هذا البوست اهديه الى العزيزات رشا عوض و حنان حسن..شيء عن القيادة، والغضب، والأخلاق في زمن الحرب
في أحد كتب التاريخ الروماني، تُروى قصة امرأة اسمها كورنيليا، أمّ الأخوين غراكوس. حين قُتل ابناها لأنهما حاولا إصلاح قوانين الأرض لصالح الفقراء، لم تصرخ، ولم تطلب ثأرًا، ولم تتراجع عن موقفها. قيل لها: خسرتِ أبناءك، فأجابت: “لم أخسرهم، أنجبتُ مواطنين.”
ذلك النوع من الصبر لم يكن خضوعًا، بل وعيًا بأن الغضب حين يُفرغ في المكان الخطأ، يخدم الجلاد أكثر مما يداوي الجرح.
حرب السودان، كاي حرب يحدث فيها تطبيع عالي مع العنف و تستدعى فيها الغرائز الأولى، ويُكافأ فيها الصراخ، ويُخوَّن الاتزان، برزت شخصيتان نسويتان اختارتا طريقًا أصعب: رشا عوض وحنان حسن.
لم تكونا على هامش المعركة، بل في قلبها الأخلاقي. وقفتا ضد الحرب، لا من موقع حياد بارد، بل من موقع مسؤولية مدنية صلبة. دافعتا عن قيم السلام والعدالة، ودفعتا ثمن ذلك كاملًا: تنمّر، تسفيه، استهزاء بالشكل والصوت، تشكيك في النوايا، ومحاولات ممنهجة لإسكاتهما… لأنهما نساء، ولأنهما لم تنضويا تحت راية السلاح، ولأنهما تجرأتا على أن تكونا مرآة.
وهنا نصل إلى لبّ المسألة.
في علم النفس الاجتماعي، هناك مفهوم يُسمّى “إزاحة الغضب”: حين يعجز الفرد أو الجماعة عن مواجهة مصدر القهر الحقيقي، يُفرغ الغضب في الأضعف، أو في من يذكّرهم بما فقدوه من قيم. وفي المجتمعات الأبوية، غالبًا ما تكون المرأة الواعية، المتزنة، الأخلاقية، هي الهدف الأمثل لهذه الإزاحة.
ليس لأنّها ضعيفة، بل لأن وجودها نفسه يفضح التناقض.
المرأة التي ترفض العنف، في زمن العنف، تُحرج من بنوا هويتهم على القوة. المرأة التي لا تردّ الشتيمة، تُربك من يعيشون على ردود الأفعال. والمرأة التي تصمد دون أن تتشبه بالجلاد، تُعرّي الفشل الأخلاقي للجميع.
الأبوية لا تخاف النساء الصاخبات بقدر ما تخاف النساء المتماسكـات. تخاف المرأة التي لا تحتاج إذنًا، ولا تبحث عن حماية، ولا تستعير لغة الكراهية لتُسمَع. لهذا يُهاجَم هذا النموذج بعنف رمزي قاسٍ: ليس لإسكاته فقط، بل لتدميره كنموذج.
في علم السياسة، يُسمّى هذا “تحطيم المثال الأخلاقي”. حين تفشل السلطة — أو الجماعة — في إقناع الناس بخطابها، تحاول تشويه من يقدّم بديلًا أخلاقيًا، لأن البديل الأخلاقي أخطر من المعارضة المسلحة. إنه يسحب الشرعية بهدوء.
رشا عوض وحنان حسن لم تختارا الصمت، ولم تختارا الصراخ. اختارتا الاستمرار.
وهذا، نفسيًا، من أعلى درجات النضج الانفعالي: أن تتحمّل الإساءة دون أن تتحول إليها. أن تفرّق بين الألم الشخصي والمصلحة العامة. أن تعرف أن الردّ اللحظي قد يريحك، لكنه قد يدمّر ما تؤمن به.
هذا النوع من الصبر ليس أنثويًا بمعنى الضعف، بل نسوي بمعنى استعادة تعريف القوة.
القوة هنا ليست القدرة على القهر، بل القدرة على ضبط النفس..على حماية المعنى من التلوث، وحمل القيم وسط الركام..
في التاريخ، كثير من التحولات الأخلاقية قادتها نساء لم يصرخن، بل ثبتن..وفي السودان اليوم، وسط الضجيج، هناك من يختار أن يكون ضميرًا حيًا لا بندقية.
هذا النص ليس تمجيدًا لشخصين..بل دفاعًا عن قيمة: أن التضامن مع النساء المستهدفات ليس مجاملة، بل ضرورة سياسية وأخلاقية. وأن حماية هذا النمط من القيادة هو حماية لمستقبل مدني، لا مكان فيه للوصاية، ولا لتمجيد العنف.
في زمن الحرب..أخطر ما يمكن أن تفعله امرأة هو أن تظل إنسانة. وأشجع ما يمكن أن تفعله هو أن تظل واضحة. رشا وحنان فعلتا ذلك.. ولهذا تستحقان أن نقف معهما، لا لأنهما بلا ألم، بل لأنهما اختارتا ألا تُحوِّلا الألم إلى سلاح ضد الآخرين..هذا في تقديري درس مهم في القيم. وفي التضامن..وفي معنى القيادة حين تتجرد من الاستعراض، وتبقى إنسانية. كامل التضامن والتقدير..
01-02-2026, 08:20 PM
Nasr Nasr
تاريخ التسجيل: 08-18-2003
مجموع المشاركات: 11480
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة