أكذوبة "جيشٌ واحد شعبٌ واحد" النور حمد

مرحبا Guest
اخر زيارك لك: 01-18-2026, 08:39 AM الصفحة الرئيسية

منتديات سودانيزاونلاين    مكتبة الفساد    ابحث    اخبار و بيانات    مواضيع توثيقية    منبر الشعبية    اراء حرة و مقالات    مدخل أرشيف اراء حرة و مقالات   
News and Press Releases    اتصل بنا    Articles and Views    English Forum    ناس الزقازيق   
المنبر العام
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى شكل سلسلة « | »
اقرا احدث مداخلة فى هذا الموضوع »
12-16-2025, 08:02 AM

Yasir Elsharif
<aYasir Elsharif
تاريخ التسجيل: 12-09-2002
مجموع المشاركات: 52096

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
مكتبة سودانيزاونلاين
أكذوبة "جيشٌ واحد شعبٌ واحد" النور حمد

    08:02 AM December, 16 2025

    سودانيز اون لاين
    Yasir Elsharif-Germany
    مكتبتى
    رابط مختصر




    Quote:
    Elnour Hamad
    [14 ديسمبر 2025]
    جرعة التضليل الأخيرة
    (9)
    النور حمد
    أكذوبة "جيشٌ واحد شعبٌ واحد"
    إن أكثر الشعارات تضليلاً لهو شعار "جيشٌ واحدٌ شعبٌ واحد"، الذي ما فتئ يردده، بعد اشتعال هذه الحرب الكارثية اللعينة، الفريق البرهان والمحيطون به من الإخوان المسلمين، ومن اتَّبعهم من المُغَيَّبين. كما أصبح يردده معهم، أيضًا، من أسموا أنفسهم "الجذريين". ولكن، على اختلافٍ يسيرٍ جدًا في السفسطة التبريرية، عما هو عليه لدى الإخوان المسلمين، والمضلَّلين المنقادين وراءهم. في عموم الأمر ترديد هذا الشعار الزائف، من أي جهةٍ كانت، إنما يصب، في حقيقة الأمر، في عودة العسكر والإخوان المسلمين إلى السلطة. فلو صح ترديد هذا الشعار في حقبة حكم الفريق عبود، أو في فترة حكم المشير جعفر نميري، لأمكن ابتلاعه على ما فيه من قدرٍ من المرارة. أما أن يُقال بعد أن استولى الإخوان المسملون على الجيش، استيلاءً تامًا، وجعلوا منه منذ 1989 جيشًا للتنظيم، فهذه عجيبةٌ من الأعاجيب. فالذي يردد "جيشٌ واحدٌ شعبٌ واحد"، وقد رأى مجازر دارفور، ومجازر جنوب كردفان، ومجازر النيل الأزرق، ومجازر شرق السودان، ومجزرة كجبار، ومجزرة العليفون، ومجزرة 2013 ومجزرة فض اعتصام القيادة العامة، وقنص الشبان والشابات ببنادق القنص من أسطح البنايات في شوارع المدن، منذ اندلاع ثورة ديسمبر 2018 وغير ذلك من الفظائع، لابد أن يكون مُعتلّاً عقليًّا ووجدانيًا بصورةٍ بشعة.
    الحقيقة الساطعة التي لا مراء فيها أن الجيش السوداني لم يقف في تاريخه إلى جانب الشعب. فهو أصلاً لم يجر إعداده لهذه المهمة وإنما أنشئ ليكون ذراعًا للمستعمر. وعبر تلك الفترة الطويلة، زرع فيه المستعمر نزعة التعالي على الشعب والنظر إليه كعدو. فتلك هي عقيدة الجيش المستعمر في كل زمان ومكان. والمرَّتان اللَّتان قيل أن الجيش قد انحاز فيهما إلى جانب الشعب، عقب ثورة أبريل 1985، وعقب ثورة ديسمبر 2018، إنما كانتا مجرد مناورة ومؤامرة لإجهاض تلكما الثورتين. لقد ظل الجيش السوداني، على طول المدى يقف على الضفة الأخرى المواجهة للضفة التي يقف عليها الشعب؛ أي، يقف في وضعٍ نقيضٍ للشعب ومصالحه الحيوية. ففي ظل بنية الوعي الرعوية القبلية السائدة في البلاد، التي يجري فيها استخدام الدولة كأداةٍ لاحتكار السلطة، والثروة، والفرص، وتحقيق الجاه، لم يكن الجيش سوى أداةٍ تعمل لخدمة نفسها كقبيلةٍ جديدةٍ ترى أنها الأحق بالسلطة والوجاهة والفرص. وبناءً على ذلك، وبناءً على امتلاكها آلة العنف الكبرى، فقد منحت نفسها امتيازاتٍ خاصة. كما منحت امتيازاتٍ أخرى لقطاعٍ عريضٍ من النخب السودانية التي ظلت ملتصقةً، على الدوام، بمؤسسة الحكم، ومن يجلس على رأسها.
    كما سبق أن أشرت، فإن الجيش السوداني، أو قل نواة الجيش السوداني، تعود إلى حقبتين استعماريتين استمرتا لمدة بلغت 123 عامًا. فالحقبة الخديوية استمرت 65 عامًا، والحقبة البريطانية استمرت 58 عامًا. طيلة هاتين الحقبتين ظل الجيش خادمًا لأهداف المستعمر، وفقًا للعقيدة الاستعمارية التي ترى في الشعب عدوًا أوحدًا للنظام الاستعماري القائم. فهو بحكم النشأة الاستعمارية، جيشٌ طبيعته الأصيلة الاستعلاء على الشعب واحتقاره وقهره. وحين خرج المستعمر من البلاد، وجد هذا الجيش نفسه، فجأةً، واقفًا في فراغٍ لم يعهده. فطفق يتلفَّت يمنةً ويسرةً باحثًا عن عقيدةٍ جديدة. فقد خرج المستعمر حاملاً معه عقيدته التي وظَّف وفقها الجيش، وهي: "الجيش ضد الشعب". وقد ورث منه الجيش الوطني، وبالضرورة، تلك العقيدة. ولم يستطع عبر عهود الحكم الوطني أن يتحول عن تلك العقيدة الاستعمارية، لينشئ لنفسه عقيدةً وطنيةً صحيحةً، تتمثل في: حماية البلاد من العدوان الأجنبي، وفي حراسة النظام الدستوري الديمقراطي، وبذل كل جهدٍ ممكنٍ للحفاظ على أمن الدولة وشعبها. وما نحن فيه الآن من خرابٍ ودمارٍ غير مسبوقٍ، سببه فشل الجيش في مراجعة بنيته وعقيدته الاستعمارية المتمثلة في الاستحواذ على السلطة والثروة. وقد بلغ الاستحواذ على السلطة والثروة بواسطة الجيش، في فترتي حكم المشير عمر البشير والفريق عبد الفتاح البرهان، حدًّا أدى إلى هذا الخراب والدمار العظيم الذي نحن فيه الآن، وإلى اضمحلال مؤسسة الدولة، حتى أضحت شبحًا "لا يهش ولا ينش".
    بسبب تلك البنية المعتلة والعقيدة التي ورثها الجيش من المستعمر، جرى أول انقلابٍ عسكري في تاريخ السودان المستقل على النظام الديمقراطي. وهو الانقلاب الذي قاده الفريق إبراهيم عبود في عام 1958. وقد جرى ذلك بعد عامين فقط من الاستقلال. فالجيش الذي كان موظفًا من قبل المستعمر لقمع الشعب، قاده وضعه هذا لكي يفهم، خطأً، أنه الأحقُّ بالحكم، وأنه الأقدر عليه من غيره. ولذلك، عندما غادر المُستعمِر، الذي كان يحكم بقوة السلاح، رأى الجيش، بصورةٍ تلقائيةٍ، أنه الأحق بخلافته على الحكم. وتدل على هذا المفهوم الخاطئ كثرة الانقلابات العسكرية التي قام بها هذا الجيش، مسجِّلةً أعلى رقمٍ على مستوى الكوكب كله. فقد بلغت الانقلابات ما بين ناجح وفاشل، منذ الاستقلال وإلى اليوم، 20 انقلابًا.
    لقد كانت سلطة شيخ القبيلة، أو سلطة كبيرها، في كل التجارب الإنسانية، هي الصورة الأولى لنشوء السطلة المركزية المتحكِّمة في جماعةٍ كبيرة، وهي القبيلة. فقبل نشوء هذه السلطة الواسعة، كانت هناك سلطة رأس الأسرة على الأسرة، وسلطة رأس العشيرة على العشيرة. ثم تقدمت المجتمعات البشرية وجاءت الأنظمة الملكية والإمبراطورية، التي أخضعت القبائل لسلطتها بمختلف الوسائل؛ من ترهيبٍ وترغيب. وقد استخدمت هذه الأنظمة الملكية والإمبراطورية رجال الدين كقوةٍ ساندةٍ لسلطتها ومشاركةٍ فيها. والآن، فقد تراجعت، بل وانمحت في مناطق كثيرةٍ من العالم، كل تلك الصورة للسلطة، إلا قليلاً، نتيجةً لظهور الأنظمة الدستورية الديمقراطية. ولذلك، يمكن القول إن الجيوش التي ما فتئت تقفز إلى السلطة في مختلف الدول النامية، ليست سوى انتكاسة إلى النظامين الملكي والإمبراطوري الإقطاعيين، ولكن في صيغةٍ جديدةٍ، أكثر تعقيدا. فاليوم، لم يعد هناك ملك، أو إمبراطور، إلا في جيوبٍ محدودةٍ من العالم. غير أن هناك فئة تملك أكبر آلة للعنف الفيزيائي والمعنوي، وهي فئة الجيش، وأعني بها، تحديدًا، فئة الجيش الذي لا يفتأ ينقلب على الأنظمة الديمقراطية. ولربما جاز أن نقول، بناءً على هذا، أن الجيش الممسك بالحكم ضد إرادة شعبه، في عديد الدول النامية، هو القبيلة الجديدة، وهو الإمبراطور الجديد، وهو المَلِك الجديد، وهو الإقطاعي الجديد، وهو أيضًا رجل الدين الذي ظل عبر التاريخ يسند تلك الأوضاع ويبررها عبر تضليل القطاع العريض من العامة الذين يمكن خداعهم باسم الدي.
    الجيش وصناعة الحواضن الشعبية الزائفة
    بسبب محاولات الانقلابات العديدة التي واجهها الرئيس الأسبق جعفر نميري، أحس الجيش بالحاجة إلى حاضنةٍ شعبيةٍ تشرعن له إمساكه بمقاليد الحكم. فقام بإنشاء ما سمي "الاتحاد الاشتراكي السوداني". وقد جرى ذلك على النسق المصري، حيث أنشأ الرئيس المصري الأسبق، جمال عبد الناصر، ما أسماه "الاتحاد الإشتراكي العربي". وبما أن جعفر نميري قد ناصب الأحزاب الطائفية الكبيرة العداء، وحل الإدارات الأهلية، وفتك بالحزب الشيوعي السوداني، وقمع غيره من القوى اليسارية، فقد كان لزامًا عليه أن يفتح الباب لقوى جديدة من خارج هذه الدائرة، ومن بعض الانتهازيين ممن هم بداخلها أيضًا، لتصبح حاضنته الشعبية، التي تشرعن وجوده في السلطة. في ذلك المنعطف، انفتح الباب كأوسع ما يكون لطائفةٍ من المتسلِّقين والانتهازيين من النخب ومن عامة الجمهور، ومن بعض القوى الحزبية ليصبحوا الحاضنة المشرعِنة لنظام جعفر نميري. وهذا هو ما أعاد تكراره الفريق البرهان الآن، في صورةٍ جديدةٍ، أصبح ساندوه فيها هم: تنظيم الإخوان المسلمين، وما تُسمَّى "الكتلة الديمقراطية"، التي صنعها بمساعدة النظام المصري. وقد لاحظ الدكتور حيدر إبراهيم علي، في كتابه "السودان الوطن المضيع"، الصادر عن دار نشر جزيرة الورد في عام 2011، أن بعض السياسيين الذين كانوا نوابًا في برلمانات فترات الحكم الديمقراطي الثلاث: (1956-1958) و(1965-1969)، و(1986-1989)، قد شاركوا، أيضًا، في البرلمان الزائفة التي أنشأها العسكر. فقد شارك بعضهم في أسماه الفريق عبود "المجلس العسكري"، (1958-1964). كما شاركوا، أيضًا، في البرلمان الزائف المسمى، "المجلس الوطني"، الذي أقامه جعفر نميري، (1969-1985). وقد استمرت هذه المشاركات من قبل قيادات الأحزاب المختلفة، في مختلف مراحل نظام الإخوان المسلمين الحالي، فيما سُمِّي "المؤتمر الوطني" الذي تعود جذوره إلى عام 1989.
    الشاهد، في كل ما تقدم، أن هناك نخبًا، حزبيةً وغير حزبيةٍ، لا تحتمل البقاء بعيدًا عن السلطة. فهي تسعى على الدوام للالتصاق بالحكومة القائمة؛ سواءً كانت حكومةً ديمقراطيةً، أو حكومةً عسكرية. فالحكومة بالنسبة لهذه النخب تمثل في هذه الدولة السودانية، المفتقرة للمؤسسية حد الإدقاع، الأداة الوحيدة لتحقيق الثروة والنفوذ والجاه والشهرة. ولذلك لا تحتمل هذه النخب، الفطام من حالة الالتصاق بجهاز الدولة. لذلك، لم يفشل أي ديكتاتور، حكم السودان، في أن يجد حاضنةً شعبية تؤيده، من رجال الأحزاب، ومن رجال الخدمة المدنية، ومن المثقفين، ومن أساتذة الجامعات، ومن الطرق الصوفية، ومن الشباب والطلاب، ومن القوى النسوية، ومن قادة العشائر، ومن الفنانين والرياضيين، وكل من لمعت نجومهم في المجتمع من العوام الذين اشتهروا بحضور مراسيم دفن الجنائز، حتى تلك التي لا تعنيهم.
    بنظرةٍ سريعةٍ إلى ما أسماه نميري "الاتحاد الاشتراكي" بأماناته المختلفة، وإلى ما أسماه عمر البشير "المؤتمر الوطني"، بأماناته المختلفة، وإلى ما أسماه البرهان "الكتلة الديمقراطية"، تتضح هذه الحقيقة المؤسفة. أعني: حقيقة النخب التي تغيَّر لونها لينسجم مع لون النظام القائم، سواءً كان مدنيًا، أو عسكريًا. وإذا نظرنا إلى مجريات هذه الحرب اللعينة الجارية اليوم، التي لم تكن سوى تتويجٍ للجهود القمعية الوحشية المتصلة التي قام بها قادة الجيش لإجهاض ثورة ديسمبر 2021، وتأملنا الانقسامات وسط كل هذه القوى، فسوف تتضح لنا حقيقة مؤسفة للغاية. تتمثل تلك الحقيقة المؤسفة في حرص هذه العقلية الرعوية الاستحواذية الإقصائية، التي تتشاركها فئاتٌ مجتمعيةٌ مختلفة، على حجز مقاعد لنفسها فيما ترى أنه الوضع الأرجح الذي سوف ترسى عليه الأمور، غدا.
    هناك خللٌ بنيويٌّ في فهم الجيش السوداني لدوره، وفي طبيعة عقول أكثرية الذين يتسنَّمون منه المواقع القيادية. وبطبيعة الحال، فإن للمناهج التي يجري تدريسها في الكلية الحربية دورًا في كل هذه المفاهيم الخاطئة المنتشرة وسط ضباطه؛ خاصةً التدخل في السياسة، وتمكُّن النزعة الانقلابية من عقول العديد من ضباطه. لقد أصبحت الكلية الحربية، بالنسبة لعامة من يلتحقون بها، معبرًا للوضع الاجتماعي الممَّيز، ولتأمين المستقبل الأسري بالمعاش المريح، وغير ذلك من الامتيازات، التي تزداد دومًا، ولا تتناقص. أما الطموحون من ضباط الجيش، فقد أصبحت الانقلابات العسكرية هي أداتهم المركزية، التي يستخدمونها للإمساك الفردي بمقاليد السلطة، وحيازة الوجاهة الأعلى مرتبةً، ثم، ما يتبع ذلك من فرص الثروة والجاه العريض.
    الجيش من قبيلة إلى أوليغاركية كليبتوقراطية
    يمكن تعريف الأوليغاركية بأنها نظام الحكم أو البنية الإدارية التي تتحكم فيها مجموعةٌ صغيرةٌ من الناس. في هذا الوضع تكون سلطة الحكم في يد نخبٍ قليلة، تغلب عليها الأُسر الثرية، والقادة العسكريون، والأحزاب السياسية، أو غير ذلك من المجموعات المؤثرة. أما الكليبتوقراطية، فتعني النظام الذي يستخدم فيه الحكام قوتهم لسرقة الموارد لتحقيق الثراء لأنفسهم. ويكون الحاكم في مثل هذا الوضع: القادة الفاسدون، وقد يكون ديكتاتورًا واحدًا، وقد تكون مجموعة من النخب، وقد تكون طبقةً حاكمةً كاملة. فالأوليغاركية هي وصف من يحكم، وهي المجموعة الصغيرة من النخب. أما الكليبتوقراطية، فهي وصف الكيفية التي تحكم بها هذه النخب القليلة، وهي السرقة. ولذلك يمكن أن تترادف الأوليغاركية مع الكليبتوقراطية في بعض الأحيان، وربما في كثير منها.
    لقد سيطر الجيش السوداني على السلطة في السودان لمدة 57 عامًا من مجموع 69 عاما هي عمر السودان المستقل. عبر هذه الفترة الزمنية الطويلة تحول الجيش، تدريجيَّا، من سيطرةٍ جزئيةٍ على السلطة والموارد، إلى سيطرةٍ كاملةٍ عليها. ففي فترة ما قبل الاستقلال، كان الضباط السودانيون تحت سلطة الضباط البريطانيين. لكن، ما أن ذهب البريطانيون أخذ الجيش في التطلع إلى الحكم. لكن، أثر الانضباط الإداري البريطاني لم يفارقهم تماما. ولذلك فقد كان النهم للاستحواذ على الامتيازات والموارد العامة محدودًا. وعندما قام جعفر نميري بانقلابه ساء الوضع أكثر، لكنه لم يقارب قط درجة السوء التي بلغها على يد جيش الإخوان المسلمين الذي تحوَّل إلى عصابةٍ همها الأول والأخير الاستحواذ على الموارد بلا حدود. وهو ما جعل سلطة الجيش والإخوان المسلمين سلطةً أوليغاركيةً وكليبتوقراطيةً، بل على أبشع الصور التي يمكن أن تكون عليها الأوليغاركية والكليبتوقراطية.
    الاتجار بالوطن نفسه
    لقد أنشأ جيش الإخوان المسلمين لنفسه دولةً موازيةً، خاصةً به وحده، لا يعرف شعب السودان شيئًا عن إدارتها للأموال العامة. تدير هذه الدولة الموازية اقتصادًا كاملاً في الخفاء، وضعت به البلاد والعباد تحت نظامٍ أشبه ما يكون بنظامٍ مَلَكِيٍّ، إقطاعيٍّ، قروسطي. أصبح فيه قادة الإخوان المسلمين مليارديرات، وقادة الجيش مليونيرات، يديرون استثماراتٍ خارجيةٍ ضخمة، وشركاتٍ داخليةً كبيرة. فهذه الحرب الجارية الآن هي حربٌ بين الجيش وبين الشعب، جرى منحها تعريفاتٍ مضللة. فالشعب يريد استرداد دولته المسلوبة المنهوبة. أما الجيش، فقد أصبح في نهاية المطاف، في وضعٍ لا يهمه معه أن يبيع نفسه للشيطان، لكي يبقى في السلطة. ويحافظ، من ثم، على الأوضاع القائمة لملياديرات الإخوان المسلمين، الذين أوصلوه إلى هذه المِنْعَةِ والمِكْنَةِ، التي جعلت من كبار ضباطه مليونيرات، بل، ورجال أعمالٍ كبارٍ عابرين للأقطار. ولذلك، لا غرابة أن فقدت البلاد سيادتها وكرامتها، وأصبح جيشها يستعين ضد شعبه بالقوى الأجنبية الطامعة في ثروات السودان، وخاصةً مصر، لكي تعينه على البقاء في الحكم لخدمة أجندتها في السودان. بل، ومستعينًا في ذلك بالأجانب، من أوكرانيين، وإريتريين، وتقراي إثيوبيين، وأتراك، ومصريين، وجنوب سودانيين، غيرهم. ومع ذلك يحاول تضليل الشعب بأن البلاد مستهدفةٌ بمؤامرةٍ دوليةٍ خارجية، وأن عليهم أن يردِّدوا "جيشٌ واحدٌ شعبٌ واحد"، في حين أنه هو أداة تلك المؤامرة الدولية، ورأس رمحها.
    لقد تخلى جيش الإخوان المسلمين عن حلايب وشلاتين لمصر، نظير دعمه للبقاء في السلطة. ولقد فتح لشاحناتها الضخمة لتدخل إلى عمق الأراضي السودانية لتنهب ثرواتها الثرة بعملة سودانية مزيفة. كما نظام الفريق البرهان والإخوان المسلمين مصر، في بضع أعوامٍ، تراكم من ذهب السودان، رصيدًا لم تحصل عليه في كل تاريخها. كما جيش البشير والبرهان والإخوان المسلمين مصر تصدِّر المنتجات السودانية، نيابةً عن السودان. وفي الداخل، حين صحا الجيش الإخواني المنشغل بالأعمال التجارية، ووجد نفسه جيشًا بلا أنياب، استدعى حركات الارتزاق الدارفورية لتناصره في معركته ضد الشعب وثورته، نظير منحهم مناجم للذهب، ومناصب في وزاراتٍ اقتصاديةٍ مفتاحية تمكنهم أن يراكموا عبرها الثروات لأنفسهم. كما أنشأ عشرات المليشيات من متطرفي الإخوان المسلمين، ومن غيرهم من الباحثين عن الثراء السريع، في أوقات الحرب لكي يبقى في السلطة عن طريق القهر والغلبة، وهيهات. هذه هي السيرة المؤسفة لهذا الجيش المهترئ. وهذا هو الوضع المحزن الذي أوصل إليه نفسه، وأوصل إليه البلاد وشعبها. ولذلك لا مناص البتة من إعادة إنشائه من جديد، ليصبح جيشًا يستحق اسمه. وكل مغالطةٍ حول مؤسسيته ووطنيته هراءٌ مفضوحٌ، لا أكثر.
    (يتواصل في الحلقة العاشرة والأخيرة)






                  

12-16-2025, 12:48 PM

Yasir Elsharif
<aYasir Elsharif
تاريخ التسجيل: 12-09-2002
مجموع المشاركات: 52096

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: أكذوبة andquot;جيشٌ واحد شعبٌ واحدandquot; النور حم (Re: Yasir Elsharif)


    Quote: تصريح صادم يكشف عمق الأزمة.. الإخوان يقودون المعارك في السودان؟ | #الظهيرة

    سكاي نيوز عربية
    7,09 Mio. Abonnenten


    196


    Teilen

    Herunterladen

    Sky News Arabia wird ganz oder teilweise von der Regierung der Vereinigten Arabischen Emirate finanziert. Wikipedia (Englisch)

    20.967 Aufrufe 12.12.2025
    أحمد عباس، القيادي في الحركة الإسلامية ووالي ولاية سنار السابق أكد أن الحركة هي التي تدير الحرب في السودان وأنها تُشكل النسبةَ الأكبر من أعداد المقاتلين في صفوف الجيش السوداني.
                  

12-25-2025, 12:04 PM

Yasir Elsharif
<aYasir Elsharif
تاريخ التسجيل: 12-09-2002
مجموع المشاركات: 52096

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: أكذوبة andquot;جيشٌ واحد شعبٌ واحدandquot; النور (Re: Yasir Elsharif)

    Quote: جرعة التضليل الأخيرة (10) الحلقة الأخيرة
    ‏4 أيام مضت د. النور حمد 817 زيارة

    Facebook Twitter
    أخبار أخرى

    جرعة التضليل الأخيرة (9)
    ‏أسبوع واحد مضت


    جرعة التضليل الأخيرة (8)
    ‏أسبوعين مضت


    جرعة التضليل الأخيرة (7)
    ‏4 أسابيع مضت

    النور حمد
    في تعريف الصراع
    الصراع الذي ظلت تدور رحاه في السودان منذ الاستقلال وإلى اليوم، هو صراع على السلطة من أجل الثروة. بعبارةٍ أخرى، هو ليس صراعًا دينيًّا، وإن أُلبس زورًا وبهتانًا، ثوب الدين. وهو ليس صراعًا عرقيًّا، وإن أُلبس زورًا وبهتانًا ثوب الصراع العرقي. وهو ليس صراعًا جهويًّا بين المركز والهامش، الذي يُعرِّفه كثيرون تعريفًا جغرافيًا، وإن أُلبس ذلك الثوب، أيضًا. فالمركز القابض الذي يُهمِّش الجميع موجودٌ في كامل الجغرافيا السودانية. وما جرى استغلالٌ لأي هامشٍ من الهوامش، إلا عبر التعاون الكامل من جانب نخبه المحلية، المتماهية المصالح مع نخب المركز. وينطبق هذا النوع من خيانات النخب لأهلها على العلاقات الدولية أيضًا. فما جرى استغلالٌ لبلدٍ من البلدان، بواسطة القوى الكبرى، إلا عبر تعاون النخب الحاكمة في ذلك البلد، وانسجام مصالحها، مع مصالح الدول الكبرى.
    تقول الشواهد الماثلة إن النخب المركزية مكوَّنة من كل الإثنيات السودانية، ومن كل الأديان السودانية، ومن كل الفئات السودانية. فالصراع، باختصارٍ شديدٍ، هو: (صراعٌ بين العندهم والماعندهم). أي، صراعٌ بين قلةٍ طمَّاعةٍ، نهَّابةٍ، محتالةٍ، موزعةٍ على كامل الجغرافيا السودانية، وكل إثنياتها، وكل قبائلها، وكل أديانها، وكل فئاتها الاجتماعية، وبين مركزٍ مسيطرٍ على السلطة في كل إقليم، وكل مدينة، على امتداد القطر السوداني. لكن، مع الإقرار التام بأن أكثرية هذه القلة المُسيطرة تنتمي، في الغالب الأعم، إلى الشمال النيلي، تحديدًا. فهذا الصراع يجري، في حقيقة الأمر، بين هذه القلة التي تعيش في المركز، وفي كل مراكز الحكم الإقليمي في السودان، والتي تعود جذور غالبيتها إلى الشريط النيلي الشمالي، وتعود أقليتها إلى كل الهوامش، وبين الأكثرية المحرومة، المنتشرةٍ في كل أقاليم البلاد.
    عبر التضليل المُتعمَّد من جهة المسيطِرين، وعبر نقص المعرفة لدى كثيرٍ من المُسَيْطَرِ عليهم، يجري التضليل عبر إحالة هذا الصراع إلى مختلف تلك التعريفات الخاطئة المذكورة. ومنها تعريف الصراع من جانب هذه النخب المسيطرة بأنه صراعٌ بين: “الدولة الدينية، راعية الفضيلة”، و”الدولة العلمانية، راعية الرذيلة”. أو بين العرب والزرقة، أو بين السودانيين المستقرين وعرب الشتات، أو بين من هم في المركز ومن هم في الهامش، مع منح الهامش تعريفًا جغرافيًّا، لا طبقيّا، كما سلف التنبيه إلى ذلك. هذا، في حين أن البلد، برمتها، هامشٌ بالغ الضخامة، يتقسم جغرافيًا على كل أقاليم السودان، وعلى كبريات مدنه، كلها، دون استثناء. وقد ظلَّ هذا الهامش يناضل لانتزاع حقوقه من نخبةٍ قليلةٍ مسيطرةٍ، ممن تعود جذورهم إلى الشريط النيلي الشمالي وممن تعود جذورهم إلى كل الهوامش من الذين يعيشون في كل مدن السودان الكبرى، بلا استثناء. ومن أقوى الأدلَّة على عوار حصر الأمور تحت مظلة المركز الجغرافي والهامش الجغرافي، هروب كلٍّ من جبريل إبراهيم، ومني أركو مناوي، ومصطفى تمبور، من موطنهم ومواطنيهم في دارفور، التي كانوا يناضلون باسم مهمشيها، ليتحولوا، فجأةً، إلى مقاتلين تحت إمرة جيش الإسلاميين الأوليغاركي الكليبتوقراطي، الذي كانوا يقاتلونه، من قبل، ولمدة عشرين عامًا، باسم شعوب دارفور المضطهدة.
    الشاهد، أن هذه التعريفات الخاطئة أتاحت الفرصة للتحشيد الشعبوي العاطفي، عبر الخطاب الديني، وعبر خطاب الكراهية العرقية، وعبر خطاب الكراهية الجهوية. وقد أدى التحشيد الشعبوي، عبر هذه الشعارات المضلِّلة، الذي يقوم به جيش الإخوان المسلمين، الذي أشعل حرب أبريل 2023، لكي يعود إلى السلطة، إلى انقساماتٍ اجتماعيةٍ بالغة الحدة. بل، لقد جعل أعدادًا غفيرةً من أبناء الشمال والوسط النيلي المهمشين، مَثَلُهُم مَثَلُ غيرهم، يصطفُّون خلف قاتليهم، ومضطهديهم، وناهبيهم. فحملوا السلاح بحماسةٍ، ليموتوا من أجل إبقاء مضطهديهم وناهبيهم في السلطة، مُطيلين بذلك حالة الاضطهاد والعذاب التي يعيشونها!

    في دناميَّات الصراع وتحالفاته
    رؤيتي للوضع القائم الآن، تتلخص، باختصارٍ شديدٍ، في أننا قد وصلنا إلى مفترق طرقٍ حاسمٍ، انحصرت فيه خياراتنا التي كانت، فيما مضى، عديدةً ومبعثرةً، في خيارين، فقط، لا ثالث لهما، وهما: إمِّا أن ننفك من الهيمنة المصرية، ومن أحابيل حلفائها في الداخل السوداني، ونصعد كأمةٍ موحدةٍ نحو الاستقلال الحقيقي، والنهضة الشاملة والرفعة، وإمِّا أن ننزلق في ظلامِ هاويةٍ لا قرار لها. وفي مثل هذا النوع من مفارق الطرق الحاسمة تتكثف سحب دخان التضليل، التي تحجب الرؤية. فقوى الظلام التي سيطرت على مصير بلادنا، وعلى مصيرنا كشعب، والتي أتقنت عبر 35 عامًا كلَّ أساليب التضليل من أجل البقاء في السلطة، قد ألقت في معركتها المصيرية هذه، بكل ما في ترسانتها من أسلحة الموت والدمار، ومن أسلحة التضليل. غير أن هذا التضليل لا ينفذ إلا من خلال ثقوب بنية الوعي لدى القوى السياسية المعارضة التي تحلم بوطنٍ معافى من علل القعود والتراجع، ولا تعرف أين تكمن العلة. فالعلة الجوهرية تلخصت، الآن، ولحسن الحظ، في هذا التعاضد الشديد بين الرؤية المصرية الخديوية للسودان، وبين جيش الإخوان المسلمين الذي خضع لمصر وباع لها السودان بالكلية، لكي يستمر في السلطة. ويخبرنا تاريخنا السياسي أن هذه البنية النخبوية، المكونة من عسكريين ومدنيين، المتماهية مع النظم العسكرية المصرية، لم تعرف، عبر ممارستها السياسة، منذ الاستقلال، بل وقبل الاستقلال، سوى أسلوب المناورة، والمساومة. فأبصارها مصوبةٌ دومًا نحو المنصب، ونحو ما يجلبه لها المنصب من المال، والشهرة، والمجد الشخصي، والأسري.
    يقال إن السياسة هي فن الممكن، وهذا صحيحٌ، لكنه ليس صحيحًا في كل الأوضاع. فأحيانًا تصبح السياسة الحكيمة، هي قهر المستحيل، وليس مجرد الرضا بالممكن المتاح. فهناك أوضاعٌ لا ينبغي أن يقبل فيها صاحب القضية نهج المساومة. فنحن جميعنا، وأعني هنا كل القوى المساندة لثورة ديسمبر ولأهدافها الجوهرية، سبق أن قبلنا المساومة، وجلسنا مع لجنة البشير الأمنية العسكرية، وتقاسمنا معها إدارة الفترة الانتقالية. بل، ومنحناها اليد العليا في مجلس السيادة في النصف الأول من الفترة الانتقالية. فما الذي حدث؟ الذي حدث أن اللجنة الأمنية، الخاضعة لسيطرة تنظيم الإخوان المسلمين، عملت على عرقلة مسيرة الثورة، بشتى الوسائل والسبل. وقد أعانها في ذلك النظام المصري الذي أحس بأن الثورة السودانية على وشك أن تُخرج السودان من قبضة المفاهيم والهيمنة الخديوية المصرية المتوارثة. لذلك، استبقت لجنة الرئيس المخلوع عمر البشير الأمنية أيلولة رئاسة مجلس السيادة للمدنيين، بالانقلاب على الثورة، واعتقال شركائها المدنيين في الحكم، وتمزيق الوثيقة الدستورية، والإلقاء بها في سلة المهملات. فهل، يا ترى، نريد أن نكرِّر تلك التجربة مرَّةً أخرى؟
    فشل انقلاب 25 أكتوبر 2021، وقاد ذلك إلى تبلور فكرة الاتفاق الإطاري. لكن، تلكأ الجيش في قبوله، منتهجًا أسلوبه المعروف في المراوغة والمماطلة، كعادته، دائما. لكن، كان العنصر الجديد في المسألة أن قوات الدعم السريع قبلت بالاتفاق الإطاري، دون أي تحفظ. فما كان أمام لجنة البشير الأمنية العسكرية وقوى النظام القديم، ومن ورائهم مصر، سوى أن يشعلوا الحرب، ناقلين كافة الأمور، إلى مربعٍ جديد. باع جيش الإخوان المسلمين للجمهور في هذا المربع الجديد وهمًا مفاده أن هناك جيشًا وطنيًّا يقاتل مليشيا أجنبيةً، همجيةً، غازية. وبالمثل، تبنى النظام المصري هذه الذريعة المضحكة، ليُلوِّح بالتدخل العسكري، زاعمًا أن الجيش الإخواني السوداني إنما يقاتل قوة غازية!
    في المربع الجديد الذي نقلتنا إليه الحرب، انهار الأمن العام تمامًا، ونزح ثلث السكان، وتشابه البقرُ على قطاعٍ عريضٍ من الجمهور، واختلط الحابل بالنابل في العقول والنفوس، التي طارت شعاعًا وطاش صوابها من هول الكارثة. فقد كان الهدف الأساس من إشعال الحرب، هو شطب السردية القديمة التي صنعتها بسالات الثورة وسلميتها وسمو أهدافها، وتفرُّدِها الذي خلب ألباب العالم، واستبدالها بسرديةٍ جديدةٍ أطاشت بالفعل صواب قطاعٍ عريضٍ من السودانيين، وأدخلتهم في حالةٍ أقرب ما تكون إلى الهذيان.
    لقد استخدم جيش الإخوان المسلمين وجهاز مخابراته وجهاز أمنه مختلف الأساليب لشيطنة قوات الدعم السريع. ولا يزال يفعل ذلك إلى يومنا هذا. فقد كان هدف هذه الحرب الأول، القضاء المبرم عليها، الأمر الذي سيجعل الطريق ممهَّدًا لسحق القوى المدنية، سحقًا نهائيا. غير أن الخطة فشلت في القضاء على قوات الدعم السريع، ولله الحمدُ والمِنَّة. غير أن تلك الخطة نجحت، عبر التضليل والتخويف والاتهام بالخيانة، في أن تقسِّم قوى الثورة إلى معسكرات. الأمر الذي أتاح للإخوان المسلمين وجيشهم مساحةً كبيرةً للمناورة، لا يزالون يتحرَّكون فيها، حتى هذه اللحظة. بل منحت هذه المساحة الفريق ياسر العطا الجرأة ليقول: حتى لو وصلت القوى المدنية إلى السلطة عن طريق الانتخابات، وكان هو قد تقاعد عن الخدمة العسكرية، فإنه سيعود، مرةً أخرى، لكي ينقلب عليها.

    “صمود” وخطة الرباعية الغامضة
    تعرف القوى الغربية كيف تصيب من تريد افتراسهم بالشلل عبر وسائل شتَّى، أتقنتها عبر قرنين من الهيمنة الاستعمارية. ويعتمد هذا على استراتيجيتها وخططها طويلة الأجل في الإقليم المُعيَّن، في الوقت المُعيَّن. وفي تقديري، أن الساحة السياسية المدنية السودانية، مصابة الآن بحالةٍ من الشلل العقلي. وأحسب أن سبب هذا الشلل العقلي هو حالة الغموض التي تكتنف الوجهة التي سوف تسير نحوها الرباعية. لقد قرأنا كلنا خطة الرباعية ووجدنا أنها تسير مع شعارات ثورة ديسمبر، من حيث إبعاد الإخوان المسلمين ومؤتمرهم الوطني من المشاركة في السلطة المقبلة، ومن حيث إبعاد كافة القوى العسكرية عن الحكم، وتسليم الحكم للمدنيين. لكننا لا ندري، حتى الآن، هل ستير الرباعية وفق ما أعلنته، أم أن التلويح المصري، بالتدخل العسكري، سوف يحرفها عن مسارها الذي أعلنته. والسؤال الذي يطرح نفسه في حالة نجاح الرباعية في وضع المدنيين في السلطة: هل هم بقايا شظايا ما كانت تسمى الفترة الانتقالية “قوى الحرية والتغيير”، أم هم خليط من هؤلاء و”جماعة الموز”/ وبقايا الإسلاميين، الذين يرعاهم الفريق البرهان، ومن ورائه مصر؟ ولو كان المدنيون القادمون هم الدكتور عبد الله حمدوك وطاقه، فمن ذا الذي سوف يحرسهم من غوائل عسكر الإخوان المسلمين وأجهزة مخابراتهم؟ فهل سوف تأتي الرباعية بجيشٍ من الخارج ليحرسهم، أم ستتركهم بلا حارس، وسيكونون مع ذلك آمنين، مطمئنين؟ إن بقاء جيش تأسيس المكون من قوات الدعم السريع، ومن قوات الحركة الشعبية/ شمال، ومن قوات حركات دارفور، المنضوي تحت لواء تأسيس هو الضمان الوحيد لحماية المسار المدني، ضد غدر جيش الإخوان المسلمين، المُسيطَر عليه من جانب مصر.

    التعلُّق بقشة السند الأجنبي
    فيما بدا لي أن موقف تحالف “صمود” السلبي من تحالف “تأسيس”، يقف وراءه توقُّعٌ خاطئٌ، مفاده أن الرباعية ستعيد عقارب الساعة إلى ما قبل 15 أبريل 2023، بحيث تعود حكومة الدكتور، عبد الله حمدوك لتستأنف عملها من حيث وقفت، قبل 25 أكتوبر 2021. لكن، كيف ستعمل حكومة الدكتور عبد الله حمدوك المقبلة، وغالب غرب البلاد في يد قوات الدعم السريع، وشرقها في يد قوات جيش الإخوان المسلمين. كيف سيدير دولة تتحكم في أراضيها قوتان عسكريتان كبيرتان، ولا يملك هو فيها خاصية احتكار العنف؟ دعونا نفترض جدلاً، أن الرباعية ستعود بالدكتور عبد الله حمدوك، أو ستعود بأحد غيره من المدنيين. فما هي، يا ترى، الخطة العملية الجديدة، التي سوف تضمن سير التجربة الجديدة كما ينبغي؟ إنني أكاد أجزم، أن لدى البرهان وجيشه ومخابراته وجهاز أمنه وتنظيم الإخوان المسلمين، ومن ورائهم مصر، والمتماهين معها من النخب السودانية، خطتهم الجاهزة لتعكير مسار هذا الاحتمال. هذه الخطة جاهزة، مثلما كانت جاهزةَ قبلها الخطة التي جرى تنفيذها، بعد سقوط البشير، وأدَّت إلى إجهاض الفترة الانتقالية. في تقديري، لن تنجح الثورة وجيش الإخوان المسلمين موجودٌ، وجيش تأسيس غائب. لكن، قد يقول قائلٌ إن الرباعية ستأتي بجيشٍ من الخارج بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، أو بالفصل السابع، عبر الأمم المتحدة. فهل، يا ترى، من الحصافة السياسية أن نعتمد على قوى عسكريةٍ خارجيةٍ لتحمي لنا حكومةً وطنيةً، تحكم باسم ثورةٍ شعبية؟

    في أفغانستان عظةٌ وعبرة
    بعد شهر واحدٍ من الهجمات الجوية على مركز التجارة العالمي في نيويورك في 11 سبتمبر 2001، قامت الولايات المتحدة الأمريكية بغزو أفغانستان وإطاحة حكومة طالبان، التي كانت في السلطة منذ عام 1996. ومن ثم، جرى تنصيب حامد كرزاي، من قِبَل أمريكا، رئيسًا لأفغانستان. فحكم كرزاي من عام 2001 إلى عام 2014، وأعقبه في الحكم الرئيس، أشرف غني، الذي استمر في الحكم من عام 2014، إلى عام 2021. وكان ذلك هو العام الذي تمكَّنت فيه طالبان من إجبار الولايات المتحدة علي الخروج من أفغانستان، مستعيدةً بذلك سلطتها التي فقدتها، بسبب التدخل العسكري الأمريكي، لمدة عشرين عامًا. وقد قال حامد كرزاي بمرارةٍ وهو يعلق على فشل تجربة التدخل الأمرييا في أفغانستان: لقد جاءت الولايات المتحدة إلى أفغانستان لـ “محاربة التطرف، و”تحقيق الاستقرار”، لكنها غادرت بعد نحو 20 عامًا، فشلت خلالها في تحقيق أيٍّ من هذين الهدفين. غادرت أمريكا أفغانستان، بعد أن عجزت ويئست عن إصلاح الحال. وعادت طالبان منتصرةً مثلما انتصر الفيتكونج في فيتنام.
    بناء على ما تقدم الاستشهاد به، ربما أمكن القول، إن التعويل على حلٍّ يأتي محمولاً من الخارج تعويلٌ خاطئ. فقد ينجح لبعض الوقت، لكنه غالبًا ما يعيد الأمور إلى سابقتها، بعد خرابٍ كثير، وضياع وقتٍ ثمين. ويصبح هذا الاحتمال راجحًا أكثر، حين نصطحب معنا الأسباب غير ذات الصلة بلب الموضوع، التي دفعت الرئيس الأمريكي دونالد ترمب لكي يعلن عن نيته التدخل في السودان. فهو قد قرر الاهتمام الشخصي بإنهاء الحرب السودانية استجابةً لطلب من الأمير محمد بن سلمان. وأرى أن سبب الاستجابة يتلخص في أن الأمير محمد بن سلمان قد وعد ترمب باستثماراتٍ في أمريكا، تصل إلى تريليون دولار. كما أن ترمب، إلى جانب ذلك، يريد أن يحصل على جائزة نوبل للسلام للعام المقبل، بإطفاء ما يمكنه إطفاءه من حرائق العالم. لذلك، فإن حله المتوقع في السودان سيكون، وبالضرورة، مع هذه الدوافع الآنية المحدودة الأفق، ذات الدوافع غير ذات الصلة بلب القضية، من نوع الحلول السريعة التي تسمى: (quick fixes). وهي مما لا يصمد طويلاً، عادة

    منظومة التضليل المتشعِّبة
    من وجهة نظري، أن هذه الحرب التي أشعلها الإخوان المسلمون وجيشهم لسحق الثورة، قد كانت نعمةً في ثوب نغمة. فقد أهدتنا، دون أن نطلب، حربًا ستكون، ولأول مرَّةٍ، حربًا للتحرير الشامل في فترة ما بعد الاستقلال. هذا التحرير ينبغي أن يكون، في الأصل، تحريرَا من الهيمنة المصرية، التي لا ترضى إلا بأن يكون في السودان جيشٌ خاضعٌ لها بالكامل، على حساب مصالح السودان، وشعبه. فإما أن نفهم الأمر على هذا النحو، وإما أن نرتد على أعقابنا لننغمس، مرةً أخرى، في أساليب المناورات والمساومات، التي لا يتعدى أفق تطلعاتها الحصول من جانب النخب، متمصِّرة الوعي، على الوجاهة والامتيازات التي يمنحها منصبٌ وزراي في تركيبة حكمٍ توافقيَّةٍ هشَّةٍ، ينصب جهدها في خدمة مصالح مصر، في السودان، على حساب عامة السودانيين.
    لقد تداعت الأمم اليوم على السودان المَضِيع، المُنهك، كما يتداعى الأكلة على القصعة. في أتون هذا التداعي النَّهِم يجري تضليل شعب السودان من جميع الطامعين في سلبه قراره وموارده؛ من داخليين وخارجيين. يجري ضخ السموم التضليلية لشق الصف السوداني وبعثرة مكوناته، من جانب ماكينة جيش الإخوان المسلمين التضليلية الضخمة، ومن جانب قناة الجزيرة القطرية الإخوانية، ومن جانب قناتي العربية، والعربية الحدث السعوديتين، ومن جانب القنوات المصرية، ومن جانب قناة طيبة في تركيا، ومن جانب قناة المستقلة الإخوانية، في لندن، ومن قنوات أخرياتٍ، أيضًا. فالشعب السوداني ومثقفوه وسياسيوه، اليوم، أمام خيارين، لا ثالث لهما. الخيار الأول هو الوقوف مع تحالف تأسيس لمواصلة الثورة، التي هي ثورة تحرير شاملة، تأجَّلت كثيرًا. وهي، في الجوهر، ثورةٌ للتحرير من النفوذ المصري، أصل كل الشرور، التي أقعدت السودان، على مدى السبعين عامًا الماضية. وهذا هو ما فضحته هذه الثورة، بصورةٍ غير مسبوقة، خاصةً بعد التلويح المصري الأخير بالتدخل العسكري، لنصرة جيش البرهان الإخواني.
    أما الخيار الثاني فهو الوقوف في جبهة القوى السياسية مدمنة المساومات والحلول الوسطية المضللة، التي سوف تبقي على النفوذ المصري ونفوذ وكلائه داخل السودان، الذين سوف يديرون السودان بما يحقق مصالح مصر ومصالحهم، هم أنفسهم. إن خيار استقلال السودان، وامتلاكه الكامل قراره السيادي، والعمل وفقًا لتوجهه الخاص به، الذي يحقق تطلعات شعبه في التقدم والرفاهية، لم يكن، في يوم من الأيام، بمثل هذه الحسمية، التي هو عليها اليوم. ففي مفترق الطرق الذي نمر به الآن: إما الصعود، عبر خطوة وعيٍ وإرادةٍ جبارةٍ، أو الانزلاق، إلى أجلٍ غير مُسمَّى، في هوَّة الذل، والخنوع، والعجز، والقعود، وفي أتون التعاسة، القديمة، الممتدة.
    (انتهى)

    [email protected]
                  

12-25-2025, 01:33 PM

Yasir Elsharif
<aYasir Elsharif
تاريخ التسجيل: 12-09-2002
مجموع المشاركات: 52096

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: أكذوبة andquot;جيشٌ واحد شعبٌ واحدandquot; النور (Re: Yasir Elsharif)

    يبدو لي أن الدكتور النور حمد يُعلِّق آمالا وردية على تحالف تأسيس وقوات الدعم السريع. صحيح هناك خطورة على الثورة السودانية من الإخوان المسلمين وجيوشهم وكتائبهم ومصر. ولكن هذه النظرة تُذهل عن الدورر الإماراتي ومن خلفه دولة إسرائيل. هذه ليست نظرية مؤامرة ولكنها حقيقة، السبب فيها حماقة الأنظمة المعادية لإسرائيل بما فيها السودان (أرجو الرجوع إلى نصيحة الأستاذ محمود لأنظمة الحكم العربي حيال الموقف من إسرائيل). المهم أن السودان أصبح عظمة نزاع بين قوى إقليمية ودولية.

                  


[رد على الموضوع] صفحة 1 „‰ 1:   <<  1  >>




احدث عناوين سودانيز اون لاين الان
اراء حرة و مقالات
Latest Posts in English Forum
Articles and Views
اخر المواضيع فى المنبر العام
News and Press Releases
اخبار و بيانات



فيس بوك تويتر انستقرام يوتيوب بنتيريست
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة
About Us
Contact Us
About Sudanese Online
اخبار و بيانات
اراء حرة و مقالات
صور سودانيزاونلاين
فيديوهات سودانيزاونلاين
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
منتديات سودانيزاونلاين
News and Press Releases
Articles and Views
SudaneseOnline Images
Sudanese Online Videos
Sudanese Online Wikipedia
Sudanese Online Forums
If you're looking to submit News,Video,a Press Release or or Article please feel free to send it to [email protected]

© 2014 SudaneseOnline.com

Software Version 1.3.0 © 2N-com.de