ظهور حميدتي بالزي الإفريقي ليس مجرد مظهر عابر، بل هو إشارة رمزية إلى تحوّل أعمق في الوعي السوداني. فالمشهد الذي رأيناه يوم أمس لا يعكس جمال الزي وحده، بل رسم لوحة جديدة في خارطة الوعي الوطني الذي أصبح أكثر انفتاحاً على إفريقيا وأكثر إدراكاً لعمق الانتماء إليها. وقد ذكّر بأن الله وهب إفريقيا نعماً كثيرة: أرضاً واسعة، موارد هائلة، وتنوعاً بشرياً وثقافياً فريداً، لكنها ظلت تفتقر إلى الوعي بالمصير المشترك وإلى إدراك حجم القوة الكامنة في وحدتها. وما شهدناه في يوغندا يوم أمس، وما سبقه من مواقف داعمة لتطلعات الشعب السوداني ومسار التحول المدني الديمقراطي، حمل بشارات أمل بأن إفريقيا قادرة على الاضطلاع بدورها وتحمل مسؤوليتها في تحقيق الأمن والاستقرار وتعزيز التقارب بين شعوبها، استناداً إلى ما يجمعها من معطيات تاريخية وثقافية وجغرافية تجعلها مؤهلة للاندماج أكثر من أي كيان دولي آخر، وتمكّنها من مواجهة التدخلات الخارجية التي عملت طويلاً على إبقاء القارة في دائرة التخلف والضعف والتبعية. وقد أثبتت رواندا، بوعيها وحكمة قيادتها التي مكنتها من تجاوز مأساتها وبناء دولة حديثة، وقبلها جنوب إفريقيا بقيادة الراحل نيلسون مانديلا التي انتصرت على سياسة الفصل العنصري وأسست دولة لجميع مواطنيها، أن النهضة ممكنة. كما أظهرت إثيوبيا حديثاً، بحسمها لملف سد النهضة وترسيخها لنظام مدني فيدرالي ديمقراطي، أن الإرادة السياسية الواعية قادرة على صناعة التحول. بهذه النماذج يمكن لإفريقيا أن تتخطى العقبات وأن تتوحد في الأهداف والمصير قبل السياسات والاستراتيجيات. إن الهدف اليوم هو ترجمة الوعي بالمصير المشترك ووحدة الخطر إلى عمل حقيقي، فإفريقيا لا ينقصها سوى أن تدرك أن عدوها الأول هو الاستبداد والفساد والظلم. فالحرية وحكم العدل قادران على تمكين القارة من شق طريقها نحو الأمن والاستقرار والتطور. وتُظهر تجارب الدول الناجحة أن الدول لا تُبنى بالأقوال ولا بالشعارات، ولا بالحروب، بل تُبنى بالفعل والعمل والسلام الذي يتيح بناء الإنسان الحر في وعيه ودوره ومسؤوليته. فالإنسان المتحرر من الجهل والفقر والخوف هو حجر الأساس لأي نهضة، وهو الضمانة الوحيدة لعدم العودة إلى عهد التيه الذي أفقر السودان وأضعفه وأورثه الصراعات.
شكراً ماما إفريكا التي أصبحتِ الملاذ لملايين السودانيين الذين شردتهم الحرب التي أشعلها الكيزان القتلة الأشرار.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة