د. زينب كباشي ووهم الملاذ الآمن: حين تُستدعى نخب الشرق لتجميل دولة الحرب كتبه خالد كودي

مرحبا Guest
اخر زيارك لك: 01-30-2026, 01:41 AM الصفحة الرئيسية

منتديات سودانيزاونلاين    مكتبة الفساد    ابحث    اخبار و بيانات    مواضيع توثيقية    منبر الشعبية    اراء حرة و مقالات    مدخل أرشيف اراء حرة و مقالات   
News and Press Releases    اتصل بنا    Articles and Views    English Forum    ناس الزقازيق   
اراء حرة و مقالات
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى شكل سلسلة « | »
اقرا احدث مداخلة فى هذا الموضوع »
01-29-2026, 02:07 AM

خالد كودي
<aخالد كودي
تاريخ التسجيل: 12-31-2021
مجموع المشاركات: 213

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
مكتبة سودانيزاونلاين
د. زينب كباشي ووهم الملاذ الآمن: حين تُستدعى نخب الشرق لتجميل دولة الحرب كتبه خالد كودي

    02:07 AM January, 28 2026

    سودانيز اون لاين
    خالد كودي-USA
    مكتبتى
    رابط مختصر






    28/1/2026 خالد كودي، بوسطن

    لا حياد في الفهم، ولا أمن في الوهم: مقدّمة في تفكيك خطاب "الشرق ملاذًا آمنًا"!
    بتاريخ 27 يناير 2026، نشر "المكتب الإعلامي" خبر لقاء والي ولاية البحر الأحمر، الفريق الركن مصطفى محمد نور—أحد رموز سلطة الأمر الواقع المنبثقة عن تحالف الإسلاميين (الكيزان)—بالقيادية البارزة بشرق السودان الدكتورة زينب كباشي. وبحسب البيان، تناول اللقاء "مآلات الأوضاع الراهنة"، و"الدور الوطني لمكونات الشرق"، مع تأكيدٍ مشترك على "تماسك الجبهة الداخلية" و"تجذير قيم التعايش السلمي". غير أن جوهر اللقاء لم يكن في عناوينه التي تنضح توافقية، بل في الموقف السياسي الصريح الذي عبّرت عنه الدكتورة زينب كباشي عقب الاجتماع، حين أعلنت دعمها الكامل لما يُسمّى بـ"معركة الكرامة"، واصطفافها الواضح مع استمرار الحرب، وتأييدها المطلق للجيش وتحالفاته مع الميليشيا المختلفة، بوصف ذلك "دفاعًا شرعيًا عن سيادة الدولة"، مؤكدةً أنه "لا حياد في القضايا المصيرية"! ضمن هذا السياق، جاءت عبارتها التي تثير الاهتمام: "الشرق سيظل ملاذًا آمنًا لكل السودانيين". عبارةٌ تبدو، في ظاهرها، إنسانية ومطمئنة، لكنها—حين تُقرأ في سياقها السياسي والتاريخي—تنكشف بوصفها صياغة أيديولوجية تُعيد إنتاج خطاب الأمن السلطوي، وتختزل الأمن في الاصطفاف العسكري، وتفصل الجغرافيا عن البنية التي صنعت الحرب والتهميش معًا.
    في هذا المقال سنناقش الدكتورة زينب كباشي، فالدعوى بأن الشرق "ملاذٌ آمن" تفترض ضمنيًا أن الحرب عارضٌ يقع في "مكانٍ آخر"، وأن الأمن صفةٌ جغرافية منفصلة عن بنية الدولة، وتاريخ التهميش، وآليات التمركز التي حوّلت أقاليم كاملة إلى هوامش قابلة للاستخدام. وبهذا المعنى، لا تُطمئن العبارة بقدر ما تكشف عن قِصر نظر بنيوي يرى الأمن كأداة سلطة ودعاية حرب، لا كحقٍّ إنساني نابع من العدالة.
    من هذا المنطلق، يتقدّم المقال بوصفه مساءلةً تأسيسية لمفهوم الأمن ذاته، واختبارًا نقديًا لدعوى "الملاذ الآمن" على محكّ تاريخ الشرق وتجربة الدولة السودانية الحديثة وسؤال التأسيس المؤجَّل. فالرهان هنا ليس على الخطاب، بل على الوقائع والبُنى: هل يستطيع الشرق، تحت سلطة البرهان وكامل ادريس ووالي ولاية البحر الأحمر، الفريق الركن مصطفى محمد نور أن يوفّر أمنًا حقيقيًا لإنسان الشرق أولًا—بمختلف مضامين الأمن—قبل الادّعاء بقدرته على توفيره لكل السودان؟

    أولًا: ما هو "الأمن"؟ سؤال الفلسفة قبل السياسة
    يُخطئ اختزال مفهوم الأمن في غياب الرصاص، أو في وجود سلطةٍ عسكريةٍ قادرة على فرض النظام بالقوة. فهذا الفهم الاختزالي—الذي هيمن طويلًا على خطاب الدولة في السودان—ينتمي إلى ما تُسميه دراسات السلام بـ"الأمن السلبي"، أي الاكتفاء بتعليق العنف دون معالجة شروط إنتاجه. أمّا في الفكر السياسي الحديث، ولا سيما في مقاربات الأمم المتحدة وغيرها، فقد جرى الانتقال نحو تعريفٍ أوسع وأكثر جذرية للأمن، يُعرف بـالأمن الإنساني.
    (UNDP) وفق برنامج الأمم المتحدة الإنمائي
    يُعرَّف الأمن الإنساني بوصفه:
    التحرر من الخوف، والتحرر من الحاجة، والقدرة على العيش بكرامة،
وهو تعريف يربط الأمن مباشرةً بالحقوق الأساسية، والعدالة الاجتماعية، والاستدامة، لا بالقوة المسلحة وحدها.
    كما تُقرّ الأمم المتحدة بأن الأمن لا ينفصل عن:
    - الحق في الماء والغذاء،
    - الحق في الصحة والتعليم،
    - الحق في العمل والموارد،
    - الحق في الهوية الثقافية واللغة،
    - والحق في المشاركة السياسية واتخاذ القرار
    وعليه، يصبح الأمن حالةً مركّبة، تُقاس بقدرة المجتمع—بجميع فئاته—على حماية الحياة والكرامة والحقوق عبر الزمن، لا بقدرة الدولة على السيطرة المؤقتة. هنا تكتسب مقولة مارتن لوثر كينغ معناها الفلسفي العميق:
    "السلام ليس مجرد غياب التوتر، بل حضور العدالة"،
ويُكملها بقوله:
"الظلم في أي مكان تهديدٌ للعدالة في كل مكان"
    هاتان المقولتان لا تُقدَّمان بوصفهما حكمةً أخلاقية فحسب، بل تشخيصًا علميًا لطبيعة الأمن: حيثما غابت العدالة البنيوية، استُبدل الأمن بالقهر؛ وحيثما حُرمت فئاتٌ بعينها من حقوقها الأساسية، تحوّل "الاستقرار" إلى هدنةٍ هشّة.
    وفق هذا المعيار، يفرض السؤال نفسه مرة اخري وبلا مواربة: هل لدى حكومة البرهان وكامل إدريس—ومعها والي ولاية البحر الأحمر - ما يُمكّنها من توفير أمنٍ حقيقي لإنسان الشرق أصلًا، ناهيك عن الإنسان السوداني عمومًا؟
    الوقائع لا تدعم هذا الادّعاء. فهذه امتداد لسلطة متشبّعة بالعنف، قامت واستمرّت على الدم، ولم يُعرف عنها أنها وفّرت أمنًا إنسانيًا بمضامينه الأساسية في أي إقليم. بل على العكس، وقفت عمليًا ولاتزال ضد إنهاء الحرب، لأن استمرارها أصبح شرطًا لبقائها وغطاءً لإدامة السيطرة. وفي ظل هذا الخيار، جرى تجفيف مسارات التنمية، وتحويل الموارد العامة إلى ميزانيات تسليح وأجهزة أمنية، وإلى إثراء شبكات ضيقة، بدل توجيهها للماء، والصحة، والتعليم، والبنية التحتية!
    وفي شرق السودان تحديدًا، تتجسّد هذه الإشكالية بوضوح: فالموارد السيادية—وفي مقدّمتها الموانئ—لم تُستثمر لبناء أمنٍ اجتماعي مستدام لمصلحة انسان الشرق، بل أُديرت بمنطق الصفقات والامتيازات. وتحت إدارة ولاة ولاية البحر الأحمر، بمن فيهم الوالي الحالي، لم يتحوّل الإقليم إلى نموذجٍ لتأمين الحقوق الأساسية، بل إلى واجهة أمنية تُقدَّم بوصفها "استقرارًا"، بينما تستمر نزعات الفساد، ويُهدر الريع في التسليح وإعناء الذات، لا في معالجة هشاشة الإقليم التاريخية...
    وعليه، فإن الادّعاء بأن هذه السلطة قادرة على إنتاج الأمن لا يصمد أمام أي تعريف علمي للأمن؛ فهي لا تحمي الناس بقدر ما تحمي الامتيازات، ولا تصنع سلامًا بل تُدير العنف والفساد. ومن دون قطيعة تأسيسية تُعيد تعريف الدولة والسلطة والموارد، سيبقى الأمن—في الشرق وفي السودان عمومًا—وهمًا مُدارًا لا حقًا مُتحققًا.

    ثانيًا: "الحرب في مكانٍ آخر" — وهم الجغرافيا المحايدة
    القول، والاعتقاد إن الحرب "في مكانٍ آخر" ليس توصيفًا محايدًا، بل خطابًا سياسيًا صاغته الدولة السودانية تاريخيًا لتأجيل مواجهة جذور أزمتها. يقوم هذا الخطاب على افتراضٍ زائف مفاده أن الجغرافيا قابلة للتحييد، وأن بعض الأقاليم تظلّ آمنة ما دامت تؤدي وظيفةً داخل منظومة السلطة. وهو وهم أثبتت الوقائع، لا الشعارات، سقوطه المتكرر.
    انهيار الخرطوم في عام 2023 كان الدليل الأوضح: مدينة جرى تقديمها طويلًا بوصفها "قلب الدولة" و"المركز الآمن" سقطت لا لأن العنف باغتها، بل لأن الدولة أدارت العنف عبر نقله إلى الأطراف، وراكمت التهميش خارج المركز. وحين انهار هذا التوازن الزائف، تهاوى الوهم بأن العنف قابل للعزل وأن الدولة تحمي حتى مركزها....
    من هنا يفرض السؤال نفسه: ما الذي يمنع تكرار السيناريو في بورتسودان؟
    الإجابة الواقعية: لا شيء سوى إعادة إنتاج الوهم ذاته!
    فالشرق، خلافًا للخطاب الرسمي، ليس فضاءً محصّنًا، بل إقليمًا هشًّا بنيويًا: شُحّ مياه، ضعف خدمات صحية، تهميش تعليمي، وانتزاع للسيطرة المحلية على الموارد والموانئ لصالح مركز يُساوم بها سياسيًا. هذه الهشاشة ليست قدرًا جغرافيًا، بل نتيجة مباشرة لسياسات التمركز التي صدّرت الأزمات من المركز إلى الهامش، قبل أن تعود لتصيب الجميع.
    وفي هذا السياق، تستخدم السلطة بعض قادة الرأي لتجميل أجندتها، وتقديم سرديات "الاستقرار" و"الملاذ الآمن" بوصفها حقائق، لا أدوات سياسية. وكان الأجدر بالدكتورة زينب كباشي—بوصفها أكاديمية وقيادية عامة—أن تُمعن النظر في طبيعة هذا النظام وسجلّه قبل أن تتماهى معه؛ فالنظام الذي لم ينتج أمنًا في الخرطوم ولا في الجزيرة ولا في غيرهما، ولم يخضع للمساءلة، ولم يغيّر بنية الدولة المولِّدة للعنف، لا يمكنه أن يوفّر أمنًا مستدامًا في الشرق، ولا شنو؟
    وعليه، فإن الادّعاء بأن "الحرب في مكانٍ آخر" في ظل سلطة البرهان وإدريس لا يصمد أمام التحليل. فالأمن القائم على الوهم، وعلى إسكات الأسئلة، وعلى فصل الجغرافيا عن السياسة، ليس أمنًا حقيقيًا، بل تأجيل قصير لانفجارٍ قادم.

    الأمن والسلام المستدام: من تاريخ الممرّات إلى اختبار العدالة التاريخية
    لا يُفهم الأمن في شرق السودان—ولا في السودان عمومًا—بوصفه مسألةً جغرافية أو ظرفية، ولا كنتيجة اصطفافٍ مع سلطة قائمة. فالأمن، في معناه السياسي العميق كما أسلفنا، ليس مجرد غيابٍ للعنف، بل قدرة المجتمع على إنتاج سلامٍ مستدام قائم على العدالة والاعتراف والمشاركة العادلة في السلطة والموارد. وكل خطابٍ يعزل الأمن عن هذا الأفق لا يصنع استقرارًا، بل يؤجّل الانفجار.
    ضمن هذا الإطار، يتكشف الخلل البنيوي في موقف ورؤية الدكتورة زينب كباشي التي تُعوّل على نظامٍ لم يُنتج سوى إقصاء إنسان الهامش—وإنسان الشرق جزءٌ أصيل منه—نظامٍ تشكّلت بنيته من العنصرية والفساد والإفلات من العقاب. ومنظومة بهذه الصفات لا يمكنها، بحكم تعريفها، أن تُنتج أمنًا أو سلامًا مستدامًا.
    ولا يحتاج إثبات ذلك إلى تنظيرٍ معقّد؛ إذ تكفي الإشارة إلى ممارسات السلطة في المدن الكبرى: سياسات إقصاء على أساس المظهر والانتماء الاثني، حملات أمنية ضد الفقراء والنازحين، وتخطيط حضري جلف يهدم أحياء المهمّشين ويُعيد إنتاج الفصل المكاني والطبقي. هذه ليست تجاوزات، بل تعريفٌ رسمي للأمن بوصفه ضبطًا للأجساد لا حمايةً للحقوق، وإزاحةً للفقراء لا رعايةً للحياة.
    كما لا يمكن تجاوز تاريخ الشرق بوصفه فضاء ممرّات: موانئ وسواحل أُنشئت لانسياب التجارة عبر البحر الأحمر—بما فيها تجارة الرقيق—لا لحماية المجتمعات المحلية. الدلالة السياسية لذلك أن الأمن عند هؤلاء صُمّم للممرّ لا للمجتمع، وهو منطق استمرّ حديثًا حين تُدار الموارد بمنطق التصدير والريع لا التنمية والسيادة الشعبية. تتبدّل السلعة، من البشر إلى الموارد، لكن البنية تبقى واحدة: عبورٌ آمن للبضائع وحياةٌ هشّة للناس...
    ومن هنا، يستحيل الحديث عن أمنٍ وسلامٍ مستدامين من دون عدالة تاريخية تواجه ذاكرة العبودية والعمل القسري والتهميش البنيوي، إلى جانب القوانين والممارسات العنصرية الحديثة. فالسلام الذي يتجاوز هذه الذاكرة ليس سلامًا، بل هدنة. والعدالة التاريخية ليست مطلبًا جهويًا، بل مشروعًا وطنيًا يعيد تعريف السودان من دولة ممرّات وتصدير إلى دولة مواطنة وحماية.
    إن اختزال التجربة السودانية في حلول أمنية سريعة يعكس أفقًا عاجزًا عن تصور المستقبل. فبناء السلام المستدام يقتضي تفكيك الدولة التي ورثت وظائف الاستعمار دون تغيير جوهرها. وحده هذا التفكيك يحوّل الشرق من ممرٍّ تاريخي إلى فضاء مواطنة، ويحوّل الأمن من شعارٍ إداري إلى حقٍّ عام.

    رابعًا: الشرق غير آمن لأهله — وهذه هي الفضيحة
    أخطر ما في خطاب "الملاذ الآمن" أنه لا يكتفي بسوء التقدير، بل يمحو واقع معاناة أهل الشرق عبر تعريفٍ فارغ للأمن. وهنا يبرز سؤال موضوعي، لا سجالي: هل يُقاس الأمن بالخطاب السياسي أم بالحقوق والخدمات والاعتراف؟
    بهذا المعيار، يحقّ التساؤل عمّا إذا كانت الدكتورة زينب كباشي قد سألت—بوصفها قيادية بشرق السودان—والي ولاية البحر الأحمر في حكومة البرهان وكامل إدريس عن حصيلة ثلاث سنوات من إدارة الدولة من بورتسودان:
ماذا أُنجز في المدارس والمستشفيات؟ هل توفّرت مياه صالحة للشرب في إقليم يعاني العطش تاريخيًا؟ هل أُقيمت مساكن لائقة للفئات الأشد فقرًا؟
    ثم ماذا عن الاعتراف الثقافي بوصفه شرطًا للأمن؟ فالتلفزيون القومي يبثّ من الشرق منذ ثلاث سنوات؛ فهل اعتُمدت لغات إنسان الشرق في البث الرسمي؟ أم ظلّ الشرق حاضرًا كموقع جغرافي فقط، لا كفضاء مواطنة وهوية؟
    لقد أدارت حكومة البرهان وكامل إدريس شؤون البلاد من بورتسودان لثلاث سنوات، وجلبت معها شبكات السلطة، لكن السؤال الجوهري يبقى: ماذا تغيّر فعليًا في حياة إنسان الشرق؟ ما الذي تحسّن في شروط عيشه وأمنه اليومي؟
    في الواقع، لا يعني "الأمن" هنا حماية الإنسان، بل حراسة مصالح السلطة:
لا قرار لأهل الشرق في مواردهم، وعلى رأسها الموانئ؛
أراضيهم تُؤجَّر وتُباع وتُرهن لبقاء النخب؛
وقواعد عسكرية أجنبية تُمنح باسم "السيادة" دون تفويض شعبي
    هذا ليس أمنًا، بل إدارة للتهميش بواجهة استقرار.
    لهذا جاء تشخيص جون قرنق—بعد معاينته المباشرة لأحوال الإقليم—دقيقًا حين قال إن شرق السودان من أكثر مناطق البلاد تهميشًا. والسؤال اليوم: ما الذي تغيّر؟
الإجابة الواضحة: تغيّرت اللغة، لا البنية.
    وما دام الأمن يُقاس بالولاء السياسي لا بالمدارس والمستشفيات والمياه واللغة والكرامة، فإن الشرق—تحت هذه السلطة—غير آمن لأهله، وهذه هي الفضيحة التي لا تستطيع بلاغة "الملاذ الآمن" إخفاءها.

    خامسًا: مدنٌ ظنّت نفسها آمنة… ثم سقطت
    التاريخ لا يكافئ الأوهام التي تُبنى على الجغرافيا بدل العدالة. مدنٌ كثيرة—من بيروت إلى سراييفو إلى الخرطوم—اعتقدت أن موقعها أو رمزيتها أو وظيفتها داخل الدولة سيحميها من الانفجار، فإذا بها تكتشف متأخرة أن الأمان لا يُستعار من المكان بل يُبنى بالسياسة. وكما نبّهت حنة آرنت، فإن أخطر ما في السلطة هو قدرتها على جعل الهشاشة تبدو استقرارًا إلى أن ينهار كل شيء دفعةً واحدة.
    لم تسقط هذه المدن لأن العنف باغتها، بل لأنها تجاهلت شروطه المتراكمة: لامساواة بنيوية، دولة مختزلة في أجهزتها المسلحة، نخب عاجزة عن إنتاج عقد اجتماعي جامع، وموارد عامة حُوّلت إلى امتيازات وأدوات صراع. في مثل هذا السياق، كما وصف أنطونيو غرامشي، تدخل الدولة في "أزمة هيمنة" لا يبقى فيها للحكم سوى القسر.
    وحين تُغلق السياسة، يتكلّم العنف. هكذا فهم فرانز فانون لحظة الانفجار، وهكذا حذّر زيغمونت باومان من استقرارٍ شكلي تتآكل شروطه من الداخل. وفي نهاية المطاف، لا تحترم الكوارث "المراكز" ولا "الهوامش"؛ فالسلطة القائمة على الإقصاء والمراقبة والعقاب—كما أشار ميشيل فوكو—تُنتج هشاشةً عامة تطال الجميع...
    في هذا الضوء، يتبدّى فقر الخيار الذي راهنت عليه الدكتورة زينب كباشي: التعويل على سلطة عسكرية، وفي زمن حرب، وعلى وهم "الخصوصية المكانية" بدل مواجهة جذور الأزمة. فالمدن لا تسقط لأنها في المكان الخطأ، بل لأنها تُدار داخل دولة خاطئة. وحين تُختزل السياسة في الأمن، وتُدار الدولة بالعسكرة، يصبح الانفجار مسألة وقت—وقتٍ لا يعترف بالملاذات ولا يرحم الأوهام.

    خاتمة: في زمن الحرب… لا ملاذ بلا عدالة
    في سياق حربٍ شاملة أعادت تعريف الدولة وحدودها، يصبح الادّعاء بأن الشرق "ملاذٌ آمن" تغاضيًا سياسيًا عن طبيعة النظام القائم الذي انحازت إليه الدكتورة زينب كباشي. فهذا نظامٌ تُدار به الحرب بوصفها أداة حكم، ويُعاد فيه إنتاج الأمن كخطاب تعبئة لا كحقٍّ إنساني، ويُختزل الاستقرار في الولاء العسكري لا في حماية الحياة.
    الشرق، تحت هذا الإطار، ليس ملاذًا بل مساحة مُدارة أمنيًا: هشاشة بنيوية، موارد مُسيّسة، وسيادة مُنتزعة من المجتمع. ولا يمكن لمنظومة تخوض الحرب دون مساءلة، وتُعلي منطق العسكرة، وتُقصي الإرادة الشعبية، أن تُنتج أمنًا مستدامًا—لا لأهل الشرق ولا لغيرهم.
    إن الخلل الجوهري في هذا الانحياز أنه يفصل الأمن عن العدالة، والسيادة عن المجتمع. فبيع الموارد، وعسكرة السواحل، واستدعاء الشرعية الخارجية، جميعها ممارسات لا تحمي الناس بل تحمي السلطة في زمن الحرب، وتحول "الأمن" إلى أداة ضبط لا ضمان حياة.
    وعليه، فإن الرهان على "ملاذٍ آمن" داخل دولةٍ تُدار بالحرب ليس سوى رهانٍ على الوهم. والأجدر بالدكتورة زينب كباشي—إن أرادت أن تقف في صفّ التاريخ لا في ظله—أن تراجع موقفها وأن تنحاز إلى أفق المستقبل، لا أن تُستدرج لتكون صوتًا مزيّنًا لنظام البرهان وكامل إدريس، بما يمثّلانه من إعادة إنتاجٍ كاملة للدولة القديمة بكل اختلالاتها. فالأمن لا يُصنع بالخطاب، ولا بالاصطفاف مع سلطة السلاح، بل بإعادة تأسيس الدولة على العدالة، والمواطنة المتساوية، والسيادة الشعبية. وما لم تُكسر هذه البنية، سيظلّ الحديث عن "الملاذ" إنكارًا للواقع، لا بصيرةً بالمستقبل، وخدمةً للوهم، لا حمايةً للناس.

    النضال مستمر والنصر اكيد.

    (أدوات البحث والتحرير التقليدية والإليكترونية الحديثة استخدمت في هذه السلسلة من المقالات)























                  


[رد على الموضوع] صفحة 1 „‰ 1:   <<  1  >>




احدث عناوين سودانيز اون لاين الان
اراء حرة و مقالات
Latest Posts in English Forum
Articles and Views
اخر المواضيع فى المنبر العام
News and Press Releases
اخبار و بيانات



فيس بوك تويتر انستقرام يوتيوب بنتيريست
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة
About Us
Contact Us
About Sudanese Online
اخبار و بيانات
اراء حرة و مقالات
صور سودانيزاونلاين
فيديوهات سودانيزاونلاين
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
منتديات سودانيزاونلاين
News and Press Releases
Articles and Views
SudaneseOnline Images
Sudanese Online Videos
Sudanese Online Wikipedia
Sudanese Online Forums
If you're looking to submit News,Video,a Press Release or or Article please feel free to send it to [email protected]

© 2014 SudaneseOnline.com

Software Version 1.3.0 © 2N-com.de