ضجّت الأسافير في الأيام القليلة الماضية بتفسيرات متباينة حول دلالات الظهور المفاجئ لـ محمد حمدان دقلو (حميدتي) في أوغندا. وتلوّنت الآراء في محاولة لفهم أبعاد هذا الظهور الباهت، الذي بدا بلا لون أو طعم أو رائحة. هذا الظهور، الذي جاء متزامنًا مع تراجع نفوذ قواته على أرض الواقع، كان من الطبيعي أن يثير جملة من الأسئلة: — هل يخاطب الإقليم والعالم بلغة تستند إلى منظومة القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني، بعد ما شهدته البلاد من دمار للمدن وتشريد للملايين وارتكاب انتهاكات وجرائم جسيمة بحق المدنيين؟ — هل يندرج ظهوره ضمن تحركات تفاوضية محتملة؟ — هل يمكن أن يؤثر في مواقف إقليمية؟ أم يظل مجرد فصل عابر في مسرح الحرب الطويل؟ ضمن هذه التفسيرات، يرى البعض أن الأمر يدخل في إطار طبيعة الحرب نفسها؛ إذ لا تُصنع الأحداث في ميادين العمليات فقط، بل أيضًا في خرائط الرمزية. فالتوقيت، والصمت، والظهور، والمكان، جميعها أدوات تحمل دلالات لا تقل تأثيرًا عن السلاح. وانطلاقًا من هذا المفهوم، يفتح الظهور بابًا لاستفسارات تتجاوز الحدث ذاته إلى ما يرمز إليه في سياق حرب معقدة. في المقابل، يرى آخرون أن هذا الظهور لا يمكن قراءته قراءة واحدة؛ حيث تتداخل الحسابات العسكرية مع الاعتبارات السياسية والدبلوماسية والإعلامية. وقد يُفهم بوصفه محاولة لإعادة تموضع سياسي وعسكري مفقود على أرض الواقع، عبر بث رسالة تهدف إلى تأكيد الحضور في الحسابات الإقليمية، بعد تلاشي النفوذ داخل خارطة العمليات العسكرية. وتكتسب هذه القراءة وزنًا إضافيًا إذا وُضعت في سياق “كسر العزلة”. فمجرد الظهور يعني، في أحد أبعاده، تأكيد البقاء والقدرة على الحركة، وربما السعي لامتصاص تداعيات الهزائم المتتالية. وبينما يختزل البعض ظهور حميدتي في كونه “محاولة يائسة للتغطية على هزيمة ميدانية”، يرى آخرون أنه لا يعني بالضرورة اعترافًا بالضعف، بل قد يكون جزءًا من إعادة التموضع السياسي، أو محاولة لإظهار أنه ما يزال لاعبًا حاضرًا في المشهد الإقليمي. وقد يحمل الظهور معنى آخر مرتبطًا بطبيعة الصراع ذاته؛ فالحرب الدائرة ليست صراعًا تقليديًا فحسب، بل معركة سرديات أيضًا. يسعى كل طرف فيها إلى تثبيت روايته: من يتقدم؟ من يتراجع؟ ومن يملك زمام المبادرة؟ وفي هذا السياق، قد يُنظر إلى الظهور بوصفه “فرقعة إعلامية هلامية” لا تحمل أثرًا عمليًا في ميزان القوى، بقدر ما تستهدف رفع المعنويات أو تخفيف وقع الأخبار السلبية. ومهما حمل هذا الظهور من إشارات، فإنها تظل، في نظر كثيرين، ذات أثر محدود؛ إذ إن القدرة العملياتية تُقاس بما يجري في الميدان. فالحرب، في نهاية المطاف، لا تُقاس بلحظة ظهور عابر، بل بمسار طويل من التحولات الواقعية. وقد يكون الهدف من الظهور البحث عن شرعية أو دعم عبر تحركات إقليمية، أو محاولة لإعادة بناء شبكة علاقات، أو تحسين صورة تضررت بفعل تطورات الحرب. كما قد يُفهم في إطار السعي لإيصال انطباع بالتماسك، أو إعادة التموضع ضمن مسارات تفاوضية محتملة، أو امتصاص أثر السرديات السلبية. لكن، منطقيًا، لا يمكن قراءة التحركات السياسية بمعزل عن ميزان القوى الفعلي على الأرض. فإذا كان الواقع الميداني يشير إلى اختلالات كبيرة، فلن يغيّر الظهور الخارجي كثيرًا في معادلات الصراع. فالظهور في حد ذاته ليس دليلًا حاسمًا على القوة أو الضعف، بل هو حدث سياسي تُحدَّد دلالاته الحقيقية بما يتبعه من تطورات وبما يجري في الميدان. ختامًا، تبقى حقيقة ثابتة: الشرعية لا تُستورد من العواصم، بل تُبنى داخل البلاد، عبر التفاهم والمشاورات، لا عبر التخوين والتخريب.
02-22-2026, 07:22 AM
محمد حمزة الحسين محمد حمزة الحسين
تاريخ التسجيل: 04-22-2013
مجموع المشاركات: 2070
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة