نهض الشعب السوداني في وجه الظلم والتهميش والقتل الممنهج، نهض كما ينهض البركان حين يفيض قلبه بالصمت ويضيق صدره بالحق، نهض وتوحّد ضد من حاولوا تزوير إرادته وإخماد صوته، نهض ليعيد للاستقلال معناه الأول: ديمقراطية تُصان، وحرية تُحترم، وعدالة اجتماعية تُبنى بسواعد الذين حملوا الوطن في قلوبهم قبل أن يحملوه على أكتافهم. نهض من القرى والبوادي، من السهول والجبال، من الحقول التي شربت عرقه، ومن الطرق التي حفظت خطواته، نهض من الهامش الذي أرادوه صامتًا فإذا به يصبح مركز الضوء وقلب الثورة وصوت الأرض حين تستعيد أسماءها. نهض المزارع الذي يعرف أن الدخن والفول والسمسم والكركدية والبطيخ، محاصيل لا تنبت إلا إذا سُقت بالعرق، ونهض الراعي الذي يعرف أن الطريق الطويل لا يخيف من اعتاد السير وحده، ونهضت النساء اللواتي يعرفن أن الوطن طفل يولد كل يوم ويحتاج إلى صدر يحميه لا إلى يد تبيعه في سوق النخاسة، ونهض الشباب الذين أدركوا أن المستقبل لا يُمنح بل يُنتزع. لقد أشعلت القوى الطفيلية في الخرطوم، نار الحرب لتكسر الهامش .. فإذا بالهامش يكسر معادلاتها كلها، بإستتنهاض كل طاقاته وثرواته الحقيقية، أي وعيه الذي تنفجر في وجوههم كالنور حين يرفض الغياب. الحرب كانت جريمة مزدوجة من أشعلها ومن صمت عنها، لكنها لم تُطفئ الشعب بل صقلته كما تُصقل السيوف في النار، ومنحته بصيرة لا تُشترى ووعيًا لا يُباع وقوة لا تُقاس بعدد البنادق بل بعدد القلوب التي قررت أن تقول: نحن هنا ولن نغيب. وحدة قوى الهامش المنتجة من مزارعين ورعاة وعمال ونساء وشباب هي التي تنتصر في النهاية، لأنها القوة التي حملت السودان على أكتافها منذ فجر الاستقلال بينما كانت تُقصى عن القرار وتُدفع إلى الظل جيلاً بعد جيل، لكنها اليوم تعود إلى الضوء، تعود إلى مركز الحكاية، تعود لتقول إن الأرض لمن يزرعها والثروة لمن ينتجها والوطن لمن يحميه. اليوم يقف السودان على حافة ميلاد جديد، ميلاد لا يشبه ما قبله، ميلاد تصنعه إرادة الناس لا إرادة النخب، وتصنعه الأرض لا المكاتب، وتصنعه القرى والبوادي لا المدن التي اعتادت أن تتكلم باسم الجميع. هذه ليست مرحلة انتظار بل مرحلة عبور، عبور من الظلم إلى العدالة، من التهميش إلى المشاركة، من الصمت إلى الصوت، من الماضي إلى ما يستحقه هذا الشعب. الشعوب التي تنتج قوتها بيدها لا تُهزم، والشعوب التي تعرف حقيقتها لا تنكسر، والشعوب التي تتحد ولو مرة واحدة تغيّر مصيرها إلى الأبد. سنن الكون لا تقف مع من يشعلون الحروب بل مع من ينهضون من تحتها، ولا تقف مع من يسرقون الأرض بل مع من يزرعونها، ولا تقف مع من يصادرون المستقبل بل مع من يصنعونه. الشعب السوداني نهض، نهض كما ينهض البركان، نهض ليكتب تاريخه بيده، وليثبت للعالم أن إرادة الشعوب — مهما طال الليل — لا تُهزم.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة