إن ما يُسمّى بمحاكمة حميدتي وحمدوك وآخرين غيابياً ليس خطوة نحو العدالة، بل سقوط أخلاقي وقانوني إلى ما بعد القاع، ومحاولة فاشلة لتزييف وعي الناس وتغبيش مفهومهم للعدالة، وتوظيف القضاء كأداة في صراع السلطة. فحين تتحول أخطر الجرائم في تاريخ السودان الحديث إلى إجراءات مرتجلة بلا تحقيقات معلنة، وبلا متهمين حاضرين، وبلا أدلة شفافة، فإننا لا نكون أمام عدالة، بل أمام مسرحية سياسية رديئة السيناريو والانتاج والإخراج.
إن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية لا تُعلن ببيانات، ولا يتم اثباتها بنوايا سياسية خبيثة، ولا تُختصر في جلسات غيابية هزلية. هذه الجرائم، إن كانت هناك إرادة حقيقية لمحاسبة مرتكبيها، تحتاج إلى لجان تحقيق مستقلة، وقضاء مهني مستقل ونزيه، ومحاكمات عادلة، لا إلى قفز فوق الإجراءات القانونية لإرضاء جمهور غاضب أو مخدوع أو لتصفية حسابات سياسية مؤجلة. وما يجري اليوم هو التفاف مكشوف على جوهر العدالة، واستخدام لدماء الضحايا كغطاء لشرعنة الفشل السياسي لحكومة "بورسودان" الذي يدركه القاصي قبل الداني.
الأكثر فجاجة في هذا العبث هو الزج باسم الدكتور عبد الله حمدوك في لائحة اتهام تتعلق بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، في سابقة خطيرة تعني عمليا تجريم العمل المدني والسياسي. فحمدوك لم يكن قائد مليشيا، ولم يكن صاحب سلطة على الدعم السريع، ولم يصدر أوامر، ولم يملك قرار الحرب أو السلم. تحميله مسؤولية أفعال مسلحة لا تخضع له، هو إعلان صريح بأن مبدأ المسؤولية الجنائية الفردية قد دُفن عمداً، وأن المطلوب ليس محاسبة الجناة، بل معاقبة الخصوم.
إن محاولة الاحتماء بمفهوم “المسؤولية القيادية” في هذه الحالة ليست سوى عملية تزوير قانوني مكشوفة. فالمسؤولية القيادية تقوم على السيطرة الفعلية والعلم والقدرة على المنع، لا على المنصب الرمزي ولا على الوجود في المشهد السياسي. ومن يدّعي غير ذلك إما جاهل بأبسط مبادئ القانون الدولي والمحلي على حد سواء، أو شريك في تسييس العدالة وتحويلها إلى سلاح ضد الخصوم.
إن هذه المحاكمة المسرحية لا تخدم ضحايا الحرب، بل تهينهم. فهي تخلط بين القاتل والخصم السياسي، وتساوي بين من ضغط على الزناد ومن حاول، بصواب أو بخطأ، إدارة مرحلة مدنية معطوبة من أساسها. وهي بذلك تمنح الإفلات من العقاب غطاء جديداً، وتبعث رسالة خطيرة مفادها أن الجرائم الجماعية يمكن المتاجرة بها سياسيا، بدل محاسبة مرتكبيها الفعليين بجدية.
نحن أمام لحظة مفصلية: إما عدالة حقيقية تُحاسب من ارتكب الجرائم عبر مسار قانوني نزيه وعادل، أو استمرار في صناعة محاكم وهمية تُستخدم لإعادة ترتيب السلطة وتكميم الأفواه. أما هذا الطريق، طريق المحاكمات الغيابية المسيسة، فلن يقود إلا إلى مزيد من الانقسام، وإلى دفن ما تبقى من الثقة في القضاء، وإلى خيانة جديدة لضحايا لم ينصفهم قضاء تاه عن طريق العدالة، وبالتأكيد لن تنصفهم اليوم هذه المهزلة الق لبست "روب" القضاء بالمقلوب.
إن العدالة لا يمكن فرضها بالقوة، ولا تتم إدارتها بالهواتف، ولا تُكتب بقرارات سياسية مسبقة. العدالة تُبنى بالنزاهة وتكون، أو لا تكون، وليس هنالك عدالة رمادية. وما يجري الآن ليس تطبيقاً للعدل، بل إعلان إفلاس سياسي مغطى برداء القضاء. فالقضاء هو خط الدفاع الأخير بالنسبة للمواطن، لا تجعلوا منه أضحوكة ومسخرة أمام قدسية العدالة وهيبتها، للعالم عيون ترصد وأقلام تسجل.
ويزداد هذا العبث فداحة حين يصدر عن قضاء مسيّس يغضّ الطرف عمدا عن متهمين سبق أن وُجهت إليهم ذات التهم من المحكمة الجنائية الدولية، ومع ذلك ما زالوا أحراراً طلقاء، يباشرون النفوذ ويصدرون التوجيهات التي تُفضي إلى تكرار الجرائم نفسها. وهو قضاء أثبت بالتجربة لا بالادعاء، عجزه الكامل عن محاسبة مرتكبي الفظائع في دارفور، تلك الجرائم التي يندى لها جبين الإنسانية، وفشله هذا هو ما فتح الباب لتدخل القضاء الدولي، ولتوجيه الاتهام إلى كبار قادة النظام، وعلى رأسهم رئيس الجمهورية عمر البشير نفسه. إن تجاهل هذا التاريخ الأسود، والقفز فوقه، لا يعني سوى شيء واحد: أن العدالة لا تُطلب هنا، بل تُنتقى، وتُستخدم كأداة سياسية رخيصة لا كقيمة قانونية عنوانها الانصاف.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة