أن الجدل الفكري و الدراسة العلمية تجبر المفكر و الدارس أن يتحرى الصق عند جمع المعلومات و البينات و وضع الفتراضات، حتى يصل إلي النتائج المطلوبة، و الجدل الفكري لا يقبل الشعارات و لا الأحكام المتعجلة.. لذلك تجد الكثير يهربون من اتباع هذا الطريق و محاولة قراءة المقالات التي تحتاج أيضا لشيء من الجدل الفكري.. المقال الذي كتبته قبل يومين و نشر في جريدتي "سودانيل و سودانيزاون لاين" و عدد من القروبات المختلفة، جاء تعقيب الأستاذ يعقوب كابي ردا فكريا يبحث عن الحقائق لذلك طرح العديد من الأسئلة التي تبين أن كاتبها ليس قاري اعتيادي أنما هو دارس و باحث عن الحقائق.. و لذلك لا يمكن المرور عليها و تجاوزها لابد من الرد على الأسئلة وفق لمعرفتي الشخصية المتابعة لحركة الفعل و السياسة في السودان.. و طرح الأستاذ يعقوب كابي عددا من الأسئلة تتمحور في الأتي :- السؤا الأول يحمل عدد من الأسئلة في باطنه: يسأل يعقوب؛ أن كاتب المقال يحمل الحزب الشيوعي وحده وزر تحمل الإنهيار الفكري وحده رغم أن التراجع لم يكن قاصر على الحزب الشيوعي وحده تتحمله أيضا الأحزاب التقليدية و و القوميون الذين تآكل مشروعهم و الإسلاميون الذين تحولوا الفكر إلي سلطة؟ أن عبد الخالق حاول مواءمة النظرية مع واقع مجتمع غير صناعي و غير بروليتاري حتى أنتهى ذلك إلي تناقضات فكرية حقيقية.. هل كان ممكنا للحزب أن ينتج فكرا جديدا في ظل القمع، و العمل السري و انكسار المشروع الاشتراكي عالميا؟ أن المظالم التاريخية التي استندت إليها خطابات الهامش كانت حقيقة و إن فشلت الأحزاب بما فيها الشيوعي – الشيوعي في تحويلها إلي برنامج وطني جامع؟ في البدء أشكر الأستاذ يعقوب كابي على هذه المداخلة الفكرية، و هي مداخل تنشط العقل و تسترجع التاريخ، و تحول المقال من رسائل للتذكير إلي حوار ذهني بالضرورة تتوسع فيه المعلومة.. بالفعل حمل المقال الحزب الشيوعي المسؤولية الكبيرة للإنهيار الفكري في الساحتين السياسية و الثقافية.. معروف أن عملية الجدل الفكري و الحديث عن تيارات الفكر العالمي نتاج طبيعي للتعليم الحديث الذي جاء به الاستعمار، و بعده تكون نادي الخريجين 1918م، حيث أثار مجادلات ثقافية، هذه المجادلات هي التي أدت إلي ظهور الروابط الثقافية في الأحياء في عشرينات القرن الماضي، ثم جاءت ثورة 1924م لكي تطرح أسئلة سياسية كان يجب أن تجاوب عليها النخب المثقفة في ذلك الوقت، و هذا الانعاش السياسي في الوعي هو الذي أدى إلي تظاهرات طلاب كلية غردون في 1931م، تراكمات هذه المرحلة قادت إلي تأسيس مجلتي " الفجر و النهضة" 1933م، لكي تتبلور فيها الرؤى الجديدة و هي التي طرحت أسئلة الهوية.. و قد أثارت جدلا بين النخب الذين كانوا على درجة من الاختلاف في مؤتمر الخريجين الذي أسس في 1938م.. هي مراحل تطور الفكر في السودان.. من الذي استفاد من هذه المرحلة التاريخية الطبقة الأوسطى الجديدة، لأنها هي التي كانت حاملة لراية الاستنارة في المجتمع.. كانت الأحزاب الاتحادية هي أقرب لنبض الشارع لأنهم لم يكونوا بعيدين عن القوى المحافظة في المجتمع. ثم ظهرت في الأربعينيات الحركة الوطنية للتحرر الوطني في 1946م " حستو" : كأول تنظيم يساري في البلاد، لكن الحركة كانت تجد صعوبة في تحويلها إلي حركة جماهيرية.. هنا بدأ السجال الفكري بين عبد الخالق محجوب و عبد الوهاب زين العابدين الذي كانت رؤيته أن لا يتم إعلان قيام الحزب الشيوعي، لآن المجتمع لم يكن بالنضج السياسي الكاف و لا الثقافي لكي يقبل " الطرح الشيوعي" و كان يرى من الأفضل أن تصبح الحركة تيارا داخل الحركة الاتحادية، تقوم بعملية الأطروحات الفكرية، و المحافظة على تيار الطبقة الوسطى كقوة فاعلة تحافظ على الديمقراطية، لكن عبد الخالق عارض الرؤيية و أصر على قيام حزب شيوعي و اتهم عبد الوهاب باليمينية.. جاء عوض عبد الرازق أمينا عاما للجبهة المعادية للاستعمار و في 1952م أثار نفس الجدل الفكري مع عبد الخالق محجوب، و كانت رؤية عوض قريبة لرؤية عبد الوهاب زين العابدين، أيضا عبد الخالق اتهمه بالتحريفية و اليمينية الانتهازية و بأنه ساعي للإنقسام.. و تم إبعاد عوض و أصبح عبد الخالق السكرتير العام للحزب الشيوعي. مع العلم عبد الخالق كان أيضا يثير الجدل داخل الحزب لترفيع نفسه لقمة الهرم. هذه المراحل التي قطعها الحزب الشيوعي كان عبد الخالق سيدها الذي يثير فيها المجادلات الفكرية.. و أيضا مجادلات مع مجموعة مختار عبيد التي تبنت الرؤية الصينية.. و أخيرا الجدل بعد انقلاب مايو 1969م.. تراجع دور الوطني الاتحادي، في السجال الفكري عندما فاز الحزب في انتخابات 1953م حيث اشتغلت نخبة الحزب بقضية الحكم، و الصراع على السلطة بعيدا عن الجدل الفكري، حزب الأمة لم يدخل في أية جدل فكري قبل ظهور الصادق المهدي، و الحركة الإسلامية ظهرت بقوة بعد ثورة أكتوبر 1964م لذلك كان الترابي مشغولا بالتأسيس، و كيفية مزاحمة الحزب الشيوعي، و القوميين العرب كانوا مستهلكين للأفكار القادمة من خارج أسوار البلاد لذلك تجد الناصريين كانوا مروجين لأفكار عصمت سيف الدولة و عبد الله خيري، و البعثيين إلي أطروحات مشيل عفلق و صلاح البيطار و منيف الرزاز و ذكي الأرسوزي و الياس فرح و يسين الحافظ و غيرهم، لذلك لم كونوا جزءا من الجدل الفكر. إلا بعد الصراع الذي حدث داخل الحزب و خرج منه محمد على جادين الذي تبنى قضية الديمقراطية كقضية مركزية، و عبد العزيز حسين الصاوي الذي كتب الديمقراطية المستحيلة و الدعو للاستنارة.. القضية الأخرى أن فكرة الاتحاد الاشتراكي هي فكرة صحيح جاءت من الفكر الناصري، لكن الذين دعموها في السودان، الذين كانوا يمثلون التيار الريديكالي الذي أنشق من الحزب الشيوعي في 1971م على رأسهم أحمد سليمان و عمر مصطفي المكي و معاوية سورج و مكاوي عوض المكاوي، و أمال عباس و فاروق أبوعيسى و صلاح أحمد إبراهيم و غيرهم.. و نواصل الإجابة .. نسأل الله حس البصيرة
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة