النُّوبة في التسعينيَّات.. في جبالنا قتلة مكرة! كتبه الدكتور عمر مصطفى شركيان

مرحبا Guest
اخر زيارك لك: 01-30-2026, 03:11 AM الصفحة الرئيسية

منتديات سودانيزاونلاين    مكتبة الفساد    ابحث    اخبار و بيانات    مواضيع توثيقية    منبر الشعبية    اراء حرة و مقالات    مدخل أرشيف اراء حرة و مقالات   
News and Press Releases    اتصل بنا    Articles and Views    English Forum    ناس الزقازيق   
اراء حرة و مقالات
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى شكل سلسلة « | »
اقرا احدث مداخلة فى هذا الموضوع »
01-25-2026, 05:08 PM

عمر مصطفى شركيان
<aعمر مصطفى شركيان
تاريخ التسجيل: 11-01-2013
مجموع المشاركات: 149

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
مكتبة سودانيزاونلاين
النُّوبة في التسعينيَّات.. في جبالنا قتلة مكرة! كتبه الدكتور عمر مصطفى شركيان

    05:08 PM January, 25 2026

    سودانيز اون لاين
    عمر مصطفى شركيان-UK
    مكتبتى
    رابط مختصر








    [email protected]

    هناك بعض من الأسماء ما تسمعه وبالكاد تتذكَّره، أو تحاول أن تتناساه؛ وهناك من الأسماء يتذكَّرها المرء حين تأتي المناسبة أو الصدفة؛ ثم هناك من الأسماء ما يظل يسكن القلب الجريح والمخيَّلة الإنسانيَّة أبد الدهر، وبخاصة إذا كان من يحمل هذا الاسم قد أتى شيئاً إدَّاً في حياته، وكان هذا الأخير هو اسم اللواء (معاش) أحمد خميس. لما شرعنا نتساءل عن تاريخ هذا الرجل أزورَّ بعض النَّاس عن الحديث عنه، وغالباً ما يتجنَّب النَّاس الكلام المباح عن شخص ما، يكون سبب ذاك الازورار إما جهلاً بسيرته، أو تجاهلاً عن التطرُّق إليه، أو ابتغاء عدم الكلام عنه لسوء سيرته التي لا يود أحدٌ تذكاره واجتراره، وودوا لو بات نسياً منسيَّاً، أو تُرِك أمره لخالقه ليتصرَّف فيه عاجلاً أو آجلاً. وفي الأخير هذا ما كان من أمر اللواء (م) أحمد خميس، وأنَّ له في النُّفوس لذكراً تجدِّده أرواح ضحاياه، وتعيده ظلمات النُّفوس دليلاً كأشر ما يكون الإدلاء. ومع ذلك، أخذ بعض أقاربه ينعتونه بالرّجل الطيِّب، مع علم الجميع، أو الأكثريَّة الكاثرة من أهل النُّوبة، أنَّ المنعوت لم يكن طيِّباً بشيء، ثمَّ لم تجد الطيبة إليه سبيلاً، أو حتى الاقتراب منه.
    في يوم 29 أيلول (سبتمبر) 1993م أصدرت منظمة العفو الدوليَّة في لندن تقريراً بعنون "السُّودان.. ويلات الحرب: القتل لأسباب سياسيَّة والكارثة الإنسانيَّة"، وقد غطَّى التقرير – فيما غطَّى – تجاوزات حقوق الإنسان في جبال النُّوبة في عشر صفحات، وذلك ضمن سياسة التطهير العرقي التي تبنتها الحكومة العسكريَّة في مطلع التسعينيَّات. الجدير بالذكر أنَّه خلال الفترة ما بين عامي (1985-1989م) اتَّبعت القوَّات المسلَّحة للحكومة المدنيَّة آنذاك، التي ترأسها الصَّادق المهدي، استراتيجيَّة لمكافحة التمرُّد لا تختلف إلا في نطاقها الأكثر تواضعاً عن برنامج الحكومة العسكريَّة التي خلعته من السلطة. إذ ورد في التقرير المشار إليه آنفاً أنَّ الجنود قتلوا رجلاً من النُّوبة الكامدا يُدعى مختار موسى في ثكنات الجيش بلقاوة في تشرين الأول (أكتوبر) 1991م، واعتقل رجل آخر من نفس القبيلة في المنطقة، هو حمزة فرج الله، في مدينة الأبيض في الوقت ذاته. وقد احتُجز حمزة فرج الله في سجن الأبيض في بادئ الأمر، ثمَّ سًلِّم إلى جندي في الاستخبارات العسكريَّة لكي يأخذه إلى لقاوة للاستجواب، ولكنه تمَّ إعدامه في الطريق إلى لقاوة بواسطة الجنود الذين كانوا يرافقونه. وفي تشرين الثاني (نوفمبر) 1991م ألقى الجنود القبض على 35 آخرين من النُّوبة الكامدا، وذلك – فيما يبدو – للاشتباه في تأييدهم للجيش الشعبي والحركة الشعبيَّة لتحرير السُّودان، وأُعدِم 19 منهم خارج نطاق القضاء في يوم 27 تشرين الثاني (نوفمبر) 1991م، ومن بينهم سعيد كباشي، وشكر الله نملة، وعمر تيَّة.
    أما في حامية القوَّات المسلَّحة السُّودانيَّة في لقاوة ذاتها فقد تمَّت مجازر عديدة في حق مواطنين أبرياء عُزَّل، ونشروا جثامينهم في الميدان المكظوظ بالأشلاء والمصروعين، طاويات الضلوع على أسى وإشفاق، كالحات الوجوه عن زفرات مكبوحة، وكأنَّ البهجة ترقد مذبوحة. هذا غيض من فيض فيما جرى في منطقة لقاوة.
    عطفاً على ذلك فإنَّ أهل لقاوة أُخرجوا من ديارهم بغير حق، حتى أُفرِغت المنطقة، وارتاع أهلها واستغاثوا، ولم يجدوا مجيباً. أي جريمة أعظم من هذه التي أُخرِجت من هذا الأمر النكير ضد الجمِّ الغفير من أهل لقاوة، وكانت حالهم كحال من يروم النهوض إلى مظانِّ الأمن، ولا يجد إلى ذلك سبيلاً. إذ لم يبق فيمن اقترف هذه الجرائم الجسام حتى النزر اليسير من الإنسانيَّة. لقد أذلَّ هؤلاء القتلة المكرة النَّاس في لقمة عيشهم في أسوأ ما يكون الإذلال، وعبثوا بكرامتهم في أشدّ ما يكون العبث، وأراقوا مياه وجوههم سحاً وتسكاباً. حقاً ينبغي ألا نحسب في شؤون البشر كلها حساب المصادفة، ونقول إنَّ الرَّائد (آنذاك) أحمد خميس – وغيره من القتلة الفجرة الآخرين – كانوا مصابين بالجنون المطبق، ولا قليلي النعمة في عقولهم، والليونة في فهومهم، بل نحسب أنَّهم ظلوا ثقلاء قساة حتى في حجر السعادة التي وفَّرها لهم النظام الغشوم. كانت النيران مشتعلة في جبال النُّوبة، وقد أقدم الرَّائد أحمد خميس على صبِّ الوقود على النار. وفوق ذلك كله، كان الرَّائد أحمد خميس آثماً مغرقاً في الإثم، خليقاً بالازدراء، خليقاً بنوع خاص من الازدراء، حتى طبقت سمعته السيئة الآفاق في زمانها. ونحن لا نتعمَّد الهدم تعمُّداً، ونشير إليه في غير رفق ولا لين، ولكن هذا جزاء ما اقترفت يداه من جرائم، وأغرق نفسه في إثمٍ عظيم.
    كغيرهم من قوميَّات السُّودان المختلفة، التي مرَّت بحوادث التاريخ والجغرافيا، وقهر الإنسان لأخيه الإنسان، تعرَّضت جبال النُّوبة، شعباً وأرضاً، إلى كوارث جسام، وعبَّرنا عن الجرائم الإنسانيَّة التي حدثت في تلك العهود في الثلاثيَّة النُّوبويَّة: "النُّوبة في السُّودان.. نضال شعب في سبيل العدالة والمشاركة في السلطة" (2006م)، و"جبال النُّوبة والسلطة في السُّودان.. الإقصاء السياسي والتطهير العرقي" (2021م)، وأخيراً "الكتاب الأحمر.. جرائم نظام الإنقاذ في جبال النُّوبة" (2025م). واجه شعب جبال النُّوبة عدوين لدودين: الحكومات المركزيَّة من جانب، والأعداء من بين أبناء جلدتنا، الذين سلكوا هذا الدرب الموحش، من جانب آخر. أفلم يقل الرفيق الرَّاحل يوسف كوَّة مكِّي إنِّي أخاف من النُّوبة من النُّوبةّ! ففي الأول تحدَّثنا عنه، وكتبنا فيه حتى كاد مداد يراعنا أن يجف. أما العدو الثاني فهو من بيننا وقد آن الأوان في الكشف والتحدُّث عنهم باستفاضة، إن لم يكن كلهم لكن بعضهم. إنَّ نقد الآخر المضطَّهد (بتشديد الطاء وكسر الهاء) لا قيمة له إذا لم يكن هذا النقد مصحوباً بالنقد الذاتي (Self-critique)، لأنَّ مثل هذا النقد الذاتي تنتفع به العقول الراجحة المتطلِّعة إلى الحقيقة والعدالة.
    ظلم الأقارب أسرع شيء إلى تعجيل النقمة، وتبديل النعمة، ويقول قائل: "ما ضرَّني غريب يجهلني؛ إنَّما أوجعني قريب يعرفني". الأقربون طعناتهم أشدَّ إيلاماً لأنَّها تأتي دوماً من مسافة قريبة؛ وظلمهم أمضَّ، وهو أشدَّ تأثيراً في تهيُّج نار الحزن والغضب من وقع السيف القاطع المحدَّد، أو المطبوع في الهند. وفي ذلك أنشد طرفة بن العبد البكري في معلَّقته:
    وَظُلمُ ذوي القُربى أَشَدُّ مَضاضَةً عَلى المَرءِ مِنْ وَقَعِ الحُسامِ المُهنَّدِ
    عليه، كان يستوجب على الرَّائد أحمد خميس الذي يتحدَّر من منطقة السنوط في الجبال الغربيَّة أن ينفع بالود أهله الأبرياء العزًّل؛ أما إذا لم يستطع المرء أن يفعل خيراً بأهله فعليه الابتعاد عنهم، وهجرهم هجراً مليَّاً. إذ يحدِّثنا أحد الذين استكلمناه في هذا الأمر إنَّ أحمد خميس، ونوبوي آخر من ملَّته السياسيَّة، حين تلقاه يعطيك انطباعاً بذي الشخص الودود، لكنه من العيِّنة التي لا تتردَّد في أن تدسُّ السُّم الزُعاف – أي السُّم القاتل السريع المفعول – في طعامك أو شرابك، أو كما قال قائلٌ:
    لا يغرنَّك نقاء لونها ففي فمها السُّم الزُعاف
    الجدير بالذكر أنَّه عندما أمرت السلطات الأمريكيَّة الملاكم الراحل محمد علي كلاي (1942-2016م) بالانخراط في الجيش الأمريكي والذهاب لمحاربة ثوار فيتنام رفض ذلك الأمر رفضاً باتاً، وقال مقولته الشهيرة لتلك السلطات ليس لدي مشكل مع هؤلاء الثوَّار، فلماذا أذهب لمقاتلتهم في وطنهم! وها نحن نتساءل ما الذي دفع الرَّائد أحمد خميس في الاستخبارات العسكريَّة في حاميتي الدلنج وكادقلي في ارتكاب مجازر بشريَّة في حق النُّوبة، وفي ديارهم بغير حق.
    يقول محدِّثي نقلاً عن الأستاذ الراحل صلاح بخيت، وهو الذي توفي في حادث حركة باليمن، أنَّه كان ذات يوم يلعبون الورق (أي الكتشينة) مع الرَّائد آنذاك أحمد خميس. وإذا بعض العسكر يحضرون، وبعد أداء التحيَّة العسكريَّة، إذا هم يخبرون الرَّائد أحمد خميس بأنَّهم أتوا بأنيانيا (أي متمرِّدين من أبناء النُّوبة زعماً بالطبع)؛ وإذا بأحمد خميس يقول لهم ماذا أنتم منتظرون، عليكم أن تفسِّحوهم، وذلك دون أن يرمش له جفن أو يقوم من مقعده، وتعني العبارة أنَّ عليهم الذهاب بهم إلى الخلاء القريبة المعهودة وتصفيتهم جسديَّاً، كما كان العهد بغيرهم ممن اعتقلوهم من قبل واتَّهموهم بمساندة التمرُّد، أو عناصر الطابور الخامس للجيش الشعبي لتحرير السُّودان. هكذا انتهى الأمر الذي جاءوا به يستفتون قائدهم، وقد جاءت التعليمات شفاهة كما يفعل المجرمون، حتى لا تكون هناك ثمة أدلَّة وبيِّنات تدينهم جنائيَّاً في المستقبل، وذلك لئن وُجِدت العدالة في السُّودان، التي يشتهيها المظلمون كمن يبحث عن الماء في الصحراء.
    لقد حشد قتلة هؤلاء الزمان جميع أنماط الرُّعب من النوع الفظيع، وهذه هي الحالات التي يسجِّلها المؤرِّخون، ولا يمكنهم شطب أحدٍ منها. إذ أنَّ هؤلاء النَّاس النُّوبة الأبرياء كانوا ضحايا كل شكل من أشكال الشهوانيَّة المميتة، والوحشيَّة غير الإنسانيَّة، لذلك قمنا بتسجيل ما استطعنا إلى تسجيله سبيلاً، ثمَّ نشرناه كتاباً منشوراً في إصدارتنا "الكتاب الأحمر.. جرائم نظام الإنقاذ في جبال النُّوبة" في مطلع العام 2025م. كذلك اجتهد أيما اجتهاد الأستاذ إيهاب مادبو ودوَّن ما شاهده وكان تلميذاً يتتلمذ في مدينة كادقلي ما فعلته الاستخبارات العسكريَّة بصفوة أبناء النُّوبة في المدينة، وذلك في كُتيبه الموسوم "كادقلي.. الملف الأسود في جبال النُّوبة" العام 2025م. فإذا أخذنا أنفسنا بأن نقف كتابة أمام أفعال هؤلاء الرجال الذين طغوا وتجبَّروا في الأرض أمام الضعفاء، فلسنا غلاة ولا مسرفين، وإنَّما نحن نؤدِّي لعقولنا حقها، ونؤدِّي للضحايا ما لهم علينا من دين، لذلك فنحن لم نكتب ذاك الكتاب المذكور آنفاً هازلين ولا كنا لاعبين.
    كان أحد هؤلاء القتلة هو الملازم أحمد عبد الله الكلس، وهو ذاك القائد الميليشي في قوَّات الدفاع الشعبي، الذي اصطاده أحد محاربي النُّوبة على البعد برصاصة واحده اخترقت جبهته، وهو يقف على صخرة عالية في جبل في منطقة كيقا الخيل العام 1992م. مثل ذلك المحارب النُّوبوي كمثل المقاتل دوكاريوس الإنزوبريوني1 إبَّان الحروب البونيقيَّة،2 الذي لمح القنصل الروماني قائد الجيوش الرومانيَّة فلامينيوس في حومة الوغى، وتعرَّف عليه برغم من تنكُّره بالأقنعة، حتى أسرع نحوه بحصانه، وأشهر رمحه، وصرخ في أصحابه هناك القنصل، الذي دمَّر فيالقنا وجعل مدينتنا ومزارعنا خراباً يباباً. إنِّي، إذاً، لسوف أقدِّمه قرباناً لأشباح شعبنا الذي قُتِل بطرق وحشيَّة. إذَّاك انطلق مخترقاً كثافة الجنود، وقضى على المتدرع حامل الدرع الذي حاول أن يوقف نيَّته القاتلة، واستاق رمحه في جسد فلامينيوس.
    كذلك كان من هؤلاء القتلة الظلمة الرقيب يونس الأحيمر من البقارة في المنطقة، والذي كان يردَّد بين عشيَّة وضحاها أنَّه سوف لن يرتاح باله إلا أن يقتل 200 نوبويَّاً متعلِّماً، وقد كان له ما أرد، وبئس الطالب والمطلوب. حين مرَّ كاتب هذه السطور بمدينة الدلنج في كانون الثاني (يناير) 2006م، وسأل عن مصيره، حدَّثني محدِّثي أنَّه صار مخبولاً، وبات يفترش الأرض في مفترق الطرق بمدينة الدبيبات، وأخذ يعِّوي كالذئب، بل دعونا من الخالق القهَّار أنَّ يجعله من القردة الخاسئين جزاءً نكالاً بما اقترفت يداه الملطختان بدماء النُّوبة الأبرياء. أما أموات قادة الميليشيات في 13 كانون الأول (ديسمبر) 2011م فنذكر منهم محمد أبكر صبيرة، ومحمد أحمد عمر، وعوض عمر السماني.
    كان يتم كل ذلك القتل والترويع بالمواطنين الأبرياء العزَّل مع ارتفاع شعارات السَّلام من الداخل، وقد أثبتت الوقائع في أنَّ فرية السَّلام من الداخل كانت كذبة خادعة، فلا يمكن البحث عن السَّلام من خلال تدوير العنف، بل عن طريق إعمال الحوار. علاوة على ذلك، استغل نظام الإنقاذ المؤسسَّات التعليميَّة والثقافيَّة كوسائل لبسط السلطة السياسيَّة، وتهميش أو إسكات أيَّة رواية تتعارض مع الرواية الرسميَّة للدولة، وظهر مؤرِّخون جدد يسردون الأحداث على غير هدى، وفي ذلك لم تكتف السلطة بالتحكُّم في الحاضر، بل عمدت على إعادة كتابة الماضي لتصنع مستقبلاً بلا مقاومة، ثمَّ استخدمت الدولة الدين كأداة للقتل والاغتصاب والسبي والاسترقاق وهلمَّ جرَّاً.
    على أيِّ، حين اغتال مواطنٌ الزعيم القرطاجي هميلكار منتقماً عن سيِّده الذي قتله هميلكار، وتمَّ القبض على القاتل بواسطة المشاهدين، لم يبد أيَّة إشارة للخوف أو الندم، حتى تحت وقع التعذيب الشديد، ثمَّ لم تتغيَّر ملامح وجهه، وإذ يتخيَّل للمرء أنَّ النصر الذي زعم أنَّه حققه بهذا الاغتيال قد خدَّر آلامه، حتى بدا – في حقيقة الأمر – مبتسماًّ. يا تُرى ما الذي يجعل خميساً مبتسماً بادياً نواجذه في تلك الصورة التي أُخذت له في المملكة العربيَّة السعوديَّة، وهو يرتدي جلباباً أسود! لماذا يبدو في الصورة ضاحكاً مستبشراً؛ قد يظن ظانٌ أنَّه نسبة لعدم إعلانه النَّدم والندامة، وأنَّه قد أدَّى نصراً حتى انقلب عليه هذا الوضع فرحاً. أجل، قد أسرف اللواء (معاش) أحمد خميس في قتل أبناء النُّوبة الأبرياء وغلا في القتل غلوَّاً شديداً، وأراق الدِّماء مهراقاً. اللواء (معاش) أحمد خميس يقيم الآن في المملكة العربيَّة السعوديَّة، ولا نظن أنَّ قربه إلى بيت الله الحرام والأماكن المقدَّسة قد يغفر له ما فعله بأبناء ونساء وأطفال النُّوبة الأبرياء من القتل والسحل قيد أنملة، حتى لو تعلَّق بأستار الكعبة. حين يأتي يومُ يسترجي فيه اللواء (معاش) أحمد خميس العفو والغفران من النُّوبة فستظل حاله كحال القاتل الذي قتل والديه، وحين مُثِّل أمام القاضي، وقبل أن ينطق الأخير بالحكم، حتى أدرك القاتل التَّهيم بأنَّه لا محالة سوف يُساق إلى المقصلة لتنفيذ حكم الإعدام عليه، سأله القاضي هل ترغب في أن تطلب شيئاً قبل أن تصدر المحكمة حكمها عليك، فطفق المتَّهم قائلاً إنَّه ليتيم فاقد الأب والأم! فعلى نفسها جنت براقش!
    تجدر الإشارة إلى أنَّ الأبرياء الضعفاء قد يصطبرون، ولا شيء يهوِّن على المظلومين عبور الطريق غير إيمانهم أنَّ هناك الدار الآخرة! يا من غصب إخوته وإخوانه حقَّهم في الحياة. أتحسب أنَّ الأمر انتهى هناك، فلم تستدل الستارة إلا حين يقف بين جبَّار السماوات والأرض! ويا من حطَّ من قدر امرأة نوبويَّة عفيفة، فأسقطها من عيون الخلق، ويا من ربحت معركة يتيمة، ثمَّ يا من أذاق الأبرياء العزَّل مُر الحياة كطعم العلقم، ستعرف غداً – وإنَّ غداً لناظره قريب – أنَّ من كان هناك لا يرحم، فهناك سوف لا يُرحم! ويا من أفنى أعمار النَّاس بادِّعاء تنفيذ الأوامر الحكوميَّة، ولا غاية إلا أن يستمتع ويتسلَّى بأرواح الأبرياء ودماء الضحايا، وقد نسي أو تناسى أنَّ قلوب النَّاس غالية عند خالقها. إن كانت نظرة اللواء (معاش) أحمد خميس للحياة واسعة، وكان من نسي الهلاك، لكن من الحكمة في فلسفة الحياة أنَّها كنزٌ ليس له دوام، وتنقص في كل ليلة ويوم حتى ينفد الدَّهر، كما قصَّد طرفة بن العبد البكري:
    أًرَى العَيْشَ كنزاً ناقِصاَ كلَّ ليلةٍ وَما تَنْقُصُ الأَيَّامُ والدَّهرُ يًنْفَدِ
    ثمَّ ماذا بعد؟ هذا فقد يستقوى المرء بكشف الستار عن موجدة الظالمين، ويخفِّف عنهم استضعاف الجبابرة بهم، أو كما قال الشاعر والروائي الإنجليزي توماس هاردي (1840-1928م) في قصيدته، التي تعصر النَّفس عصراً، بعنوان (Hap)، وهي كلمة إنجليزيَّة قديمة تعني "الصدفة":
    يقويني كشفي لحقد ظلوم،
    يخفِّف عنِّي أنَّ جبَّاراً يستضعفني
    ساء لي ما أذرف من دموع

























                  


[رد على الموضوع] صفحة 1 „‰ 1:   <<  1  >>




احدث عناوين سودانيز اون لاين الان
اراء حرة و مقالات
Latest Posts in English Forum
Articles and Views
اخر المواضيع فى المنبر العام
News and Press Releases
اخبار و بيانات



فيس بوك تويتر انستقرام يوتيوب بنتيريست
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة
About Us
Contact Us
About Sudanese Online
اخبار و بيانات
اراء حرة و مقالات
صور سودانيزاونلاين
فيديوهات سودانيزاونلاين
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
منتديات سودانيزاونلاين
News and Press Releases
Articles and Views
SudaneseOnline Images
Sudanese Online Videos
Sudanese Online Wikipedia
Sudanese Online Forums
If you're looking to submit News,Video,a Press Release or or Article please feel free to send it to [email protected]

© 2014 SudaneseOnline.com

Software Version 1.3.0 © 2N-com.de