أيها الراني إلينا من عليائك، الباذل فينا بعد الموت وفاءك، تتربص عيناك القلقتان؛ لم تزل استقاماتنا فتلمع، واعوجاجاتنا فتدمع، تلمع في الأولى طربًا وبهجةً بغرسك فينا يزهو، وتدمع في الثانية شفقةً ورحمةً على خيولٍ لنا تكبو. نعم تمتد بك أرائك الخلود، وزرابي الجنان، لكنك لم تزل تحمل شعبك في قلبك، كدأبك في حياتك، فأيُّ وليٍّ أنت.
إيهٍ من هدأة الموت بعد طول شقاء، احتبست فيها نفسك تمتهن مهنة الأنبياء بين تلك الجبال، حيث الفقر والموت يجوسان، تُخَرِّج طلابك فيطلعون على الدنيا، وأنت ظللت حبيس جبالك لتدفع بآخرين وآخرين، حتى انقضى عمرك. لكن لم تنقضِ مقالات الناس فيك، فعرفت أن الوعد قد وجب فيك.
كان طويلًا كليل الثكالى، أسودَ كقطعةٍ من عقيقٍ ملتمعةٍ سوداء، بوجهٍ إفريقيِّ التقاطيع والسمت والملامح، حيث أنفٌ مستريح، لم يضطره الزمهرير إلى الانكماش فيضيق ضيقًا وخنقًا، حتى تتعاسر أنفاسه فتتجافل أخلاقه، بل كان جميلًا سهلًا كسهولة روحه، وبخدَّين أقرب إلى البروز تيهًا، وبوجهٍ أدنى إلى الاستطالة. إنه وجهٌ نوبيٌّ ظل محافظًا على شبهه آلاف السنين، كم شهدناه ونحن ننظر تمثال بعانخي وكاتشا وشبتاكا، أرأيت ثَمَّ فرقًا؟
أندل النوبي كنقر سالمون، اسمٌ نوبيٌّ لم تتسرب إليه هجنة التعريب، التي لم يسلم منها اسمٌ في عهده وقبله قليلًا وبعده. ورغم تدينه الشديد لم يسعِ كما سعى كثيرون إلى تعريبه أو مداناته إليها، كما فعل جلُّ (الأما-النيمانج)، بل جلُّ النوبة، لأنه فهم الدين عميقًا؛ فهو في القلب لا في الأسماء والمظاهر. تسمع وقع اسمه على آذانك فيتملكك شجنٌ أليم، باعثه إحساسٌ أن القوم قد هجروا سموت آبائهم وأسمائها، والتحفوا أسماءً لا تشبههم، فاغتربوا وهم باقون. لقد ظل باسمه ليهتف في قومه: لا تبدلوا أسماءكم، ولا تغيروا ألقابكم، فالله ربُّ كلِّ الناس.
كان صارمًا كيومٍ صيفيٍّ قائظ، لا تتهيبه المواقف، ولا تزدريه المطامع. يهابه الطلاب وآباؤهم وأترابه ومجتمعه وكبراء قومه، لا لشيءٍ سوى وقارٍ ألقاه الله عليه، واستقامةٍ وحزم.
استقبله العام 1941 وقتًا للحياة، فخرج إلى الدنيا بشكل طفل، ونظرة رجل، وتجربة كهل، في قريته سلارا. ثم شبَّ كما يشب أترابه، ثم لما بلغ مبلغ الطلب أدخله والده مدرسة سلارا الابتدائية، وكان ذلك في العام 1950، أي وهو في التاسعة، وهذا أمرٌ طبيعيٌّ في ذلك الزمان وذلك المكان. فمكث فيها سنيها الأربع الأولية، ثم انتقل إلى مدرسة كاتشا الوسطى، ومكث فيها حتى سنة 1958، ولعله برز في تلك الفترة مصارعًا بارعًا قويَّ الشكيمة. والمصارعة من صناعة كمالات الرجال عندهم، وشرطٌ من شروط الفروسية في تلك البيئة. ثم قُبل بمدرسة الفاشر الثانوية، حيث بقي فيها حتى العام 1962، ومنها إلى معهد بخت الرضا حيث مكث عامين فتخرج منه سنة 1964.
هذه محطاته الدراسية؛ أما محطاته العملية فقد ابتدأت بمدرسة الرهد سنة 1964، ومنها إلى كاتشا، ثم معلمًا بمعهد التربية الدلنج، ثم مدرسة سلارا الوسطى حيث قضى بها عشر سنوات متواصلة، ومنها إلى مكتب التعليم الدلنج، ثم انتُدب إلى دولة اليمن.
بتاريخ 17 فبراير 2023 كانت جمعية سلارا الخيرية على الموعد، إذ أقامت للأستاذ أندل تكريمًا ضخمًا لائقًا بشخصه. لقد أوفت جمعية سلارا الخيرية بابنها الوفي، فتوافدت سلارا كبارًا وصغارًا، وتوافد طلابه من كل الجبال يسلمون عليه ويوفونه بعضًا من فضله. كان السرداق لا يكاد يسع الحضور حينما أتت زفَّة المحتفى به، يتهادى بين رجلين، والناس سماطين وقوفًا في طريق مسيره يبشرون ويهتفون. وكان أحمد شوقي حاضرًا بفريدته: «قُم للمعلم وفِّه التبجيلا، كاد المعلم أن يكون رسولًا». فقام كل المحفل، وأنت تسمع أغنية شوقي بتلك الحناجر الطروبة، وعيناك ترى هذا الموقَّر يمشي بين الناس، وترى أعين الناس تلتمع وهي توجه زواياها إليه، والآلاف تشهق حناجرها صراخًا وشهيقًا وتكبيرًا، وأيديهم لا تكف عن تصفيقٍ أو تبشيرٍ. فتتجلى صورة الوفاء أمامك عاريةً خَفِرَةً، فلا تملك إلا البكاء. ثم حانت كلمته، فانبعثت من فيهٍ طالما حمد وشكر، فجاءت مكللة بالحكمة والمعرفة والوصايا؛ فقد كانت كلمة مودِّعٍ عرف زمان رحيله، فعزَّيناه حيًّا، ورثيناه حيًّا، وبكيناه حيًّا.
ورد في سيرته أنه انتمى إلى جماعة الإخوان المسلمين في بدايات الدعوة وبواكير حياته، وظل ملتزمًا بخياراته حتى بلغت الجماعة الحكم، وحينئذٍ تركها، لكنه لم يترك الدعوة؛ فقد كان داعيًا إلى الدين، متمسكًا به. ووجود الإخوان في منطقة (الأما-النيمانج) قديمٌ نسبيًّا إذ ما قورن بتاريخ ظهورهم في السودان. فحسين خرطوم دارفور، وهو من أبكار الإسلاميين، بل كان مشاركًا في انقلابهم سنة 1959 وهو ما يزال طالبًا حربيًّا، ثم كان يكتب من بعد في صحيفتهم، ينتمي إلى ذات قبيلة الأستاذ أندل. وكان حسين قد نشط في تجنيد أهله للحركة الإسلامية، ثم إنه أنشأ ما عُرف بالرابطة، وترشح في دائرة سلارا عقب ثورة أكتوبر. وناشدته قيادات المنطقة أن يترشح باسم اتحاد عام جبال النوبة حديث التكوين حينئذٍ، لكنه رفض وآثر الترشيح باسم الرابطة ثقةً بنفسه. فسعى بعضهم إلى فليب عباس غبوش، وكان حينها مساعد قسيس بكنيسة الأبيض، فقبل الأب فليب بالترشح بعد أن رفض أول مرة بحجة أنه رجل دين. ودلف معركة الانتخابات، ومن ذا الذي يقتدر على فليب؟ فقد كان يمتلك قدراتٍ خطابيةً ضخمة، وبه روح دعابة، وكأنما الكاريزما قد قُدَّت منه. فانتصر فليب، وهو المسيحي في قومٍ مسلمين؛ فانظر مدى تسامحهم. وتسنم قيادة النوبة، ولم يزل على صهوتها حتى رجَّله الموت، ثم لم تنعقد للنوبة قيادةٌ موحدة من بعده.
ومن محطات الأستاذ أندل أنه زامل المرحوم يوسف كوة مكي عضوًا بمجلس الشعب الإقليمي؛ فقد كان إذن يتعاطى السياسة، السياسة المفضية إلى خدمة أهله. وكنت شاهدًا على اجتماعٍ مصيريٍّ عُقد في منزلنا بدعوةٍ كريمةٍ من والدي، عليه شآبيب الرحمة، بأم درمان الثورة الحارة الرابعة عشرة، عقب انتفاضة أبريل 1985. كان الاجتماع بغرض حسم قضية الانتقال من اتحاد عام جبال النوبة إلى الحزب القومي السوداني، تلك الدعوة التي دعا إليها الأب فليب غبوش. وضم الاجتماع كافة قيادات النوبة حينها. ورغم أني كنت في شجن الطفولة؛ إلا أني أتذكر من ذاك الاجتماع مقولة الأستاذ أندل حين جاء دوره، قال: «أيها الناس، لماذا الاختلاف؟ الأمر في غاية البساطة؛ إن كانت لديكم نظريةٌ لحكم السودان فهو حزب، وليكن الحزب القومي السوداني، وإن كانت لكم مطالب محددة فسبيلكم الاتحاد». وما زالت كلماته تلك ترنُّ في أذني حتى الآن، تعبر عن رجلٍ ذي بصيرةٍ وحكمةٍ وقولِ فصل.
كان أندل أستاذًا للغة الإنجليزية، حيث أتقنها إتقان مواطنيها، وكان يدرس كافة موادها من قواعد ومطالعة وأدبٍ إنجليزي. وكل من درس على يده نبغ في الإنجليزية؛ فقد كان يستحفظهم نصوصها. ويحكي لي دكتور شركيان أنه ما يزال يحفظ قصة «جين إير» و«الملك سليمان»، وما يزال صوت أندل يسمعه يقرأ له عباراتٍ ومقاطع من تلك الروائع. وكان أندل صارمًا للغاية؛ فكل حياته جدٌّ، فهابه الجميع. وقد حدثني تلميذه عوض حسن التجاني، الموظف الكبير بالبترول اليوم، قال إنه لم يشهد مديرًا مثله في حياته؛ فكل همه ووقته لتعليم تلاميذه. وذكر لي موقفًا معه، حيث كان الأستاذ أندل يُلزم كل تلاميذه بالمذاكرة الإجبارية للطلاب الداخليين والخارجيين. ولما كان منزل عوض حسن التجاني بعيدًا، استأذنه بأن يدعه يذاكر في بيته في ذات وقت المذاكرة المفروضة على الطلاب، فأذن له. ثم إنه وجده في السوق في بعض الأيام، فسأله عن سر خروجه للسوق في زمن المذاكرة، فرد عليه أن أباه قد أرسله لبعض الأغراض وأنه جاء ملبيًا مرسال أبيه، لأن المدرسة علمته ذلك. فتبسم أندل في وجهه من حسن تخلصه وتركه. ويحكي لي الأستاذ عوض حسن التجاني العديد من القصص والمواقف عنه؛ فيقول: كان يحفظ جميع أسماء طلابه حتى الجد الرابع. ويقول عوض إن أندل ما كان ينام، فيأتي الداخلية الساعة الثانية والنصف ليلًا ينتظر الطلاب الذين تسربوا وذهبوا إلى الحفلات والاحتفالات التي كانت تُقام فيعاقبهم. وما كان يصرف لأستاذٍ قلمًا حتى يأتيه بالفارغ، نزاهةً وحفظًا. ويزعم عوض حسن التجاني أنه ليس هناك طالبٌ درسه أندل قد فشل، وطفق يعدد لي قيادات المجتمع الذين درسهم أندل. ثم ذكر معلومةً مهمةً، وهي فراسته؛ فقد كان يقتدر على معرفة استعداد تلاميذه فيوصيهم: أنت عليك أن تدرس هذه الكلية، وأنت عليك أن تدرس تلك، ويصدق توقعه. كما أفدت من تلميذه الأديب محمود موسى تاور، والدكتور عمر مصطفى شركيان الذي كتب مقالًا مميزًا عنه.
بعد تقاعده عاد ليجلس في قريته سلارا مصلحًا اجتماعيًا، وواعظًا دينيًّا، وخبيرًا زراعيًّا، وساعيًا إلى الخير بإحسان. ألا رحم الله الرجل بقدر ما قدم لقومه ومنطقته، وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان. قاسم نسيم حماد حربة [email protected]
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة