توقفت عن الكتابة خلال الأسابيع الماضية لعدة اعتبارات، منها الفشل في تدبير شئون خاصة. وحين أفشل في ذلك، أحجم عن مخاطبة العامة حتى لا ينطبق على المثل القائل: " باب النجار مخلع". فالاتساق بين ما هو خاص وعام، في نظري أمر جوهري، وإلا أصبحنا مجرد منظراتية ننصح الآخرين بما نعجز عن تطبيقه في حياتنا.
أما الأمر الثاني، والأهم، فهو أنني وصلت إلى قناعة بأننا نكثر من الحديث عن السياسة والساسة، ونتجاهل أزمة الوعي التي نعاني منها، ونتعمد إغفال مشكلاتنا المجتمعية التي لعبت، على الدوام، دوراً رئيساً فيما يعانيه وطننا.
لكن، ولأننا كشعبٍ سوداني نجيد الهروب إلى الأمام دائماً، ونبحث عن شماعةٍ نعلق عليها أخطاءنا، تجدنا نتلذذ بتخدير الإعلام المساند لمختلف الكيانات حين يحدثنا عن الوعي المزعوم، أو عن التفاف الشعب حول هذا الطرف أو ذاك.
فما من شعبٍ واعٍ حقاً يسمح بأن يصل وطنه إلى ما بلغه سوداننا المكلوم من دمار وخراب. وقد بينت هذه الحرب، بما لا يدع مجالاً للشك أننا - كشعب - جزء أصيل من مسببات الأزمات التي عاشها بلدنا خلال العقود التي تلت الاستقلال.
ففي الوقت الذي شمرت فيه معظم شعوب العالم عن سواعدها لبناء أوطانها، لم ندخر نحن جهداً في تدمير بلدنا، بينما - وللمفارقة العجيبة – أسهمنا، كأفراد سودانيين، مع إخوة وأشقاء في بناء أوطانهم.
صحيح أن الأمر لا يمكن عزله عن السياسة والأنظمة التي حكمت البلد منذ الاستقلال وانعدام المقارنة بينها وبين أنظمة رشيدة حكمت بلداناً أخرى، لكن ذلك نفسه ما كان ليحدث بالشكل الذي مضى عليه لولا طبيعتنا الهدامة ورغبتنا في الاتكاء على غيرنا. نحن شعب ينتظر الخلاص من شخصٍ أو مجموعةٍ أو أطرافٍ خارجية، دون أن نقوم بأي دور فاعل، رغم امتلاكنا للأدوات.
ما دعاني إلى الكتابة اليوم سؤال وجهه إلى صديق عزيز: " أين أنت من كل ما تمور به الساحة السياسية هذه الأيام، ولماذا الاختفاء المفاجئ؟" وبحكم أن الصديق المعني يقيم معي هنا في سلطنة عمان منذ سنوات طويلة أجبته بسؤال: " هل قابلك يوماً عماني يغلب مصلحة عائلته أو قبيلته أو منطقته أو مذهبه على مصلحة عُمان؟" فجاء رده بالنفي القاطع. فقلت له: لهذا توقفت عن تناول التطورات السياسية وأحداث الحرب؛ لأننا نغلب مصلحة المجموعة الإثنية أو القبيلة أو المنطقة على مصلحة السودان، ونصطف مع طرف أو مجموعة أو حزب بناءً على مثل هذه المعايير المختلة.
ولهذا أرى أننا، مهما أكثرنا من التنظير في أمور السياسة، لن نصل إلى نتيجة ما دام المستنيرون والمفكرون والإعلاميون - المناط بهم توعية الناس - منقسمين هم أنفسهم، ولا يغلبون مصلحة الوطن على مصالحهم الضيقة.
ولما تقدم، يفترض أن نركز في كتاباتنا على ضرورة رفع الوعي المجتمعي، وهو ما لا يرغب كثيرون في تناوله؛ لأن تعليق الأخطاء على غيرنا أسهل دائماً، ويمنحنا شعوراً زائفاً بالرضا حين ننظر إلى أنفسنا كضحايا، ونتنصل من الاعتراف بأننا جزء من الأزمة.
فلا يعقل، يا صديقي أن نستمر على مدى سنوات في الانقسام حول القتل والدمار، وكأننا نشجع أندية كرة القدم المفضلة لدينا، وفي ذات الوقت نردد شعارات أُفرِغت من محتواها تماماً بسبب تقاعسنا عن أداء أدوارنا واعتمادنا على شخص، مجموعة أو كيان لتخليصنا مما نعانيه، فحتى الثورات التي نضحي بالأرواح الغالية خلالها، لا نكملها ، بل ننتظر من غيرنا أن ينجز لنا الجزء الأهم منها، المتعلق بعملية البناء.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة