يا دامي العينين , والكفين! إن الليل زائلْ لا غرفةُ التوقيف باقيةٌ ولا زَرَدُ السلاسلْ ! نيرون مات ’ ولم تمت روما... بعينيها تقاتلْ ! وحبوبُ سنبلةٍ تموت ستملأُ الوادي سنابلْ..! م. درويش
أبرز دليل على أن هذه الحرب اشعلتها الحركة الإسلامية للقضاء على ثورة ديسمبر المجيدة، هو العنف الوحشي الذي تواجه به أية محاولات من بعض شباب الثورة، لإحياء ذكراها أو لمجرد ترديد شعاراتها الخالدة. قضية الثائر منيب عبد العزيز تضع هذا السؤال في قلب المشهد. منيب محتجز منذ أشهر، ويخضع لمحاكمة وُجهت له فيها في البداية تهم ثقيلة، من قبيل تقويض النظام الدستوري وإثارة الحرب ضد الدولة! يُقاد الثائر منيب الى المحكمة مكبلا بالسلاسل كأنه ارتكب أفعالا إرهابية أو قاد تمردا ضد الدولة والمجتمع. يبدو انهم شعروا انهم (زودوا المحلبية)فتم تعديل التهم لاحقًا إلى تهديد الأمن العام والسلامة المجتمعية! وهي تهمة يجب أن توجه الى من أشعل الحروب ونشر الفتن والعداوات بين أبناء شعبنا. بين التهمتين مساحة واسعة من الأسئلة المشروعة حول طبيعة الفعل المنسوب إليه، وحدود التعبير السياسي، ومعايير العدالة في بلد تنتاشه الخطوب وتتنازعه الحروب والاستقطاب.
المفارقة أن السلطة التي ترتعد من ذكر اسم الثورة، وتوجه الى ناشط سلمي تهما مثل اثارة الحرب ضد الدولة، و تهديد أمن المجتمع وسلامته العامة، هي ذاتها التي ارتبط اسمها بمحطات دامية في تاريخ البلاد، من مجازر دارفور، إلى فض اعتصام القيادة العامة، مرورًا بحربها التي شنتها لإفشال الحكومة المدنية التي أعقبت سقوط نظام عمر البشير، والانقلاب الذي قادته ضد تلك الحكومة، وصولا الى اشعال الحرب الحالية. ما الذي فعله منيب؟ كان الناس كلهم شهودا على ما قاله، خاطب الناس في ذكرى الثورة، أعاد فيه ترديد بعض شعاراتها، محاولًا إبقاء جذوتها متقدة في النفوس (وتلك بالطبع هي جريرته الكبرى). لا بد أن منيب كان يعلم أن خصوم ديسمبر في السلطة، يترصدون كل من يأتي على ذكراها، هم من اشعل الحرب وهم من يحاولون جني ثمارها الدامية لاستعادة مقاعدهم وسلطتهم، لكنه مدفوعا بنفس الحماس الذي اخرج اقرانه الى الشوارع قبل سبع سنوات، وقف ليستعيد الذكرى العظيمة، ليستعيد الحلم الذي بشّرت به الثورة، حلم دولة القانون والمؤسسات التي تحمي حقوق الانسان وترعى طموحه في الحرية والعدالة والمساواة. وليس مؤسسات لا هم لها سوى مطاردة الناس في ارزاقهم وأرواحهم. قد تُحاصر الأصوات، وقد تُعدّل لوائح الاتهام، لكن إرث ديسمبر، لم يعد مجرد حدث في التقويم السياسي، بل فكرة مستقرة في الوجدان العام. فكرة تقول إن الثورة لم تكن نزوة عابرة، بل فعل عميق، راسخ في القلوب لن تمحوه الحروب او المعاناة أو محاولات الإرهاب والتخويف. والاسئلة التي اطلقتها تلك الثورة ستظل ماثلة لن تقبل المساومة. ستظل جذوة ثورة ديسمبر باقية في النفوس، وستعود الى الشوارع نارا تحرق كل مستبد جائر، تحارب الظلم والاستبداد، تحاسب كل من أجرم في حق هذه البلاد وشعبها، تقيم العدل وحكم القانون، تحارب الفساد وتنحاز للمستضعفين في هذه البلاد. التحية لمنيب ولكل اقرانه من ثوار ديسمبر المجيدة.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة