من خصخصة العنف إلى أزمة الرؤية: دراسة في البنية التاريخية والاجتماعية للصراع السوداني
تجادل هذه الدراسة بأن الأزمة السودانية ليست نتاج لحظة سياسية عابرة، ولا مجرد صراع على السلطة بين فاعلين متنافسين، بل هي نتيجة تراكم تاريخي تشكّلت فيه الدولة على نحو لم يحتكر العنف ولم يؤسس لعقد اجتماعي جامع هذا النمط الذي يمكن توصيفه بـ"توزيع العنف بدل احتكاره" تفاعل مع بنية اجتماعية تتداخل فيها الروابط الحديثة والروابط الأولية، ومع ثقافة سياسية تعلّمت الوصول إلى السلطة عبر السلاح لا عبر التوافق في هذا السياق تتشكل معادلة مأزومة: ولاء عاطفي متجذر تاريخياً + فهم نظري مشوش لطبيعة الصراع = دورة صراع متجددة وتخلص الدراسة إلى أن كسر الحلقة يتطلب إعادة تعريف الدولة بوصفها إطاراً جامعاً، لا مجرد ساحة تنازع أولاً الإطار المفاهيمي—من “الدولة الهشة” إلى “توزيع العنف” غالباً ما وُصف السودان بأنه “دولة هشة” أو “فاشلة”. غير أن هذا الوصف يظل توصيفياً ما لم يُطرح سؤال التصميم هل عجزت الدولة عن احتكار العنف، أم أنها تاريخياً لم تُبنَ أصلاً على مبدأ الاحتكار؟ تقترح هذه الدراسة مفهوماً تفسيرياً: السودان عرف سلطة توزّع العنف أكثر مما عرف دولة تحتكره هذا التحول في زاوية النظر يسمح بفهم تكرار الانقلابات، وتمدّد المليشيات، واستدامة النزاعات بوصفها نتائج منطقية لبنية ممتدة، لا حوادث استثنائية ثانياً الجذور التاريخية—العنف كأداة حكم القرن التاسع عشر تأسيس النمط في عهد الحكم التركي–المصري، تشكل نمط حكم يقوم على “توزيع الخوف والغنائم” بدل بناء عقد اجتماعي حملات التأديب التي قادها الدفتردار محمد بك عقب أحداث شندي استعانت بقوى محلية مسلحة، بما رسّخ مبكراً منطق توظيف المجتمع في إدارة العنف ضد المجتمع. هذه اللحظة ليست تفصيلاً تاريخياً، بل بذرة لنمط سيلازم الدولة لاحقاً الاستقلال 1956 دولة بلا حسم تأسيسي ورث السودان دولة مركزية لم تُحسم فيها قضايا شكل الحكم، علاقة المركز بالأطراف، وإدارة التنوع. غابت تسوية تأسيسية جامعة، فصار المجال العام قابلاً للاهتزاز عند أول اختبار دورة العسكرة والمدنية الهشة منذ انقلاب 1958، دخل السودان في دورة: حكم عسكري يعجز عن بناء شرعية مستدامة، يعقبه حكم مدني ضعيف سرعان ما يُزاح بانقلاب وتشارك في هذه الدورة فاعلون متباينون أيديولوجياً—إسلاميون، شيوعيون، اتحاديون، بعثيون—لكنهم تقاطعوا عند نقطة واحدة: قابلية الاستعانة بالعسكر لتعديل موازين القوة هنا تتكرس “عسكرة السياسة” كثقافة، لا كحدث 1989–2019: تطرف القاعدة لا خروج عنها مثّل نظام 1989 أطول مراحل إعادة هندسة الدولة على أساس حزبي ضيق، مع تعميق سياسة المليشيات (الدفاع الشعبي ثم الدعم السريع) لم يكن ذلك انحرافاً عن المسار، بل تطبيعاً لتوزيع العنف داخل بنية الدولة وعندما اندلعت حرب أبريل 2023 بين الجيش والدعم السريع، كانت—من منظور بنيوي—انفجار تناقضات جرى تأجيلها طويلاً ثالثاً البنية الاجتماعية—تداخل الروابط الحديثة والأولية السودان ليس ساحة أحزاب حديثة فحسب، بل مجتمع تتعايش فيه القبيلة والطريقة الصوفية مع مؤسسات الدولة الصوفية بين التجاوز وإعادة الإنتاج ولعبت الطرق الصوفية دوراً في خلق روابط تتجاوز القبيلة، وقادت حركات كبرى مثل الثورة المهدية. لكن تحوّل الختمية والأنصار إلى أذرع حزبية (الاتحادي الديمقراطي الأصل، حزب الأمة) رسّخ امتزاج الديني بالسياسي فصار الولاء للطريقة يمتد إلى الحزب، وتكرست هويات سياسية مغلقة القبيلة من رابطة اجتماعية إلى أداة سياسية لم تذب القبيلة مع تحديث الدولة، بل أُعيد تسييسها، خاصة في العقود الأخيرة ومع تصاعد النزاعات، تشكلت هويات دون وطنية (الجهة، الإثنية، “أولاد البحر/الغرب”) تحمل ذاكرة تهميش. وعند اشتعال الحرب، وجدت القوى المسلحة حواضن جاهزة، وتحول الصراع إلى صراع هويات في بعض مناطقه، بما في ذلك جرائم تطهير عرقي الخلاصة الاجتماعية: حين تفشل الدولة في توفير الأمن والاعتراف والخدمات، تصبح الهوية الصغرى ملاذاً وهنا يتحول الانتماء السياسي إلى امتداد للقبيلة أو الطريقة أو الجهة، لا مجرد خيار برنامجي رابعاً ما بعد 2019—الثورة بين إعادة التأسيس وإعادة إنتاج النمط مثلت ثورة ديسمبر فرصة نادرة لإعادة تصميم الدولة. غير أن الانتقال تعثر لثلاثة أسباب مترابطة غياب حسم تأسيسي: لم يُحسم سؤال احتكار العنف وإعادة هيكلة المؤسسة العسكرية تنازع تمثيل المدنية تحولت الشرعية الثورية إلى ساحة صراع على التمثيل، لا إلى برنامج مؤسسي طويل النفس استمرار ثقافة التعويل على موازين القوة في ظل ميزان السلاح حاضراً في خلفية العملية السياسية هكذا أعادت المرحلة الانتقالية إنتاج بعض منطق الماضي تنافس على السلطة قبل تثبيت قواعدها خامساً أزمة الولاء والرؤية—المعادلة المأزومة في ضوء ما سبق، يتضح أن أزمة الولاء ليست مجرد انغلاق حزبي، بل امتداد لتاريخ من تسييس الروابط الأولية وتوزيع العنف كما أن “الفهم النظري” ظل غالباً معلقاً فوق واقع لا يخضع لإعادة تصميم جذرية تتشكل إذن معادلة الصراع , ولاء عاطفي متجذر (قبلي/طريقي/جهوي/أيديولوجي) + فهم نظري غير محسوم لطبيعة الصراع (سلطة؟ هوية؟ موارد؟ تصميم دولة؟) = صراع دوري بلا أفق عندما لا يُفهم الصراع بدقة، تُستخدم أدوات خاطئة: شعارات أخلاقية لمعالجة أزمة بنيوية، أو محاصصات تقنية لمعالجة سؤال اعتراف سادساً نحو كسر الحلقة—شروط إعادة التأسيس حسم مبدأ احتكار العنف إصلاح أمني وعسكري يضع السلاح تحت سلطة مدنية خاضعة للمساءلة عقد اجتماعي جامع تعريف المواطنة على أساس الحقوق المتساوية، والاعتراف بالتنوع دون تحويله إلى محاصصة جامدة وفصل الهوية عن الأداة السياسية تحويل الانتماء إلى وسيلة برامجية لا إلى هوية مغلقة اقتصاد سياسي للسلام تفكيك شبكات الريع المرتبطة بالحرب، وبناء حوافز للاستقرار تثقيف سياسي نقدي ترسيخ تقاليد المراجعة داخل التيارات، لا تقديسها الأهم تجنب الحتمية. فكون الحرب امتداداً لمنطق تاريخي لا يعني قدريتها و كسر الامتداد يتطلب إرادة سياسية واعية تعترف بالجذور بدل إنكارها
ليست الحرب الراهنة انحرافاً طارئاً، بل نتيجة بنية تراكمت فيها ثقافة توزيع العنف، وتداخلت فيها الروابط الأولية مع السياسة الحديثة، وتعلمت فيها النخب أن السلطة تُنال سريعاً عبر السلاح إن إعادة تعريف الدولة بوصفها إطاراً جامعاً يحتكر العنف ويعترف بالتنوع ويؤسس لاقتصاد سلام، هو المدخل الوحيد لتحويل الولاء من هوية مغلقة إلى خيار قابل للمراجعة، وتحويل الجدل من خشبٍ صلد إلى سياسةٍ ممكنة هذه ليست نهاية النقاش، بل بدايته من تشخيص “الهشاشة” إلى تفكيك “التصميم”، ومن لوم اللحظة إلى مساءلة التاريخ—بهدف تغييره لا تكراره.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة