د. أحمد التيجاني سيد أحمد ٢٦ يناير ٢٠٢٦ روما ايطاليا Ahmed [email protected]
ما يطرحه عزّام في فيديوهاته المتداولة لا يمكن التعامل معه كآراء عابرة أو اختلافات اجتهادية، بل ينبغي قراءته بوصفه خطابًا سياسيًا مكتمل الأركان، له افتراضاته وانحيازاته ونتائجه العملية. غير أن هذا الخطاب لا يكتفي بالدفاع الضمني عن دولة ١٩٥٦، بل ينتقل إلى مهاجمة مشروع «التأسيس» بذريعة أنه بلا برنامج سياسي أو تنموي واضح، وبلا مؤسسات فاعلة، وبلا تواصل مباشر مع الشعب والعالم.
هذه أسئلة مشروعة في ظاهرها، لكنها في عمقها تكشف عن سوء فهم – أو تجاهل متعمّد – لطبيعة اللحظة التاريخية ولمفهوم الدولة الانتقالية التأسيسية.
أولًا: دولة ١٩٥٦ خارج النقاش يقول عزّام، صراحة أو ضمنًا، إن الأزمة ليست في دولة ما بعد الاستقلال، بل في سلوك الفاعلين اليوم، وإن استدعاء تاريخ دولة ١٩٥٦ نوع من الهروب من الواقع.
والواقع أن تجاهل سؤال الدولة ليس حيادًا، بل اختيار سياسي واعٍ. فالأزمة السودانية لم تنشأ من فراغ أخلاقي، بل من دولة تأسست على احتكار السلطة والموارد، وإقصاء الغالبية الساحقة من الشعب، وإدارة التنوع بالعنف. أي خطاب يتجاوز هذه الحقيقة إنما يدافع عمليًا عن إعادة إنتاج الدولة نفسها، حتى لو استخدم لغة أخلاقية أو وطنية.
ثانيًا: هل التأسيس بلا برنامج؟ يصرّ عزّام على أن مشروع التأسيس يفتقر إلى برنامج سياسي وتنموي واضح. وهذا الادعاء يتجاهل أن التأسيس ليس حزبًا انتخابيًا ولا حكومة مكتملة الصلاحيات، بل سلطة انتقالية ،مدعومة بوثيقة تحالف و دستور انتقالي، هدفها تفكيك دولة الامتياز وبناء شروط الدولة الجديدة.
البرنامج هنا ليس بيانًا انتخابيًا، بل رؤية سياسية–اقتصادية تقوم على أولويات واضحة: وقف الحرب، حماية المدنيين، تفكيك بنية التمكين، إعادة تعريف الاقتصاد بوصفه اقتصاد حياة لا اقتصاد حرب، والانتقال من دولة الجباية إلى دولة الإنتاج، خاصة عبر الزراعة وسلاسل القيمة المحلية.
ثالثًا: الجيش وبنية الوقود البشري يقول عزّام إن الجيش مؤسسة وطنية جامعة، وإن التشكيك فيه تشكيك في الدولة.
لكن المشكلة ليست في فكرة الجيش، بل في بنيته التاريخية داخل دولة غير عادلة. فمنذ الاستقلال، ظلت القيادة والقرار محصورين في قلّة جهوية محدودة، بينما جاء معظم الجنود من مناطق التهميش. هذه ليست شتيمة ولا تحريضًا، بل توصيف تاريخي موثّق.
رابعًا: فاعلية المؤسسات التأسيسية – ما الذي يُقاس؟ يُنتقد التأسيس بدعوى ضعف أو عدم فاعلية مؤسساته. غير أن هذا النقد يتجاهل السياق الذي وُلدت فيه هذه المؤسسات: حرب شاملة، دولة منهارة، بلا موارد وبلا اعتراف جاهز.
الفاعلية هنا لا تُقاس بإدارة دولة مستقرة، بل بقدرة المؤسسات التأسيسية على منع إعادة إنتاج الدولة القديمة، حماية المدنيين، وفتح مسارات جديدة للحياة والإنتاج.
خامسًا: الإطار المرحلي لدولة التأسيس دولة التأسيس ليست قفزة في الفراغ، بل مسار مرحلي واضح:
المرحلة الأولى: وقف النزيف وبناء الحد الأدنى المؤسسي الهدف حماية المدنيين ووقف دوّامة الاستنزاف عبر تنسيق إنساني فعّال، ممرات آمنة، وسلطة عون إنساني مستقلة.
المرحلة الثانية: الانتقال الإنتاجي السريع الهدف كسر اقتصاد الحرب عبر برنامج زراعي إسعافي، إعادة تشغيل سلاسل القيمة المحلية، وتمكين التعاونيات والمجتمعات.
المرحلة الثالثة: إعادة بناء العقد الاجتماعي الهدف تأسيس شرعية مدنية مستدامة عبر حوار دستوري قاعدي، إعادة تعريف دور الجيش، تفكيك بنية الامتياز، ولا مركزية حقيقية.
سادسًا: العلاقة مع الشعب والعالم القول بأن التأسيس بلا تواصل مع الشعب يتجاهل واقع النزوح والتشظي. التأسيس خاطب الشعب بلغة الحقوق والمشاركة لا الوصاية.وبني علي تمثيل مكثف لكل قطاعات الشعب السوداني و مؤسساته الاجتماعية والأهلية
أما العلاقة مع العالم، فهي تقوم على شراكات شفافة: وقف الحرب، حماية المدنيين، ودعم انتقال مدني حقيقي، لا تسويق السودان كدولة أمنية.
خاتمة الفارق الجوهري بين خطاب عزّام ومشروع التأسيس أن الأول يقيس الحاضر بأدوات دولة فشلت تاريخيًا، بينما ينطلق الثاني من سؤال مختلف: لماذا فشلت دولة ١٩٥٦، وكيف نمنع تكرارها؟
ضمن هذا المحور، من المفيد وضع «مراحل تكوين التأسيس» في سياقها الطبيعي، لأن كثيرًا من النقد يتجاهل أن التأسيس تَشكَّل على مراحل متتابعة تحت ضغط الحرب، لا في ظرف دولة مستقرة: ١) مرحلة الفكرة والتلاقي الأولي: بلورة ضرورة القطيعة مع دولة ١٩٥٦ وصياغة المبادئ العامة (السلام، المواطنة، العدالة، تفكيك التمكين). ٢) مرحلة بناء الكتلة الواسعة: توسيع المشاركة لتشمل ألوان الطيف السوداني من أقاليم وقوى اجتماعية ومهنية وسياسية، مع إدارة التنوع داخل الإطار الجامع. ٣) مرحلة الصياغة القانونية والسياسية: إعداد «الميثاق» و«الدستور» كنصَّين تأسيسيين يحددان الرؤية، والحقوق، وشكل الحكم، ومسارات الانتقال. ٤) مرحلة الإجازة والتوقيع: انتقال النصوص من مسودات إلى التزام علني عبر توقيع ممثلو كل اطياف السودان العريض الذين توافدوا الي نيروبي رغم المخاطر والمعوقات، بما يمنح المشروع سندًا سياسيًا وأخلاقيًا. ٥) مرحلة البناء المؤسسي والتشغيل: تشكيل هياكل العمل (ومنها مسارات العون الإنساني والقطاعات الإنتاجية) وتطوير آليات التواصل، والشفافية، والقياس. ٦) مرحلة الانفتاح والتواصل الخارجي: تقديم المشروع كشريك واضح للمجتمع الدولي على أساس حماية المدنيين ووقف الحرب ودعم الانتقال المدني، دون ارتهان أو وصاية. بهذا المعنى، لا يُقاس التأسيس بما لم ينجزه بعد، بل بما فتحه من أفق، وبقدرته على الانتقال من النص إلى المؤسسة ثم إلى أثر ملموس في حياة الناس.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة