الأستاذ كوكو محمد جقدول بادي وزيرًا للتعليم: حين يلتقي جيل الثورة برؤية السودان الجديد لإعادة تأسيس التعليم.
1/2/2026 خالد كودي ، بوسطن
لماذا الأستاذ كوكو جقدول هو الوزير المناسب لهذه اللحظة التاريخية؟ لأن أزمة التعليم في السودان ليست أزمة إدارة، بل أزمة تاريخ ومسار. فمنذ الاستقلال ظلّ التعليم مختلًّا في بنيته، مركزيًا في فلسفته، محدود الأفق في عدالته الاجتماعية؛ لكنه في سنوات الإنقاذ تحوّل تحوّلًا جذريًا إلى تعليم فاشي عنصري، لا بالمعنى المجازي، بل بوصفه منظومة أيديولوجية ثيوقراطية متكاملة استهدفت العقل والذاكرة والهوية. تجلّت ملامح هذا التعليم الفاشي في: - أدلجة المناهج وتحويلها إلى أدوات تعبئة دينية وسياسية، تُقصي المختلف وتجرّم السؤال - تمجيد العنف والتراتبية وتطبيع الطاعة العمياء، على حساب التفكير النقدي والمواطنة - طمس التعدد التاريخي والديني والثقافي للسودان، وإعادة كتابة التاريخ من منظور واحد - إفقار المدرسة والجامعة ماديًا ومعرفيًا، وتجفيف البحث العلمي، وتهميش الفنون - عسكرة الفضاء التعليمي وتحويله إلى امتداد للأجهزة الأمنية، لا فضاءً مدنيًا آمنًا الخروج من هذا الإرث لا يحتاج إلى "تكنوقراط محايد"، بل إلى مثقف عضوي يمتلك وضوح الرؤية وجرأة القطيعة. وهنا تتجلى أهلية كوكو محمد جقدول بادي: فهو يجمع بين معرفة دقيقة بتاريخ السودان وأسباب التهميش البنيوي وتقاطعاته السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وإلمام عميق بنظريات التربية الحديثة—من التعليم النقدي إلى التعليم في سياقات ما بعد النزاع—إلى جانب خبرة إدارية وميدانية في إدارة التعليم زمن السلم والحرب. ويُضاف إلى ذلك شبكة علاقات واسعة مع التربويين والأكاديميين وصنّاع السياسات والفاعلين الثقافيين داخل السودان وخارجه، ورصانة وثقة في التحرك داخل تعقيدات الواقع السوداني دون تبسيط أو مراوغة- (الكمرد دغري). هذه الخلطة النادرة—الثورية في وضوحها، والمؤسسية في أدواتها—هي ما يجعل من الأستاذ جقدول الأقدر على قيادة قطيعة تاريخية مع تعليم الإقصاء، وبناء مشروع تعليم وطني معاصر يُعبّر عن السودان الجديد: علمانيًا، ديمقراطيًا، لا مركزيًا، مبني علي العدالة التاريخية وقائمًا على المواطنة المتساوية.
سيرة تتقاطع فيها التجربة الشخصية مع تاريخ التهميش والمقاومة تنتمي سيرة الأستاذ كوكو محمد جقدول بادي إلى ذلك الجيل العصامي الثوري الذي تَشكّل وعيه داخل بنية التهميش ذاتها، لا في فضاءات الامتياز التي صنعتها الدولة المركزية. فمن مدرسة "دابري" الابتدائية المختلطة في هبيلا بجنوب كردفان/جبال النوبة، مرورًا بمرحلة كادقلي المتوسطة والثانوية (مدرسة تلو)، وصولًا إلى جامعة الخرطوم – كلية التربية، لم تكن محطات تعلّمه انتقالًا جغرافيًا سلسا فحسب، بل رحلة وعي في قلب تناقضات الدولة السودانية: مركزٌ يحتكر المعرفة والفرص، وهامشٌ يُقصى منهما رغم غناه الإنساني والثقافي! في هذا السياق، لم يكن انخراطه المبكر في العمل الطلابي—بوصفه أحد مؤسسي رابطة طلاب جبال النوبة بمدرسة تلو (كمولو)، ثم من مؤسسي رابطة طلاب جنوب كردفان بجامعة الخرطوم—تفصيلًا تنظيميًا عابرًا، بل تعبيرًا مبكرًا عن إدراكه أن التعليم هو ساحة النضال الأولى، وأن معركة العدالة تبدأ من الحق في المعرفة وتنتهي عند إعادة تعريف المواطنة. وقد تعزّز هذا الإدراك بتخرّجه في كلية التربية عام 1980، حيث اقترن التكوين الأكاديمي برؤية نقدية لدور المدرسة في إعادة إنتاج التهميش أو تفكيكه. تعمّق هذا الوعي عبر مساراتٍ متقاطعة: عمله معلّمًا في المدارس الثانوية، ثم صحفيًا بوكالة السودان للأنباء، قبل أن تمتد تجربته إلى التعليم في المنافي خلال سنوات الانتداب والعمل خارج البلاد، حيث خبر معنى اقتلاع الإنسان من سياقه، وأثر ذلك على التعليم والهوية. وفي يوليو 1989، ومع التحاقه بالحركة الشعبية لتحرير السودان، انتقلت سيرته من خانة الشهادة على التهميش إلى المشاركة الواعية في مقاومته، واضعًا التعليم—مرة أخرى—في قلب مشروع التحرر الوطني وبناء السودان الجديد.
من التعليم في ظروف الحرب إلى التخطيط لتعليم الدولة الجديدة تجربة الأستاذ جقدول في مدارس "لجيش الأحمر" بإثيوبيا، ثم تولّيه سكرتارية التعليم في إقليم جنوب كردفان/جبال النوبة، ليست فقط خبرات مهنية، بل مدرسة فكرية في إدارة التعليم في أقسى الظروف: تعليم بلا دولة، وبلا بنية تحتية، وبلا موارد—لكن برؤية واضحة: حماية الطفل، وبناء الوعي، وربط التعليم بالكرامة والحق، والثورة. هذه التجربة جعلته من القلائل الذين يفهمون التعليم بوصفه مسألة سيادة وعدالة، لا مسألة خدمات. وهو ما أهّله ليكون فاعلًا مركزيًا في مسارات التفاوض، وناطقًا باسم الحركة الشعبية، ثم رئيسًا للجنة المفاوضة لتحالف تأسيس—حيث تبلورت رؤيته للتعليم كجزء لا يتجزأ من إعادة تأسيس الدولة.
ملامح الرؤية المنتظرة: تعليم يغيّر التاريخ لا يكرّره من وزير التربية والتعليم في حكومة السلام التأسيسية، يُنتظر أن يقود الأستاذ جقدول مسارًا استراتيجيًا يقوم على: - إعادة بناء المدارس والجامعات بوصفها فضاءات مدنية للسلام، بتصاميم معمارية جديدة تعبّر عن السودان الجديد - مناهج جديدة وإصلاح جذري للمناهج يعترف بالتعدد، ويواجه تاريخ العنف، ويؤسس للمواطنة المتساوية - لا مركزية تعليمية عادلة تنقل مركز الثقل المعرفي إلى الأقاليم الأكثر تهميشًا - استثمار غير مسبوق في المعلم بوصفه حجر الزاوية في التحول الديمقراطي - تعليم علماني ديمقراطي يحمي حرية الضمير، ويمنع توظيف المدرسة في الدعاية الدينية أو الإثنية - إدخال التكنولوجيا الحديثة لكسر العزلة التاريخية للهامش، وربط السودان بالعالم
خاتمة: التعليم كرافعة للسلام التأسيسي واستعادة العقل الوطني إن تعيين الأستاذ كوكو محمد جقدول بادي وزيرًا للتربية والتعليم يمثّل مكسبًا استراتيجيًا لمستقبل التعليم في السودان بعد عقودٍ أثقلت هذا القطاع بسنواتٍ من الهوس الديني، والتخلف المعرفي، والخطاب العنصري الذي شوّه المناهج ودمّر المدرسة بوصفها فضاءً للمواطنة. فهذا التعيين يعبّر عن تحوّل نوعي في فهم دور التعليم: من أداة أيديولوجية إلى رافعة تأسيسية للسلام والوحدة والديمقراطية. في هذه اللحظة التاريخية، لا يحتاج السودان إلى وزيرٍ "يدير" التعليم بالمعنى الإداري الضيق، بل إلى قائدٍ يعيد تأسيسه على أسس العلمانية الديمقراطية، واللامركزية العادلة، والمواطنة المتساوية. وبعد تجربة مريرة مع تسييس المعرفة وتجفيف العقل النقدي، يبدو أن حكومة تأسيس قد اختارت الرجل المناسب للمهمة الأصعب: استعادة المدرسة من قبضة الإقصاء، وإعادتها إلى الناس بوصفها عقدًا اجتماعيًا جديدًا. حين يُعاد بناء التعليم على رؤية السودان الجديد—علمًا وقيَمًا وبنيةً—لا يصبح الإصلاح ممكنًا فحسب، بل يصبح المستقبل نفسه قابلًا للتحقق.
تحية للرفيق الأستاذ كوكو جقدول، وتكليف صادف اهله.
النضال مستمر والنصر اكيد.
(أدوات البحث والتحرير التقليدية والإليكترونية الحديثة استخدمت في هذه السلسلة من المقالات)
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة