كلما إنطلقتْ زغرودة مجلجلة تعلن قدوم إحدى الطيور المهاجرة للقرية ،، يخفق قلبها الولهان ،، و تزداد ضرباته في تسارع يجعلها تجتر لهفتها ... تحاول الوقوف مستندة بيديها النحيلتين على أقرب جدار .. تعتقد في قرارة نفسها بأن الزغرودة تقصدها هي .. و تبشرها بمقدمه .. فتقَدِم رِجْلاً و تؤخر أخرى .. تتردد فتتشاغل بعملها و هي تسترق النظر إلى باب منزلها المتهالك لعل و عسى .. و يساورها بصيص أمل فتقف معتلية صفيحة فارغة بقامتها النحيلة تستطلع مصدر الزغاريد و الفرح . تلملم بقايا خيبتها و إنكسارها و تذهب لتهنئة أسرة هذا القادم ،، تتقدم نحوه بخطى ثقيلة تود أن تختزل بها سنوات إغتراب وحيدها ليعود بين أحضانها .. ثم مُهَمْهِمةً بعبـارات الترحـاب و سلامة الوصول تعانق العائد طويلاً .. و هي تكاد تجزم في قرارة نفسها أن به رائحة إبنها الوحيد الذي غادر القرية منذ عشـر سـنوات و لم يرحم لوعتها و لو برسالة تطمئنها و تبرد لظى شوقها.... تنتظر كلمة منه تمد حبال صبرها و تهدهد وجع أيامها الطويلة .. توقظها زغاريد أمهات العائدين بين الفينة و الأخرى في هذا الموسـم من كل سـنة .. فيمتد بها الليل ينشـر حولها الظنون و يطول أرقها لترافق جحافل الوحدة. كرهتْ أصوات الفرح .. و كلمات التهاني. صادقتْ الحزن و تصالحت معه .. وجدتْ نفسها تماماً في بيوت العزاء .. و مواساة الحزانى .. فتطلق لبكائها العنان و تترك دموعها على سجيتها .. و كأن الميت يخصها هي. تذهب لتعانق كل قادم فتنزلق الدمعات رغماً عنها فتمسحها على عجل بطرف ثوبها المهتريء. و تجلس في ركن قصي تحدق في هذا العائد لدفء أسرته ، فيتراءى لها وجه وحيدها الذي سافر بعد موت أبيه مباشرة ، فتركها للترمل و الوحدة. تلوك في فمها قطعة حلوى دون أن تتذوق حلاوتها ، ثم تنصرف بهدوء مستغلة دخول مهنئات و هن يطلقن الزغاريد التي تدوي كقرع الطبول في أذنيها. فتنطلق لا تلوي على شيء ليضمها ليل سرمدي الحزن و اليأس. في سنوات غيابه الأولى ،، تفاخرتْ بإبنها ، و الذي حسبته سيعود ككل العائدين ،، ليملأ بيتها بالمهنئات و المهنئين ،، ثم تحتضنه ليلا ،، لتغوص بأصابعها بين طيات شـعره الأكـرت و هي تستعرض له سيرة الفتيات ليختار إحداهن. راحت و هذا الخيال يدغدغ إحساسها لزمن طويل ، توعد كل فتاة جميلة بأن إبنها سيكون من نصيبها ، فتتفانى الفتيات في خدمتها و يتسابقن لإرضاءها طمعاً في الفوز بوحيدها. و رويداً رويداً ،، تعبتْ من كل هذا و ذاك و غاص قلبها في غلالة من يأس تقاومه بإحساس الأم،، و بدأت الفتيات في الإبتعاد عنها و عن بيتها ، فقد شـح الأمل ، و طال الغياب ، و راحت الإشـاعات تنطلق هنا و هناك أنه ربما تزوج من أجنبية في غربته أو حدث له مكروه فهو في غيابة إحدى السجون ، و لكن لم يجرؤ أحد على التحدث أمامها في هذا الشأن ... يعرفون أن في خبر مثل هذا يكمن موتها.
ذاك الصباح و كأن الشمس قد إزدادت شعاعاً .. و كأن عصافير من قرى مجاورة قد أتتْ لتزيد من زخم الغناء هنا.. ران فرح غامر عم القرية بأكملها .. و إنطلقت الزغاريد من كل بيت ... لتطوف بجنبات القرية و أركانها في صخب عارم. فالكل يحب هذه الأم الحزينة .. و هاهو وحيدها يعود ممتلئاً عافية .. يسرع الخطى نحو بيته و هو يعانق هذا و يقبل رأس تلك و يلوح لأولئك و الشوق يدفعه دفعاً و يكاد يحمله من على الأرض ليطرق باب بيته و يأخذ أمه بين أحضانه .. و الزغاريد و أهازيج الفرح تتبعه .. طرق الباب و دقات قلبه تكاد تشاركه الطرق. ران صمت بليغ .. صمت مطبق .. نشر السكون على الجَمْع الواقف خلفه .. و هدأت الزغاريد لتنقلب إلى همهمات متساءلة : الحاجة دي مشت وين ؟ دفع الباب المتهالك و دلف إلى الداخل .. يمة .. يمة .. أنا جيت .. و مشروع إبتسامة ترتسم تارةً على فمه لتحل محلها تقطيبة جزع و قلق تارة أخرى .. و البيت صامت صمتاً مريباً.. دخل غرفتها .. وجدها ترقد على جنبها مفترشة ( برشاً ) قديماً تمسك بإطار خشبي قديم يضم صورته مع والده و هي تشخص ببصرها نحو الباب و كأنها كانت تنوي الخروج للبحث عنه .. جثا قربها .. قبَّل جبينها البارد .. و يديها المعروقتين .. و ضاع صوت نحيبه المكتوم وسط بكاء النساء.
08-29-2025, 12:04 PM
ابو جهينة ابو جهينة
تاريخ التسجيل: 05-20-2003
مجموع المشاركات: 22838
الناس كلها ناوية الرجوع وتوقد امام بيوتها الشموع كل مرة تزرف الدموع تبكي على وطن اطال الركوع من الثلاثين من يونيو ١٩٨٩ مرض وعطش وجوع يلعبون به اليهود وناس يسوع الم ترى الجموع ضيعها البرهان اليربوع
08-29-2025, 08:23 PM
ابو جهينة ابو جهينة
تاريخ التسجيل: 05-20-2003
مجموع المشاركات: 22838
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة