مصر أمام مفترق طرق: هل ينهار النفوذ التاريخي في السودان؟ مخاوف القاهرة من فقدان "الحديقة الخلفية"
الجيش السوداني: كلب الحراسة !!
تعيش مصر اليوم حالة من القلق الاستراتيجي غير المسبوق إزاء ما يحدث في السودان. فالتطورات الأخيرة على الأرض، وخاصة تراجع المؤسسة العسكرية التي طالما اعتبرتها القاهرة حجر الزاوية في نفوذها السوداني، تنذر بنهاية حقبة من الهيمنة المصرية امتدت لعقود طويلة.
الجيش السوداني الذي أسسته مصر ورعته وصممته ليكون أداة لحماية مصالحها، بات اليوم في موقف ضعف شديد، وهو ما يعني أن القاهرة تواجه احتمالية فقدان أهم أوراقها في اللعبة السودانية.
الجيش السوداني: كلب الحراسة الذي فشل في مهمته
لم تكن علاقة مصر بالمؤسسة العسكرية السودانية علاقة عادية بين جيشين، بل كانت علاقة بين صانع وصنعة. منذ عقود، عملت مصر على تشكيل هذه المؤسسة وفق رؤيتها الخاصة، من خلال برامج التدريب والتسليح والدعم اللوجستي، وصولاً إلى غرس ثقافة عسكرية تضع حماية المصالح المصرية في صميم المهام "الوطنية" للجيش السوداني.
كان الدور المرسوم لهذا الجيش واضحاً: أن يكون "كلب حراسة" يحمي مصالح مصر في السودان بما يضمن تدفق مياه النيل دون عوائق، يمنع صعود أي نظام حكم معادٍ للمصالح المصرية، ويبقي السودان ضمن دائرة النفوذ المصري مهما كانت التكلفة على الشعب السوداني نفسه.
لكن هذا "الكلب" فشل في مهمته الأساسية. الهزيمة العسكرية التي يواجهها الجيش السوداني اليوم ليست مجرد انتكاسة تكتيكية، بل هي انهيار للمنظومة بأكملها التي بنتها القاهرة بعناية على مدى عقود. فالجيش الذي كان يُفترض به أن يكون درع مصر في السودان، بات عاجزاً حتى عن حماية نفسه، ناهيك عن حماية المصالح المصرية.
الذعر المصري: ماذا بعد سقوط الجيش؟
تدرك القاهرة جيداً أن سقوط المؤسسة العسكرية السودانية أو تهميشها يعني فقدان أهم أداة للتأثير المباشر في القرار السوداني. بدون جيش موالٍ يسيطر على مقاليد الأمور في الخرطوم، تفقد مصر قدرتها على:
- التحكم في ملف المياه: إن أي نظام حكم سوداني غير خاضع للنفوذ المصري قد يعيد النظر في ترتيبات المياه التاريخية، وقد يتعاون مع إثيوبيا أو دول حوض النيل الأخرى بما يضر بالحصة المصرية.
- منع التحالفات الإقليمية المعادية: كانت مصر تستخدم نفوذها في السودان لإفشال أي محاولات لبناء تحالفات إقليمية قد تهدد مصالحها.
- السيطرة على الموارد السودانية: الأراضي الزراعية الخصبة، والثروات المعدنية، والموقع الاستراتيجي للسودان، كلها كانت متاحة للاستغلال المصري بفضل وجود نظام عسكري موالٍ.
- الحفاظ على العمق الاستراتيجي: السودان بالنسبة لمصر ليس مجرد جار، بل هو خط دفاع أول وعمق استراتيجي حيوي. فقدان النفوذ فيه يعني تقلص المجال الحيوي المصري بشكل خطير.
محاولات يائسة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه
في محاولة يائسة لوقف الانهيار، تضاعف مصر جهودها لدعم الجيش السوداني بكل الوسائل الممكنة، رغم أن الوضع على الأرض يشير إلى أن الأوان قد فات. من الدعم العسكري المباشر، إلى الضغوط الدبلوماسية على المجتمع الدولي إلى محاولات إعادة تشكيل المشهد السياسي السوداني بما يضمن بقاء ولو شكل من أشكال النفوذ العسكري.
لكن المفارقة المريرة للقاهرة هي أن هذه المحاولات نفسها تكشف حجم الأزمة. فكلما زاد الدعم المصري للجيش السوداني المنهار، كلما تأكد للسودانيين أن هذا الجيش لم يكن يوماً "وطنياً" بالمعنى الحقيقي، بل كان أداة لحماية مصالح خارجية.
السودان بعد الجيش: فرصة للاستقلال الحقيقي
إن هزيمة الجيش السوداني، رغم ما تحمله من مآسٍ إنسانية ودمار، قد تكون المفتاح لتحقيق الاستقلال الحقيقي الذي طالما حُرم منه الشعب السوداني. فسقوط المؤسسة العسكرية التي كانت أداة الهيمنة الخارجية يفتح الباب أمام احتمالات جديدة:
- بناء مؤسسة عسكرية وطنية: جيش يدين بالولاء للشعب السوداني فقط، وليس لأي قوة خارجية، جيش يحمي الحدود والسيادة الوطنية، وليس مصالح الجيران.
- سياسة خارجية مستقلة: بدون وصاية عسكرية موالية لمصر، يمكن للسودان أن يبني علاقات متوازنة مع جميع الأطراف الإقليمية والدولية بناءً على المصلحة الوطنية السودانية فقط.
- إدارة وطنية للموارد: الثروات السودانية ستُدار لخدمة الشعب السوداني أولاً، وليس لإشباع احتياجات الاقتصادات المجاورة.
- نظام حكم مدني: انهيار الجيش كقوة سياسية يفتح الباب أمام بناء نظام مدني ديمقراطي حقيقي، بعيداً عن الانقلابات والحكم العسكري الذي كان دائماً بوابة النفوذ الخارجي.
مصر أمام خيارات صعبة
تقف مصر اليوم أمام مفترق طرق حاسم: إما أن تواصل التمسك بأوهام الهيمنة والنفوذ من خلال دعم طرف عسكري منهار، مما يعمق العداء الشعبي السوداني تجاهها، أو أن تعيد حساباتها وتقبل حقيقة أن السودان لم يعد "الحديقة الخلفية" التي يمكن التحكم فيها.
العلاقة الصحية بين البلدين لن تُبنى على أساس الهيمنة والتبعية، بل على أساس الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة. لكن يبدو أن القاهرة لا تزال غير مستعدة لقبول هذه الحقيقة، مفضلةً التشبث بماضٍ ولّى ونفوذ يتلاشى.
نهاية حقبة
ما يحدث في السودان اليوم هو أكثر من مجرد صراع عسكري داخلي، إنه نهاية حقبة كاملة من الهيمنة الخارجية. هزيمة الجيش الذي صممته مصر ليكون أداة لنفوذها تمثل لحظة تحول تاريخية قد تفتح الباب أمام ميلاد سودان جديد، سودان حر ومستقل.
أما مصر، فعليها أن تدرك أن محاولة إنعاش جثة الجيش الموالي لها لن تعيد النفوذ الضائع، بل ستزيد فقط من عمق الجرح في العلاقات السودانية المصرية. الحكمة تقتضي قبول الواقع الجديد والبحث عن شراكة حقيقية ومتكافئة، أو المخاطرة بخسارة السودان.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة