الكيزان القتلة الاشرار صنعوا الخراب والدمار في السودان لعقود، قوى إنتهازية طفيلية لا ترى في السلام فرصة لبناء وطن، بل تهديدا مباشرا للثروات والمصالح والشبكات التي بنوها في الظلام. فالسؤال "لماذا يرفض الكيزان السلام؟" ليس سؤالا سياسيا عابرا، بل مفتاح لفهم طبيعة الأزمة السودانية نفسها، لأن من يربح من الحرب لن يسمح بقيام دولة القانون، ومن يعيش على نهب موارد الهامش لن يقبل بقيام مؤسسات قادرة على المحاسبة، ومن تحوّل من الفقر إلى الثراء الفاحش عبر التمكين لن يسمح بقيام نظام يعيد الحقوق لأصحابها. إن السلام بالنسبة للشعب خلاص، لكنه بالنسبة للمافيا التي حكمت السودان لعقود هو نهاية مشروع كامل بُني على الدم والذهب والبترول، ولذلك يقاتلون ضده بكل ما يملكون. يرفض الكيزان السلام لنفس السبب الذي يجعلهم يرفضون الدولة المدنية الديمقراطية، لأن السلام يعني الاستقرار، والاستقرار يعني بناء دولة القانون والمؤسسات المدنية القادرة على المساءلة والمحاسبة، وهذه الدولة بطبيعتها تكشف شبكات النهب وتوقف اقتصاد الريع وتعيد توزيع السلطة والثروة، ولذلك يقف الكيزان ومعهم الانتهازيون المرتبطون بهم سواء عبر المصالح الاقتصادية أو الروابط الاجتماعية التي تدر عليهم مكاسب ضد أي عملية سلام حقيقية، لأن السلام يهدد مصدر قوتهم الأساسي: نهب موارد الهامش بلا حسيب أو رقيب. ومن المفارقات التي تكشف حقيقة الأزمة في السودان أن قيادات الكيزان الذين حكموا البلاد منذ انقلاب 30 يونيو 1989م — بدءًا بعلي عثمان محمد طه وعمر البشير ونافع علي نافع وبقية المافيا التي أحاطت بهم — كانوا جميعًا من خلفيات اجتماعية متواضعة، لا يملكون ثروة ولا نفوذا اقتصاديا قبل استيلائهم على السلطة، لكنهم بعد الانقلاب تحولوا خلال سنوات قليلة إلى أغنى أغنياء السودان، وامتلكوا الشركات والعقارات والأراضي والمزارع، وسيطروا على الذهب والبترول والجمارك والبنوك، في واحدة من أسرع عمليات تراكم الثروة في تاريخ السودان الحديث، وهو تراكم لم يكن نتيجة كفاءة اقتصادية أو نشاط إنتاجي، بل نتيجة مباشرة لاقتصاد النهب الذي بُني على مصادرة موارد الدولة وتحويلها إلى ملكية خاصة، وعلى رأسها موارد الهامش التي شكلت العمود الفقري لثرواتهم. وحتى مجرم الحرب عبد الفتاح البرهان وبقية مساعديه في الجريمة لم يخرجوا عن هذا النمط، فمصدر رزقهم الأساسي هو الحرب نفسها، إذ وفرت لهم الحروب المتكررة في دارفور وكردفان والنيل الأزرق والشرق فرصًا للنهب والابتزاز والسيطرة على الموارد، مما جعل استمرار الحرب بالنسبة لهم ضرورة اقتصادية وسياسية، لا مجرد خيار عسكري. فالهامش الذي يضم ما بين 20 و24 مليون نسمة، أي ما يقارب 50% من سكان السودان، ينتج أكثر من 70% من الذهب السوداني الذي يتراوح إنتاجه السنوي بين 90 و120 طنا، ويحتوي على أكثر من 80% من حقول النفط والغاز، وينتج 60% من الصمغ العربي العالمي و55% من الذرة والدخن والسمسم والفول السوداني، ويملك 65% من الثروة الحيوانية، ورغم ذلك يحصل سكانه على أقل من 10% من عائدات هذه الموارد، بينما تذهب معظمها إلى مجموعة طفيلية صغيرة لا تتجاوز 1% من السكان تستحوذ على الامتيازات والعقود والموارد. والسلام الحقيقي يعني أن هذه الموارد ستخضع للرقابة، وأن المجتمعات المحلية ستطالب بحقوقها، وأن الهامش سيستعيد نصيبه من ثروته، وأن شبكات النهب ستنكشف، وأن اقتصاد الظل الذي يمول المليشيات وأجهزة القمع وشبكات الولاء سينهار، ولذلك يقاوم الكيزان السلام لأنه يهدد البنية التي عاشوا عليها لعقود، فاقتصاد الحرب بالنسبة لهم ليس كارثة بل فرصة، والحرب ليست مأساة بل وسيلة لإبقاء الهامش ضعيفا وممزقا حتى يستمر نهب الذهب والبترول والأراضي والثروة الحيوانية دون رقابة. كما أن الدولة المدنية الديمقراطية تعني صعود الهامش سياسيًا، لأن الديمقراطية تمنح الوزن السكاني وزنه الحقيقي، وهذا يتناقض مع مشروع الكيزان الذي بُني على مركزية السلطة وحرمان الأطراف من التمثيل، كما أن السلام ينهي الدولة الأمنية التي اعتمدت عليها شبكات التمكين، ويعيد بناء مؤسسات خاضعة للقانون، ويكشف حجم الثروة المنهوبة، وينهي احتكار القرار والوظائف والمؤسسات. لذلك فإن رفض الكيزان للسلام ورفضهم للديمقراطية ليس موقفا فكريا بل دفاعًا عن مصالح اقتصادية وسياسية عميقة، فالحرب بالنسبة لهم ضرورة لاستمرار النهب، والسلام خطر لأنه يفتح الباب أمام دولة القانون التي توقف سرقة موارد الهامش وتعيد توزيع الثروة وتمنح الناس حقوقهم، ولهذا يقفون ضد السلام وضد الديمقراطية وضد أي مشروع يعيد السلطة للشعب، لكنهم في النهاية يسيرون عكس إرادة السودانيين وعكس حركة التاريخ وعكس منطق العدالة، ولذلك فإن مشروعهم محكوم عليه بالفشل مهما طال الزمن، لأن الشعوب التي تُنهب ثرواتها وتُقهر إرادتها لا يمكن أن تبقى صامتة إلى الأبد، ولأن الهامش الذي حُرم من ثروته لعقود هو نفسه الذي سيحسم معركة السودان نحو دولة القانون والمؤسسات والعدالة.
الطيب الزين / كاتب وباحث في دور القيادة والإصلاح المؤسسي.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة