مقدمة تحديد مطالع الشهور القمرية من الأمور الحيوية التي تتعلق بعبادات عظيمة كالصيام والحج. وقد جاء التوجيه النبوي بالاعتماد على رؤية الهلال تيسيرًا لأهل ذلك العصر، في حين أكد القرآن الكريم أن الأهلة مواقيت للناس، وأن سير القمر منتظم في منازل مقدرة. تنطلق هذه الدراسة من مبدأ تأصيلي مهم:
كل حساب هو رؤية منضبطة، وليس كل رؤية حسابًا.
فالحساب الفلكي يوضح نظام المنازل الذي جعله الله ميزانًا للتوقيت، ويشكل من هذا الباب ما يُعرف بـ"فاسألوا أهل الذكر" فيما يدخل تحت العلم والاختصاص، وحيثما توفر الحساب الدقيق يكون المرجع المقدم، بينما تظل الرؤية وسيلة تيسيرية للأمة الأمية التي لم تعرف الحساب. أولاً: الأهلة مواقيت للناس قال تعالى:
وجه الاستدلال: كلمة الأهلة هي جمع هلال، حسب المعاجم العربية الكلاسيكية (لسان العرب لابن منظور: "الهلال: القمر في أول الشهر، وجمعه أهلة")، أي أطوار القمر التي تحدد الشهور ومواقيت العبادات. المقصود الشرعي هو تحقيق الميقات المنضبط، وليس حصر الوسيلة في صورة حسية محددة، خاصة إذا توفر ما هو أدق في التحديد. ثانياً: تقدير القمر منازل ودلالته على الانضباط قال تعالى:
قدّرناه: تحديد محكم وتنظيم دقيق. منازل: مراحل متعاقبة لسير القمر، لكل منزلة زمن وموقع وصفة محددة. التأصيل: إثبات النظام المقدّر يدل على أن معرفة مواقيت الشهور مبنية على سنن كونية قابلة للملاحظة والقياس.
والحساب الفلكي يكشف هذا النظام ويحدد وجود الهلال وإمكان رؤيته، فيصبح رؤية علمية منضبطة لما قدره الله من المنازل، ويُقدم على الرؤية الحسية عند توفره.
ثالثاً: الجمع بين إرشاد السنة ومقصد الآيات ورد عن النبي ﷺ أن أمته كانت أمة أمية لا تكتب ولا تحسب، أي أن الرؤية كانت الوسيلة العملية لأهل ذلك العصر (صحيح البخاري، كتاب الصوم، باب "صوموا لرؤيته"). وجه الفهم التأصيلي: الرؤية هنا وسيلة تيسيرية لأمة أمية، بينما الحساب الدقيق القائم على سنن المنازل مقدم عند توفره. يوضح القرآن أن الأهلة هي مواقيت، أي النظام الزمني الذي يمكن قياسه وتقديره، بينما السنة تبين الوسيلة العملية في زمن عدم وجود الحساب. رابعاً: أقوال المذاهب والعلماء الأوائل الحنفية: ذكر ابن عابدين أن خبر أهل الحساب يُعتَبَر في نفي الاستحالة، وأن العلم إذا أفاد القطع يُقدَّم. المالكية: اعتبر بعض أهل العلم المعرفة الفلكية معتبرة في باب التوقيت. الشافعية: ذكر تقي الدين السبكي أن الحساب القطعي يُعتَبَر في نفي الرؤية المدعاة. الحنابلة: قرر ابن تيمية أن الحساب اليقيني لا يُعارض الشرع، وإنما النزاع يكون في طريقة الإثبات عند التعارض الظاهر. خلاصة المذاهب: الاعتبار بالعلم المنضبط في باب التوقيت محل تقويم عند جمهور الفقهاء، خصوصًا في نفي الاستحالة وتحقيق الميقات، والحساب مقدم على الرؤية عند توفره. خامساً: فقه المقاصد — بين الوسيلة والغايَة المقصد هو ضبط الميقات؛ والرؤية الحسية والحساب الفلكي وسيلتان لتحقيقه. حيث يكون الحساب منضبطًا كاشفًا لنظام المنازل الذي قدره الله، فهو رؤية بميزان العلم تحقق ما دلّت عليه الآيات:
أن الأهلة مواقيت، وأن القمر مقدر في سيره. والحساب الدقيق يُقدم على الرؤية إذا تحقق، بينما تظل الرؤية وسيلة تيسيرية عند عدم توفر الحساب.
خاتمة تدل النصوص على أن التوقيت الشرعي مؤسس على نظام كوني مقدّر لمنازل القمر، وأن الغاية هي تحقيق الميقات بدقة.
ومن ثم، فإن الاعتبار بالحساب الفلكي، بصفته كشفًا لهذا النظام، يندرج تحت معنى الرؤية المنضبطة، ويتآزر مع دلالة القرآن في الأهلة وتقدير المنازل، مع استدراك التيسير النبوي للرؤية عند الحاجة.
المراجع والإحالات القرآن الكريم: البقرة (189)، يس (39). صحيح البخاري، كتاب الصوم، باب "صوموا لرؤيته". ابن منظور، لسان العرب، ج 5، ص 84. ابن عابدين، رد المحتار على الدر المختار، باب الصوم. تقي الدين السبكي، فتاوى السبكي، مسائل الأهلة. ابن تيمية، مجموع الفتاوى، مباحث الأهلة والحساب. ،،،،
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة