لم تتخلَّ الحركة الإسلامية يومًا عن نظرتها المتعالية للشعب السوداني، بل عبّرت عنها بوضوح وصلافة. يكفي أن نستعيد تصريح عمر البشير حين أعلن أن الدولة السودانية «ملك لتنظيم الحركة الإسلامية»، وهو قول لا يكشف فقط حجم الفساد غير المسبوق الذي مارسه الإسلاميون، بل يفضح أيضًا عقلية الاحتقار التي حكمت علاقتهم بالشعب.
قد يُقال إن أنظمة استبدادية أخرى حرمت شعوبها من الحرية، لكن المقارنة هنا فادحة. فمعمر القذافي، على سبيل المثال، قمع السياسة لكنه وفّر حدًا من الرفاه المعيشي، حتى بات بعض الليبيين يتحسرون على تلك الأيام بعد سقوطه. أما إسلاميو السودان، فقد جمعوا بين القمع والإفقار: صادروا الحرية، وانتزعوا لقمة الخبز، وضيّعوا حبة الدواء، وحوّلوا التعليم نفسه إلى سلعة لا ينالها إلا من يملك المال. لم يكتفوا بتدمير الحاضر، بل راهنوا على تجهيل المستقبل.
تصريح البشير لم يكن زلة لسان، بل تلخيصًا صريحًا لفلسفة حكم ترى الدولة غنيمة، والشعب تابعًا لا حقوق له. وآخر تجليات هذا الاحتقار ما نشهده اليوم في الطريقة المهينة التي طُلب بها من مصر إعادة السودانيين النازحين إلى بلادهم، وكأنهم أرقام فائضة لا بشر فرّوا من جحيم الحرب.
توقيف السودانيين في الشوارع، واقتيادهم إلى مراكز الترحيل دون تمييز بين مقيم أو طالب أو طالب لجوء مسجل لدى مفوضية الأمم المتحدة، ودون منحهم فرصة لتسوية أوضاعهم أو الاستعداد للعودة بكرامة، يعكس استخفافًا فجًا بشعب عانى الظلم والإذلال لأكثر من ثلاثة عقود على يد منظومة لا تحفظ عهدًا ولا قانونًا ولا ميثاقًا.
هؤلاء النازحون لم يغادروا ديارهم ترفًا، بل بحثًا عن أمان عجزت الدولة عن توفيره، رغم الميزانيات الضخمة المخصصة للجيش، التي يذهب معظمها إلى جيوب المتنفذين. والمفارقة القاتلة أن المليشيا التي يحاربها الجيش اليوم هي من صُنع النظام الكيزاني نفسه، الذي يستنفر الناس للعودة دون أن يهيئ لهم أمنًا أو سبل عيش كريمة. وهي نفس المنظومة المسئولة عن اشتعال هذه الحرب اجهاضا للتحول المدني وحربا على ثورة ديسمبر المجيدة.
إنها مهزلة جديدة تُضاف إلى سجل طويل من المهازل، لم ينقطع منذ انقلاب الشؤم والخراب في عام 1989. انقلاب لم تجنِ منه البلاد سوى الفتن والحروب والجوع والدمار، فيما ظل المواطن السوداني يدفع الثمن وحده، حاضرًا ومستقبلًا. لا_للحرب
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة