لم تكن التحالفات السودانية، منذ التجربة الأولى للتجمع الوطني الديمقراطي وصولًا إلى قوى إعلان الحرية والتغيير وتفرعاتها، تفتقر إلى القيم، بل إلى القدرة على تحويل القيم إلى نظام. كانت تُولد في *لحظات فائضة بالعاطفة الوطنية*، ثم تُدار كما لو أن الزمن سيتوقف احترامًا لتضحياتها. لكن السياسة، في السودان كما في غيره، لا تنتظر اكتمال النوايا. وما إن طال أمد الاختبار، حتى ظهر الخلل: *تحالفات بلا مؤسسات قادرة على اتخاذ القرار وتنفيذه*، وكأن الاتفاق على المبدأ يُغني عن مشقة الإدارة.
في قلب هذا الخلل، سكنت بنية رخوة صُمِّمت خوفًا من الاستبداد، فانتهت إلى العجز. لم يكن هناك مركز قيادة واضح، ولا تسلسل قرار مفهوم، بل *شبكة واسعة من الكيانات، لكل منها حق النقض الضمني*، دون مسؤولية مقابلة. هكذا تحولت اللامركزية من وعد بالمشاركة إلى وصفة للشلل، ووجدت التحالفات نفسها عاجزة عن الحسم حتى في القضايا التي يفترض أنها محل إجماع، لأن الجميع كان حاضرًا في النقاش، وغائبًا عن القرار.
ومع غياب البنية الصلبة، عادت السياسة السودانية إلى ملاذها القديم: العلاقات، التاريخ النضالي، الجغرافيا، الحساسية الحزبية، وحتى حسابات “من ضحّى أكثر”، أصبحت *معايير صامتة لتوزيع المواقع*. في تلك اللحظات التي كان فيها السؤال الحقيقي هو: من يستطيع أن يفعل؟ طُرح سؤال آخر أقل صراحة: من لا يجب أن يُستبعد؟ هكذا تحوّل التمثيل من أداة عدالة إلى قيد على الفعالية، وصار التحالف ساحة توازنات لا جهاز فعل.
لكن *الإشكال الأعمق* لم يكن في البنية وحدها، بل في السلوك السياسي الذي حكمها. سادت ثقافة تُجِلّ الصمت أكثر من النقد، وتخشى الحسم أكثر من الفشل. في لحظات مفصلية—يعرفها الجميع ولا تحتاج إلى تسمية—كان بالإمكان اتخاذ قرارات صعبة، لكن الحسابات الأخلاقية المعلنة غلّفت ترددًا سياسيًا عميقًا. وهنا يتجلى ما يسميه بعض المفكرين السودانيين “أخلاق النية الحسنة” التي تتحول، paradoxically، إلى عائق أمام الفعل المسؤول.
من هذا التردد، وُلدت أزمة الشرعية. *لم تكن الشرعية موضع نزاع في بداياتها، لكنها بدأت تتآكل مع كل تعيين غامض، وكل موقع يُملأ دون تفسير*، وكل وعد لا يجد طريقه إلى التنفيذ. تمثيل النساء والشباب أُنجز في العناوين، لكنه تعثر في غرف القرار. ومع كل خطوة غير مفسَّرة، كان المواطن يبتعد قليلًا، لا غضبًا، بل خيبة، وهي أخطر من الغضب لأنها صامتة.
ثم ظهرت *الفجوة التي طالما حذّر منها باحثون سودانيون*: فجوة الداخل والخارج. ليس لأن الخارج شرير، بل لأن الواقع أعقد من أن يُدار عن بُعد. الخطاب الذي يصلح للمنصات الدولية بدا عاجزًا أمام اقتصاد ينهار، وحرب تتشظّى، ومجتمع يطلب حلولًا لا بيانات. حين لا تكون للقيادة شبكات ميدانية حيّة، يتحول الواقع إلى فكرة، والفكرة إلى شعار.
وعندما اقترب سؤال الحكم، انكشف العجز الأكثر إيلامًا. *لم تكن هناك بنية جاهزة لإدارة الدولة، بل افتراضٌ ضمني بأن النوايا ستسد فراغ الخبرة*. لم تُبنَ وحدات سياسات، ولم يُحضَّر كادر تنفيذي، ولم يُفصل بين ما يُقال في الشارع وما يُفعل في المكاتب. فبدا المشهد وكأن التحالف يكتشف متطلبات الحكم بعد أن أصبح مطالبًا به، وهي مغامرة لا ينجو منها وطن.
في هذا السياق، انهارت السردية السياسية من الداخل. *لم يتشكّل مشروع وطني متماسك يمكن تتبعه من خطاب إلى سياسة*، بل سلسلة رسائل متغيرة، تُعيد صياغة نفسها مع كل منعطف. وكما لاحظ عدد من الباحثين السودانيين، فإن المشكلة لم تكن في فقر الخيال السياسي، بل في غياب التراكم؛ كل بداية كانت تُلغى ببداية أخرى، حتى فقد الخطاب صدقيته.
الخاتمة هنا ليست فكرية فقط، بل أخلاقية أيضًا. فالفشل لم يكن قدرًا، بل نتيجة اختيارات، بعضها اتُّخذ باسم الوحدة، وبعضها باسم الحكمة، وبعضها باسم الأخلاق. لكن السياسة، في لحظات التحول، لا تُقاس بحسن النية، بل بقدرة الفاعلين على *تحمّل المسؤولية كاملة، بما فيها كلفة القرار والخطأ*. التحالف الذي يرفض أن يحاسب نفسه، لا يحق له أن يطالب بثقة الناس. والشرعية التي لا تتحول إلى نظام، تصبح عبئًا على الوطن لا رافعة له. هذه ليست قسوة تحليلية، بل درس سوداني قاسٍ كُتب أكثر من مرة، بدمٍ ووقتٍ وفرصٍ ضائعة، ولن يغفر التاريخ لمن يكرر القراءة ذاتها، ثم يختار تجاهل الخلاصة.
01-28-2026, 04:30 PM
Omer Abdalla Omer Omer Abdalla Omer
تاريخ التسجيل: 03-02-2004
مجموع المشاركات: 4309
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة