كثيرون خرجوا من ديارهم ساعتئذ، لأول الهول، وما يدرون أين ستستقر بهم الرحلة، فالوقت وقت فرار، نجوةً من بوائق لا تحصى إن تأخرنا، فأبلغتنا أقدارنا جوبا، وبعد أشهر قليلات مكوثًا فيها ما عادت جوبا تحتملنا، رغم بشَّها لنا لأول اللقيا، فقد هدَّ اقتصادها توقف صادر البترول، فعبست فينا لا تستطيع سدَّ فاه فاغرة، فكان الفرار الكبير لنا جميعًا نحن وهم،إلى يوغندا التي وطَّنت نفسها على استقبال اللاجئين من السودان، وجنوبه، ودول جوارها مثل الكنغو وبورندي ورواند، والصومال، وأرتيريا، وهي الدولة الأولى في إفريقيا في استضافة اللاجئين وتحمل مليون وسبعمائة ألف لاجئ، هذا التعداد قبل تقاطر لاجئي السودان عليها.
كان أول دهشة تستقبلنا ونحن نغادر جنوب السودان، ونستقبل شمال يوغندا ذلك الطقس الأروع، الذي تنخذل طقوس كافة دول العالم عن مقاربته، طقس في غاية اللطافة والروعة، نسم لطيف كالحرير بارد يداعب جلدك فينمار بتلك الملامسات والضربات، وأمطار لا تتوقف أبدًا إلا لتبدأ، لكنها أمطار بركة غير غاضبة ولا معطلة، وجنان وارفة تتلو جنان، خضرةٌ لا أروع منها، فمن فرط دهشتنا بطبيعة البلاد قبل أن نتعرف على إنسانها، قال أحد أهلنا الحساد : والله دي بلد ما يستاهولها! وهذه وخيمة من وخائم كثيرة تصم السودانيين، التعالي على الآخرين، وتجريدهم من أي فضيلة، وقدحهم، مهما كان الآخر، وهي من بوائقنا التي تستلزم التغيير.
أقام كل السودانيين تقريبًا في معسكرات اللجوء بشمال يوغندا أولًا، فعادت بنا الذكرى، نرى حالنا محل ما كنا نرى اللاجئين والأجانب في السودان فنتأفف، ونمن عليهم ونهزأ بهم، وهم في الصفوف يقفون لصرف طعامهم، لقد أصارنا الله إلى مثل حالهم نقف الصفوف لصرف الطعام، وننظم بالشرطة، وقد نضرب؛ لأن كثيرين منا يستعصون على التنظيم، ويودون استباق دور الآخرين، ثم صار أغلبنا يخرج من المعسكر، للبحث عن وضع أفضل للسكنى في مدن البلاد، وكان هذا متاحًا لا تحده الدولة، فانداح السودانيون في الأرض.
أول ما تعلمنا هناك ألا فرق كبير في ملامحنا وأشكالنا معهم، فبمثلما تتعدد الأشكال والألوان عند السودانيين في تدرج ضيق المدى، وجدنا ذلك حادثًا في يوغندا، واليوغنديون تلفحهم قسامة عامة متأكدة أكثر منا، وأنوفهم أدنى إلى الصغر والاستواء منا بعامة، وإن كان غالبهم ينحى إلى القصر أكثر، ولعل أغلب الألوان الفاتحة في يوغندا قد هاجرت أصولها من رواندا أو بورندي أو الكنغو، حيث تغلب تلك الألوان هناك، لكن القانون اليوغندي يتيح لأي لاجئ مكث خمس أعوام الجنسية بمساواة متكاملة.
إن أكثر شيء دعانا للدهشة أننا ما وجدنا رجلين يتشاجران طوال عهدنا بهم، أنا أقول عن ثقة :-إطلاقًا- ، فتأمل. والأمن الذي وجدناه في بلادهم ما وجدناه في بلادنا، لا أعرف انعدام الشجار هذا طبعٌ فيهم؟ أم تربية؟ أم نتج عن طول تعاهدهم بالقانون.
اليوغنديون أفارقة مسيحيون في غالبهم، ليست فيهم مفاهيم الحشمة والستر العربي للمرأة، ورغم احنفائهم بالجمال الأنثوي الباذخ، لم نرَ فحشًا أو تهافتًا على الأنثى، لم نر معاكسةً بالكلام، أو نهشًا بالعيون، فالأصل عندهم غض الطرف، أو ربما شيءٌ أعمق من ذلك وهو أن كأنْ لا شيء، وطوال مكوثنا، كفت آذاننا عن الإشاهة بسماع جرائم الاغتصاب، ولم نرهم يتقعدون بالشوارع كشأن شبابنا، ولا يرفعون أصواتهم في الأنس أو الضحك.
القانون يتيح لكل لاجئ العلاج في المستشفيات الحكومية مثل المواطنين، دخلت إحدى المستشفيات مستشفيًا، كنت أبحث عن المعمل، سألت أحدهم مباشرة أين المعمل، نظر إليِّ بوجه تقفز منه ابتسامة ريانة طويلة حتى حسبته عرفني، ثم قال: قل صباح الخير أولًا، قل يومًا مبارك، قل يومك سعيد، قل تحياتي، قل أي شيء ثم سل. لم تعد رجلاي تحملاني من الخجل، فرددت خلفه، صباح الخير، فما كان منه إلى أن مضى بي إلى المكان الذي أبغي، ما هذا الأدب،ما هذا الذوق، هؤلاء علمونا الأوتكيت، ونحن ليس لنا سوى الكلام.
كل الناس فوجئوا بمستوى النظافة في العاصمة والبلاد، وتطل كمبالا بإطلالة هندسية رائقة من الروعة المعمارية المبهرة، الشوارع واستوائها، الجسور الطائرة الإضاءة، الزينة والديكور، كل هذا بعد انفصال الجنوب، حيث نمت استثمارات يوغندا في الجنوب فحققت بها نهضتها في بلادها، وقد كان البترول خالصًا لنا منذ اكتشافه ولم ينعكس ريعه نهضة لدينا كما انعكست استثماراته نهضة في كمبالا، بل انهارت البلاد بعد عام واحد من الانفصال فاندلعت اضطرابات 2013، ومنها ظلت البلاد في حالة من الاضطراب حتى قيام الثورة 2018.
أنشئأت جامعة ماكرري سنة 1922 وقامت جامعة الخرطوم سنة 1902، ماكرري الآن من أفضل 10 جامعات جنوب الصحراء، وجامعة الخرطوم تتردى كل يوم.
نسمع سخفًا كثيرًا في الميديا، فصرنا نهرب منها فلا تقذفنا بالعاهات الذين يتصدون للمشهد ويحسبون أنفسهم أنبياءً، كل جاهل نصب من نفسه محللا سياسيًا، ومرشدًا اجتماعيًا، وواعظًا دينيًا، يوسعون الرتق، ويزيدون الفتنة إوارًا، ويزيدون محن الوطن، ولا يصلحون، كأنما لا يبصرون ما أل إليه حال الوطن، ويريدون مزيدًا من الإغراق.
إلا وقد لاحت انتصارات الوطن فلنجد بالخطابات والمعاني التي تقضي على التمزق والشتات، وتقيم الوطن المثخن من البداية، بعزم أرشد، ولنبدأ بالوعي، وعي يتقدم كل حركة وسكنة، ونستلهم من وعي الشعوب التي عشنا سنين اللجوء فيها.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة