دخل المؤرخ الكسول القاعة متأخراً، وهو يجرّ وراءه حقيبة ممتلئة بالاقتباسات المستعملة. لم يكن في الحقيبة كتاب واحد، بل أوراق صفراء كُتب على هامشها: “ثورة، إنجاز، مشروع حضاري”. جلس على المنصة بثقة من يعرف أنه لن يُسأل، فالجمهور – كما قيل له – من الهتيفة، والهتيفة لا تقرأ.
نهض القاضي، وكان رجلاً نحيلاً يشبه ضميراً نجا من المقصلة، وقال: – أنت متهم بتزوير التاريخ. ابتسم المؤرخ الكسول ابتسامة العارف بأسرار البلاط، ورد: – بل أنا شاهد عصر، شاهد عاطفي، والرومانسية – كما تعلم – تعفي من الدقة. ضحك الجمهور. فالرومانسية في هذا البلد كانت بديلاً عن الوثائق. قال القاضي: – تسمي الانقلاب ثورة، وتزعم أن الفرمانات الديكتاتورية ممرّات للإنجاز. أجاب المؤرخ وهو يرفع صوته كخطيب فقد صوته من كثرة الدجل: – الثورة لا تحتاج إلى أخلاق، الأخلاق ترف برجوازي. المهم التسوير… تسوير الدولة، تسوير التعليم، تسوير العقول. همس أحد الحضور: – وهل في الإسلام تسوير؟ تجاهله المؤرخ، وأكمل: – سُمّيت إنقاذاً، ولو لم تُنقذ أحداً. سُمّيت إسلامية، ولو لم تجد في الإسلام خُلُقاً واحداً يدعمها. عندها تقدم شاهد غريب، رجل بملابس مدرس قديمة، يحمل طبشيرة مكسورة. قال: – قبل عام 1969، كنا نُخرج من المرحلة الوسطى من يترجم خارج الحدود بطلاقة. اليوم، الطالب لا يعرف الإنجليزية، ولا يحسن العربية. قاطعه المؤرخ الكسول بازدراء: – هذا هو التطور! ثورة فرنكشتاينية كمية، قد لا تبلغ العلم، لكنها تُخيفه. سأل القاضي: – وماذا عن التعريب؟ أجاب الشاهد: – تراجعوا عنه، كما يتراجع السارق عن المسروقات إذا انكشف أمره. هنا ضرب القاضي بالمطرقة: – التعليم لا يُبنى بالفرمان، بل بالحوار. بالحرية، بالديمقراطية. ضحك المؤرخ وقال: – هذه مصطلحات مستوردة. نحن نبني المناهج بإلهام القائد الملهم. رد القاضي ببرود: – الإلهام لا ينجح ممتحن" إلا انه لانبي". دخل محامٍ شُمولي، واكاديمى اشعث، تفوح منه رائحة الأكاديمية الاحتضارية، وقال: – نعم، أخطأنا في تسوير التعليم. اعترفتُ بذلك للصحافة. البخرات كانت مسلكاً دارجاً. سأله القاضي: – ومن دفع الثمن؟ صمت المحامي الشمولى. فالصمت هنا كان جزءاً من المنهج. في الزاوية، وقف موظف قديم من خريجي “الغردونية”، وقال: – ذاك التعليم الموجَّه خلق أماناً وظيفياً، أبعدنا عن الفساد. أما اليوم، فالترقية بسور الولاء، والتمكين، وتزوير الدرجات. نظر القاضي إلى المؤرخ الكسول: – ماذا تقول؟ أجاب المؤرخ، وقد بدأ صوته يخفت: – أهل الثورة قد غفروا. رد القاضي: – والهتيفة قد كفروا. ساد الصمت. ثم أُغلقت المحكمة، لا بحكم، بل بسؤال معلّق: هل يغفر الله حقوق العباد للعباد، أم أن هذا – أيضاً – من شرع الجاهلية باسم المشروع الحضاري؟ خرج المؤرخ الكسول، يمشي خلف كاب وبوت، يتمنى أن يمضي القهر ولا يفوت. أما التاريخ، فبقي في القاعة، ينتظر من يكتبه بلا كسل، وبلا لوثة.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة