*لماذا تغيّر الموقف المصري تجاه قوات الدعم السريع* ؟
بالأمس تواصلت معي قناة العربية للمشاركة في حوار حول العلاقات السودانية المصرية على خلفية التطورات الأخيرة المتعلقة بالوجود السوداني في مصر، لكنني إعتذرت لظروف خاصة، لكن تابعت لاحقاً الحوار الذي شارك فيه الأستاذ سبيويه والدكتورة أماني الطويل. كان السؤال الأساسي في برنامج خارج الصندوق يدور حول تفعيل اتفاقية الدفاع المشترك، وتحوّل الخطاب المصري تجاه أطراف الصراع في السودان، ووصف القاهرة لقوات الدعم السريع بالميليشيا، ورفضها تقسيم السودان، ودعمها للمؤسسات الرسمية أي الجيش المختطف من قبل الحركة الإسلامية. وقد قدّم الأستاذ سبيويه مرافعة قوية في مقابل طرح الدكتورة أماني الطويل التي حاولت تجاوز حقيقة يعرفها الجميع، وهي أن الحرب التي دمّرت السودان أشعلها البرهان مدعوماً ببقايا نظام البشير الذي أسقطه الشعب في ثورة ديسمبر. ومنذ بداية الحرب كان الموقف المصري منحازاً للبرهان، وهذا امتداد لتاريخ طويل من دعم مصر للانقلابات في السودان منذ انقلاب 1958 مروراً بانقلاب مايو 1969 وانقلاب الجبهة الإسلامية 1989 وصولاً إلى دعم انقلاب 25 أكتوبر 2021 بعد الثورة المجيدة. لذلك لم يكن غريباً أن ترتفع النبرة المصرية الداعمة لاستمرار الحرب رغم ما يتعرض له السودانيون في مصر من تضييق وإهانة، فمصر لا ترغب في رؤية سودان ديمقراطي يقوم على التداول السلمي للسلطة وتوزيع عادل للثروة وتنمية متوازنة، لأن وجود نموذج ديمقراطي ناجح جنوب حدودها يربك معادلات الحكم في القاهرة. وقد ظهر الموقف المصري على حقيقته: موقف لا يخدم مصالح الشعب السوداني ولا حتى مصالح الشعب المصري، فالنظام المصري يمارس دوراً مزدوجاً يقمع شعبه في الداخل ويدعم جيشاً مختطفاً في السودان لإعادة إنتاج القمع ذاته. وما يغيب عن حسابات القاهرة أن السودانيين شعب عصيّ على التطويع، جبل على الحرية ولا يقبل الإذلال ولا يخضع لهيمنة خارجية، شعب تربّى على الفيافي والصحاري لا على ثقافة التدجين السياسي. والحقيقة أن الموقف المصري لم يتغيّر، بل تغيّرت لغة الخطاب فقط، أما جوهر السياسة فباقٍ كما هو: دعم طرف واحد في الصراع، رفض أي مسار ديمقراطي، والسعي لإبقاء السودان ضعيفاً ومنهكاً، لأن مصر شريك أساسي في المؤامرة التاريخية على السودان، والحرب الحالية لم تفعل سوى كشف هذا الدور بوضوح أكبر. لقد كشفت الحرب حجم التآمر الذي تعرّض له السودان عبر عقود، لكنها كشفت أيضاً أن الشعب السوداني، رغم الجراح، ما زال قادراً على الدفاع عن حريته وكرامته ومستقبله.
الطيب الزين/ كاتب وباحث في دور القيادة والإصلاح المؤسسي.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة