حين يصف البعض الحروب بأنها عبث خالص، فإنهم يتحدثون من موضع الوجع لا من موقع القراءة التاريخية. فالمشهد الدموي الذي يملأ اللحظة يحجب عن أعينهم حقيقة أعمق: لا حرب في مسار الإنسانية كانت بلا أثر، ولا صراع انتهى دون أن يجر وراءه تحوّلات جذرية في المفاهيم والبُنى والعقليات. العبث وحده يلد عبثا، أما الحرب على قسوتها فقد كانت في معظم الأحيان نقطة الانكسار التي تسبق النهوض، والضربة التي تجبر الأمم على مراجعة ذاتها وإعادة صياغة رؤيتها للعالم.
هذا ما شهدته أوروبا في القرن السابع عشر عندما أنهكتها حروب الهوس الديني ثلاثين عاما كاملة، حتى كادت القارة تتقوّض من الداخل. ومع أن الدماء كانت لغة ذلك الزمن، فإن نهايته حملت ميلاد “ويستفاليا”؛ تلك المعاهدة التي دشّنت مفهوم الدولة القومية الحديثة، وأرست قواعد الدبلوماسية، ووضعت السيادة على أسس عقلانية لا على شعارات دينية أو رغبات أمراء. لقد أثبتت تلك التجربة أن المجتمع الدولي، حين تتكامل إرادته، يمكنه أن يعلّق سيادة الدولة التي تهدد السلم العالمي، وأن يعيد صياغة القواعد من جديد. ومن بين ركام الحرب خرج نظام دولي مختلف، أكثر نضجا واستقرارا.
وفي سياق بعيد عن أوروبا، عرف الإغريق درساً مشابهاً في حرب البيلوبونيز بين أثينا وإسبرطة، تلك الحرب التي أنهكت "المدن-الدول" وأدخلتها في دوامة من الفوضى كادت أن تقضي على حضارتها وإرثها الإنساني. لكن المفارقة أن هذه الحرب نفسها فتحت بوابة الفلسفة، وكانت الشرارة التي سبقت بروز سقراط وأفلاطون وأرسطو. فمن قلب الانهيار خرج السؤال الفلسفي والتأمل الوجودي، ومن فوضى المدن تولّد العقل الذي أسّس لعلوم السياسة والمنطق والمنهج. وهكذا دلّ التاريخ على أن الحروب، رغم بشاعتها، لحظات تكثيف للمعنى؛ تُسقط أوهام الماضي، وتكشف أمراضه، وتُرغم الشعوب على إعادة تعريف أسباب وجودها وتفكيك أسباب الحروب ومعالجتها.
وعلى ضوء هذه القراءة العميقة، تبدو الحرب السودانية الراهنة رغم فظاعتها نقطة تحوّل لا يمكن تجاهلها. فهي ليست حدثا معزولا، بل نتيجة تراكم طويل من المفاهيم المغلوطة حول الدولة والسيادة والهوية والدين السياسي. وحين تضع هذه الحرب أوزارها، سيكون على السودانيين أن يفككوا هذا الإرث الثقيل وأن يبنوا تصورا جديدا للدولة، لا يستعيد الماضي بل يتجاوزه. وفي هذا السياق يبرز سؤال العقد الاجتماعي بوضوح غير مسبوق؛ ذلك المفهوم الذي تناولَه الأستاذ أبكر أبو البشر بتشخيص دقيق لأزمة السودان، حين أكد في كتابه الموسوم بـ (دولة التعاقد الاجتماعي في السودان ليست خيارا بل ضرورة) - أن لا مستقبل للدولة ما لم يتوافق أهلها على “عقد اجتماعي جديد” يعيد ترتيب السلطة وحقوق الأفراد والجماعات، ويُقصي مشاريع الهيمنة الأيديولوجية والعسكرية التي عطّلت تشكل الدولة الحديثة. إن رؤيته هذه تضع أساساً ضرورياً لإعادة بناء السودان، وتحوّل المواطن من تابع لمنظومات القوة إلى شريك في صناعة مصيره.
ومن بين أهم الشروط التي يفرضها هذا العقد الجديد ضرورة إبعاد جماعة الإخوان المسلمين عن المشهد السياسي، لا بدافع الإقصاء، بل حماية للدولة من إعادة إنتاج الصراع الذي غذّته الأيديولوجيا لأعوام طويلة. وقد عبّر عن ذلك بوضوح الدكتور مسعد بولس، مستشار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، حين أكد أن ملف الإخوان في السودان “خط أحمر” لدى الولايات المتحدة والرباعية الدولية، مع رفض قاطع لأي دور لهم أو لرموز النظام السابق في مستقبل البلاد. وهذا الموقف يعكس قراءة دولية مفادها أن استمرار الحركات الأيديولوجية في الحكم يفتح الباب لدوامة جديدة من العنف والتمزق، ويمنع السودان من عبور مرحلة ما بعد الحرب نحو الدولة المدنية المستقرة.
إن السودان اليوم يقف على أعتاب لحظة تشبه من حيث الجوهر تلك التي عرفتها أوروبا بعد ويستفاليا، أو اليونان بعد البيلوبونيز. لحظة يتراجع فيها القديم، وينهار فيها ما ثبت فشله، وتبدأ فيها الأسئلة الصعبة حول شكل السلطة، ومعنى المواطنة، وحدود الدين في المجال العام، وموقع القوة في الدولة. وقد تصبح هذه الحرب، بكل ما فيها من الألم، مناسبة لصياغة “ويستفاليا سودانية” تعيد ترتيب العقد الاجتماعي، وتضع حدًا للفوضى، وتفتح الطريق أمام دولة لا تقوم على الغلبة بل على التوافق، ولا على الأيديولوجيا بل على العقل والمصلحة الوطنية.
وهكذا، فإن الحرب مهما بدا وجهها قاسيا ليست فعلًا عبثيا. العبث الحقيقي هو أن تعود الشعوب إلى أخطائها بعد أن دفعت ثمنها دما وخرابا. أما القدرة على تحويل الانهيار إلى ميلاد جديد فهي ما يصنع الأمم القادرة على البقاء. والسودان، وهو يتلمس طريقه وسط الدخان والرماد، يمتلك فرصة تاريخية نادرة: أن يخرج من الحرب أكثر وعياً، وأكثر استعداداً لبناء دولة حديثة تستند إلى عقد اجتماعي صلب، وتفتح بابا جديداً لسلام يستحقه شعبه.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة