في هذا الجزء الأخير نقدم خلاصة للمقال مع ملحق يستعرض خطأ الدراسات المتعلقة بتحليل حالة عمولات الدول الفقيرة باعتماد طرق عشوائية تفتقر لأى أسس مفاهيمية (conceptual foundations).
الخاتمة
ان معالجة مسألة تدهور العملة في الدول الفقيرة يكمن حلها بشكل ناجز بإحداث التنمية الحقيقية التي يمثل شرط تحقيقها فك الارتباط بالتبعية التي تفرض فيها الدول الاستعمارية هيمنة شاملة على الدول الفقيرة. وفك الارتباط، في هذا السياق، لا يعني الانعزال عن الاقتصاد العالمي، بل إعادة تنظيم العلاقة معه على نحو يُخضع منطق الاندماج الخارجي لأولويات التراكم الداخلي. ففك الارتباط لا يشير لقضية فنية، بل فعل سياسي يعنى بإزالة نظم هيكلية اقتصادية -خلقتها الدول الاستعمارية- محمية بقوى اجتماعية محلية بغرض احكام الهيمنة الخارجية على الدول الفقيرة. والقوى الاجتماعية هي القوى المتنفذة سياسيا في الدول التابعة (الكمبرادور) التي تقاوم مبدا التحرر من التبعية وتروج، كلما اشتدت مقاومة الشعوب لها، الى التصحيح الإصلاحي الذى يشمل خلق إدارة ذكية للتبعية تقف عند حدود الإجراءات الفنية مثل القضاء على القصور الإداري وعدم كفاية السياسات الاقتصادية والمالية؛ ولكن ان التفكير في إمكانية تحويل التبعية لنظام ذكي لا يقف في طريق التنمية، لا يصدر الا من تفكير ذاتي ومجرد توهم. فالتبعية نظام تاريخي يعبر عن بلوغ الرأسمالية مرحلة من تطورها، وفى المقابل فان كسرها هي المهمة التاريخية والمقدمة الضرورية لإنجاز التنمية في الدول الفقيرة.
والتنمية كتحول تاريخي، يتحقق فيها التحرر من التبعية، تؤدى الى اعادة بناء السيادة النقدية بشكل جديد (لا بإصلاحها) بالصورة التي تحرر العملة من كونها أداة تُعمق الاعتماد على الاستيراد وتُضعف القاعدة الإنتاجية المحلية، وان يصبح دورها أداة للتوزيع المتكافئ للفوائض وتحفيز التصنيع وبناء سوق داخلية فاعلة. ان تحرر العملة هو سؤال اجتماعي/اقتصادي يتعلق بإمكان الانتقال من إدارة التبعية (بصورة ذكية!) إلى اتخاذ مسار يستهدف القضاء على هيمنة التبعية.
***************************
ملحق -قيمة الجنيه السوداني والتفسير التوتولوجى
إن القيمة التي تحملها النقود لا يمكن خلقها بشكل عشوائي كيفما شاءت الدولة ... فأي دولة يمكنها طباعة النقود بالمقدار الذي تريده، ولكن هيهات أن تضمن أي قِيَم لها؛ فالقيمة الفعلية تتحقق لا محالة في مجال الإنتاج. اذ أن العمل المبذول في انتاج السلع هو ما يحقق قِيَمها الحقيقية التي تستمد النقود قيمتها منها. وبالتالي فان الوظيفة الأساس للنقود كوسيط للتبادل (medium of exchange) التي تتفرع منها عدة وظائف أخرى، لا يمكن – بالطبع- تخيلها بدون انتاج. وهكذا فان عبارة” الإنتاج يقوى مركز العملة المحلية“، التي يكثر الآن ترديدها، ترد العملة للعنصر المكون لها ولا تتحدث بجديد. فعبارة” الإنتاج يقوى مركز العملة المحلية “لا جدال في صحتها، غير انها لا تفعل شيئا غير اقرار الواقع كتحصيل حاصل أو مجرد حشو أو توتولوجى(tautology). فالإقرار بان الإنتاج يقوى العملة لا يقدم تفسيرا كاف للمسألة بقدر ما هو تقرير لواقع معلوم.
ظل انتهاج السودان لإجراء تخفيض العملة كسياسة درجت السلطات على تطبيقها، يحدث لفترة طويلة اذعانا لشروط مؤسسات التمويل الدولية ما ترتبت عليه اثارا مدمرة على لاقتصاد الوطني. وفى خطوة دراماتيكية نفذ الحكم الانتقالي في نهاية شهر فبراير 2021 تعويما للعملة المحلية (managed currency float). والتعويم الذي أعلنته الحكومة كان في الحقيقة تقنينا للسعر المخفض الذي حدث للعملة السودانية نتيجة لسياسات الحكومة الانتقالية نفسها الخاصة بالبدء في رفع الدعم عن السلع الأساسية؛ فقبل التعويم بعدة أيام ارتفع سعر صرف الدولار الأمريكي، في يناير 2021 (أي بعد حوالي عام وبضعة أشهر من قيام الحكم الانتقالي) من 55 جنيها سودانيا ليعادل سعر الصرف في السوق الموازي (الأسود) البالغ حوالي 375 جنيها سودانيا، أي بزيادة مبالغ فيها تقارب 700%. وقد أدى هذا لزيادة كبيرة في اسعار السلع الضرورية للحياة الشيء الذي دفع المواطنين للانخراط في حركة احتجاجات شعبية عنيفة قلما شهد السودان مثيلا لها شملت كل المدن والأرياف السودانية في ذلك الوقت.
وهكذا يتضح من السابق أن التعويم (تخفيض العملة الوطنية) تم بصورة ماكرة تفتقد للاحترافية (تقنين لأمر شبه مُنجز)؛ فالتخفيض، كما مر، واكب إجراءات للحكومة الانتقالية لرفع دعم المحروقات والسلع الأساسية الأخرى. وقد كان تخفيض العملة استمرارا لسياسات حكومة الإنقاذ المبادة منذ مطلع تسعينيات القرن الماضي التي طبقت بموجبها سياسة التحرير الاقتصادي (تسميها الحكومة الانتقالية بالإصلاح الاقتصادي)؛ وبهذه السياسة تكون الحكومة الانتقالية قد انصاعت لسياسات الليبرالية الجديدة ونفذت سياسات صندوق النقد الدولي فيما يتعلق بتعويم العملة. وكذلك كامتداد لمساعي حكم الإنقاذ، سار الحكم الانتقالي على طريق العمل للعودة للمؤسسات الدولية بعد انقطاع في السنوات الماضية (فرضه الغرب كنوع من الضغوط التي يمارسها لمزيد من اخضاع الدول التابعة)، وباندفاع غريب سارعت الحكومة بدفع 335 مليون دولار لأمريكا تعويضات لضحايا عملية إرهابية (مبلغ اشترته الحكومة من السوق الأسود، وقد ساهم هذا الفعل في ارتفاع سعر صرف الدولار آنذاك)؛ كما قدم الحكم الانتقالي في سبيل عودة مؤسسات التمويل الدولية تنازلات جمة اضرت بسيادة السودان كالتطبيع مع إسرائيل والاذعان لمتطلبات أمريكا. وجدير ان تسارع خطى الحكومة في هذا الخصوص لم يكن احترافي وتم بانصياع مخجل لمشيئة الدول الغربية بشكل يندر ان تجد مثيلا له حتى في الدول التابعة الأكثر رضوخا لمؤسسات التمويل الدولية.
ان الأساس النظري لضرورة تخفيض العملة وفد لنا في السودان بأفق براجماتي بائس؛ فجاءت بعثات مؤسسات التمويل الدولية في سبعينات القرن الماضي تفيدنا ان الجنيه السوداني مغالى في قيمته (overvalued) الشيء الذي يقتضي تخفيضه، ومدت العاملين في المجال الاقتصادي بتمارين رياضية بسيطة تقود للقيمة الحقيقية للجنيه والزيادة التي ستحدث في الصادرات (الإنتاج) كنتيجة محتمة تنشأ عن تخفيض العملة.
ان تخفيض العملة السودانية لم يؤد لزيادة الإنتاج ولا الحد من الواردات التي تحسن ميزان المدفوعات، بل ظل يتسبب في تراجع القيمة الدولارية للناتج الإجمالي المحلى وتآكل الأرصدة النقدية لكل من الدولة والشركات؛ فالدولة تعرضت لزيادة نسبة خدمتها للديون بالعملة الأجنبية بنسبة ما تعادله العملات الأجنبية من وحدات بالعملة الوطنية المخفضة قيمتها. وبالنسبة للشركات فان التآكل أصاب رؤوس امولها نتيجة غلاء السلع الرأسمالية ومدخلات الإنتاج المستوردة.
وهكذا فان الهدف الاستراتيجي لمؤسسات التمويل الدولية هو تأبيد السودان كدولة زراعية متخلفة قليلة الإيرادات لضعف الإنتاج، تعتمد اعتمادا كاملا على القروض التي تسهل الهيمنة عليها سياسيا واقتصاديا.
ان الحقيقة التي لا يمكن انكارها هي ان قيمة الجنيه كانت بالفعل مغالى فيها، لكن النقطة هي أن راس المال العالمي، الذي تمثله مؤسسات التمويل الدولية، لم يكن مسعاه من تخفيضها احداث ثورة شاملة لزيادة الإنتاج في البلاد. فزيادة الإنتاج تعيفها مشاكل هيكلية تتمثل في ضعف يطوّق مجالات البنيات التحتية والتدابير الإدارية والقطاع المالي وراس المال الوطني: عوائق متجذرة في الاقتصاد لن تحل الا بالهيكلة الجذرية للاقتصاد على كل المستويات وفي جميع القطاعات، تقوم على أساس الاعتماد على النفس وتفجير طاقات الشعب....هيكلة تتطلب قيام الشعب بتغيير راديكالي لن تحققه الا إرادة سياسية قوية كمستلزم أولى للنهوض بالاقتصاد؛ فالقضية سياسية في المقام الأول. لذلك فأن الثورة (بالمعنى الصحيح للثورة!!) تدفع الإنتاج، والسياسة تقود الاقتصاد.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة