حين يتصدّع الداخل وتفقد الذات تماسكها البنيوي والأخلاقي، لا تعود البوصلة ثمرة وعيٍ حرّ أو إرادةٍ سيادية، بل تنزلق طوعاً أو قسراً نحو الخارج. فالدول لا تُستباح بالهزيمة العسكرية وحدها، بل حين تغيب الرؤية الواضحة، ويتحوّل القرار من تعبيرٍ عن وعيٍ جمعي إلى صدى لإراداتٍ أخرى، فيصبح الخارج موجِّهاً للمصير، لا لفرط قوّته، بل لعجز الداخل عن الفعل واستعادة المبادرة. وفي هذا الفراغ، لا يُستدعى الخارج شريكاً، بل يتقدّم وصيّاً على القرار، فتتحوّل العلاقات من توازن المصالح إلى تبعيةٍ مستترة، ومن السيادة إلى إدارةٍ مؤجَّلة لمصيرٍ لم يعد يُصاغ بإرادة الداخل.
لم يكن الخارج يوماً أصل المعضلة، بل كان دائماً المستفيد الأذكى من هشاشة الداخل. فتآكل الثقة بين المجتمع والدولة، وتشظّي النخب بين ولاءاتٍ أيديولوجية وجهوية ومصلحية، جعل القرار الوطني معلقاً في الفراغ، قابلاً للالتقاط من أي قوة تمتلك وضوح الهدف، مهما ابتعدت دوافعها عن مصلحة الوطن.
حين نتأمّل المسار الوطني بعمق، بعيداً عن ضجيج اللحظة، يتّضح أنّ الأزمة لم تكن يوماً في شُحّ الحلول، بل في ضيق الخيال السياسي. فالمعضلة ليست فيما نفعله، بل في حدود ما نجرؤ على التفكير فيه. لقد ظلّ العقل السياسي، لعقودٍ طويلة، أسير أدواتٍ تقليدية، يبدّل الوجوه دون أن يغيّر المنطق، ويستبدل الشعارات من غير أن يراجع الأسس التي قامت عليها الدولة منذ نشأتها الأولى.
إنّ انهيار الداخل جعل البلاد مهيّأة لأن تُدار من خارجها، لا لأن الخارج أقوى بالضرورة، بل لأن الداخل فقد القدرة على تعريف ذاته. وحين تفقد الدولة سرديتها الأخلاقية، تغدو السيادة لفظاً فضفاضاً يُستدعى في الخطب ويُفرَّغ من مضمونه في الواقع. في هذا السياق، لا يعود السؤال الجوهري. كيف نمنع التدخّل الخارجي؟ بل كيف استدعينا هذا التدخّل من حيث لا نشعر، حين عجزنا عن بناء الحدّ الأدنى من التماسك الداخلي.
غير أن استعادة هذا التماسك لا يمكن أن تتم عبر الوصفات الجاهزة التي أثبتت فشلها. فالدولة التي تُدار بمنطق الغلبة لا تُنقذها انتخابات متعجلة، والدولة التي لم تُبنَ على عقد أخلاقي لا تُصلحها التسويات السياسية وحدها. ما يحتاجه الوطن، قبل أيِّ ترتيبٍ إجرائي، هو لحظةُ صدقٍ شجاعة، يُقَرّ فيها بأنّ السياسة، كما مورست، قد استُنزفت أخلاقياً حتى فرغت من جوهرها، وأنّ إعادة تأسيسها لا تبدأ من السلطة، بل من الغاية. من إعادة تعريف السياسة بوصفها مسؤوليةً أخلاقيةً تجاه الإنسان، لا ميداناً لتصفية الحسابات، ولا سوقاً مفتوحاً لاقتسام الغنائم.
إنّ أكثر الأفكار راديكاليةً في السياق الوطني الراهن ليست تصعيد منطق الصراع، بل تعطيله، لا هروباً ولا مواربة، بل انطلاقاً نحو مرحلةٍ تُدار فيها الدولة بعقل الكفاءة وضمير المصلحة العامة، لا بمنطق الاصطفاف الأيديولوجي أو الانتماء الجهوي. مرحلةٌ يُستعاد فيها الاعتبار للخدمة العامة بوصفها تكليفاً أخلاقياً مؤقّتاً لا امتيازاً دائماً. فالدول لا تنهض بتكاثر مراكز القوة، بل حين يُحكَم توظيفها بقيمٍ واضحة، وتُقيَّد ممارستها بحدودٍ صارمة تحفظ الإنسان قبل السلطة.
ولأنّ جوهر الأزمة يستقرّ في دولةٍ مركزيةٍ ابتلعت الوطن، فإنّ التفكير في الحلّ يقتضي مراجعة جذرية، لا بوصفها إجراءً إدارياً محدوداً، بل باعتبارها تحوّلاً فكرياً شاملاً في فهم الدولة ذاتها. فالأوطان لا تنهار حين تتوزّع السلطة، بل حين تُحتكَر. وحين تُمنَح الأقاليم حقّ إدارة شؤونها بوعيٍ ومسؤولية، يتحوّل التنوّع من لعنةٍ مزمنة إلى مصدرٍ للاستقرار، وتغادر الدولة موقع أداة السيطرة إلى فضاء التنسيق، حيث تتوازن السلطة مع العدالة، ويُعاد وصل ما انقطع بين الوطن والدولة.
وفي هذا المسار، لا يجوز أن تظلّ الهامش مجرّد موضوعٍ للشفقة أو ساحةٍ للصراع. فهي الخزان العميق للخبرة الوطنيّة، والمكان الذي دُفعت فيه كلفة الفشل الوطني. إن تحويل الهامش إلى منتجٍ للمعرفة، لا متلقٍّ للقرارات، يُمثّل انقلاباً هادئاً على منطق المركزية التاريخية؛ فالدول لا تتعافى حين تُنصت للنخب وحدها، بل حين تُصغي لمن عاشوا نتائج السياسات لا شعاراتها.
كما أنّ اختزال مسألة السلاح في بعدها الأمني وحده يظلّ معالجةً قاصرة. فالسلاح لم يعد مجرّد أداة عنف، بل أصبح تعبيراً عن هويةٍ مختلّة، وعن تصوّرٍ زائف للقوة والرجولة والحماية. وحين يُنزع عن السلاح غطاؤه الأخلاقي والسياسي، يفقد قدرته على تبرير وجوده وإعادة إنتاج نفسه، ويتحوّل من رمزٍ للسلطة إلى عبءٍ اجتماعي لا يجد من يدافع عنه.
كما أنّ اختزال العدالة في المحاكم واللجان يجعلها هشّة وسهلة التسييس. فالعدالة الحقيقية تبدأ حين تتحوّل إلى وعيٍ يومي، يُغرس في التعليم، ويُناقَش في الإعلام، ويُعاد تأويله في الخطاب الديني والثقافي؛ عدالةٌ لا تقوم على الانتقام، ولا تسمح بالنسيان، بل تُجبر المجتمع على مواجهة ذاته بلا أقنعة.
وفي عالمٍ شديد التعقيد، لا تُحمى الدول بالاصطفاف الأعمى، بل بالقدرة على المناورة الذكية. فالخارج لا يُحيَّد بالشعارات، بل بتشابك المصالح وتعدد الخيارات. الدولة التي يصعب تصنيفها، يصعب احتواؤها. والدولة التي لا تُرهن قرارها لمحور واحد، تحتفظ بهامش حركة أوسع من تلك التي تختبئ خلف حلفٍ واحد.
غير أنّ أخطر ما يواجه الوطن لا يقتصر على القوى المسلحة ولا على التدخّل الخارجي، بل يتمثّل في نخبةٍ تتعامل مع السلطة بوصفها قدراً شخصياً لا مسؤوليةً تاريخية. فالحاجة اليوم ليست إلى نخبةٍ دائمة، بل إلى نخبةٍ انتقالية تُنجز مهمتها في إعادة بناء الوعي، ثم تنسحب قبل أن تتحوّل إلى عبءٍ جديد. وقد أثبتت التجربة أنّ النخب التي لا تعرف متى ترحل، ليست سوى الوجه الآخر للاستبداد.
في الختام، لا يُنقَذ الوطن بوصفةٍ جاهزة، ولا تُرمَّم الدول بقراراتٍ معزولة، بل تنهض حين تملك الشجاعة لمواجهة ذاتها بلا أقنعة. فالأزمة ليست أزمة سلطة أو موارد، بل خلل في الوعي، وضيق في الخيال السياسي، وقطيعة بين الإنسان والدولة، وما لم يُستعاد هذا التوازن من الداخل ستظل الإصلاحات مجرّد إدارةٍ مؤقّتة لأزمةٍ مؤجَّلة. وطريق الخروج لا يبدأ من القمم، بل من إعادة الاعتبار للإنسان بوصفه غاية السياسة، وبناء دولة تُدار بالكفاءة لا بالولاءات، وبالقانون لا بالمزاج، وبالمصلحة العامة لا بمنطق الغلبة. فلا سيادة بلا تماسك داخلي، ولا عدالة إن بقيت شكلاً، ولا أمن بلا أخلاق، ولا اقتصاد بلا كرامة. المطلوب نخباً واعية تدرك أن السلطة مسؤولية عابرة، وتعرف متى تتقدّم ومتى تنسحب. [email protected]
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة