منذ أن بدأتُ أدعو إلى فضيلة التواضع، قبل أكثر من عقد من الزمان، وأنا أؤمن إيماناً قاطعاً بأن التواضع ليس مجرد فضيلة بين الفضائل، بل هو الأساس الذي تنهض عليه جميع القيم والفضائل، من صدقٍ وعدلٍ وأمانةٍ وشجاعة...الخ. وبدون التواضع تغدو جميع هذه الفضائل هباءً منثوراً. غير أنني لاحظت شيئًا مؤلمًا ومثيرًا للتساؤل في الوقت نفسه: يؤيد الناس الدعوة إلى التواضع طالما أنها موجهة إلى غيرهم، ولكنهم ينفرون منها أشد النفور حين يحسّ الواحد منهم أنها موجهة إليه شخصياً. فكأن الدعوة إلى التواضع يجب أن تتوجه إلى غيرهم وليس إليهم.
هذا الانفصام بين القبول النظري والرفض العملي يحتاج إلى تفسير أعمق من رده إلى الإحساس بتضخم الأنا. إذ يبدو أن التواضع يهدّد لدى الكثيرين إحساسهم بالمكانة — وهذا ما يسميه العلماء في ميدان علم النفس الاجتماعي بـ “تهديد المكانة” (Status Threat).
التواضع بين الفكرة والذات: الجذر النفسي للنفور
من طبيعة الإنسان أن يحمي صورته الذاتية. فهو يريد أن يُرى محترمًا وقويًّا ومستقلًا. وعندما يسمع كلمة «تواضع»، فإن اللاوعي عنده يترجمها على الفور إلى دعوة تقول له: “انزل عن مكانتك السامقة”، “اخضع للآخرين”، “كن مثل أولئك الحمقى”، “تخلَّ عن بعض كرامتك”. وهكذا تتحول الدعوة الأخلاقية إلى تهديد ضمني لـ”المكانة الرمزية”، فينغلق الذهن دفاعًا عن الأنا. ورغم إيمان الإنسان الديني أو الأخلاقي بضرورة التواضع، فإن خوفه الداخلي من أن يبدو ضعيفًا يجعله يرفض التواضع سلوكًا، حتى وإن كان يمدحه قولًا. إنها آلية دفاعية معروفة: عندما تتعرض صورتنا عن أنفسنا للتهديد، فإننا نختار الإنكار أو التبرير بدل التغيير.
التحريف اللغوي والثقافي: كيف تواطأت اللغة مع التكبّر اللغة ليست بريئة من هذه المأساة. ففي العربية المعاصرة، أصبح وصف "متواضع" يعني "ضعيف المستوى" أو "قليل الشأن" أو "يفتقر إلى الجمال" كما في قولنا: ظهر الفريق بمستوى متواضع؛ حقق الطالب نتائج متواضعة؛ يسكنون في بيت متواضع. هذه الاستعمالات اليومية جعلت اللاوعي الجمعي يربط التواضع بالنقص، لا بالرفعة.
وبينما في الأصل القرآني والنبوي نجد أن التواضع يمثل "أعظم قوة رافعة أتاحها المولى عز وجل للبشرية"، نلاحظ أن تحوّل القيم في ثقافة الحداثة، التي تمجّد المظهر والمنافسة والنجاح الفردي، قد جعل اللغة تتكيّف مع النموذج الجديد: التواضع يمثل قلة الحيلة، والكِبْرياء تمثل الثقة بالنفس.
المجتمع التنافسي
مع ازدياد خريجي الجامعات، وتضخم النُخب الطموحة، اشتد التنافس في المجتمعات على المكانة والاعتراف الاجتماعي، إلى درجة أن دخلت حتى الدعوة إلى الفضائل إلى ميدان للمنافسة. حين بدأت أكتب عن التواضع وأدعو إليه، كنت من السذاجة بحيث توقعت أن يتسابق الناس إلى الانضمام إلى "مشروع التواضع" الذي أعلن عنه. بل كنتُ أمنِّي نفسي بأن يتلقف الفكرة أحد الوجهاء من الدعاة ويتبناها فتجد بفضله رواجاً لا يتسنى لها مع شخص خامل الذكر. لكن لشدة دهشتي ظن الكثيرون أنني بالدعوة إلى التواضع إنما أدّعى "التفوق الأخلاقي"، أو أنني أتهمهم بالكِبر. ولذلك أشهر بعضهم سلاح رد الصاع بالصاع: اتهام من يدعو إلى التواضع بالتكبر.
يضاف إلى ذلك ما يمكن تسميته بـ “عقدة الزمالة والإخوة". فالأقربون هم الأكثر معرفة بنقائصك، وأنت تبقي في نظرهم فلان بن فلانة الذي عرفوه، فبالتالي فهم لا يحملون على محمل الجد دعوتك إلى الكمال.
العامل الاجتماعي: الاستعلاء في البنية الثقافية يعيش كثير من الناس في مجتمعات تُبنى على التراتب: القبيلة، المنصب، النوع، المنطقة، اللون، الدين... إلخ. وتحتاج كل بنية تراتبية إلى الشعور بالتميز كي تبقى مستقرة. ولهذا تشكل الدعوة إلى التواضع خطرًا على النظام الاجتماعي القائم، لأنه ينفي مبدأ التفاوت بالميلاد أو بالقبيلة أو بالمنطقة...الخ. فمن الطبيعي أن تقاوم النخب وأفرادها دعوةً ترى في المساواة أصلًا وفي الكبر جريمة.
الاستعلاء كقناعٍ للضعف مفارقة أخرى تستحق التأمل: الذين يرفضون التواضع إنما يفعلون ذلك مخافة الانكشاف. هؤلاء يريدون أن يكونوا على يقين من أنَّ لهم قيمةً وشأناً، وبدون ذلك لا يحسون بالاستقرار. وبالتالي يتمسكون بتفوقهم القبلي أو المناطقي، مثلاً، ولا يتخلون عنه، لأنهم يشعرون معه بالحماية والاطمئنان.
الجهل بالمعنى الحقيقي للتواضع يعرف معظم الناس التواضع باعتباره سلوكاً، ويعتقدون أنه يعني اتخاذ مظاهر البساطة. وقلة فقط هم من يعرفون أن التواضع هو عكس الكبر؛ والكبر، بحسب تعريف الرسول صلى الله عليه وسلم له، هو "بطر الحق وغمط الناس". إذن فالتواضع هو الاستعداد الدائم لقبول الحق وعدم احتقار أي أحد من الناس. ومعظم الناس لا يعرفون معنى "بطر" و"غمط". وهذه كارثة تربوية (تتحمل وزرها المدارس) وكارثة إرشادية (تتحمل وزرها المساجد). وهكذا، نجد الكثيرين من الناس يكتفون بمظاهر التواضع معتقدين أنها كل التواضع. فمن جلس مع المساكين وأكل معهم عدوه متواضعاً. لكن ماذا إذ جلس مع المساكين وضاحكهم لكنه يعتقد في قراره نفسه أن له قدراً عظيماً يجعله أفضل منهم؟ التواضع الحقيقي ليس أن تجلس مع المساكين. بل أن تعتقد في قرارة نفسك أنك لست أفضل من المساكين وإن جالست الكبراء والوجهاء. التواضع يسكن في القلب قبل أن يتحول إلى سلوك بين الناس. وهو في جوهره "شجاعة روحية": أن تدرك أن ما لديك ليس لك، ولا قوة لك عليه، ولا فضل لك فيه، ثم تقرّ بذلك فتنظر إلى الناس بعين المساواة لا بميزان المفاضلة. هذا، وقد ساهمت بعض مقولات الصوفية في تغبيش معنى التواضع. يقول ابن عطاء الله السكندري: "ما تواضع من لم يرَ لنفسه قدرًا" — أي أن التواضع الحقيقي لا يكون إلا لمن أدرك قدره الحقيقي، لا لمن فقده. فالسكندري يتواضع لأنه متأكد من أن له قدراً، وبالتالي فهو يتواضع "تنازلاً" عن ذلك القدر. يظن الكثيرون أن التواضع هو أن ترى نفسك عظيمًا فتتنازل، أو أنك تمتلك مكانة عالية ثم تهبط منها بإرادتك. لكن هذا "تواضع خارجي" في السلوك، لا في الوعي. التواضع الحقيقي أعمق من ذلك بكثير: هو أن تدرك يقينًا أنك لست عظيمًا أصلًا، وأن ما تملكه من علمٍ أو جاهٍ أو نسبٍ أو مالٍ ليس منك ولا بك، وإنما هو "من فضل الله عليك"، ولو شاء لنزعه منك في لحظة.
التواضع إذًا ليس أن "تتنازل"، بل أن تعرف من أنت، ومن أين لك ما أنت فيه. وحين تدرك أن كل نعمةٍ تملكها لا تملكها بحولك وقدرتك، أو لأن فيك "شيء" يميزك، تزول الحاجة إلى المقارنة والتفاخر، وتزدهر في قلبك السكينة بدل الصراع.
مقولة ابن عطاء الله السكندري: "ما تواضع من لم يرَ لنفسه قدرًا"، يقصد بها أن من لا يعرف قيمته يصبح ذليلًا لا متواضعًا. لكنّي أرى الأمر على وجهٍ آخر: "ما تواضع من كان يرى لنفسه قدرًا". لأن من رأى لنفسه قدرًا ظنّ أنه استحق ما عنده، والتواضع لا يجتمع مع هذا الشعور. فالمتكبر ليس فقط من يحتقر الناس، بل أيضاً من يرى لنفسه فضلاً. ومنشأ الكبر هو الغفلة عن الفضل الإلهي. أما المتواضع حقًا، فهو من استقرت في قلبه هذه الحقيقة: "وما بكم من نعمة فمن الله".
التواضع القلبي هو أصل الأخلاق كلها؛ لأن كل خلقٍ فاضل يبدأ بالاعتراف بالعجز أمام الله، وبالمساواة مع الناس. أما التواضع المظهري، فهو ظلّ لا أصل له، والتواضع الحقيقي يخرج من قلبٍ تطّهر من وهم التفوق.
ولهذا أقول إن التواضع ليس صفة سلوكية بل "معرفة وجودية". هو أن تعرف موقعك الحقيقي من الله ومن العالم: عبدٌ مكرَّم بفضلٍ الله عليك، لا بحولك وقوتك، وأنت مكلف بالاعتراف بذلك الفضل بأن تتواضع للناس، لا أن تتباهى أمامهم. فليس التواضع أن تهبط من علوٍّ زائف، بل أن تعيش على الأرض وأنت تعلم أنك لم ترتفع إلا بفضل الله.
خاتمة في الختام نقول إنه لا بد من استعادة المعنى الصحيح للتواضع. إذ كيف نتواضع إن لم نعرف معنى التواضع؟ والنفور الذي نلمسه من التواضع ليس عداءً للفضيلة، بل سوء فهم عميق لمعناها. لقد شوهت اللغة دلالة التواضع، وشوه المجتمع صورته، فخاف الناس منه كما يخاف المريض من دوائه. وعدم إدراك معنى التواضع جعلنا لا ندرك قيمته العظيمة: كونه أكبر قوة أتاحها الله لنا. لكنّ التواضع — في جوهره — ليس دعوة إلى إنقاص أنفسنا، بل إلى رؤيتها على حقيقتها: لا فضل لأحد فينا على أحد، فكلنا لآدم وآدم من تراب. والواقع يقول: إننا لم نتواضع، بل حتى لم نعرف ما هو التواضع، ولذلك هبطنا، هبوطاً مزرياً؛ والواقع يقول إننا نتنافس، ونتشاحن، ونتحارب، لأننا لم نتواضع. ولو تواضعنا، لتسالمنا، وسلم بعضنا من بعض. ولو تواضعنا لرفعنا الله. فذلك وعد الله، ولن يخلف الله وعده؛ وذلك ما أخبر به الصادق الأمين عليه الصلاة وله التسليم: من تواضع لله رفعه.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة