ليس كل من نطق بمفردات التهميش مهمشا أو صار نصيرا للهامش، ولا كل من استعار قاموس المظلومية اكتسب شرعية تمثيلها، فالهامش في السودان ليس شعارا لغويا ولا بطاقة مرور أخلاقية، إنه تاريخ دم وحرمان، وسردية قهر طويل، وتجربة عيش قاسية دفعت أثمانها مجتمعات بأكملها. في ظل الفوضى العارمة التي تضرب أطناب الدولة السودانية، وفي ظل السيولة السياسية التي أفرزتها حرب الخامس عشر من أبريل 2023، تبرز ظواهر صوتية تحاول إعادة إنتاج نفسها من ركام التاريخ، متدثرة بعباءة المظلومية تارة، وبشعار الهامش تارة أخرى، ومن بين هذه الأصوات، يطل علينا الدكتور الوليد آدم موسى مادبو، محاولا تنصيب نفسه منظرا ومدافعا عن قضايا الهامش السوداني. إن هذا المقال لا يأتي من باب الشخصنة أو الإستهزاء، بل هو مشرط جراحي سياسي يهدف لفضح وتعرية هذا التناقض الصارخ، وكشف التدليس الممنهج الذي يمارسه ربيب المركز وابن الامتياز التاريخي، حين يحاول ارتداء ثوب الثوار والمهمشين. ذاكرة الهامش لا تصدأ.. إن محاولة الدكتور الوليد مادبو الحديث بلسان الهامش ليست مجرد مفارقة سياسية، بل هي إهانة لذكاء الضحايا واستخفاف بذاكرة الشعوب التي لا تصدأ، فالدكتور الوليد ليس نبتة شيطانية ظهرت فجأة، بل هو سليل أسرة (آل مادبو) العريقة سياسيا واجتماعيا، وهي الأسرة التي كانت وعبر عقود طويلة جزءا أصيلا من تركيبة السلطة في المركز (الخرطوم). لم تكن هذه الأسرة يوما في خندق المهمشين الحقيقيين الذين اكتووا بنيران التهميش التنموي والثقافي والسياسي، بل كانت تمثل الواجهة التقليدية التي استخدمتها نخب المركز لتدجين الأطراف وضمان ولائها. لقد وقف الإرث السياسي الذي ينتمي إليه الدكتور مادبو، تاريخيا، كسد منيع ضد التحولات الجذرية التي طالب بها ثوار الهامش الحقيقيون، حيث كانت التحالفات تُعقد في الخرطوم، وتوزع المناصب والامتيازات، بينما يظل الهامش مجرد خزان بشري للانتخابات أو وقود للحروب. أن يأتي اليوم حفيد هذا الامتياز التاريخي ليتحدث عن معاناة الهامش، هو أشبه بأن يُحاضر الجلاد ضحيته عن ألم السوط، إذ إن الهامش السوداني، الذي عانى من سياسات الإفقار والتجهيل التي شاركت نخب الإدارة الأهلية المتحالفة مع المركز في تكريسها، لا يمكن أن يقبل بأن يكون محاميه هو نفسه الذي كان بالأمس القريب جزءا من منظومة الحكم والتحكم. عزيزي القارئ.. إن التوقيت الذي اختاره الدكتور الوليد مادبو لتصعيد خطابه حول الهامش ليس بريئا، بل هو توقيت تفوح منه رائحة القبلية الفجة، فمع اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وميليشيا الدعم السريع في 2023، وجدنا الدكتور يصطف ولو بتخريجات فكرية معقدة في الاتجاه الذي يخدم سردية الميليشيا، والمفارقة المبكية المضحكة هنا تكمن في "الحاضنة الاجتماعية. كيف يستقيم عقلا ومنطقا أن يتحدث الدكتور عن قضايا الهامش، في حين أن القوة العسكرية التي تفتك بأهل الهامش في دارفور وكردفان والجزيرة والخرطوم، وتنهب ممتلكاتهم وتنتهك أعراضهم، تقودها قيادات تنتمي لنفس الحواضن الاجتماعية التي ينحدر منها الدكتور؟ إن ميليشيا الدعم السريع، التي تحاول تسويق نفسها زورا وبهتانا كقوة لتحرير الهامش من دولة 56، هي في الواقع أكبر مهدد وجودي لإنسان الهامش. إن محاولة الدكتور الوليد التغاضي عن الجرائم التي ترتكبها هذه القوات، أو محاولة تبريرها وتغليفها بغلاف الصراع ضد المركز، هو سقوط أخلاقي مدو قبل أن يكون موقفا سياسيا، فالهامش الحقيقي هو الذي يُذبح في الجنينة، ويُشرد في الفاشر، ويُغتصب في الخرطوم، بسلاح أولئك الذين يحاول الدكتور تبييض وجوههم أو الصمت عنهم بحجة الانتماء القبلي أو المناطق. إن من كان سيفا مسلطا، ولو بالصمت أو التبرير، على رقاب أهل الهامش وقضاياهم العادلة، لا يملك الأهلية الأخلاقية للحديث باسمهم. أكذوبة المركز والهامش في خطاب مادبو.. يعتمد الدكتور الوليد في خطابه على ثنائية المركز والهامش كأداة تحليلية، لكنه يستخدمها بانتقائية مريبة. فهو يتجاهل حقيقة أن المركز في السودان لم يعد مجرد جغرافيا (الخرطوم)، بل هو شبكة مصالح معقدة تضم تجار الحرب، وزعماء الإدارات الأهلية الفاسدين، وأمراء الميليشيات، فالدكتور مادبو نفسه، بتعليمه العالي في أرقى الجامعات الغربية، وعلاقاته الدولية، وموقعه الطبقي، يمثل مركزا ثقافيا واجتماعيا بامتياز. إن محاولته التنصل من المركزية ولعب دور الضحية، هو نوع من التدليس الفكري، فهو يحاول إيهام البسطاء بأن الصراع الحالي هو صراع بين أبناء الهامش ونخب الشمال النيلي، بينما الواقع يقول إنها حرب على السلطة والثروة، وقودها الفقراء من كل بقاع السودان. إن تحويل الصراع إلى صراع إثني أو جهوي، كما يفعل خطاب الدكتور المبطن، هو خدمة مجانية لمشروع تفكيك السودان الذي تنفذه ميليشيا الدعم السريع. أهل الهامش ليسوا بحاجة إلى مثقفين عضويين مزيفين يعيشون في أبراج عاجية، وينظّرون عن الجوع والنزوح من عواصم العالم المرفهة. قضايا الهامش العادلة والمشروعة، من تنمية متوازنة، وعدالة انتقالية، ومشاركة سياسية فاعلة، لا يمكن أن تتحقق عبر بندقية ميليشيا قبلية، ولا عبر تنظيرات مثقف لا يرى في الهامش إلا سلما للصعود السياسي. سقوط القناع عن الوليد مادبو.. لطالما حاول الدكتور الوليد تقديم نفسه كمفكر استراتيجي يقف على مسافة واحدة، لكن الحرب كشفت المستور وأسقطت ورقة التوت، بإنحيازه الواضح أو المبطن لمشروع الدعم السريع تحت ذريعة محاربة الفلول أو تفكيك دولة 56، هو انحياز ضد الدولة السودانية وضد المواطن البسيط. إن الانتهازية السياسية تتجلى في أبهى صورها عندما يحاول السياسي توظيف دماء الضحايا لخدمة أجندة الجناة، فالدكتور مادبو يعلم يقينا أن الميليشيا التي تستند إلى حواضنه الاجتماعية لا تحمل أي مشروع وطني للهامش، بل تحمل مشروع نهب وسلب وارتزاق عابر للحدود، ومع ذلك، يصر على استخدام مصطلحات التهميش لتوفير غطاء أيديولوجي لهذه الفظائع. هذا السلوك لا يمكن وصفه إلا بالحربائية، حيث يتلون الموقف السياسي حسب ميزان القوى وحسب المصالح الضيقة للقبيلة أو الأسرة، وليس مصلحة الوطن أو الإقليم. الهامش: وعي جديد يلفظ الأوصياء.. إن الرسالة الأهم التي يجب أن تصل إلى أمثال الدكتور الوليد مادبو، هي أن إنسان الهامش السوداني قد تجاوز مرحلة الوصاية، وقد علمت الحروب والمآسي أهل السودان في الأطراف والريف كيف يميزون بين الثائر الحقيقي والتاجر السياسي. أهل الهامش ليسوا أغبياء: هم يعلمون من سرق مواردهم، ومن تاجر بقضاياهم في سوق النخاسة السياسية في الخرطوم وغيرها. أهل الهامش ليسوا فاقدي ذاكرة: هم يتذكرون جيداً مواقف الزعامات التقليدية التي باعت قضاياهم مقابل نظارة أو وزارة هامشية. لذلك، فإن محاولة الدكتور القفز فوق هذا الوعي المتشكل بالدم والدموع، ومحاولة تنصيب نفسه ناطقا باسمهم، محكوم عليها بالفشل الذريع، فالقضية ليست مجرد خطاب منمق أو مصطلحات أكاديمية رنانة، بل هي قضية مصداقية وتاريخ وموقف أخلاقي، ومن سقط في امتحان الموقف يوم اندلعت الحرب واحترقت الديار، لا يمكنه أن يعود غداً ليتصدر المشهد. يجب التأكيد على أن قضايا الهامش في السودان هي قضايا عادلة، وهي جوهر الأزمة الوطنية، وحلها هو المدخل الوحيد لبناء دولة المواطنة المتساوية، ولكن، هذه القضايا العظيمة تحتاج إلى محامين شرفاء، لا انتهازيين يقتاتون على الجراح، تحتاج إلى قادة خرجوا من رحم المعاناة، لا إلى ورثة مجد قبلي زائف.
إن الدكتور الوليد آدم موسى مادبو، وأمثاله من نخبة التبرير، يمثلون الوجه القبيح لاستغلال قضايا الهامش، إنهم يمثلون الامتداد الطبيعي لسياسات المركز التي استخدمت الإدارات الأهلية لقمع الشعوب، وإن تحوله المفاجئ لمدافع عن الهامش هو نكتة سمجة لا تضحك أحداً، بل تثير الاشمئزاز. لن يسمح أهل الهامش، ولا أهل السودان قاطبة، بإعادة إنتاج نظام الامتيازات القديم تحت لافتات جديدة. لقد وعى الجميع الدرس، وسقطت الأقنعة، وسيبقى الهامش قضية وطنية عليا، وسيسقط المتاجرون بها في مزبلة التاريخ، حيث لا تنفعهم فصاحة اللسان، ولا عراقة النسب، ولا حماية الميليشيا، لأن الحق أبلج، والباطل لجلج، ومحاولة تغطية الشمس بغربال "آل مادبو"، هي محاولة يائسة محكوم عليها بالفشل الذريع. في نهاية المطاف، ليست معركة الهامش والمركز معركة جغرافيا أو هويات متنازعة كما يسعى البعض لتصويرها، بل هي صراعٌ أخلاقيّ بين مشروع وطني جامع ومشاريع ضيقة ترتدي قناع التنوير مرة، ورداء المظلومية مرة أخرى. إن جوهر القضية ليس في معرفة من يتحدث باسم الهامش، بل في من يؤمن حقًا بعدالة القضية، ويدفع ثمن مواقفه من رصيده الشخصي، لا من دماء الأبرياء ولا من جراح الوطن. فالمقياس الحقيقي للشرف السياسي هو الاتساق بين القول والفعل، لا فصاحة الخطاب ولا استعراض المصطلحات الأكاديمية. لقد كشفت هذه الحرب، بكل ما فيها من خراب، درجة الانكشاف الأخلاقي لبعض النخب التي طالما تمظهرت بمظهر الثائر والمستنير، بينما جوهرها مصلحي انتهازي بامتياز، فحين يسقط القناع، لا تعود الألقاب تشفع، ولا التاريخ الوراثي يمنح الحصانة، ويبدو أن القدر قد منح السودان، رغم جراحه، فرصةً نادرة ليُعيد تعريف نُخَبه ومعاييره، وليفرز الطيب من الخبيث، فالمواقف، لا الأنساب، هي التي ستكتب سطر الحقيقة الأخير في هذه المرحلة الدامية من تاريخ السودان الحديث. يعلم أهل الهامش اليوم أن الطريق إلى العدالة لا يُعبَّد بالمناورات الفكرية ولا بالتحالفات القبلية، بل بالبذل والمبدأ، بالوعي والصدق. لقد تجاوز وعي الهامش مرحلة الشعارات، ولم يعد يقبل أن يُستدرج مرة أخرى إلى شعارات التحرير الزائفة التي تخفي تحت عباءتها أطماع السلطة والمال، وإذا كان الوليد مادبو وأمثاله يتوهمون أن بإمكانهم إعادة إنتاج خطاب الوصاية أو احتكار تمثيل المعاناة، فهم يقفون في مواجهة تيار وطني واسع يتشكل في الصمت، لكنه صمتٌ كصمت البركان قبل الانفجار، يحمل غضبا نبيلا ورغبة حقيقية في بناء وطن لا يقاس فيه الانتماء بالدم أو الجهة أو القبيلة، بل بالصدق والانتماء للمبادئ. إن السودان في لحظته الراهنة لا يحتاج إلى منظّرين من صالونات المدن البعيدة، بل إلى ضمائر حية تحمل أثقال المخيمات ووجع النزوح، وتكتب فكرها بمداد التجربة لا بالحبر الأجنبي، بل يحتاج الوطن إلى عقول لا تتاجر بالدم، وأصوات لا تبحث عن النجومية، وقلوب تعرف أن قضايا الناس لا تُختزل في معارك تويتر ولا في خطابات التبرير الإعلامي، بل في مواقف تترجم على الأرض، في عدالة تُستعاد، ومساواة تُنزل من النص إلى الواقع. سيظل الهامش السوداني، بمعناه الإنساني والسياسي، مدرسة في الصمود والكرامة، لا منصة للمتسلقين ولا سُلّما للمطامع الطائفية، فالهامش ليس خندقا جغرافيا، بل ضميرا وطنيا جمعيا، يحمي الوطن من خطايا المتهافتين وتواطؤ النخب، ومن يحاول اليوم أن يلبس رداء المدافع عن الهامش ليغسل خطايا جيل كاملٍ من الامتياز، إنما يضيف إلى سجل الخيانة فصلا جديدا. قد يطول ليل السودان، لكن فجر الوعي قد بزغ، ولن يكون بعد اليوم كما كان بالأمس، لقد انكشفت الأقنعة وسقطت السرديات المزيفة، وبات السودانيون يدركون أن خلاصهم لا يأتي من الخارج ولا من الميليشيا، ولا من نخب اعتادت أن تكتب شعارات الثورة بحبر المركز ومصالحه، بل يأتي من وجع الناس البسطاء في القرى والمخيمات، ومن صبر الأمهات اللواتي دفعن أثمان التهميش دون أن يرفعن شعاراته، أولئك النسوة والرجال هم الهامش الحقيقي، وهم الذين سيعيدون كتابة العقد الاجتماعي للسودان. من هنا تبتدئ الفلسفة الحقيقية، فلسفة الوعي لا التوحش التي ترفض تبرير الجريمة، وتُسقط مقولة ذوي القربى أولى بالرحم حين تتحول إلى ذريعة للتواطؤ مع القاتل، فالمجتمعات لا تُبنى بالعواطف الجهوية، بل بالمواطنة الصادقة، وبالاعتراف بأن الكرامة الإنسانية لا تعرف لون البشرة ولا موقع الميلاد. عندما نصل إلى تلك المرحلة، سيكون الهامش قد انتصر لا على المركز، بل على ذاته، وعلى كل من حاول أن يستخدم اسمه لستر خيانته. إن السودان الجديد الذي يُنتظر بعد هذا المخاض لن يولد على أيدي المتلونين ولا تجار الحروب، بل على أيدي أولئك الذين فهموا الدرس حتى النهاية، وأن الوطن لا يقوم على التبرير، بل على الحقيقة، والحقيقة، كما التاريخ، لا ترحم المتخاذلين، بل تضعهم في المكان الذي يستحقونه في هامش الهامش من الذاكرة الوطنية، حيث لا يُذكرون إلا كعبرة لما يحدث حين يبيع المفكر ضميره باسم الهامش.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة