بينما يُدفن السودانيون تحت ركام الحرب والجوع، وتُسفك دماؤهم في صمت عالمي مُطبق، تتحرك الدبلوماسية الدولية في مسارات ملتوية، لا لإنقاذ شعب، بل لتقسيم غنيمة. المشهد لم يعد يحتمل "بلبسة" الكلوب هاوس وضجيج المتحاورين المتاجرين بألم الناس، ولا مفاوضات السر التي تُخيط في زيورخ وأسمرة أكفانًا لثورة شعب طالب بالحرية والكرامة. . الدبلوماسية الدولية: لعبة إقليمية بصورة إنسانية كشف اللقاء السري بين البرهان والمبعوث الأمريكي مسعد بولس في زيورخ، برعاية قطرية، ثم اللقاء اللاحق مع نائب رئيس الإمارات الشيخ منصور، عن حقيقة مروعة: السلام في السودان لم يعد مشروعًا سودانيًا، بل أصبح ورقة في صراع النفوذ الإقليمي. مصر تريد حليفها العسكري في الخرطوم لضمان أمنها المائي وتقويض أي نموذج ديمقراطي قد يهدد استبدادها. الإمارات، التي تمول حميدتي عسكريًا، ترفع شعار الحكم المدني في العلن بينما تدعم تقسيم البلاد وتستخرج ذهبها في الخفاء. وواشنطن، التي تخلت عن دورها الأخلاقي، تبحث عن "صفقة" توقف الحرب بغض النظر عن الثمن السياسي حتى لو كان على حساب مستقبل السودان.
وليس المشهد محصورًا في تنازع العسكر والنخب وحدهم؛ فالحرب فتحت أبواب السودان للمرتزقة، وعلى رأسهم مقاتلون إثيوبيون تدفقوا إلى ولاية الجزيرة. وجود هؤلاء لم يزد المشهد إلا تعقيدًا، إذ بات المواطنون هناك يواجهون عسكرة مضاعفة: جيش ومليشيات ومرتزقة غرباء يتعاملون مع الأرض والناس كغنيمة حرب. هذه الظاهرة لا تكشف فقط هشاشة السيادة الوطنية، بل أيضًا كيف تحوّل السودان إلى ساحة لتصفية حسابات إقليمية تستأجر الرجال كما تستأجر البنادق.
هذه اللعبة القذرة تُدار بأيدٍ إقليمية، لكن ثمنها يدفعه الشعب السوداني: 30 مليونًا يحتاجون مساعدات إنسانية عاجلة، وأطفال يواجهون الموت جوعًا في دارفور، ومجتمع يُدفع نحو التشرذم الطائفي والعِرقي.
بلبسة الكلوب هاوس: الضجيج الذي يغطي على أنين الأمهات
في قلب هذه المأساة، يعلو صوت "البلابسة" في المنصات الرقمية، أولئك الذين يحولون المأساة إلى سجال كلامي واستعراض للاستاذية الكاذبة. يتصارخون دفاعًا عن الجيش أو الدعم السريع، وهم في الحقيقة لا يملكون من الحقائق سوى ما تُمليه عليهم أجندات جهات تدفع الأجر.
هذا الضجيج الإعلامي المسموم ليس بريئًا؛ فهو جزء من آلة التضليل التي تهدف إلى- تبرير جرائم الحرب بتزييف الوعي وخلق ثنائيات كاذبة. إسكات الأصوات الحقيقية عبر تشويهها ووصمها بالعمالة. تحويل انتباه الناس عن الجريمة الكبرى: تحول السودان إلى ساحة لصراع مرتزقة وإقليميين. إنهم، بحق، شركاء في الجريمة. ليسوا أقل إجرامًا من الذي يطلق الرصاص، فهم يطلقون كلماتٍ تشرعن القتل وتُطيل أمد الحرب.
الخوف الحقيقي: تسوية النخب.. اغتيال الثورة من الداخل الخطر الأكبر الآن لا يأتي من استمرار الحرب فقط، بل من طبيعة "السلام" الذي يتم التحضير له. كل المؤشرات تنذر بـ"تسوية نخبوية" بين العسكر (بجناحيهم: الجيش والدعم السريع) وبين الأحزاب التقليدية الفاسدة (بما فيها الإسلاميون)، لتقاسم السلطة والثروة على جثث الضحايا.
اجتماعات أسمرة التي جمعت Islamists مثل قوش مع القادة الإريتريين، ومحاولات البرهان إخضاع الميليشيات المتحالفة معه، ليست سوى استعدادات لـ"يوم الحصاد". سلام سيكون انتهاكًا صارخًا لشعارات الثورة التي نزل من أجلها الشباب: حرية، سلام، وعدالة. سيكون سلامًا يكرس هيمنة العسكر على الدولة ويغتال الحلم المدني الديمقراطي في مهده.
هل من أمل؟ الأمل الوحيد يكمن في رفض هذا المسار المشبوه. رفض أن يكون مستقبل السودان قرارًا يتخذ في زيورخ أو أبوظبي أو القاهرة. الأمل في - الوقف الفوري وغير المشروط لإطلاق النار.
محاسبة مجرمي الحرب من جميع الأطراف. إفساح المجال لقوى الثورة الحقيقية والحركات المدنية لتشكيل مستقبلها بعيدًا عن وصاية العسكر وتدخل الإقليم. فضح ودحض خطاب "البلابسة" والمتاجرين بالآلام. السودان لا يحتاج إلى ضجيج الكلوب هاوس، ولا إلى صفقات الإقليم. يحتاج إلى صمت يسمع فيه العالم أنين أبنائه، وإلى إرادة حقيقية لبناء سلام عادل يبدأ بالشعب وينتهي إليه.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة