اختطاف الرئيس دونالد ترامب للرئيس الفنزويلي مادورو، قبل أيام مضت، خلق نوعًا من الذعر العالمي وجعل كل رئيس في رأسه بطحة أن يتحسسها، "مثل من عند حبايبنا في شمال الوادي". ألم أقل لكم من قبل أن المسألة لم تتوقف عند الاستلاب الاقتصادي بل تعداها للاستلاب الثقافي؟ وبالرغم من أن عملية الاختطاف تعتبر جريمة كبيرة وخرقًا لجميع المواثيق الدولية وتحديًا صارخًا وصريحًا للأمم المتحدة وجميع المنضوين تحتها، إلا أنه من المعلوم أن قوانين الأمم المتحدة ومجلس الأمن لا تسري إلا على الضعفاء فقط، أي إذا خرق هذه القوانين الضعفاء أقيم عليهم الحد، وإذا خرقها الكبار تركهم مجلس الأمن والأمم المتحدة. والمثل المصري يقول: "الكبير كبير والصغير صغير ما يلزمناش". ألم أقل لكم استُلبنا ثقافيًا لحد النخاع؟ وقد درسنا قديمًا في المدارس أن الاستعمار الفرنسي هو أسوأ أنواع الاستعمار؛ لأنه استعمار ثقافي يعمل على طمس هوية الدولة المستعمَرة واستبدالها بالهوية الفرنسية، بمعنى أنه يفرض اللغة الفرنسية والثقافة الفرنسية، كما هو الحال في دول شمال المغرب العربي ومعظم دول غرب أفريقيا. لذلك، وعى بعض إخواننا الأفارقة خطورة هذا النوع من الاستعمار، فطردوا فرنسا شر طردة، والآن ينوون استبدال اللغة الفرنسية بلغة أخرى. وقد سمعنا أن بعضهم يريد أن يستبدلها باللغة العربية. وأنا شخصيًا أنصحهم بعدم خوض تجربة اللغة العربية، لأنها لا تقل خطورة عن اللغة الفرنسية، ونحن السودانيين خير مثال على الخبال الذي نعيشه الآن نتيجة لثقافتنا العربية وجرينا في ذيل الدول العربية التي في الأصل لا تعترف بنا، بالرغم من أننا نتحدث العربية أفضل منهم، ولكنها لم تخدمنا في شيء، بل زادتنا خبالًا وخيبة، وأخرجتنا من المولد بدون حمص، وكما يقول المثل العربي: "لا طلنا بلح الشام ولا عنب اليمن" استلاب عربي. نحن الآن نعيش استلابين: استلابًا عربيًا واستلابًا مصريًا. الأمر الذي جعل منا أمة لا تصلح إلا أن تفنى، لأننا كالحمير تحمل جميع المنتجات الزراعية والماء على ظهرها وهي تموت من الجوع والعطش. "كالعير يقتلها الظمأ والماء فوق ظهورها محمول" مرة ثانية أمثال عربية؟ لذلك أنصح القادة الأفارقة بالابتعاد عن هذه اللغة وأن يعرفوا منها بقدر ما يعينهم على قراءة كتاب الله. وبدلًا عنها أن يعملوا على تطوير لغة خاصة بالأفارقة تفرض على جميع الدول الأفريقية، كاللغة السواحلية مثلًا، ويا دار ما دخلكش شر "استلاب مصري ثانٍ". على العموم، نعود لموضوع عنواننا "كيماوي الخرطوم ولا اختطاف البرهان من بورتسودان". طبعًا، اختطاف الرئيس الفنزويلي بهذه الطريقة الكاوبوية خلق ذعرًا شديدًا وهرجًا ومرجًا في أوساط كل من يسيرون عكس تيار ترامب ويتحدون قراراته. ويبدو، والله أعلم، أن قائد الجيش السيد البرهان، وحكومته المتمسحة بالمدنية، قد بلغهما خبر عبر بعض المخابرات الصديقة الأكثر تقدمًا من مخابراتهم بتاعة القونات والجنبات، بأن السيد البرهان سوف يكون هو الشخص الثاني بعد الرئيس الفنزويلي مادورو. وما أن وصل إلى مسامع السيد البرهان هذا الخبر إلا ويمم وجهه شطر الخرطوم، وأمر رئيس وزرائه السيد كميل شمعون، أقصد كميل إدريس، بالهرولة بحكومته صوب الخرطوم، ليفطر ويتغدى ويتعشى كيماوي، أو كما يقول الشوام "يأكل تبن". ومهما يكن، فإن كيماوي الخرطوم أفضل من الوقوع في شرك أم زريدو بتاع الرئيس ترامب، خاصة أن أمر قبض البرهان سوف يكون أسهل بكثير من موضوع فنزويلا، حيث إن سفن ترامب تجوب البحر الأحمر جيئة وذهابًا. بجانب أن موت الكيماوي يتم ببطء ويأخذ بعض الوقت، وهذا في حد ذاته كفاية لأن يحقق خلاله السيد البرهان حلم أبيه. طبعًا، وضع البرهان في الخرطوم سيكون أفضل قليلًا عن وضع رئيس وزرائه السيد كميل إدريس، لأنه سوف يعود لمخبئه في البدروم، وأعتقد أنه وحشه كثير، وبالتالي بعيشه في البدروم يكون قد ضرب عصفورين بحجر: عصفور الرئيس ترامب، وعصفور الكيماوي، ومن المحتمل جدًا ألا يصل الكيماوي إليه في البدروم الذي حفظه لعدة شهور من الصواريخ والراجمات وصنوف من الأسلحة الفتاكة. ويقول مثلنا السوداني الأصيل: "قديمك نديمك ولو الزمن جافاك" والمثل الثاني: "القديم حلو ولو كان كرو". والكرو يا جماعة هو الجرح العميق المزمن والذي لا يشفى بسهولة وغالبًا ما يكون في الساق، ونجده شائعًا عند المزارعين والرعاة بحكم تعاملهم مع الطبيعة الشاقة. أما السيد كميل إدريس، الذي شاهد وجه زوجة الرئيس مادورو، مشوهًا بالكدمات المتعددة، فإنه ليس مستعدًا أن يخسر آلاف الدولارات التي أنفقها في تجميل وجهه بالبوتكس ومراهم التجميل. لذلك يرى السيد كميل أن البعد عن الشر غنيمة. ففضل أن يكون فطوره وغداؤه وعشاؤه مبهرًا بالكيماوي، بدلًا من أن يفقد وجهه الاصطناعي والذي كثيرًا ما يعبث به حر بورتسودان فيبطل سحر البوتكس والكريمات. ناس تخاف ما تختشيش "استلاب مصري آخر". الآن، السؤال الكبير الذي يطرح نفسه: إذا هرب البرهان من الرئيس ترامب، فإلى أين يهرب من الله تعالى وهو قد تسبب في أذى الملايين من المشردين والمهجرين والجوعى والمرضى والموتى الثكالى والأيتام والمفقودين؟ ألم يقرأ هذا الرجل قول الحق تبارك وتعالى في سورة الرحمن والذي يقول فيها جل في علاه: (يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي وَالْأَقْدامِ (41) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (42) هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ (43) يَطُوفُونَ بَيْنَها وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ (44) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (45)؟
لا للحرب، نعم للسلام حرية سلام وعدالة والثورة خيار الشعب كلنا سودانيون ويضمنا وطن واحد ولا يهمنا أن ننتمي لهذه القبيلة أو تلك.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة