مؤشرات ودلالات (هل سنشهد تحولا كبيرا في المشهد السياسي السوداني؟)
د. أحمد عثمان عمر
المراقب للوضع السياسي في السودان، لا يستطيع أن يتجاوز أحداثا يراها البعض متنافرة، لكنها في الحقيقة تعكس ترابطا غير منظور، يوضح توجهات طرفي الصراع المسلح، ومحاولات كلٌ منهما لفرض واقع جديد، يعيد صياغة الواقع ويبني أوضاعا تتناسب ومشروع كل طرف الرامي لكسب مزيد من السلطة والسيطرة. فسلطة الأمر الواقع غير الشرعية إحتفظت بثقلها العسكري الأمني الحاكم بالفعل نتيجة لانقلاب أكتوبر 2021، في حين أرسلت جزءا مقدرا من حكومة الواجهة ورئيس وزرائها، في خطوة رمزية قصد منها بعث الكثير من الرسائل. فبالرغم من أن رئيس الوزراء الواجهة لم يقم بعمل ندوات جماهيرية، ولم يشهده احد في لقاءاتٍ جماهيرية مفتوحة، أو حتى في ممارسة أي نشاط حكومي مع سفراء أو ممثلي أي دول نقلت بعثاتها إلى العاصمة التاريخية، إلا أن النقل الرمزي إستهدف ما يلي: ١- إرسال رسالة للداخل والخارج بأن العاصمة الخرطوم أصبحت آمنة وتحت السيطرة الأمنية والعسكرية الكاملة لسلطة الأمر الواقع غير الشرعية، بدلالة أن حكومتها أصبحت تباشر نشاطها من داخل مباني مؤقتة في المدينة. وهذا يهدف لتشجيع المواطنين للعودة لأن إحجامهم واضح، وعدم ثقتهم بما تروج له هذه السلطة غير الشرعية لا تخطئه عين. ٢- القفز فوق اتهامات إستخدام السلاح الكيميائي بممارسة عملية تجعل الداخل والخارج يراجع نفسه، ولكن هذا يستلزم العودة إلى وسط المدينة وعودة السلطة الفعلية إلى القصر الجمهوري والمناطق المزعوم إستخدام هذه الأسلحة فيها. ٣- الإيهام بعودة الخدمات بصورة طبيعية عبر افتتاح السلطة الفعلية وليس رئيس الوزراء المزعوم لمرفق خدمي كبير كمستشفى بحري، وعرض تقرير مرئي يعكس مستوى معقول من إعادة التأهيل، مع تجاهل تام لحقيقة أن مئات المستشفيات قد خرجت عن الخدمة وهي بإنتظار اعادة الإعمار، حتى تقدم الخدمة الطبية غير المجانية التي لا يستطيع المواطن البسيط تحمل كلفتها. ٤- إفهام المليشيا الجديدة في شرق السودان ومن خلفها، أن ثقل السلطة سيعود إلى المركز، وأن مطالباتها لن يستجاب لها، وأن تهديداتها سوف تعود إلى حجمها الإقليمي بدلا من الطابع القومي الذي أعطي لها. والملاحظ هو أن طرح هذه المليشيا لموقف واضح من المشاركة في حرب اللجنة الأمنية للإنقاذ المنقسمة على ذاتها، ورفضها للإنخراط في هذه الحرب ضد المواطن، مع مطالبتها بحقوق الشرق المهمش، على صحتها، يضعفها وصف قائدها لدولة إريتريا كعمق إستراتيجي ، وتصريحه بأنه قد أرسل مطالب المليشيا أو إن شئنا الدقة الخمس مليشيات إلى الحكومة غير الشرعية عبر تلك الدولة. فهو بذلك، جعل مصيره مثل مصير جبهة الشرق سابقاً، التي ضاعت بمجرد تسوية النزاع بين الدولة المذكورة وسلطة الإنقاذ. والرسالة الواضحة هي رفض المطالب، وإرسال رسالة للدولة المجاورة الداعمة للسلطة غير الشرعية في حربها، بأن هذه السلطة غير مستعدة لتقديم التنازلات المطلوبة، لأنها في وضع افضل وأنها عائدة إلى المركز وقادرة على فرض سيطرتها بدون دعم من هذه الدولة تحديداً. ٥- هزيمة خطاب مليشيا الجنجويد الإرهابية المهدد بالعودة إلى الخرطوم والسيطرة عليها مجددا، والتأكيد بأن هذه التهديدات ليست سوى حرب نفسية لا قدرة للمليشيا الإرهابية على تحويلها إلى واقع معاش. ولكن حتماً عدم عودة السلطة غير الشرعية الفعلية العسكرية الأمنية يضعف هذه الرسالة. بالإضافة إلى ضربات المسيرات مثل ضربة سنجة الكبيرة التي قتل فيها قيادات مؤثرة عسكرية ومدنية وعدد كبير من القتلى، يهزم هذه الرسالة ويجعلها عديمة الجدوى. وذلك لأنه يؤكد أن السلطة الفعلية باقية حتى الآن في بورتسودان، ومعها جميع البعثات الدبلوماسية التي مازالت لم تنسحب من البلاد، كما يؤكد أن سماوات السلطة غير الشرعية في أماكن سيطرتها ما تزال مفتوحة أمام مليشيا الجنجويد الإرهابية ومسيراتها الانتحارية عالية التقنية. ٦- تأكيد أن الحكومة الوحيدة التي تمثل البلاد هي حكومة الواجهة غير الشرعية التي تحكم من مركز البلاد، في مقابل الحكومة الموازية الاسفيرية التي اعلنتها مليشيا الجنجويد الإرهابية عبر تحالف تأسيس في نيالا، ورد المليشيا الإرهابية لم يقتصر على هجوم سنجة فقط، بل عبر إعلان بعض نجومها في الوسائط الاجتماعية عن بدء نشاط مصرفي بعيدا عن البنك المركزي المسيطر عليه من قبل السلطة غير الشرعية وافتتاح نشاط بنك يسمى بنك المستقبل. وإن صح هذا الخبر، فهو يعني ببساطة ان هذا البنك المزعوم قد أخذ تصريحا من بنك مركزي في دولة اخرى حتى يصبح جزءا من النظام المصرفي العالمي، وأن ما يقارب نصف البلاد قد خرج عن سيطرة النظام المصرفي المركزي، ودلالة هذا الأمر كبيرة ومؤسفة بكل تأكيد. والمؤشرات أعلاه، تؤكد أن طرفي الحرب مازالا يراوحان في مربع توازن الضعف والدعاية الحربية القائمة على الحرب النفسية وتبادل نشاطات ترمي إلى إضعاف قبضة كل طرف على السلطة في مواقع سيطرته. فرسائل الاطمئنان وتطبيع الحياة التي تحاول السلطة غير الشرعية بثها، يقابلها رعب المسيرات الذي تفرضه المليشيا الإرهابية والذي تطور إلى ضرب اجتماعات رفيعة المستوى في فرقة عسكرية المفترض أنها آمنة، في سلوك يعكس نجاحا إستخباريا كبيرا واختراقا أمنياً فاضحا. ورسائل السيطرة على الأرض بمستوى يؤسس للبدء في إعادة الإعمار، تواجهه نشاطات تعزز خروج المناطق المسيطر عليها من قبل المليشيا الإرهابية عن النظام المصرفي والبدء في بناء نظام مالي منفصل يعزز استقلالية السلطة الموازية، التي زعمت أنها ستبدأ في إصدار بطاقات هوية وجوازات سفر قريباً. والتصرف كأن رسائل قيادة مليشيات شرق السودان غير مهمة، يقابله تهديد قادم من الجنوب الشرقي من قبل الجنجويد عبر دولة اخرى مجاورة، يستهدف مدينة يابوس ويضع الروصيرص والدمازين في دائرة الخطر. وفي حال إضافة تهديد مليشيات الشرق إلى ذلك، يصبح الوضع في شرق السودان غير مستقر، ومرشح للتدهور في أي وقت. كذلك خطاب التعبئة ورفع السقوف من قبل سلطة الأمر الواقع غير الشرعية، يهزمه هزيمة ماحقة فشل التعبئة العامة وخروج معظم شرق السودان بصورة فعلية منه، مع إستعصائه في الوسط والشمال، نتيجة لدرجة الإنهاك التي وصل إليها المواطن، مع الأثر السلبي للهزائم المتكررة والتكلفة البشرية العالية لنشاط السلطة غير الشرعية الحربي. والدرس المستفاد مما تقدم هو أن الواقع ليس مهيأ لتحول جذري بمعطياته الداخلية لغياب الفعل الجماهيري المنظم المتمثل في الجبهة القاعدية العريضة المناهضة للحرب، وأن العامل الخارجي لوحده لم يستطع حتى الآن فرض معادلة جديدة، وأن تلويح السلطة غير الشرعية بصفقة عسكرية كبيرة مع باكستان بالمخالفة للقرارات الدولية وحظر التسلح، مع الخطوط الحمر التي رسمتها دولة مصر، لم يؤدي إلى تليين موقف المليشيا الإرهابية ويقودها للإستسلام، وحتى إنسحاب دولة الإمارات من اليمن وتخليها عن الوجود العسكري الداعم للمجلس الجنوبي، لم يغير من موقف المليشيا الإرهابية. وهذا يؤكد أن الصراع داخلي بالأساس، وأن حسمه يتم داخليا عبر قراءة صحيحة ومستمرة لتوازن الضعف، وأن المطلوب هو عودة الفعل الجماهيري المنظم وإستكمال تنظيم الجبهة القاعدية العريضة، صاحبة العدو الواضح الذي لا تصح المساومة معه او الدخول معه في تحالف وشراكات دم، والقائمة على ضرورة استبعاد طرفي الحرب من المعادلة السياسية واقصائهما ومحاسبتهما، وعدم التضحية بالعدالة من أجل سلام متوهم، والركون لواقعية مزعومة هي في جوهرها إستسلام كامل للعدو ومكافأته على حربه التي أشعلها ضد المواطن.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة