تمثل ظاهرة القونات في السودان إحدى الظواهر الثقافية التي تبلورت عبر مسار اجتماعي طويل، بوصفها ممارسة غنائية نسوية ارتبطت، في سياقات متعددة، بالمناسبات الاجتماعية وبحياة المجتمع. ولا يمكن مقاربة هذا الحضور بوصفه فعلا فنيا معزولا عن شروطه الاجتماعية، ولا ينبغي في المقابل اختزاله في معنى واحد أو دلالة ثابتة، إذ يتبدى الغناء النسوي في صور متنوعة تتغير أبعاده ودلالاته تبعا اختلاف الزمان والمكان، والبنية الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي يتحرك داخلها. نجد أن جذور هذه الظاهرة تتقاطع مع ما أسماه الباحث ناصر الدين الأسد بـالقيان أو القِينة في المجتمعات العربية قبل الإسلام. وقد تناول الأسد هذا المفهوم في كتابه المرجعي القيان والغناء في العصر الجاهلي، حيث لم ينظر إلى القيان بوصفهن هامشا ترفيهيا أو تفصيلا أدبيا معزولا، بل كبنية اجتماعية وثقافية متكاملة، تنبثق من صميم الحياة الاجتماعية في تلك المرحلة، وتعكس علاقات القوة والاقتصاد والذائقة الجمالية السائدة آنذاك. ويتيح هذا السياق التاريخي فهما لامتداد القونات السودانيات، لا باعتباره استنساخا حرفيا للقيان، بل بوصفه تحولا محليا أعاد إنتاج ممارسات غنائية نسوية ضمن شروط اجتماعية وثقافية مختلفة. وفي تحليله اللغوي، تتبع الأسد تطور مصطلح القِينة في المعاجم العربية، كاشفا عن مسار دلالي يعكس بعض التحولات الاجتماعية والاقتصادية لدى العرب في الفترة السابقة للإسلام. إذ تعود الكلمة في أصلها إلى الجذر الثنائي (قِنّ)، الذي دل في بداياته على العمل والصناعة، قبل أن يتطور ليشير إلى المرأة العاملة أو الصانعة، ثم يستقر في معناه الأشهر بوصفه دالا على الأمة المغنية. ولا يمكن قراءة هذا التحول الدلالي بوصفه تطورا لغويا محضا، بل بوصفه انعكاسا لتحول موقع المرأة ودورها داخل البنية الاجتماعية، وانتقالها، في بعض السياقات، من فضاء الإنتاج المادي إلى فضاء التعبير الرمزي. كانت القيان في المجتمعات العربية السابقة للإسلام نساء مارسن الغناء والموسيقى في أوساط اجتماعية متعددة، من بينها الأوساط الأرستقراطية، غير أن حضورهن لم يكن محصورا في دائرة اللهو والترفيه. فقد شكلن، في لحظات تاريخية معينة، جزءا فاعلا من النسيج الثقافي، وأسهمن في تشكيل الذائقة العامة ونقل الشعر، والمشاركة بوعي أو من دونه في إعادة إنتاج بعض القيم السائدة. وقد ارتبط وجودهن، في سياقات محددة، بمراكز قوة وحركة مال وتحولات سياسية، بما يجعل الغناء النسوي ممارسة ثقافية ذات أبعاد اجتماعية، لا عبارة عن فعل فني معزول. ويمكن فهم هذا الحضور الغنائي النسوي، في امتداده من القيان إلى القونات، ضمن منطق اجتماعي أوسع لا يختزل فيه الفن في كونه ممارسة جمالية خالصة، بل يقرأ في بعض السياقات بوصفه ممارسة تكتسب قيمة رمزية قابلة للتداول داخل حقول اجتماعية متعددة. وتسهم هذه الممارسة، بدرجات متفاوتة، في تشكيل الذائقة العامة، بما يضيء بعض أوجه الارتباط بين الغناء النسوي ومواقع النفوذ، من دون افتراض علاقة سببية ثابتة أو آلية بين السلطة والمال. وعند الانتقال إلى المجتمع السوداني، يلفت النظر وجود تشابه بنيوي محتمل بين القيان في المجتمعات العربية القديمة، وما عرف محليا بالقونات. فهذا الحضور النسوي الغنائي لم يكن طارئا على المجتمع السوداني، بل ظهر بأشكال متعددة عبر تاريخه الاجتماعي، متخذا صورا مختلفة تبعا لتحولات المكان وأنماط السلطة. ففي الفترات السابقة للاستعمار، ارتبط الغناء النسوي المحترف، في بعض المناطق، بمناسبات الأفراح ومجالس الوجهاء في الممالك والسلطنات المحلية، حيث أدت القونة دورا قريبا من المؤدية الثقافية، وأسهمت في تشكيل الذائقة العامة. ومع نشوء المدن الحديثة خلال فترة الاستعمار، أعادت القونات تشكيل حضورهن داخل فضاءات حضرية جديدة، ارتبطت بمجالس الأعيان والتجار، وتأثرت بإيقاع المدينة وتنوعها الثقافي. أما في الريف، فقد ظل حضور القونة أكثر اندماجا في النسيج الاجتماعي، تؤدي الغناء في الأعراس والمواسم، وتعبر عن تحولات الحياة اليومية والهموم المرتبطة بحياة المجتمع، بوصفها وسيطا لبعض أشكال الذاكرة الشعبية، لا عبارة عن أداة للترفيه.ومع قيام الدولة الحديثة، يمكن ملاحظة تباين في حضور القونات ومواقعهن الاجتماعية. فقد ارتبطت بعضهن، في فترات معينة، بشبكات السلطة أو النفوذ الاقتصادي. ويبدو أن المصطلح نفسه قد حافظ على دلالته الاجتماعية العامة، رغم ما طرأ عليه من تحوير لغوي وتكييف محلي. فالقونة في السودان ليست استنساخا حرفيا للقِينة، بل امتدادا ثقافيا متحولا، أعاد المجتمع إنتاجه بما يتناسب مع شروطه الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. كما أن سمات الأناقة والتزين، التي لازمت صورة القيان قديما، ما تزال حاضرة في بعض أشكال حضورها في السودان المعاصر، وإن اختلفت السياقات والدلالات. وعبر هذا الامتداد التاريخي، لم يكن حضور القيان، ومن بعدهن القونات، منفصلا تماما عن التحولات الكبرى في المجتمع. ففي السودان الحديث، يظهر هذا التفاوت بوضوح، حيث ارتبطت بعض القونات بالنخب السياسية أو الاقتصادية، في مقابل أخريات ظللن يعبرن عن هوامش المجتمع. ولا يكشف هذا التباين عن اختلاف المواقع فحسب، بل يضيء جوانب من الانقسام الاجتماعي والاقتصادي والسياسي داخل المجتمع نفسه. إن مقاربة ظاهرة القونات في امتدادها التاريخي، من القِينة إلى أشكال حضورها في السودان المعاصر، لا تهدف إلى تقديم نتائج نهائية، بقدر ما تسعى إلى فتح أسئلة مؤجلة حول علاقة المجتمع بالموسيقى، وبالصوت النسوي، وبآليات إنتاج الذائقة والشرعية الرمزية. فالثقافة لا تعمل بمنطق القطيعة، بل بمنطق التحول، حيث يتغير الشكل وتبقى بعض الأبعاد كامنة، قابلة لإعادة القراءة. تغدو القونات مدخلا ممكنا لفهم تاريخ اجتماعي غير مكتوب. ويظل سبر أغوار هذه الظاهرة، بعيدا عن الأحكام الأخلاقية المسبقة، مجالا مفتوحا للبحث السوسيولوجي والثقافي، لا لفهم الغناء في ذاته فحسب، بل لفهم المجتمع الذي أنتجه، وأعاد إنتاجه، عبر تحولات الزمن.
Sent from my Verizon, Samsung Galaxy smartphone Get Outlook for Android
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة