يا حسرة عليكِ يا نيالا البحير: حين تتحول الذاكرة إلى جرح مفتوح كتبه الطيب محمد جاده

مرحبا Guest
اخر زيارك لك: 02-04-2026, 06:26 AM الصفحة الرئيسية

منتديات سودانيزاونلاين    مكتبة الفساد    ابحث    اخبار و بيانات    مواضيع توثيقية    منبر الشعبية    اراء حرة و مقالات    مدخل أرشيف اراء حرة و مقالات   
News and Press Releases    اتصل بنا    Articles and Views    English Forum    ناس الزقازيق   
اراء حرة و مقالات
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى شكل سلسلة « | »
اقرا احدث مداخلة فى هذا الموضوع »
02-03-2026, 06:31 PM

الطيب محمد جاده
<aالطيب محمد جاده
تاريخ التسجيل: 03-11-2017
مجموع المشاركات: 489

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
مكتبة سودانيزاونلاين
يا حسرة عليكِ يا نيالا البحير: حين تتحول الذاكرة إلى جرح مفتوح كتبه الطيب محمد جاده

    06:31 PM February, 03 2026

    سودانيز اون لاين
    الطيب محمد جاده-السودان
    مكتبتى
    رابط مختصر




    بقلم/ الطيب محمد جادة
    صحفي مستقل

    بقلبٍ مثقلٍ بالحزن، وبقلمٍ يحاول أن ينقذ ما تبقّى من الذاكرة، أكتب عن مدينتي الجميلة نيالا البحير، المدينة التي كانت يوماً ما موطناً للطمأنينة، ومسرحاً لأجمل أيام الطفولة، قبل أن تتحول اليوم إلى مدينة أشباح، يسكنها الخوف أكثر مما يسكنها البشر، وتعلو فيها أصوات الرصاص على ضحكات الأطفال.
    نيالا التي عرفناها لم تكن مجرد مدينة في جنوب دارفور، بل كانت روحاً نابضة بالحياة. كانت الأسواق تعج بالحركة، والوجوه المبتسمة لا تعرف الغربة، والبيوت مفتوحة على بعضها البعض قبل أن تُغلقها المتاريس النفسية والخوف. في الأزقة الضيقة، كنا نركض حفاة، نلعب بلا حساب للوقت، نحلم دون أن نعرف معنى النزوح أو كلمة “لاجئ”. كانت البحير رمزاً للتنوع، يلتقي فيها الناس من مختلف الخلفيات، تجمعهم لقمة العيش وروابط الجيرة، لا تفرقهم أصول ولا مهن.
    لكن هذا المشهد الجميل لم يصمد أمام رياح العنف التي عصفت بالمدينة في السنوات الأخيرة. دخلت نيالا مرحلة مظلمة، حين غابت سلطة الدولة، وتراجعت هيبة القانون، وبرزت قوى مسلحة لا تعرف إلا منطق القوة. مجموعات جاءت من خارج نسيج المدينة، بعضها مرتبط بالنزاعات القبلية والصراعات على الموارد، وبعضها الآخر نتاج مباشر للفوضى السياسية والانفلات الأمني. تحولت حياة المدنيين إلى رهينة، لا صغير يُستثنى ولا كبير يُحترم، وصار السلب والنهب والقتل واقعاً يومياً يفرض نفسه بقوة السلاح.
    اللافت في مأساة نيالا ليس فقط حجم الدمار، بل عمقه الإنساني. فالعنف لم يدمّر البيوت وحدها، بل هدم الثقة بين الناس، ومزّق الروابط الاجتماعية التي كانت تشكل صمام الأمان للمدينة. كثير من الأسر فرت تحت جنح الليل، تاركة خلفها تاريخاً وذكريات وصوراً معلقة على الجدران. المدارس أغلقت أبوابها، والمستشفيات عجزت عن أداء دورها، والأسواق فقدت روحها، لتتحول المدينة شيئاً فشيئاً إلى مساحة صامتة، تتحدث فيها الأطلال أكثر مما يتحدث البشر.
    الحديث عن “ثقافة السلب والنهب” ليس توصيفاً لمهنة أو نمط حياة، بل هو انعكاس لواقع خطير صنعته سنوات من التهميش، وسوء الإدارة، وتسليح النزاعات دون معالجة جذورها. فحين يغيب التعليم، وتنهار مؤسسات الدولة، ويُترك الشباب بلا أفق، يصبح السلاح بديلاً، وتتحول القوة إلى لغة، وتُستباح المدن باسم البقاء. نيالا لم تسقط فجأة، بل أُنهكت تدريجياً، حتى وصلت إلى هذا الحال المؤلم.
    المرأة في نيالا كانت من أكثر الفئات تضرراً. تلك التي كانت عماد الأسرة، وصاحبة الدور الحيوي في السوق والمجتمع، أصبحت اليوم تعيش بين الخوف والحرمان. كثيرات فقدن الأزواج والأبناء، وكثيرات نزحن وهن يحملن عبء الإعالة وحدهن. أما الأطفال، فهم الضحية الأكبر؛ جيل كامل نشأ على أصوات الرصاص، لا يعرف من المدينة سوى صورتها الجريحة، محروم من حقه الطبيعي في التعليم والأمان واللعب.
    ورغم كل هذا السواد، لا تزال في نيالا جذوة أمل لم تنطفئ بالكامل. هناك من بقي متمسكاً بالأرض، رافضاً أن تتحول مدينته إلى ذكرى. هناك مبادرات أهلية، وإن كانت محدودة، تحاول تضميد الجراح، ومساعدة المحتاجين، والحفاظ على ما تبقى من النسيج الاجتماعي. كما أن أصوات المثقفين والإعلاميين من أبناء المدينة لا تزال تحاول إيصال الحقيقة، وكشف حجم المأساة، والدعوة إلى حلول جذرية تعيد للمدينة بعضاً من عافيتها.
    إن قضية نيالا ليست معزولة عن السياق الوطني العام. فهي مرآة لأزمة أعمق تعيشها البلاد، حيث تتقاطع الصراعات السياسية مع النزاعات المحلية، وتُترك المدن بلا حماية حقيقية. الحل لا يكمن في المزيد من السلاح، بل في إعادة بناء الدولة على أسس العدالة والمواطنة، وفرض سيادة القانون، ومعالجة جذور الصراع المرتبطة بالأرض والموارد والتنمية غير المتوازنة.
    يا حسرة عليكِ يا مدينتي الجميلة نيالا البحير، كم من الذكريات ما زالت تسكن شوارعك، وكم من الأحلام دُفنت تحت ركام العنف. لكن التاريخ علّمنا أن المدن، مثل البشر، يمكن أن تمرض لكنها لا تموت. فكما كنتِ يوماً منارة للحياة والتعايش، يمكن أن تعودي كذلك، إذا توفرت الإرادة، وتكاتفت الجهود، وانتصر صوت العقل على ضجيج السلاح. وحتى ذلك الحين، ستبقين في القلب، جرحاً مفتوحاً، وحنيناً لا يهدأ.























                  


[رد على الموضوع] صفحة 1 „‰ 1:   <<  1  >>




احدث عناوين سودانيز اون لاين الان
اراء حرة و مقالات
Latest Posts in English Forum
Articles and Views
اخر المواضيع فى المنبر العام
News and Press Releases
اخبار و بيانات



فيس بوك تويتر انستقرام يوتيوب بنتيريست
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة
About Us
Contact Us
About Sudanese Online
اخبار و بيانات
اراء حرة و مقالات
صور سودانيزاونلاين
فيديوهات سودانيزاونلاين
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
منتديات سودانيزاونلاين
News and Press Releases
Articles and Views
SudaneseOnline Images
Sudanese Online Videos
Sudanese Online Wikipedia
Sudanese Online Forums
If you're looking to submit News,Video,a Press Release or or Article please feel free to send it to [email protected]

© 2014 SudaneseOnline.com

Software Version 1.3.0 © 2N-com.de