خالد بحيري حين يغرق القانون في وحل الفلول في تسييس العدالة، أخلاق النجاة، وانتقام الدولة من ضمير المدينة
15/1/2026 خالد كودي، بوسطن
الأستاذ خالد بحيري ليس مجرد اسم في ملف جنائي، بل هو كاتب ومؤرخ سوداني وفاعل مدني ارتبط اسمه بمدينة ود مدني بوصفه أحد حرّاس ذاكرتها وضميرها الاجتماعي. عُرف الاستاذ خالد بحيري، على مدى عقود، بانحيازه للناس العاديين وبنشاطه الثقافي والحقوقي، غير أنّ دوره الأبرز تجلّى إبّان انهيار الدولة وانسحاب مؤسساتها وعلي راسها الجيش والقوات الأمنية الأخرى من ولاية الجزيرة- مدني تحديدا، حين اختار البقاء في مدينته بينما فرّ الحكّام وقادة الأجهزة النظامية. في تلك اللحظة الحرجة، تحوّل من مؤرخ يوثّق التاريخ وحسب إلى فاعل يصنع معنى النجاة، فقاد مع اخرين مبادرات إنسانية لتوفير المياه والعلاج والغذاء للمدنيين العالقين تحت نيران الحرب، وساهم في تشغيل مرافق حيوية أنقذت حياة الآلاف من مواطني مدينة ودمدني. في يناير 2025، اعتُقل بحيري من منزله في ود مدني بواسطة قوات تابعة لجهاز المخابرات، دون مذكرة قبض قانونية، وتعرّض لإخفاء قسري استمر عدة أشهر، في انتهاك صريح للدستور والمعايير الدولية للمحاكمة العادلة. ولاحقا، أصدرت محكمة جنايات مدني حكماً بالسجن المؤبد بحقه، بتهم فضفاضة تتعلق بـ"التعاون مع قوات الدعم السريع" و"تقويض النظام الدستوري"، في محاكمة وصفتها قوى مدنية ومنظمات حقوقية بأنها مسيّسة، وتفتقر إلى البيّنات القانونية والاستقلالية القضائية. لم يكن الحكم القضائي علي الأستاذ خالد بحيري، في جوهره، محاسبة على جريمة مثبتة، بقدر ما بدا تصفية حسابات سياسية وأخلاقية مع رجل جسّد، في لحظة الانهيار، نقيض سردية السلطة: مواطناً خدم مدينته حين غابت الدولة. وقد زادت خطورة الحكم بالنظر إلى وضع خالد بحيري الصحي، إذ يعاني من أمراض مزمنة، ما دفع عدد من منظمات حقوق الإنسان إلى التحذير من أنّ استمرار حبسه في هذه الظروف يرقى إلى "إعدام بطيء ومقنّع". هكذا تتحول قضية خالد بحيري من مسألة فردية إلى مرآة كاشفة لتسييس العدالة في السودان، حيث يُستدعى القانون لا لحماية المجتمع، بل لمعاقبة من سدّ فراغ الدولة، ويُعاد تعريف العمل الإنساني بوصفه جريمة، بينما يُكافأ العنف إن اتسق مع خطاب السلطة. في هذا السياق، يصبح خالد بحيري رمزاً لا لنزاع قانوني فحسب، بل لصراع أعمق بين أخلاق النجاة ومنطق الانتقام، بين ضمير المدينة وقانونٍ غارق في وحل الفلول، ويالبؤس الفلول.
١/ القانون حين يفقد حياده: من العدالة إلى أداة انتقام لا تُقاس عدالة القوانين بصرامة نصوصها، بل بسلامة مقاصدها واستقامة تطبيقها. وحين تُسخَّر أدوات العدالة لتصفية الحسابات السياسية، أو لتفريغ شحنات عنصرية متراكمة ضد الفقراء والمهمشين، يتحوّل القانون من ضامنٍ للحق إلى سلاحٍ في يد السلطة الغالبة. هذا ما يتجلّى اليوم بوضوح في محاكمة الأستاذ خالد بحيري، حيث لم تُختبر الأفعال بميزان الضرورة الإنسانية والانصاف، بل حُوصرت بسردية انتقائية صاغتها بقايا نظامٍ خبر تسييس القانون لعقود. إن تنظيم الإخوان المسلمين وفلول النظام المعزول لم يتخلّوا عن تسييس القانون ولا عن منطق "العدالة الانتقائية": يُجرَّم من خدم الناس تحت القهر، ويُكرَّم من حمل السلاح وشارك في الخراب، إن اتسق مع خطاب مايسمونه "حرب الكرامة"! هكذا تُختزل العدالة إلى اصطفاف سياسي مقزز، ويُمحى الفرق بين المبادرة لإنقاذ الأرواح، والتواطؤ الإجرامي لتحقيق السلطة.
٢/ ود مدني وحدها: حين انسحبت الدولة وبقي المواطن في ود مدني، خلال الأيام المفصلية من ديسمبر 2023 ويناير 2024، لم يكن المشهد قانونياً ولا سياسياً بقدر ما كان وجودياً خالصاً. مع دخول قوات الدعم السريع إلى المدينة في منتصف ديسمبر 2023، انسحبت مؤسسات الدولة دفعة واحدة: غادر الوالي وأركان حكومته، تلاشى قادة الفرقة الأولى مشاة، واختفت الشرطة والأجهزة الأمنية التي كان واجبها حماية المدنيين. تُركت المدينة، التي تضم مئات الآلاف من السكان والنازحين، لمصيرها في فراغٍ كامل للسلطة، بلا ماء ولا كهرباء ولا خدمات صحية، وفي ظل خطر القتل العشوائي وانهيار النظام العام. في تلك اللحظة الحرجة، لم تتشكّل "سلطة بديلة" بالمعنى السياسي، بل نشأ تضامن مدني قاعدته المواطنون أنفسهم: لجان أحياء، متطوعون، أطباء، وشخصيات عامة قررت البقاء وخدمة مدينتهم. ضمن هذا السياق، اختار الأستاذ خالد بحيري أن يظل في ود مدني، لا طلباً لمنصب ولا سعياً لامتياز او مصلحة، بل وفاءً لمدينة عُرفت تاريخياً—منذ نشأتها الحديثة في مطلع القرن العشرين—بقيمة الخدمة العامة، التطوع والنجدة والتكافل. من أواخر ديسمبر 2023 وحتى يناير 2024، عرف عن الأستاذ خالد بحيري الانخراط في جهود إنسانية مباشرة شملت جمع الجثث ودفنها لمنع تفشي الأوبئة، إعادة تشغيل المستشفى الرئيسي بجهود تطوعية، تأمين مياه الشرب عبر مبادرات أهلية مثل "مدني تشرب"، توفير الغذاء للأسر المحاصرة في منازلها، وحماية المرضى—خصوصاً مرضى الكُلى—من الموت المحقق. هذه الأفعال لم تكن "تعاوناً" بالمعنى الجنائي، بل ضرورة انسانية فرضتها أخلاقيات النجاة في ظل غياب الدولة الكامل. لقد وحّد واقع الخطر سكان المدينة في مواجهة المصير المشترك، وأعاد تعريف الوطنية خارج ثنائية السلاح والسلطة. هنا، يصبح السؤال الأخلاقي سابقاً على السؤال القانوني: هل يُدان من أنقذ الأرواح لأنه اضطر للتعامل مع القوة المسيطرة بحكم الأمر الواقع؟ أم يُدان من انسحب وترك الناس فريسة، ثم عاد لاحقاً ليحاكمهم باسم قانونٍ لم يحضر لحمايتهم؟ ٣/ دروس التاريخ: حين يصبح "التعامل" مع سلطة الامر الواقع بطولة أخلاقية لا خيانة التاريخ، حين يُقرأ خارج منطق التشهير وسرديات الغلبة والغل، يكشف أن التعامل الاضطراري مع قوى مسيطرة—احتلالاً كانت أم ميليشيات—كان في كثير من الأحيان فعلاً أخلاقياً لإنقاذ الأرواح لا سبباً للإدانة. وقد أنصف التاريخ هؤلاء لأن معيار الحكم لم يكن "النقاء السياسي" الابله، بل حماية البشر في زمن انهيار الدولة، ومن هذه النماذج. - غيتو وارسو (1940–1943): في قلب الحصار، تشكّلت شبكات مدنية تفاوضت لتأمين الغذاء والدواء وتأخير القتل الجماعي. لم تُقرأ هذه الأفعال كخيانة، بل كـفعل نجاة في شروط الإبادة. الفارق الأخلاقي كان بين تواطؤٍ أيديولوجي، وتعاملٍ اضطراري لإنقاذ الأرواح! - مجالس الإغاثة المدنية في أوروبا المحتلة (1939–1945): في مدن فرنسية وبلجيكية وغيرها، تفاوض قادة محليون مع سلطات الاحتلال لتأمين الخبز والوقود ومنع الإعدامات الجماعية. الدراسات التاريخية ميّزت بوضوح بين التعاون القسري لحماية المدنيين وبين الاندماج السياسي مع المحتل. - جنوب أفريقيا تحت نظام الفصل العنصري (الخمسينيات–الثمانينيات): لجان أحياء وقيادات كنسية ونقابية في البلدات السوداء دخلت في تفاوض يومي مع سلطات الأبارتهايد لتأمين الخدمات ومنع القتل العشوائي. صُنّفت هذه الممارسات لاحقاً ضمن مقاومة الحياة اليومية التي حفظت المجتمع إلى أن سقط النظام. - الجزائر خلال حرب التحرير (1954–1962): في قرى ومدن عدّة، اضطُر أعيان محليون وقيادات أهلية إلى قنوات اتصال مع الإدارة الاستعمارية الفرنسية لتقليل العقاب الجماعي وحماية المدنيين. الذاكرة الوطنية الجزائرية فرّقت—بحزم—بين وساطة إنسانية اضطرارية وخيانة سياسية. - رواندا (1994): وثّقت محاكم ودراسات حالات لمسؤولين محليين ورجال دين فاوضوا الميليشيات لتأخير القتل، أو فتح ممرات هروب، أو إنقاذ مجموعات محاصرة. التقييم الأخلاقي انصبّ على الأثر المنقِذ لا على ثنائية "التعامل/الخيانة" - السنغال – إقليم كازامانس (منذ الثمانينيات): في سياق نزاع منخفض الشدة وطويل الأمد، لعب شيوخ قرى وقيادات مدنية أدوار وساطة ميدانية مع جماعات مسلحة ومع قوات الدولة لتجنيب القرى الانتقام الجماعي وتأمين الممرات الإنسانية. الأدبيات الأفريقية في فضّ النزاعات تصف هذه الأدوار بـوساطة البقاء في ظل دولة جزئية الحضور، لا تواطؤاً مع العنف. - نيجيريا – دلتا النيجر (التسعينيات–الألفية): تفاوض قادة مجتمع محليون مع جماعات مسلحة وشركات أمنية لتأمين القرى ومنع العقاب الجماعي. توصّف الدراسات ذلك بوصفه حكمة مجتمعية في سياق دولة غائبة، لا خيانة الخلاصة المبدئية: هذه السوابق—عبر أوروبا وأفريقيا—ترسّخ مبدأً حاكماً في الأخلاق والقانون: الضرورة تُقيِّد التجريم، والإنقاذ لا يُعادَل بالخيانة. حين تنهار الدولة ويغيب الحامي، يصبح التعامل الاضطراري أداةً لحماية الحياة. بهذا الميزان، تُقرأ أفعال المخلِصين لمدنهم—لا بعين الانتقام—بل بميزان المقاصد والنتائج.
البرهان وكامل إدريس: حين تنتقم السلطة من إنسان السودان وتُجرِّم الأخلاق تُظهر دراسات علم النفس السياسي، بوضوح لا لبس فيه، أن الأنظمة العسكرية الهشّة—خصوصاً تلك التي تقوم على العنف والإنكار—تميل إلى معاقبة الفاعلين الأخلاقيين أكثر من معاقبة المجرمين الحقيقيين. وهذا ليس خللاً عرضياً، بل سلوكٌ بنيويٌّ في أنظمة تخشى المعنى وتخاف المثال. في هذا السياق، لا يمكن فصل ما تعرّض له الأستاذ خالد بحيري عن طبيعة السلطة التي يديرها عبد الفتاح البرهان ويُشرعن خطابها القانوني المدني كامل إدريس ومن هم على شاكلته من مهندسي القوانين القائمة علي الانتقام السياسي والمنفصلة عن الإنسان يشرح ألبرت باندورا كيف تلجأ السلطة إلى آليات نزع الإنسانية والتبرير الأخلاقي، حيث يُعاد توصيف الفعل الإنساني بوصفه جريمة، ويُحوَّل المنقذ إلى متهم، بينما يُعاد تلميع الجلاد بصفته "حارس الدولة". هكذا تُفصل الأفعال عن سياقها، ويُختزل الواقع المركّب في ثنائية ساذجة: ولاء أو خيانة. أما حنة آرنت فتذهب أبعد من ذلك حين تحذّر من تفاهة الشر، حيث تتحول البيروقراطية إلى آلة صمّاء تُنفّذ العقاب بلا ضمير، وتغتال الأخلاق باسم القانون. وفي السياق السوداني، يكتسب هذا التحليل بُعداً أكثر فجاجة. فكما يبيّن فرانتس فانون، فإن السلطة التي تعيد إنتاج منطق الاستعمار داخلياً—عبر عسكرة الدولة واحتقار المجتمع—تخشى النماذج الأخلاقية الشعبية لأنها تفضح عجزها التاريخي. لذلك تسعى إلى تحطيم رموز التضامن، وتجريم من اختاروا حماية الناس، كي تحتكر وحدها تعريف "الوطنية" و"الشرعية". من هنا، يصبح الانتقام من أمثال خالد بحيري فعلاً دفاعياً عن سردية البرهان ونظامه، لا تطبيقاً للقانون—ويا للعار. إن استهداف بحيري ليس حالة معزولة، بل جزء من سلوك عدائي ممنهج لهذا النظام تجاه إنسان السودان، خصوصاً الفقراء والمهمشين، وتجاه كل من يذكّر السلطة بما عجزت عنه: حماية الحياة. لقد تكرّر هذا النمط تاريخياً في حروب أهلية وأنظمة عسكرية عديدة، حيث عوقب منقذو المدنيين، وشُوّه نشطاء الإغاثة، فقط لأنهم كسروا معادلة السلاح، وفضحوا زيف ثنائية "الولاء/الخيانة" الهدف واحد لا يتغيّر: ردع الأخلاق المستقلة، وتجفيف أي فعل إنساني لا يمر عبر فوهة البندقية أو ختم السلطة. لكن ما لا تدركه هذه الأنظمة—من البرهان إلى آخر حارس للظلم—أن الأخلاق، حين تُحاكم، لا تموت؛ بل تتحول إلى دينٍ تاريخي، يلاحق جلاديه حتى النهاية...
انتقائية الاتهام وفضيحة الشهود تكتمل صورة التسييس حين نرى تناقض المعايير: احتفاءٌ بمسلحين قادوا الاقتحامات، وتغليظٌ للعقوبة على من قدّم الماء والدواء. وحين تُبنى الإدانة على شهادات مشبوهة وصفقات استخبارية، يصبح الحكم مرآةً لفشل العدالة لا لانتصارها. القانون هنا لا يبحث عن الحقيقة، بل عن كبش فداء.
اخيرا: حين ينتصر المعنى على القيد لن يكون حكم السجن المؤبد خاتمة سيرة الأستاذ خالد بحيري، ولا نهاية حكايته مع ود مدني والسودان. فالتاريخ—حين يهدأ الضجيج وتُطوى دفاتر الخوف—لا ينحاز إلى النصوص الجائرة ولا إلى الإرهاب، ولا الي محاكم اللحظة، بل إلى المعنى: إلى من اختاروا حماية الحياة حين انهارت الدولة، وإلى من انحازوا للناس لا للسلاح. وما جرى اليوم سيُقرأ غداً بوصفه صفحةً فاضحة من صفحات غرق القانون في وحل الفلول، وشهادة على شجاعة مواطن قدّم الإنسانية على السلامة الشخصية في زمن الانهيار. سيخرج خالد بحيري حراً، عاجلاً أم آجلاً. هذه ليست أمنية رومانسية، بل يقين يستند إلى مسار التاريخ ذاته. فرفاقه ورفيقاته من أبناء وبنات ود مدني—المدينة التي يعرفون معنى الوفاء—لن يتركوه وحيداً. ستتعاظم الحملات، وتتصاعد الأصوات، وتُبنى جبهة مدنية وأخلاقية واسعة تُعيد قضيته إلى مكانها الصحيح: قضية إنقاذٍ المواطنين وخدمتهم لا جريمة ضدهم، ونجاةٍ لا خيانة. ومع كل يوم، ستتسع دائرة التضامن حتى يصبح الإفراج عنه استحقاقاً لا مفرّ منه، وسيدان جلاديه. وفي المقابل، فإن على السلطات أن تدرك خطورة هذا الفعل القبيح. فالإصرار على معاقبة العمل الإنساني، وتجريم من سدّ فراغ الدولة حين تقاعس قادتها، لا يهدد فرداً بعينه، بل ينسف العدالة، ويعمّق الجراح، ويقوّض السلم المجتمعي. إن استخدام القوانين الجائرة لتصفية الحسابات لن يمنح شرعية، بل سيترك أثراً ثقيلاً لا يمحوه الزمن، والأيام دول! وهنا، لا بد من تذكير من حكموا بهذه القوانين، ومن احتموا بها، بأن العدالة لا تموت بتوقيع قاضٍ ولا تُلغى بحكمٍ مؤبد. العدالة—وإن تأخرت—تصل. وستطال، عاجلاً أم آجلاً، كل من شارك في هذا الظلم، أو برّره، أو صمت عليه. فكما سيخرج خالد بحيري حراً في جسده، سيبقون هم أسرى أحكامهم، مطاردين بسؤال واحد لا مهرب منه: أين كنتم حين اختار الأستاذ خالد بحيري أن يخدم ابناء وبنات مدينته، واخترتم أن تحاكموه؟
النضال مستمر والنصر اكيد.
(أدوات البحث والتحرير التقليدية والإليكترونية الحديثة استخدمت في هذه السلسلة من المقالات)
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة