كما تلتصق القرادة الخبيثة بجلد ضحيتها ، فتمتص دماءها قطرة قطرة حتى تفنيها او تفنى ، ولا سبيل لفصلها الا بقطع اللحم معها ، هكذا تشبث فكر الاخوان المسلمين بجسد الجيش السوداني النبيل . شربوا من عروقه حتى تغير لونه ، واكلوا من نخاعه حتى تبدل طعمه ، ففقدت تلك القلعة العريقة قوميتها ، واصبحت المعول الذي يهدم اركان الوطن بعد ان سقيت بعقيدة آسنة اسلمتها موارد الهلاك .
في رحاب هذه المؤسسة ، استشرى الفساد كالطاعون ، ونخرت محسوبية الاهل والعشيرة في عظامها ، ومزقت جهوية مقيتة نسيجها المتماسك ، ومع كل ذلك ، انهار صرح الانضباط وتلاشى ظل الحزم العسكري . فتجلى هذا الانهيار في صورة ضابط يشغل منصبا دستوريا ، يطل على الناس مخاطبا وهو يتلعثم بالكلمات من اثر الخمر . وتجسد في فعل آخرين ، جردهم الفكر المنحرف من شرفهم العسكري ، فانتهكوا اعراض مائتي طالبة في "تابت" بشمال دارفور ، في جريمة اهتز لها ضمير العالم ووثقتها المنظمات الدولية .
هذه الفئة الضالة الفاجرة ، حيثما حلوا افسدوا ، واينما وطئوا خربوا قيم المجتمعات واركان الدول . فأشعلوا هذه الحرب لأنها بيئتهم المثالية في نهب المال العام وتشتيت الناس وإفقارهم حتى لا يفكر أحد في مزاحمتهم في السلطة . ولن يمكن اقتلاع هذا الورم الخبيث الا بعملية جراحية مؤلمة ، تجتثه من الحذور بلا أثر تبقي ، فلا خير في بناء اصبحت اساساته منخورة .
هكذا، يقف الجسد الذي كان يوما سياج الوطن وحاميه على حافة الموت ، يتنفس الصعداء بينما القرادة ما زالت عالقة تكمل وجبتها الاخيرة . ان استئصال هذا الداء هو شرط البقاء الوحيد ، حتى وان كان الثمن قطع اللحم الحي . فاما جراحة تنقذ ما تبقى من روح الوطن ، واما ترك الجسد ليتحلل ببطء ، ليصبح اثرا بعد عين . ان الخلاص لا يكمن فقط في ازالة هذا الالتصاق الخبيث ، وإنما في تطهير الجرح من كل اثر لسمومه ، وبناء صرح جديد على اسس من الوطنية الخالصة والولاء للتراب دون سواه .
لعل في هذه المأساة عبرة لامة تئن تحت وطأة التيارات المتطرفة والمشاريع الايديولوجية التي تستهدف مؤسسات الدولة لتجريدها من مصداقيتها وقدرتها على حماية الشعب ووحدته . فالجيوش — ان فقدت حيادها وانضباطها — تتحول الى وحوش تأكل بني وطنها ، وتدفن معها آمال التحرر والاستقرار. والسودان بعد ان كان نموذجا للكفاح والوحدة بدأ يدب على ذاكرته السير نحو المجهول ، ما لم يستيقظ ضمير ابنائه ، وينتزعوا القرادة التي تشرب آخر قطرات حياته .
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة