لا تشكل الحرب في السودان مجرد صراع عسكري على الأرض، بل هي "ستار دخاني" كثيف تُمرر من خلفه أضخم عملية إعادة هندسة للاقتصاد الوطني لصالح "كارتيلات" ناشئة وفي قلب هذا المشهد، تقف الخطوط الجوية السودانية (سودانير) كضحية نموذجية لما يمكن تسميته بـ "الفساد الهيكلي العابر للمؤسسات"، حيث لا يُسرق المال العام فحسب، بل تُفكك "بنية الدولة" لصالح "نظام موازي" يجمع بين البزة العسكرية والياقة البيضاء الاستثمار في العجز: فن خنق المؤسسات في الفكر الإداري السوي، تُبذل الجهود لإحياء المؤسسات المتعثرة، لكن في السودان، نجد ظاهرة "الاستثمار في الفشل" يتم تعجيز "سودانير" عمدًا عبر حجب ميزانيات الصيانة وتشريد الكفاءات الفنية، ليس بسبب "شح الموارد"، بل لخلق فراغ تشغيلي تملؤه فوراً شركات "الظل" التي تتبع لنافذين. إن استخراج شهادة مشغل جوي لشركة خاصة في 72 ساعة بينما تقبع طائرات الناقل الوطني في المدارج بانتظار توقيع "تأمين" معطل، هو إعلان رسمي عن استبدال السيادة بالسمسرة "الشرق الأوسط" و"شيكان" الخصخصة بالترهيب تمثل واقعة تحويل تأمين الطائرة الوحيدة من شركة "شيكان" الحكومية إلى شركة "الشرق الأوسط" الخاصة، منعطفاً خطيراً في مفهوم "تضارب المصالح" عندما يصبح الخصم (مالك شركات طيران منافسة) هو نفسه الحَكَم (المسؤول عن تأمين الناقل الوطني)، فإننا لسنا أمام سوء إدارة، بل أمام "إعدام اقتصادي" فرض رسوم تأمين مضاعفة على "سودانير" هو "ضريبة إخراج من السوق" تُدفع من جيب المواطن لتتضخم بها حسابات النخب جنرالات الأجواء- تحالف السلاح والسوق لقد تجاوز الفساد حدود الصفقات المدنية ليصل إلى عصب المؤسسة العسكرية، حيث كشفت فضائح "أسبيرات" القوات الجوية أن "عقيدة النهب" لا تفرق بين طائرة مدنية وأخرى مقاتلة إن ظهور شركات طيران جديدة في ذروة الحرب (مثل شركة الثريا) بتمويل وإدارة عسكرية، يؤكد أن الحرب تُستخدم كـ "مسرّع" لعملية الإحلال والتبديل إضعاف المؤسسات التاريخية المملوكة للشعب، مقابل تمكين كيانات اقتصادية "مليشياوية" الطابع، لا تخضع لرقابة البرلمان أو ديوان المراجعة ما وراء الطائرة: الدولة كـ "غنيمة" إن قضية "سودانير" هي مجرد فصل في كتاب "تفكيك السودان" فالنمط المتكرر في قطاع الطيران هو نفسه الذي نراه في قطاع النفط والموانئ؛ حيث تفرض "عصابات الاتاوات" سيطرتها على الموارد الحيوية الحرب هنا ليست "قدراً"، بل هي "بيئة تشغيلية" مثالية لهؤلاء؛ ففي غياب المحاسبة وتغييب الإعلام المستقل، يتحول الوزير والجنرال والمستثمر إلى "شركاء في الغنيمة" لا خدم للشعب إن معركة "سودانير" ليست صراعاً على "طائرة إيرباص" أو "خط رحلات"، بل هي معركة على "هوية الدولة" هل يبقى السودان دولة مؤسسات وقانون، أم يتحول نهائياً إلى إقطاعيات تديرها شبكات المصالح؟ إن السكوت على تصفية الناقل الوطني هو قبول ضمني بتصفية الدولة السودانية نفسها، وتحويلها إلى مجرد "سجل تجاري" مملوك لفئة لا ترى في الوطن إلا "أصولاً" قابلة للبيع في مزاد الحرب.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة