لا يزال العقل النقدي والفلسفي بمنطقه الثاقب وفضاءاته الرحبة، هو الميزان الذي تُوزن به الأمم، والحَكَم الذي يُحتكم إليه في تشخيص العلل وتحليل الأسباب التي تُعيق مسيرة التقدم والازدهار. غير أننا نجد أنفسنا اليوم أمام ظاهرة مُقلقة: انحدارٌ عن المسار الطبيعي، وضيقُ أفقٍ في إرساء المبادئ، وتسربٌ إلى الأذهان بأنَّ أناسًا انتهازيين قد ركبوا الموجة، فتحولوا فجأة إلى أدوات للتخطيط والتفكير الاستراتيجي، وإلى مديرين للمؤسسات يسيرونها وفق أهوائهم، لا وفق رؤى أو قيم.
وهذه النتيجة ليست إلا ثمرةً طبيعية لصمت الأوفياء، وامتناعهم عن الجهر بالحق، وقول الصدق حين تكون الحاجة إليه أمسّ ما تكون. بل إنك لتجدهم يسكتون حتى تبلغ الأمور مداها، وكما يقول المثل: "لن يستقيم ظلٌ عوجاء". فأولئك الراكبون للموج يتحدثون وكأنهم هم المؤسسون والأصلاء، وهم في الحقيقة طفيليات على جهد غيرهم، لا يملكون من أدوات الفكر ولا من أخلاق القيادة شيئًا. في غياب العقل والمنطق، وانعدام الضمير الأخلاقي، تُرفع الذات فوق المصلحة العامة، وتتغلب الغايات الشخصية على كل اعتبار.
إن الصراع بين الحق والباطل صراعٌ أزليٌّ، لكن الله سبحانه منح الإنسان عقلاً يميز به، وإرادة يختار بها. ولذلك فإن الإنسان حين يسكت عن الحق، ويُطرب بتمجيد الباطل، يصل إلى مرحلة يكون فيها أضل من الحيوان، لأنه خان أعز ما فيه: منطق الفطرة وصدق الضمير. ويظن ركاب الموج أنهم الأوفياء، ويُزيَّن لهم سوء عملهم، لأن أهل القيم والعقل تأبى أخلاقُهم الخضوع أو الانحناء، بينما يبحث الانتهازيون عن ذوي النفوس الضعيفة، ممن لا تاريخ لهم ولا كرامة تمنعهم من الانقياد، فيُسخِّرونهم لتنفيذ أجنداتهم بحذافيرها، ويكافئونهم بالعطايا والمناصب، لكن المحصلة النهائية تبقى صفرًا في البناء، وصفرًا في تحقيق المبادئ.
إنها سيكولوجية جديدة للبقاء: ليس المؤهل هو الأهم، بل القدرة على التملق والانحناء، والبقاء أطول فترة على "كرسي العسل". والأوفياء الحقيقيون لا يجيدون هذه الفنون، ولذلك تراهم في المؤخرة، راضين بالبقاء في مواقعهم النظيفة، على أن يتسلقوا بسُلم القرابة أو النفاق. وهكذا، في زمن الغفلة، يتسلل الانتهازيون إلى المراتب العليا، فيكون الانحدار القيمي، والانهيار الأخلاقي، وتشوُّه الخطاب العام.
غير أن الفجر آتٍ لا محالة، فجرُ الوعي والمفاهيم النقية، الذي سيطهّر الساحة من عبث العابثين، وغياب العقل الانتهازي، لتعود الكلمة لأهلها، والقيادة لمن يستحقها.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة