميق، بوجود قدرة عاقلة، مهيمنة، تتراءى حيثما نظرنا، في هذا الكون المعجز للأفهام)!!
    إن العالم المادي إنما هو بمثابة الظلال للعالم الروحي، أو قل بتعبير أدق، أن المادة روح، في حالة من الاهتزاز تتأثر بها حواسنا، وأن الروح مادة، في حالة من الاهتزاز لا تتأثر بها حواسنا، فالاختلاف، على ذلك، بين عالم المادة، وعالم الروح هو اختلاف مقدار وليس اختلاف نوع، وهذا يفتح الباب على الوحدة.. وحدة جميع العوالم..".
    يقول الأستاذ محمود، بعد أن أورد عبارة آينشتاين، والتي يتحدث فيها آينشتاين عن دينه، يقول: "إن العالم الطبيعي الكبير، آينشتاين، يقف عاجزاً، حائراً، على عتبة معضلة الجبر والاختيار".. ثم يقول: "ونحن، بعلمنا التجريبي الروحي، نبدأ من حيث انتهى هذا العالم الجليل بعلمه التجريبي المادي، ومع أنه واضح أن آينشتاين قد قرر الجبر، وذلك بقوله: (وهو إيماني العاطفي، العميق، بوجود قدرة عاقلة، مهيمنة، تتراءى، حيثما نظرنا، في هذا الكون المعجز للأفهام)، إلا أنه واضح أيضا أنه يتساءل تساؤلا صامتا: ما هي هذه القدرة العاقلة المهيمنة؟؟ وما مدى هيمنتها؟؟ ونعتقد أن الإجابة على هذين السؤالين هي الإجابة على مسألة الجبر والاختيار، وبها ترد مظاهر الأخلاق البشرية إلى أصل واحد، كما ردت من قبل مظاهر الكون المادي إلى أصل واحد..".. هذا الأصل الواحد هو القانون الطبيعي في الإسلام.. وهو القانون الذي يسير جميع العوالم، في المجال المادي تسييراً مباشراً، وفي مجال الأحياء دون الإنسان، تسييراً شبه مباشر، وفي مجال الإنسان تسييراً غير مباشر.. وكما أن العلم المادي التجريبي مادته الطاقة، وكذلك العلم التجريبي الروحي – الدين – مادته الطاقة أيضاً، ولكنها في هذه الحالة (الإرادة البشرية) هل هي (مخيرة) أم (مسيرة) كالطاقة المادية؟؟
    الوحدة في الكون المادي هي:
    1/ وحدة اللبنات التي يتكون منها العالم كله.. وهي حسب أقوال أحمد زكي في الكتاب المشار إليه، هي ثلاث لبنات، ترجع إلى أصل واحد، وهي: إلكترونات وبروتونات ونيوترونات.. وهذا ما كان عليه العلم، الذي بنى عليه د. أحمد زكي، أما اليوم، فالوحدة هي الكواركات، والروابط بينها.
    2/ أما الوحدة الثانية، فهي تقوم على التكافؤ بين المادة والطاقة، الذي برهنت عليه نسبية آينشتاين، وقام عليه التطبيق الفعلي.. وهذه الوحدة تجعل المادة ليست شيئاً غير الطاقة، وإنما هي المظهر الكثيف لها، مما يؤكد صحة، قول الأستاذ محمود: " إن العالم المادي إنما هو بمثابة الظلال للعالم الروحي".
    هنالك حقيقة كونية كبرى، تتجلى فيها الوحدة التي قاد إليها العلم التجريبي المادي، في أعظم مجاليها، وهذه هي وحدة الكون المادي كله في طبيعته، وفي بدايته، كما تدل عليها نظرية (الانفجار العظيم).. وهي تحتاج أن نفصل فيها قليلاً.
    مفردة الانفجار العظيم:
    تقوم نظرية الانفجار العظيم، على أن الكون كله، حدث نتيجة انفجار، جرى في نقطة متناهية في الصغر، سميت (مفردة) Singularity.. وفق هذه النظرية التي أصبحت سائدة في الأوساط العلمية، المفردة هي أصل الكون الذي صدر منها جميعه.. وكلمة مفردة تفيد بأنها شيء ليس له شبيه أو مثيل، في الكون الذي نشأ منه!! ففي هذه المفردة، قبل الانفجار، لا يوجد زمان ولا مكان!! فوجودها، وجود غير تاريخي.. وهي لا تخضع لقوانين الطبيعة، التي نشأت منها بعد الانفجار وهي تخالف وتتجاوز هذه القوانين، في أهم وأخطر ما عرفت به هذه القوانين، من ثوابت، ومن هذه الاختلافات والتجاوزات ما يلي:
    1/ المفترض في المفردة، أنها أصغر من طول بلانك.. وهو أصغر طول ممكن، في كوننا، وأي طول أقل منه يتحول إلى ثقب أسود يبتلع أي شيء يقترب منه، بما في ذلك الضوء.
    2/ هذه المفردة، بهذا الطول، كان حجمها صفراً.. وهذا الصفر كان كل الكون مكثفاً فيه.
    3/ عندما كان حجم الكون صفراً، كان حاراً لدرجة لا نهائية.. وتتجاوز حرارته (ثابت بلانك).. وثابت بلانك هنا، هو درجة الحرارة التي لا يمكن تجاوزها، وفقاً لقوانين الفيزياء.
    4/ وعندما حدث الانفجار في المفردة.. يحدثنا العلماء، بأن الكون تمدد بسرعة، تفوق سرعة الضوء بمليارات المرات.. وسرعة الضوء، حسب فيزياء كوننا هي السرعة التي لا يمكن تخطيها.
    5/ قبل الانفجار، كانت قوى الطبيعة الأربعة، التي لا تتبدل ولا تتغير، متوحدة في قوة واحدة متفردة!! وهذه القوى الأربع هي: قوة الجاذبية، والقوة النووية الشديدة، والقوة النووية الضعيفة، والقوة الكهرومغنطيسية.. أربعتها كانت قبل الانفجار قوة واحدة.
    فحسب النظرية، الكون كله، بمادته، وقواه، والتي تكونت منه لاحقاً، جميع المجرات المعروفة الآن وغير المعروفة، كان محصوراً في هذه المفردة التي حجمها صفراً!!
    الزمن التقديري لميلاد الكون، هو قبل 13,7 مليارات سنة.. فلكوننا، حسب النظرية، تاريخ ميلاد، وهو تاريخ تقديري، إلا أنه يقوم على حسابات علمية.
    كل ما ذكرناه، عن المفردة، مما يخالف قوانين كوننا، ويتجاوزها، من المستحيل تصوره، وذلك لأن تصورنا، مصمم على تصور، ما هو في إطار القوانين الطبيعية لكوننا.. فإذا سألت: ما الذي كان قبل المفردة.. فإن العلماء يقولون لك: إن مثل هذه الأسئلة لا معنى لها، لأن الانفجار هو البداية، فلا مجال لأسئلة مثل قبل.. يقول بول ديفيز: "وتتضمن ظروف الانفجار العظيم، تشوها لا متناهياً للزمن، بحيث أن التصور نفسه للزمن (كما الفراغ)، لا يمكن أن يمتد لما وراء الانفجار العظيم، والاستنتاج الذي يبدو أنه يفرض نفسه علينا هو أن الانفجار العظيم كان البداية القصوى لكل الأشياء الفيزيائية: الفضاء، الزمن، المادة، الطاقة.. ومعنى ذلك، أنه لا جدوى من أن نسأل (كما يفعل العديد من الناس)، ماذا حدث قبل الانفجار العظيم، أو ما الذي جعل الانفجار يحدث.. فمفهوم "قبل" لم يكن له وجود، حيث أن الزمن ذاته لم يكن له وجود، وحيث لا يوجد زمن، فلا يمكن أن تكون هناك سببية بالمعنى المألوف لنا".
    ليس من أغراضنا هنا، تتبع تفاصيل ولادة الكون، إلا أنه بصورة عامة، بعد الانفجار العظيم، تمدد الكون وانخفضت حرارته، ونتيجة لهذا الانخفاض تكونت الجسيمات دون الذرية، ثم الذرات، ثم المواد.. وكان هذا يتم بالتدريج، تمشياً مع انخفاض حرارة الكون، فمثلاً: عندما انخفضت الحرارة إلى نحو عشرة بلايين درجة مئوية، تكونت الجسيمات مع جسيماتها المضادة، وهكذا يتابع أصحاب النظرية، تواريخ ميلاد الكون بالتفصيل.
    في التدليل على نظرية الانفجار العظيم نرجع إلى ما أورده لنا دكتور عمر شريف.. فهو قد أورد الأدلة الأربعة، المعتبرة، عند العلماء، على بداية الكون، وعلى نظرية الانفجار العظيم.. وهي تتلخص فيما يلي:
    1- حسب القانون الثاني للديناميكا الحرارية، الحرارة تتناقص دائماً من (وجود حراري) إلى (عدم وجود حراري).. والعكس غير ممكن.. أي أن الكون يبرد – حرارته الآن 3,7 فوق الصفر المطلق.. ولو كان الكون أزلياً، أي لا بداية له، لفقد حرارته كلها وفنى منذ زمن بعيد.
    2- أثبت هابل أن المجرات تتباعد (ظاهرة الإزاحة الحمراء للمجرات).. أي أن الكون يتمدد.. ولو عدنا بحساباتنا الرياضية للوراء، سنصل إلى اليوم الذي كانت فيه المسافة بين المجرات تساوي صفراً وهذا يعني لحظة بداية الكون.
    3- كان فيزيائيان من جنسية أمريكية، يختبران أحد المجسات الدقيقة والحساسة للموجات الميكروية The micro waves فالتقط المجس إشارات ضجيج أكثر مما كان الباحثان يتوقعان، وظل الضجيج هو نفسه، ليل نهار على مدار السنة، على الرغم من دوران الأرض حول محورها وحول الشمس.. ولاحظ الباحثان أن الضجيج يأتي من كل صوب وبالشدة نفسها، سواء من داخل مجموعتنا الشمسية أو من خارج المجرة.. وبرهن ثبات الضجيج أن الكون متماثل في جميع الاتجاهات.
    ما هو مصدر الضجيج الكوني الثابت؟ كان الكون المبكر ساخناً جداً، وكثيفاً جداً، ومتوهجاً إلى درجة البياض، وكان ينبغي أن يصلنا هذا التوهج (الضوء) من جميع أرجاء الكون.. ولما كان الكون يتمدد، فإن الضوء اعترته إزاحة حمراء كبيرة، إلى درجة أنه وصل إلينا على هيئة أشعة ميكروية، بدلاً من الضوء المرئي.
    4- تتشكل العناصر الثقيلة، مثل الحديد والنحاس والذهب، عن طريق اندماج العناصر الخفيفة، وقد توفرت الحرارة العالية المطلوبة لتحقيق الاندماج في النجوم المستعرات super nova.. أما العناصر الخفيفة – الهيدروجين والهيليوم – الموزعة بتشكيل متساوٍ في مختلف أرجاء الكون، فيحتاج تشكيلها من الجسيمات تحت الذرية إلى درجات حرارة أعلى كثيراً.. إن ذلك يعني وجود هذه الحرارة الهائلة في جميع أرجاء الكون، أي أن الكون قد نشأ بحادث واحد مهول، منتج للحرارة، وليس بأحداث متكررة متشابهة، في أماكن مختلفة.. وهذا الحادث لن يكون إلا الانفجار الكوني الأعظم.
    نظرية الانفجار العظيم نظرية متماسكة، وأدلتها العلمية واضحة ومقنعة، وهي ككل نظرية علمية، قد تأتي نظرية أخرى، أدق منها، تعدل فيها، ولكنها حتى الآن، هي أكمل نظرية علمية، في تصور الكون ككل.. النظرية، تدل على تحول كبير، وخطير جداً، في الفكر العلمي، وفي التفكير عامة.. ونحب أن نبدي الملاحظات التالية، حولها:
    1/ لقد أصبح العقل العلمي يقبل القول بأن هنالك أسئلة لا يمكن الإجابة عليها، عقلياً، ولا جدوى منها، لأنها خارج قوانين كوننا، التي يعمل في إطارها العقل.. وقد أوردنا قول بول ديفيز، الذي جاء فيه: "ومعنى ذلك، أنه لا جدوى من أن نسأل (كما يفعل من العديد الناس)، ماذا حدث قبل الانفجار العظيم، أو ما الذي جعل الانفجار يحدث.. فمفهوم "قبل" لم يكن له وجود، حيث أن الزمن ذاته لم يكن له وجود، وحيث لا يوجد زمن، فلا يمكن أن تكون هناك سببية بالمعنى المألوف لنا".. قيمة هذا القول في أنه يقر بأنه يمكن أن يكون هنالك وجود حقيقي، ولكن عقلنا لا يستطيع تصور كيفيته، فنؤمن به، لأن الأدلة عليه واضحة، وإن عجزت عقولنا عن إدراك كيفية وجوده.. القول في جملته، يدل على اتجاه للتواضع الفكري، باعترافه بعجز الفكر، في إدراك أمر ما.. ولكن رغم ذلك، هنالك بقية من تكبر فكري يتمثل في الزعم بأن ما لا يمكن إدراكه، عن طريق العلم ومنهجه، لا يمكن إدراكه بصورة عامة، ولم يضع أي احتمال لتصور منهج آخر، غير العلم، يدرك ما عجز العلم عن إدراكه!!
    عبارة (وحيث لا يوجد زمن، فلا يمكن أن تكون هنالك سببية بالمعنى المألوف لنا) عبارة لا تنفي السببية بصورة مطلقة، وإنما تنفي السببية (بالمعنى المألوف لنا).. يعني أنه يمكن أن تكون هنالك سببية، ولكن ليست بالمعنى المألوف لنا، في مجال العلم.. ولكن الكاتب ليس وفياً لهذا المبدأ، ولذلك لم يطبقه في مجال السؤال: (ماذا حدث قبل الانفجار، أو ما الذي جعل الانفجار يحدث)، فقرر بصورة حاسمة، أنها أسئلة لا جدوى منها، وأبعد عبارة (بالمعنى المألوف لنا).. وبنى تقريره هذا على اعتبار أن الزمن ذاته لم يكن موجوداً!! فهو قال: "فمفهوم (قبل) لم يكن له وجود، حيث أن الزمن ذاته لم يكن له وجود"!! هذا قول جانب فيه العلمية.. فما هو (الزمن ذاته)!؟ واضح أنه يعني الزمن الفيزيائي أو الفلكي، كما هو في كوننا، مثل زمن الأرض، والنجوم والمجرات، والكون كله!! ولكن زماننا هذا، لا يمكن أن يقال عنه (الزمن ذاته).. هو زمن الكون المادي.. وحسب الدين هنالك أكوان أخرى سابقة على هذا الكون المادي، بالصورة التي تفهم بها المادة – وهنالك السرمد – زمان من لا زمان له – زمان المطلق..
    الأسئلة المذكورة، ضرورية جداً، ولا يمكن للعقل أن يتخلى عنها، وهذا ما تشير إليه عبارة بول ديفيز (كما يفعل العديد من الناس).. لا يمكن للسؤال: ماذا جعل الانفجار يحدث؟ أن يكون بلا جدوى.. فطالما أن الانفجار حدث، فلا بد أن يكون هنالك سبب لحدوثه.. فلا شيء حادث، يحدث بدون سبب – هذا من المبادئ العقلية الضرورية كما رأينا.. كان يمكن أن يقول: لا نعرف سبب حدوثه، وهذا ما يقتضيه التواضع الفكري.. فلا ينبغي أن نجعل عقولنا، حكماً على الوجود، فما لا تعلمه، نقرر أنه غير موجود.. وهذا ما تورط فيه ديفيز.. الواقع هو أن الزمن قبل الانفجار موجود، ومفهوم (قبل) موجود، والانفجار ليس بداية الزمن، وإنما هو يمكن أن يكون بداية زمن معين، هو زمن كوننا المادي.
    الخطأ، كل الخطأ، جاء من افتراض ضمني، أنه لا يوجد كون وراء كوننا هذا المادي.. كما أن الخطأ المبدئي، يأتي من تصور أن العلم المادي التجريبي، هو العلم الوحيد، وصاحب الكلمة الأخيرة، في تصور كوننا وما يجري فيه، وما قبله وما بعده.. وهذا غرور، وعودة لتأليه العقل، ولكن ليس بصورة مباشرة وصريحة، كما هو الحال في عصر التنوير.
    يمكن أن تكون هنالك أسئلة لا يستطيع العقل أن يجيب عليها، ولكنها ليست: ماذا قبل الانفجار؟ وما الذي أحدث الانفجار؟ وبقية الأسئلة المذكورة.
    2/ إن من أهم نتائج نظرية الانفجار العظيم، هو موضوع الوحدة!! فهي قد جعلت للكون أصل واحد، هو المفردة التي خرج منها الكون، بكل تفاصيله، وتنوعه.. وقد أصبح العلماء، في وقتنا الحاضر يقولون، إن أصل كل شيء في كوننا هو الهيدروجين.
    3/ النظرية تقرر بصورة حاسمة، أن هنالك وقت لم تكن فيه المادة – كما نألفها – موجودة.. المادة لم تظهر إلا بعد أن حدث الانفجار.. وهذا يدحض زعم الماديين بأن المادة سرمدية، بصورة نهائية.
    هذه النقطة مع ما ذكرناه عن الكواركات، وعن تكافؤ المادة والطاقة، جعلت من المحسوم علمياً، أن المادة ليست سرمدية، كما كان يقال، وإنها ليست صاحبة وجود حقيقي، وإنما وجودها مرتبط بأوهام الحواس.. وهذا انجاز عظيم جداً، معه ينهار كل التفكير المادي بصورة نهائية.. ولكن يلاحظ أن الناس حتى الآن يتمسكون بالمادية، وما هذا إلا بسبب التعصب للدين القديم، وبسبب أن البديل لم يبرز حتى الآن، بالصورة التي يوجه فيها الفكر البشري والحياة البشرية، ولكن نهاية المادية علمياً، تؤكد حتمية ظهور هذا البديل، وسيادته، وليس بيننا وبين ذلك، إلا الزمن.. وكتابتنا هذه هي بسبيل من تقديم البديل، الذي وقته قد أظل، وتكاد جميع أشراط ظهوره قد حدثت، فما منه بد!!
    خاتمة:
    في ظل النظام الرأسمالي، لا وقت للفكر.. كل الناس، العالم منهم والجاهل، لا يجدون وقتاً للفكر، إلا فكراً يرتبط بإشباع حاجات الحياة الدنيا، غير القابلة للإشباع.. وعلى ذلك أصبح الفكر غريباً عن الحياة.. فعلى محدوديته، مطالب الحياة لا تسمح بوقت له.. والوقت الذي يتوفر، يضيع في التسلية الهروبية، كوسيلة للهروب من معاناة القلق الوجودي، والتفكير في القضايا الأساسية التي لا حل لها!!
    التفكير في الحياة اليومية، عند جميع أفراد الحضارة الغربية، وفي كل الأوقات، هو تفكير في الحياة الدنيا، لا يكاد يتعداها.. وهذا ليس بتفكير، وإنما هو حسب إيريك فروم (ذكاء تحايلي)!! فهو يقول: "والعقل، بمعنى الفهم، صفة قاصرة على النوع الإنساني.. أما الذكاء التحايلي كوسيلة لتحقيق أغراض عملية فهو صفة يشترك فيها الإنسان مع سائر الحيوانات.. والذكاء التحايلي، بلا تعقل، يمكن أن يكون خطرا، حيث يمكن - من زاوية رؤية عقلية - أن يدفع الناس في اتجاهات تؤدي إلى الدمار الذاتي.. والحق أنه بقدر تعاظم الذكاء غير المحكوم تتعاظم مخاطره".. والذكاء الغربي، بصورة عامة، هو ذكاء غير محكوم.. لا توجد قيم عليا، تقوم على نظرة كونية، محكمة.. لقد غابت معايير القيم، بصورة تكاد تكون تامة.. وأصبح التفكير بصورة عامة، لا يرتبط بقيم خارجية، كعقيدة، وكتوجيه، وإنما هو مرتبط بالمصالح الدنيوية الذاتية.. بل حتى القيم أصبحت ذاتية.. وظهر مفهوم التفكير (النسبوي) الذي قال عنه كارل بوبر أنه خيانة المثقفين.
    رياضة العقول كلها، عندهم هي مجال الذكاء التحايلي، وهي، على ذلك، ضد النمو العقلي، وتقعد بالعقل عن الارتفاع عن المستوى الذي يشترك فيه البشر مع الحيوان – الغريزة.
    لا مجال لفكر، بدون العقل.. ولقد اعتبر الفكر الغربي، لوقت طويل أن العقل هو الدماغ.. وعندما ظهر خطل هذا الرأي، كان رد الفعل أسوأ، إذ اعتبر العقل ليس أداة للفهم، وظهر العداء للعقل، بالصورة التي ذكرنا طرفاً منها.. قال ما بعد الحداثيين، أن العقل مجرد أداة للعيش، وأن الكون فوضى.. يقول يعقوب فام، عن البراغماتية: "العين اداة للحياة، وكذلك العقل سواء بسواء، ومن هنا سميت هذه النظرية بالآلية أي أن العقل آلة يستخدمها الإنسان في المحافظة على الحياة أولاً وفي تنميتها واضطرادها ثانياً".. وكل هذا الحديث ينطبق على العقل الغربي المعاصر، وليس على العقل من حيث هو.. ولكن غرور إنسان الغرب، جعله يحكم بأن ما يعرفه هو المعرفة، وما لا يعرفه لا وجود له.. ويتجلى هذا، في أخطر صوره، في رفضهم للغيب، ولكل الما وراء.. وهذا الذي يرفضونه هو مجال المعرفة الأساسي.
    وكما أنهم يرفضون مجال المعرفة الأساسي، هم كذلك، يجهلون وسيلة المعرفة الأساسية، ويهملونها في مجال معرفتهم، إهمالاً تاماً!! وسيلة المعرفة الأساسية هي القلب، فهو وحده الذي يستطيع أن يعرف الحقيقة!! كما انه هو الذي يمد العقل بمعارفه، وهي معارف، كلها تقع في جانب الحق، ولا تملك أن تكون في جانب الحقيقة.. فالقلب في الفكر الغربي، مجرد مضخة دم، كان ولا يزال.. صحيح أنه جدت في العلم الحديث، بعض الاعتبارات للقلب، ولكنها لا تزال بعيدة جداً، عن حقيقة وضعه.. وأساساً، معرفة القلب، ومكانته في المعرفة، وفي الحياة، بالمعنى الذي نعنيه، هي خارج إطار العلم المادي التجريبي، ولا مجال إليها، إلا الدين.
    هل التفكير العلمي، (علمي)؟ هل علمية العلم تقوم على موضوع العلم، أم على منهجه؟ ما نراه هو أن علمية العلم، تتوقف على الأثنين معاً: الموضوع والمنهج.. موضوع العلم بالنسبة للحضارة الغربية، هو ظواهر الكون، ومن بينها ظاهرة الإنسان، وهذا مجالٌ في العلم محدودٌ جداً، ولا يمكن أن يقود إلى حقيقة الوجود.. حقيقة الوجود لا تقوم على الظاهر فقط، وإنما هي تقوم على الظاهر وما وراء الظاهر.. ومنهج العلم، حسب العلم المادي التجريبي، يقوم على العقل المجرد بصورة كلية مع اعتبار الوسائل المعينة للعقل، والعقل وحده، من المستحيل أن يقدم معرفة حقيقية يقينية.. وقيمة المعرفة الأساسية، هي أن تكون يقيناً تطمئن له النفس.. وحسب العلم المادي التجريبي لا مجال لليقين!!.. يقول كارل بوبر: "لما كان من المستحيل أن نعرف شيئاً بيقين، فليس ثمة ما نجنيه من البحث عن اليقين، أما البحث عن الحقيقة فهو أمر يستحق..".. على عكس هذا التصور يقوم الإسلام، فنحن أساساً نبحث عن المعرفة اليقينية، فهي وحدها المعرفة.. واليقين هو المعرفة التي لا يكاد يكون فيها شك.. علماً أن وجود الشك ضروري جداً لتطور المعرفة.. واليقين والحقيقة لا ينفصلان.. فعلم اليقين هو علم مرتبط بالحقيقة، ولا مجال لأن يكون خلاف ذلك.
    ولكل ذلك نؤكد أن المعرفة العلمية القائمة على منهج العلم المادي التجريبي، ليست (علمية).. وهي لكي تصبح علمية لا بد أن يشفعها علمٌ آخر، هو علم ما وراء الظاهر، والذي ما الظاهر إلا ظلال له.. وهذا هو العلم الديني – العلم بالله – فهو وحده (العلم)، لأنه يقوم على الظاهر وما وراء الظاهر، في آن معاً.. وأهم من ذلك، لأنه يقوم على علم اليقين، الذي تطمئن به النفوس، ويفضي إلى الحقيقة..
    ملاحظة: الحلقات مأخوذة من كتاب (الفكر بين الإسلام والحضارة الغربية).. وبالطبع الكتاب أوثق وأشمل من هذه الحلقات بكثير.

    خالد الحاج عبد المحمود ـ رفاعة
    18 أكتوبر 2016م






    أبرز عناوين سودانيز اون لاين صباح اليوم الموافق 17 أكتوبر 2016

    اخبار و بيانات

  • بيان من تحالف قوى التغيير السودانية حول نهاية مسرحية الحوار
  • الجبهة الوطنية العريضة حقك تحرسو ولا بجي حقك تقاوي وتقلعو
  • البرلمان يطالب بوقف توظيف الخريجين
  • سلفاكير يرهن عودة مشار لجنوب السودان بإدانته العنف
  • رئيس لجنة بالبرلمان: «30» شخصاً وجهة حكومية يسيطرون على سعر الدولار
  • قال إنهم لا يزالون أعضاء الحزب الشيوعي يُقِرُّ باستقالات الجزولي والقطاع الصحي
  • كاركاتير اليوم الموافق 17 أكتوبر 2016 بريشة الدكتور ابومحمد ابوآمنة بعنوان هموم محمد احمد السودانى
  • بحضور الجالية السودانية نهائي كرنفالي لبطولة الجالية الجنوبية في العاصمة السعودية الرياض


اراء و مقالات

  • وإذا الموءُودةُ سُئِلت بقلم عميد معاش طبيب سيد عبد القادر قنات
  • شهادة مستحقة للدكتور حسن عابدين بقلم نورالدين مدني
  • مبروك للواهمين ختام حوارهم الكاذب.. بقلم عبدالغني بريش فيوف
  • رؤية توضيحية للمنبر التفاوضي الخاص لشرق السودان بقلم أسامة سعيد
  • طَعْنَاً فى حِوارِ "عَافِية دارفور" مع مِنَّاوِى بمُناسبةِ ذِكرى قيامِ الحرَكة بقلم عبد العزيز عثم
  • العشاق وموسم الهجرة الي القاهرة بقلم عاطف نواي
  • الضوء المظلم؛ الجنرال البشير والرقص على جثة الوطن، رئيس غافل وشعب جاهل بحقو بقلم إبراهيم إسماعيل إ
  • يابا أنجلوسى فنان جوبا الأول ودوره الفعال فى إحداث تغيير سياسى وإجتماعى ! بقلم : عبير سويكت (الم
  • المهام الخمسة لنجاح عملية تحرير الموصل بقلم اسعد عبدالله عبدعلي
  • سلام قطر دولة الكرم والمحبة بقلم عمر الشريف
  • الإعداد النفسي مفتاح فوز الهلال بقلم كمال الهِدي
  • مخرجات حوا ر الوثبة ..وفى رواية :فشل النظام فى شرعنة عفا الله عماسلف بقلم ادروب سيدنا اونور
  • هل دخل السودان مرحلة الحداثة بقلم د.آمل الكردفاني
  • والان تم تجهيز المسلخ بقلم سعيد شاهين
  • سنة الرسول بين اهل الجهل و اصحاب العقول بقلم احمد الخالدي
  • أربعة اتجاهات في اختيار الرئيس الفلسطيني القادم بقلم د. فايز أبو شمالة
  • إستجبنا للمنع فهل إنحلت المشكلة؟! بقلم حيدر احمد خيرالله
  • النقل الجائر ..!! بقلم الطاهر ساتي
  • رجل من وراء الرئيس..!! بقلم عبد الباقى الظافر
  • العدو هل هو داخل الحصن (٢) بقلم أسحاق احمد فضل الله
  • الظل !!! بقلم صلاح الدين عووضة
  • الضوء المظلم؛ السودان.. الرقص على جثة الوطن، رئيس معتوه وشعب جاهل بحقوقه.. بقلم إبراهيم إسماعيل إب
  • علمنا الإمام البنا بقلم ماهر إبراهيم جعوان

    المنبر العام

  • مظاهرة
  • يابكري وين الحماس
  • خستكة د. السر ، قصة قصيرة جدا، من تأليفي
  • لأول مرة في تاريخها ....جامعة اكسفورد تتخلى عن تقاليدها المتعلقة بالقبول
  • سرقوها في ليلة ساعة الغبش دقسوا .. شالوها من حته ودوها لي حته لا فيها عضة جوع لا أمة منكوبه
  • جريمة قتل بولاية نهر النيل والقتيل مدير وزارة الزراعة بالانابة
  • تكملة حوار مع محمد آدم
  • صحافيون يشرعون في مقاضاة مأمون حميدة
  • ال ح س ي ّّ..........
  • ** مصيبة السلطة وقيادة الناس**
  • المثلية مش جريمة
  • الحرس الرئاسي الليبي يعلن انشقاقه عن حكومة السراج في طرابلس
  • قرار جديد ضد بائعات الشاي في الخرطوم
  • أفراد الحرس الرئاسي نزعوا هاتفه بوحشية.. اعتقال مواطن قام بتصوير البشير اثناء رقصه في حفل زفاف
  • بيبسي تعلن نيَّتها خفض نسبة السكَّر في مشروباتها.. الحكومات تحمِّلها مسؤولية تفشِّي السمنة
  • أنا والجرائم الموجهة ضد الدولة
  • ملتقي طرق -عوض الله نواي
  • مبارك الفاضل يهاجم الصادق المهدي وقوي نداء السودان, ويدافع عن الحوار الوطني (video)
  • فيديو: تسلسل تاريخي لأهم أحداث نظام مايو منذ البداية وإلى السقوط
  • ♥ أول مرّة فى التاريخ ♥
  • إثيوبيا.. قيود على المعارضة والدبلوماسيين وحظر للتجوال
  • قصي ، بريمة ، أبوحسين ، خاصة صديق الغالي ده ترامب زاتو ( على نيته )
  • رحمـــــــك الله والـــدي العزيــــــز مصطفى العبيـــد كيقـــة وأسكنـــــك فسيح جناتـــه
  • استشارة مستعجله .... ناس اللوتري 2018
  • الشيوعيون............ لابدين سااااااكت
  • اعتقال مواطن قام بتصوير البشير اثناء(حتة) في حفل زفاف
  • أين سائق التوك توك السوداني؟
  • ياما قال كلام ما لي دخل ( بيه ) .. ارجل غنّاي غلبو يقلّدها
  • زوجتي مكانها مطبخي وغرفة معيشتي وغرف أخرى
  • كاريكاتيرات ود أبو تطورت شديد ..
  • النطيحة ما بتسمع الصايحة: الشيوعي يتشظى لاربعة أو يزيد....؟!
  • عطبرة-سكك حديد السودان
  • وفد رفيع بالقاهرة.. الأسد يرسل مسؤولين في نظامه إلى مصر.. والمخابرات استقبلتهم بالمطار
  • معادلة التغيير
  • الغنوشي يرفض تكفير "الدواعش" ويتحدث عن أسباب نشأتهم






















  •                   


    [رد على الموضوع] صفحة 1 „‰ 1:   <<  1  >>

    تعليقات قراء سودانيزاونلاين دوت كم على هذا الموضوع:
    at FaceBook




    احدث عناوين سودانيز اون لاين الان
    اراء حرة و مقالات
    Latest Posts in English Forum
    Articles and Views
    اخر المواضيع فى المنبر العام
    News and Press Releases
    اخبار و بيانات



    فيس بوك تويتر انستقرام يوتيوب بنتيريست
    الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
    لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة
    About Us
    Contact Us
    About Sudanese Online
    اخبار و بيانات
    اراء حرة و مقالات
    صور سودانيزاونلاين
    فيديوهات سودانيزاونلاين
    ويكيبيديا سودانيز اون لاين
    منتديات سودانيزاونلاين
    News and Press Releases
    Articles and Views
    SudaneseOnline Images
    Sudanese Online Videos
    Sudanese Online Wikipedia
    Sudanese Online Forums
    If you're looking to submit News,Video,a Press Release or or Article please feel free to send it to [email protected]

    © 2014 SudaneseOnline.com

    Software Version 1.3.0 © 2N-com.de