د. أحمد بابكر وامتحان اللحظة التاريخية: حين تُحاكَم الدولة الحديثة بعقل الدولة القديمة كتبه خالد

مرحبا Guest
اخر زيارك لك: 01-30-2026, 03:11 AM الصفحة الرئيسية

منتديات سودانيزاونلاين    مكتبة الفساد    ابحث    اخبار و بيانات    مواضيع توثيقية    منبر الشعبية    اراء حرة و مقالات    مدخل أرشيف اراء حرة و مقالات   
News and Press Releases    اتصل بنا    Articles and Views    English Forum    ناس الزقازيق   
اراء حرة و مقالات
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى شكل سلسلة « | »
اقرا احدث مداخلة فى هذا الموضوع »
01-26-2026, 00:48 AM

خالد كودي
<aخالد كودي
تاريخ التسجيل: 12-31-2021
مجموع المشاركات: 213

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
مكتبة سودانيزاونلاين
د. أحمد بابكر وامتحان اللحظة التاريخية: حين تُحاكَم الدولة الحديثة بعقل الدولة القديمة كتبه خالد

    00:48 AM January, 25 2026

    سودانيز اون لاين
    خالد كودي-USA
    مكتبتى
    رابط مختصر






    24/1/2026 – خالد كودي، بوسطن

    لا يمكن فهم الجدل المحتدم حول ميثاق السودان التأسيسي خارج سياقه التاريخي الحاسم: سياق انهيار الدولة السودانية القديمة بوصفها دولة امتيازات لا دولة مواطنة، ودولة قهرٍ أمني لا عقدًا اجتماعيًا، ودولة نخبٍ متكلّسة لا شرعيةً شعبية. من هذا المنظور، لا يدور الخلاف حول الميثاق في تفاصيل لغوية أو تقنيات دستورية، بل يتمحور حول سؤالٍ تأسيسي واحد: أي دولة نريد بعد هذا الخراب؟ أهي دولة تُعاد صياغتها على أسس جديدة تقطع مع أسباب الأزمة، أم دولة يُعاد تدويرها بالأدوات نفسها التي قادت إلى الحرب؟
    في مقاله المعنون (رؤية نقدية لميثاق السودان التأسيسي)، يقدّم د. أحمد بابكر قراءةً تنتقد الميثاق من داخل أفق الدولة القديمة، وتُحاكم مشروعًا تأسيسيًا بأدواتٍ مفهومية تشكّلت أصلًا في سياق الأزمة التي أثبتت إفلاسها. فعلى الرغم من لغته التحليلية، يتعامل المقال مع الشرعية بوصفها انتظامًا إجرائيًا، ومع الوحدة بوصفها معطًى أخلاقيًا سابقًا على العدالة، ومع السياسة بوصفها إدارة توازنات لا إعادة تأسيس للمعنى العام للدولة.
    ويُجمل المقال ملاحظاته في محاور عدّة: إذ يعزو حرب 15 أبريل 2023 إلى تعدّد الجيوش الذي أسّسه نظام الإنقاذ عبر بناء مؤسسات عسكرية موازية، ويرى أن الدعم السريع دخل الحرب دون برنامج سياسي واضح، معتمدًا خطاب (الدفاع عن النفس)، وأن طرفي الحرب—الجيش والدعم السريع—اشتركا في إجهاض الفترة الانتقالية. كما ينتقد استخدام مصطلح (الشعوب السودانية) بوصفه خطأً منهجيًا يفتح باب التفتيت، ويطعن في مفهوم (الوحدة الطوعية) داخل الدولة الواحدة، ويرى أن ربط العلمانية بحق تقرير المصير مساومة خطِرة على الوحدة الوطنية. ويعتبر أن التصور الديمقراطي في الميثاق غامض ويُضعف دور القوى السياسية التقليدية، وينتقد العمل المسلح لما يخلّفه من عسكرة المجتمع وإضعاف العمل المدني وتدمير شروط الحياة، ويرفض اقتصاد السوق الاجتماعي لصالح التخطيط المركزي ودولة الكفاية. ويخلص، أخيرًا، إلى أن قيادات التحالف خرجت من رحم الاستبداد دون قطيعة جذرية، وأن الميثاق يعاني ضعف التماسك ومحاولة إرضاء أطراف متناقضة بما يعيد إنتاج مخاطر التفتيت.
    في المقابل، ينطلق تحالف تأسيس—كما نقرأه هنا—من منطقٍ مختلف جذريًا: منطق الشرعية الشعبية بوصفها مصدر السلطة، والمبادئ التأسيسية فوق الدستورية بوصفها قيودًا عليا على العنف والهيمنة، ومشروع السودان الجديد بوصفه أفقًا تاريخيًا لإعادة بناء الدولة على قاعدة المواطنة المتساوية لا الهوية، والعقد الاجتماعي لا القسر، والعلمانية بوصفها شرط الدولة الديمقراطية لا شعارًا فئويًا. ليس هذا دفاعًا عن نصٍّ منزّهٍ عن النقد ولا ادّعاءً لاكتمال مشروع (تأسيس)، بل اشتباكٌ نقدي مع قراءةٍ ترى في التأسيس (تحالف أزمة)، وتتجاهل أن كلّ التأسيسات الكبرى في التاريخ وُلدت من رحم الأزمات، وأن البديل الواقعي اليوم ليس العودة إلى صيغٍ نُخبوية أثبتت عجزها، بل الانتقال إلى دولة حديثة تتجاوز النخب وتستند إلى شرعية شعبية منظَّمة تُقنَّن دستوريًا وتُحمى بمبادئ فوق دستورية تمنع الارتداد...اي (كتلة تاريخية)!
    وعليه، لا يناقش هذا الردّ مقال د. أحمد بابكر بوصفه رأيًا فرديًا، بل بوصفه عرضًا لمأزقٍ أوسع: مأزق نخبٍ ما تزال تُحاكم الحاضر بأدوات الماضي في لحظةٍ تاريخية لم تعد تحتمل التأجيل. فالسودان اليوم لا يحتاج إلى ترميم الدولة القديمة، بل إلى تأسيس دولة المواطنة. وهذا—في تقديرنا—هو جوهر مشروع السودان الجديد، وهو سبب انزعاج من اعتادوا الامتياز.

    أولًا: تمهيد بديهي في علم تطوّر الأفكار السياسية:
    لماذا مراجعة المواقف ليست عيبًا، بل شرطًا علميًا وأخلاقيًا؟
    ينطلق هذا الرد من مسلّمة منهجية لا خلاف عليها في الفكر السياسي الحديث: اعتبار تطوّر المواقف السياسية خللًا أخلاقيًا أو انتهازيةً هو حكم غير علمي ولا تاريخي. تصوّر الدكتور فق مقاله يفترض—خطأً—أن السياسة مجموعة مواقف ثابتة، لا سيرورة تاريخية تتبدّل فيها الأدوات والاصطفافات بتبدّل موازين القوة وشروط الواقع. وهو افتراض يناقض الأسس التي قامت عليها الفلسفة السياسية الحديثة برمّتها.
    يذكّرنا هيغل بأن الحقيقة ليست معطًى نهائيًا، بل مسارًا تاريخيًا يتشكّل عبر الصراع والتجاوز والتراكم. ويؤكد أنطونيو غرامشي أن الهيمنة لا تُبنى بنقاءٍ عقائدي ولا بثباتٍ شعاري، بل بالقدرة على قراءة التحوّلات وبناء كتلة تاريخية جديدة تعكس ميزان القوى الاجتماعي المتغيّر. أما فرانتس فانون فيذهب إلى أبعد من ذلك حين يربط تحرّر الشعوب بقدرتها على إعادة صياغة أدواتها السياسية والنضالية كلما تغيّر شكل العنف المهيمن عليها. في هذا الإطار، يصبح التمسّك بالمواقف القديمة—رغم تغيّر الشروط—ليس فضيلة أخلاقية، بل عجزًا معرفيًا.
    وعليه، فإن انتقال قوى سياسية أو حركات اجتماعية من موقع إلى آخر، ومن خطاب إلى آخر، لا يُعدّ سلوكًا سلبيًا في ذاته. بل يصبح—حين يقترن بتحوّل بنيوي في الرؤية والأهداف—علامة نضج تاريخي وقدرة على التعلّم من الواقع. العيب الحقيقي ليس التغيّر، بل الجمود داخل بنية فاشلة والتمسّك بوصفاتٍ استُهلكت وأثبتت التجربة عجزها.
    من هنا، فإن تصوير انتقال بعض مكوّنات تحالف تأسيس—بما في ذلك الدعم السريع—من مواقف سابقة إلى تبنّي رؤية أكثر تقدّمًا وملاءمة للواقع الراهن بوصفه أمرًا سلبيًا، يعكس فهمًا أخلاقيًا تبسيطيًا للسياسة، لا تحليلًا علميًا لها. فالسؤال السياسي الجاد ليس: من أين أتيت؟ بل: إلى أي مشروع تاريخي تتّجه الآن؟ وهل يُسهم هذا التحوّل في كسر بنية الدولة القامعة وبناء أفقٍ تأسيسي جديد؟
    وهنا تتبدّى إحدى مآسي السودان الكبرى: إذ ما تزال قطاعات واسعة من نخبه ومثقفيه—بمن فيهم متعلّمون وأكاديميون—أسيرة تصوّرٍ بدائي للسياسة، يخلط بين المراجعة الفكرية والانتهازية، وبين التحوّل التاريخي و"الخيانة". هذا التكلّس الذهني، الناتج عن انقطاعٍ عن تطوّر الفكر السياسي العالمي وخوفٍ من مساءلة المسلّمات، جعل كثيرًا من النخب عاجزين عن مواكبة تحوّلات الواقع، مكتفين بإعادة إنتاج خطابٍ متقادم لم يعد صالحًا لا للفهم ولا للفعل.
    من هذا المنطلق، لا ينبغي قراءة ميثاق السودان التأسيسي بوصفه وثيقة مكتملة أو نصًا منزّهًا عن الخطأ، بل باعتباره محاولة تأسيسية تاريخية تستهدف كسر الدولة السودانية القديمة من جذورها—بوصفها بنية إقصائية وعنيفة—لا إعادة تدويرها بأدواتٍ جديدة أو لغةٍ مُحسّنة. فالمعيار العلمي هنا ليس الكمال، بل فتح أفقٍ جديد للتفكير والفعل السياسي؛ وهو الأفق الذي أخفقت، تاريخيًا، غالبية النخب المتكلّسة في بلوغه، حين ظلّت تُحاكم الحاضر بعقلٍ يعيش في الماضي.

    ثانيًا: الحرب، تعدّد الجيوش، ومسؤولية الدولة — من تشخيص العَرَض إلى تفكيك البنية
    يتقاطع مقال د. أحمد بابكر مع هذا التحليل في الإشارة إلى تعدّد الجيوش بوصفه أحد جذور الحرب، لكنه يتوقّف عند مستوى العَرَض، ويتجنّب النفاذ إلى المرض البنيوي الذي أنشأ هذا التعدّد وأعاد إنتاجه. فالتشكّل العسكري المتشظّي ليس سببًا قائمًا بذاته، بل نتيجة مباشرة لبنية دولة تشكّلت منذ الاستقلال على ثلاث ركائز متلازمة: التمييز الإثني والديني، احتكار السلطة والثروة لصالح المركز، وتحويل الأطراف إلى فضاءات أمنية تُدار بالقوة بدل أن تكون مجتمعات سياسية تُدار بالمواطنة والحقوق.
    هذا استنتاج راسخ في علم الدولة لا قراءة أيديولوجية. فوفق تعريف ماكس فيبر، تقوم الدولة الحديثة على احتكار العنف المشروع. غير أنّ الدولة السودانية—ككثير من دول ما بعد الاستعمار—لم تُنجز هذا الاحتكار، بل فوّضت العنف منهجيًا إلى أدوات غير نظامية: مليشيات، وبُنى قبلية مسلّحة، وأجهزة موازية. ولم يكن ذلك انحرافًا عابرًا، بل آلية مقصودة لحماية امتيازات المركز وضبط الهامش حين تعجز السياسة عن دمجه.
    ومن هنا تتكشّف مفارقة تستوجب مساءلة صارمة: نخب وعناصر خرجت من رحم تجارب عسكرية–أيديولوجية فاشلة تتقدّم اليوم لمحاضرة الآخرين أخلاقيًا في تشخيص الحروب. الصلة البنيوية بتجارب أنظمة مثل حزب البعث في سوريا والعراق ليست مقارنة عابرة، بل مرآة كاشفة: إذ تأسّست تلك الأنظمة على وهم أن عسكرة الدولة والمجتمع وتكثير الأجهزة والأذرع المسلحة يضمن الاستقرار. والنتيجة—الموثّقة تاريخيًا—كانت تفكيك الدولة من الداخل: جيوش متوازية، ولاءات متصارعة، أمن موجّه ضد المجتمع، وانفجارات عنف عند أول اهتزاز للمركز. العسكرة لم تُنتج دولة، بل دولة أمنية جوفاء تعيش بالقهر وتموت عند الاختبار!
    المحرج منهجيًا أن من هندسوا أو برّروا منطق العسكرة والمليشيات يحذّرون اليوم من مخاطره. هذه ليست مفارقة أخلاقية فحسب، بل فضيحة منهجية: لا يمكن نقد عسكرة المجتمع من موقع من أسّس لها، ولا تفكيك منطق المليشيات بخطابٍ شرعنها باسم الأمة أو الحزب أو العقيدة. من لم يُجرِ قطيعة معرفية صريحة مع هذه التجارب يفتقد أهلية محاكمة تجارب الآخرين بموضوعية... ولاشنو؟
    وفي السودان، أُعيد إنتاج المنطق نفسه منذ أول انقلاب: حكم بالقوة، إقصاء للسياسة، وتحويل الجيش إلى فاعل سلطوي. ومع كل فشل سياسي، جرى تعويض العجز بتكثير السلاح لا بتوسيع العقد الاجتماعي. هكذا وُلدت المراحيل، ثم الدفاع الشعبي، ثم الجنجويد، ثم الدعم السريع—سلسلة واحدة من تفويض العنف لا استثناءات طارئة.
    وعليه، لا يصحّ النظر إلى الدعم السريع بوصفه شذوذًا عارضًا، بل نتاجًا منطقيًا للدولة القديمة نفسها—الدولة التي أدارت التنوع بالعنف، والاختلاف بالأمن، والسياسة بالبنادق. وكما كانت الجنجويد والدفاع الشعبي أدواتٍ لإدارة الهامش بالقوة، فإن الدعم السريع قبل ان يتمرد علي الدولة كان بدوره استمرار لبنية واحدة فشلت في التحوّل إلى دولة مواطنة، ونجحت فقط في تدوير العنف.

    ثالثًا: هل تحالف "تأسيس" تحالف أزمة أم تحالف مشروع؟ — حين يتقدّم الأفق على وعي النخب المتكلّسة
    يذهب المقال إلى أن تحالف "تأسيس" ليس سوى نتاج أزمة ذاتية لمكوّناته، لا التقاءً واعيًا حول رؤية مشتركة. غير أن هذا الحكم يقوم على خلطٍ منهجي بين الشرط التاريخي الذي تولد فيه المشاريع الكبرى، والبرنامج السياسي الذي يمنحها معناها واتجاهها. فالتاريخ السياسي الحديث لا يعرف مشروعًا تأسيسيًا وُلد خارج لحظات الأزمة القصوى: الثورة الفرنسية خرجت من انهيار مالي وحرب، والدولة الأمريكية الحديثة تشكّلت من رحم حرب أهلية، وجنوب إفريقيا الجديدة تبلورت من قلب نظام عنصري دموي. الأزمة هنا ليست نقيض المشروع، بل شرطه التاريخي يادكتور!
    السؤال العلمي، إذن، ليس: هل نشأ التحالف في سياق أزمة؟ بل: هل استطاع تحويل الأزمة إلى أفق تأسيسي يتجاوزها؟
وهنا تحديدًا يتمايز "تأسيس" عن معظم صيغ التحالفات التي ألفتها النخب السودانية المتكلّسة. فالميثاق—على الرغم من نواقصه—لا يعيد إنتاج مقولات النخب ولا يكتفي بترقيع الدولة القديمة، بل يطرح رؤية تتجاوز أفقها المعرفي والسياسي عبر تبنّي المبادئ فوق الدستورية بوصفها قيودًا عليا على السلطة، لا مواد تفاوضية تُفرَّغ عند أول تسوية.
    إن ما يقدّمه "تأسيس" ليس تجميعًا انتهازيًا لشعارات متداولة، بل إعادة ترتيب جذرية لأولويات بناء الدولة: نقل مركز الثقل من الهوية إلى المواطنة، ومن الشرعية الإجرائية إلى الشرعية التأسيسية، ومن المساومات السياسية قصيرة النفس إلى قواعد بنيوية لا يجوز الانقلاب عليها. وفي قلب ذلك، تُطرح العلمانية لا كيافطة انتخابية أو مطلب فئوي، بل كشرط تأسيسي لازم لبناء دولة حديثة قادرة على إدارة التعدّد دون قهر أو إقصاء.
    بهذا المعنى، فإن خلاف الدكتور الحقيقي مع "تأسيس" لا يعود إلى كونه تحالف أزمة، بل إلى أنه يكشف محدودية وعي النخب التي اعتادت التفكير داخل أطر الدولة القديمة، وتتعامل مع السياسة بوصفها إدارة توازنات لا تأسيسًا لمعنى جديد للدولة. وما يثير القلق لدى هذه النخب ليس تناقض الميثاق، بل اتساع أفقه مقارنةً بتكلّس أدواتها، وعجزها عن مجاراة انتقالٍ يحوّل الأزمة من ذريعة للتسويف إلى فرصة لإعادة التأسيس!

    رابعًا: "الشعوب" أم "الشعب"؟ — حين يُستبدل الجهل اللغوي بالتحليل القانوني
    ينتقد المقال استخدام مصطلح "الشعوب السودانية" بوصفه تفتيتيًا، ويقدّم هذا الاعتراض وكأنه بديهية سياسية. غير أن هذا النقد، عند التدقيق، يظل لغويًا سطحيًا، ويتجاهل بصورة فادحة التراث القانوني الدولي، وتجارب الدول المتعددة القوميات، وتاريخ إدارة التنوع في المجتمعات الخارجة من العنف البنيوي. وهو بذلك يعبّر عن أحد أكثر أوجه التبسيط المخلّ شيوعًا في خطاب المثير من المثقفين السودانيين، الذين يستبدلون المعرفة القانونية بالحدس الخطابي.
    في القانون الدولي العام، لا يُستخدم مفهوم "الشعوب" على سبيل البلاغة أو التفتيت، بل بوصفه مفهومًا حقوقيًا دقيقًا. فـ ميثاق الأمم المتحدة، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (المادة الأولى)، ينصّان بوضوح على أن "جميع الشعوب لها الحق في تقرير مصيرها"، دون أن يحصر هذا الحق في الشعوب الواقعة تحت الاستعمار الخارجي فقط. وقد تطوّر الفقه الدولي—خصوصًا بعد ستينيات القرن العشرين—ليربط هذا الحق أيضًا بحالات الاضطهاد البنيوي داخل الدولة الواحدة.
    وقد أسّس لهذا الفهم عدد من أبرز فقهاء القانون الدولي، من بينهم أنطونيو كاسيسي، الذي ميّز بوضوح بين تقرير المصير الخارجي (الانفصال) وتقرير المصير الداخلي، الذي يتمثل في أشكال الحكم الذاتي، والفيدرالية، والمشاركة العادلة في السلطة، وحماية الهوية والثقافة داخل الدولة الواحدة.. وما اليه. ويؤكد ويل كيمليكا، في أعماله حول التعددية الثقافية، أن الاعتراف بالجماعات المظلومة تاريخيًا ليس نقيضًا للمواطنة، بل شرطًا لإنقاذها من التحول إلى أداة هيمنة للأغلبية.
    كما أن اجتهادات محكمة العدل الدولية—في قضايا متعددة—كرّست هذا الفهم حين ربطت الاستقرار السياسي بقدرة الدولة على استيعاب تنوّعها الداخلي عبر الاعتراف والضمانات الدستورية، لا عبر الإنكار القسري. فالإنكار، كما يبيّن التاريخ، لا يصنع وحدة، بل يؤجّل الانفجار.
    أما تجارب الشعوب والدول، فهي أكثر دلالة وفضحًا لسطحية الاعتراض السوداني. فالدول التي نجحت في تجاوز الحروب الأهلية والانقسامات العميقة—كـكندا مع شعوبها الأصلية وكيبيك، وإسبانيا مع كتالونيا والباسك، وبوليفيا بعد الاعتراف الدستوري بالشعوب الأصلية—لم تفعل ذلك عبر إنكار وجود "شعوب" داخل الدولة، كما بفعل الدكتور بل عبر تسميتها والاعتراف بها وتنظيم علاقتها بالدولة دستوريًا. في المقابل، فإن الدول التي أصرّت على خطاب "الشعب الواحد" المجرد—كما في يوغسلافيا السابقة، أو العراق البعثي، أو السودان القديم—انتهت إلى التفكك أو الحروب الطويلة.
    وعليه، فإن التفريق بين المصطلحين ليس تلاعبًا لغويًا ولا نزعة تقسيمية، بل تمييزًا قانونيًا–سياسيًا ضروريًا:
    ١/ الشعب السوداني: هو الوحدة السياسية–القانونية للدولة، بما تمثّله من سيادة دولية ومواطنة جامعة
    ٢/ الشعوب السودانية: توصيف تاريخي–حقوقي لجماعات تعرّضت للتهميش والإقصاء البنيوي، ويُقصد به ضمان تقرير المصير الداخلي داخل الدولة، لا تقويضها.
    إن الإصرار على رفض هذا المفهوم لا يعكس حرصًا على الوحدة، بل عجزًا معرفيًا عن فهم كيف تُدار الدول الحديثة المتعددة، وخوفًا نخبويًا من الاعتراف بمسؤولية الدولة التاريخية عن إنتاج المظالم. فالوحدة التي تقوم على الإنكار ليست وحدة، بل قسرٌ مؤجَّل، أما الاعتراف المنظّم فهو—كما تثبت تجارب الشعوب—الطريق الوحيد لتفادي التفتيت الحقيقي.
    خامسًا: العلمانية وحق تقرير المصير — شرط بقاء الوحدة لا نقيضها
    يعتبر مقال الدكتور ربط العلمانية بحق تقرير المصير "مساومةً خطيرة على الوحدة"، وهو اعتراض لا يدلّ على حِرصٍ على الدولة بقدر ما يكشف جهلًا سياسيًا مركّبًا، وتأخرًا معرفيًا، ونزعةً رجعية تُحاكم الدولة الحديثة بعقل ما قبلها. ففي أي عهدٍ سياسي ما زال يُجادَل في أن العلمانية شرطٌ أوليّ للديمقراطية؟ وأي خطابٍ هذا الذي يتحدّث عن "وحدة" دون أن يدرك أن لا ديمقراطية بلا علمانية، ولا دولة حديثة بلا مواطنة متساوية؟
    التجربة التاريخية—القريبة والبعيدة—تقول العكس تمامًا مما يذهب إليه الاعتراض. غياب العلمانية كان العامل البنيوي الحاسم في:
    - انفصال جنوب السودان، حيث تحوّلت الدولة إلى أداة هوية دينية–ثقافية أقصت ملايين المواطنين
    - انهيار لبنان، حين استُبدلت المواطنة بنظام طائفي يجعل الدولة ملكًا لجماعات لا لمواطنين
    - تمزّق العراق، عندما فُكّكت الدولة على أساس مذهبي–إثني بعد عقود من دولة هوية قسرية
    هذه الوقائع ليست صدَفًا، بل نتائج مباشرة لغياب شرط الدولة الحديثة: الفصل بين الدولة وأي مرجعية دينية أو ثقافية احتكارية. فالعلمانية ليست موقفًا أيديولوجيًا لفصيل، ولا "ترفًا فلسفيًا"، بل آلية دستورية تمنع احتكار السلطة باسم الدين أو الثقافة، وتُخضع الجميع—حكّامًا ومحكومين—لقانونٍ واحد.
    أما حق تقرير المصير، كما يطرحه مشروع السودان الجديد، فليس دعوةً للانفصال ولا ورقة ابتزاز للوحدة، بل ضمانة أخيرة ضد إعادة إنتاج الدولة القامعة. هو أداة دستورية لإبقاء الوحدة طوعية وعادلة، لا قسرية ومفروضة بالسلاح أو الخطاب الأخلاقي الزائف. فالوحدة التي تُفرَض دون مساواة ليست وحدة، بل إدارة مؤقتة للصراع.
    ويكفي هنا التذكير بما قاله جون رولز:
    "الوحدة التي تقوم على القسر ليست وحدة حقيقية، بل هدنة مؤقتة قابلة للانفجار"
    إن الاعتراض على العلمانية باسم "الوحدة" لا يعبّر عن حرصٍ على الدولة، بل عن عجزٍ عن استيعاب شروطها الحديثة. وهو خطاب يُعيد إنتاج مأساة السودان ذاتها: دولة بلا مواطنة، وسلطة بلا شرعية، ووحدة تُطلَب من الضحايا بينما تُصادَر حقوقهم. وفي هذا المعنى، فإن الإصرار على رفض العلمانية ليس موقفًا سياسيًا فحسب، بل ارتدادٌ تاريخي يُصرّ على أن يجرّ السودان إلى الوراء، في عالمٍ لم يعد يعترف بدولةٍ لا تقوم على المساواة الكاملة بين مواطنيها.

    خاتمة: لماذا يربك "تأسيس" وعي النخب القديمة؟
    لا يربك "تأسيس" النخب لأنه يفتقر إلى رؤية، بل لأنه يتجاوز رؤاها المتكلّسة ويضعها أمام واقعٍ لم تعد لغتها قادرة على تفسيره. الإشكال الحقيقي في خطاب د. أحمد بابكر ومن يتفقوا معه—ليس اختلافًا مشروعًا حول التفاصيل، بل عجزٌ عن مواكبة لحظة تاريخية تغيّر فيها معنى الدولة والسياسة والشرعية. فالأفكار التي يُعاد تدويرها اليوم بوصفها "حرصًا على الوحدة" هي، في جوهرها، مفردات زمنٍ انقضى؛ زمن كانت فيه الدولة امتيازًا، والمواطنة منحة، والهامش موضوع إدارة لا فاعل تاريخي! لن يقبل أي سوداني ان يكون مواطنا من الدرجة القانية او الثالثة بعد اليوم!
    إن الواقع السوداني الراهن لا يتحاور مع هذه الرؤى، بل يتجاوزها. فالحرب كشفت حدود الدولة القديمة، وفضحت إفلاس النخب التي بنت شرعيتها على الوساطة والامتياز لا على العقد الاجتماعي. وفي هذا السياق، يأتي "تحالف تأسيس" بوصفه محاولة واعية للانتقال من دولة الامتيازات إلى دولة المواطنة، ومن شرعية القوة إلى شرعية المبادئ فوق الدستورية، ومن سياسة الترقيع إلى أفق إعادة التأسيس.
    "تأسيس" ليس نصًا مقدّسًا ولا مشروعًا منتهيًا، لكنه—وللمرة الأولى—يضع سؤال الدولة الحديثة في صلب النقاش: دولة لا تُعرّف بالهوية ولا تُدار بالأمن، بل تُؤسَّس على المواطنة المتساوية، وسيادة القانون، والاعتراف بالتنوّع، وضمانات تحول دون عودة القهر. وهذا ما يجعل النخب القديمة في موقع دفاعي؛ لأنها تدرك أن زمن الامتيازات قد ولّى، وأن المستقبل—بمنطقه القاسي والعادل—لم يعد يتسع لخطاب الوصاية الصلفة أو احتكار تعريف الوطن.
    وعليه، فإن المطلوب ليس من "تأسيس" أن يتراجع إلى مستوى هذا الوعي المتأخر، بل على من يكتبون من داخل هذا الإرث أن يرفعوا أدواتهم المعرفية إلى مستوى اللحظة. فالتاريخ لا ينتظر المترددين، ولا يمنح شرعيته لمن يُصرّ على محاكمة الغد بمفاهيم الأمس. إن ميثاق السودان التأسيسي، بكل ما فيه من قابلية للنقد والتطوير، يمثّل انعطافة تاريخية: كسرًا لبنية الدولة القديمة لا محاولة لإصلاحها. وهذه—في حد ذاتها—حقيقة سياسية لا يمكن إنكارها، مهما اشتدّ الجدل حولها، لأن المستقبل في السودان لم يعد يُكتب باسم الامتياز، بل باسم المواطنة.

    النضال مستمر والنصر أكيد

    (أدوات البحث والتحرير التقليدية والإليكترونية الحديثة استخدمت في هذه السلسلة من المقالات)























                  


[رد على الموضوع] صفحة 1 „‰ 1:   <<  1  >>




احدث عناوين سودانيز اون لاين الان
اراء حرة و مقالات
Latest Posts in English Forum
Articles and Views
اخر المواضيع فى المنبر العام
News and Press Releases
اخبار و بيانات



فيس بوك تويتر انستقرام يوتيوب بنتيريست
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة
About Us
Contact Us
About Sudanese Online
اخبار و بيانات
اراء حرة و مقالات
صور سودانيزاونلاين
فيديوهات سودانيزاونلاين
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
منتديات سودانيزاونلاين
News and Press Releases
Articles and Views
SudaneseOnline Images
Sudanese Online Videos
Sudanese Online Wikipedia
Sudanese Online Forums
If you're looking to submit News,Video,a Press Release or or Article please feel free to send it to [email protected]

© 2014 SudaneseOnline.com

Software Version 1.3.0 © 2N-com.de