بين تشخيص الأزمة وحسم الدولة: ملاحظات على مقالة د. ناهد محمد الحسن كتبه خالد كودي

مرحبا Guest
اخر زيارك لك: 01-13-2026, 02:17 AM الصفحة الرئيسية

منتديات سودانيزاونلاين    مكتبة الفساد    ابحث    اخبار و بيانات    مواضيع توثيقية    منبر الشعبية    اراء حرة و مقالات    مدخل أرشيف اراء حرة و مقالات   
News and Press Releases    اتصل بنا    Articles and Views    English Forum    ناس الزقازيق   
اراء حرة و مقالات
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى شكل سلسلة « | »
اقرا احدث مداخلة فى هذا الموضوع »
01-11-2026, 05:06 PM

خالد كودي
<aخالد كودي
تاريخ التسجيل: 12-31-2021
مجموع المشاركات: 204

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
مكتبة سودانيزاونلاين
بين تشخيص الأزمة وحسم الدولة: ملاحظات على مقالة د. ناهد محمد الحسن كتبه خالد كودي

    05:06 PM January, 11 2026

    سودانيز اون لاين
    خالد كودي-USA
    مكتبتى
    رابط مختصر






    11/1/2025 خالد كودي، بوسطن

    اطلعت علي مقال للدكتورة المثابرة ناهد محمد الحسن بعنوان "نحو عقد اجتماعي جديد"، وهو نصٌّ حظي بتداول واسع في الوسائط بوصفه محاولة جادّة لتشخيص جذور الكارثة السودانية الراهنة، والبحث عن مخرجٍ نظري وسياسي منها. ويأتي تعليقنا على هذا المقال لا من باب المفاضلة الأخلاقية بين أطراف العنف، ولا من موقع تبرير، بل انطلاقًا من قراءة تاريخية–سياسية لبنية الدولة السودانية نفسها، ولمسار إنتاج العنف فيها، وللمأزق الذي وصلت إليه حين تمرّد "الدعم السريع تحديدا" - الوكيل المسلّح على المركز الذي أنشأه.
    ينطلق مقال الدكتورة ناهد من فرضية أساسية مفادها أن قوات الدعم السريع ليست استثناءً عارضًا في تاريخ الدولة السودانية، بل نتاج مباشر لمنطق حكم اعتمد—منذ الاستقلال—على خصخصة العنف، واستدعاء المليشيات بوصفها أدوات غير رسمية للسيطرة، قبل أن تتحوّل هذه الأدوات، في لحظة مفصلية، إلى قوى مستقلة أربكت الدولة وبنيتها. وهذا التحوّل، من أداة إلى خصم، هو ما يجعل الظاهرة عصيّة على القراءات الأخلاقية المبسّطة أو السرديات التقريرية.
    ومن حيث المنهج والمضمون، يمكن تلخيص الأطروحة المركزية للمقال في النقاط الآتية:
    - الدعم السريع كنتاج بنيوي للدولة: ترى الكاتبة أن نشوء الدعم السريع لم يكن خروجًا عن الدولة، بل تعبيرًا عن منطقها الأمني القائم على العنف بالوكالة، قبل أن تفقد السيطرة عليه.
    - نقد سردية "من صنع الجنجويد": تحاجج بأن الاكتفاء بتحديد المسؤول المباشر عن صناعة المليشيا، رغم أهميته الأخلاقية، لا يكفي لفهم الكارثة، ما لم يُسأل عن سبب لجوء الدولة أصلًا إلى هذا النمط من الحكم.
    - فشل الدولة الوطنية منذ الاستقلال: تُرجع الأزمة إلى عجز الدولة عن تمثيل مجتمعها، وتوزيع الموارد بعدالة، وحماية مواطنيها بالقانون، ما فتح الباب لخصخصة العنف وتحويله إلى لغة حكم واقتصاد وهوية.
    - المليشيا بوصفها فاعلًا اجتماعيًا: تستند إلى مقاربات أنثروبولوجية ترى أن المليشيات لا تُنتَج بالسلاح وحده، بل بالاعتراف الرمزي الذي يمنح السلاح معنى الكرامة والمكانة لجماعات مهمشة.
    - أزمة الجيش كمؤسسة دولة: تطرح سؤال فشل الجيش في التحوّل إلى جيش وطني خاضع للمدنية، وبقائه جيش سلطة مرتبطًا ببنية الحكم لا بالمواطنة.
    - التحذير من الاختزال الأخلاقي: تُنبه إلى مخاطر تحويل ثنائية جلاد/ضحية إلى سياسة دولة، لما يحمله ذلك من تعطيل لمسارات الفهم والمصالحة.
    - تفكيك شروط العنف لا أدواته فقط: تؤكد أن حل المليشيات أو رفع شعار "جيش واحد" لا يكفي دون تفكيك الشروط الاجتماعية والسياسية التي تجعل السلاح خيارًا معقولًا.
    - الدعوة إلى عقد اجتماعي جديد: تختم بالتأكيد على ضرورة عقد اجتماعي جديد يؤسس للمواطنة ويجعل السلاح عبئًا لا امتيازًا، بوصف ذلك شرطًا لنجاة الدولة نفسها.
    تمثّل هذه المقاربة إسهامًا مهمًا في تشخيص الأزمة، غير أنها—كما سنبيّن لاحقًا—تظل محكومة بمنطق التحليل الوصفي وتأجيل الحسم السياسي وتجاهل الواقع وثورة السودان الجديد. فقراءتنا للمشهد لا تنطلق من تقييمٍ أخلاقي ثابت للفاعلين، بل من فهمٍ تاريخي لحالة حركة وتقاطعات يعيشها الواقع السوداني، ولمواضع القوى المختلفة داخله قياسًا على مبادئ مشروع السودان الجديد وأفق الكتلة التاريخية الممكنة.
    في هذا الإطار، لا يُقرأ الدعم السريع (وغيره من القوي المسلحة طبعا) كجوهرٍ ثابت أو كيانٍ معزول، بل كعرضٍ تاريخي لأزمة دولة قديمة اعتمدت العنف بالوكالة، ثم دخلت طور الانهيار حين تمرّد هذا العنف على البنية التي أنشأته. فـلا يوجد شيء ثابت في الكون؛ هذه ليست استعارة بل حقيقة علمية تأسيسية، من فيزياء نيوتن إلى نسبية أينشتاين، ومن ميكانيكا الكم إلى فلسفات المعرفة المعاصرة. فالمادة نفسها في حالة حركة وتحول دائمين، والأنظمة—الطبيعية والاجتماعية—لا تستقر إلا مؤقتًا قبل أن تعيد تشكيل ذاتها تحت ضغط التناقضات الداخلية.
    في علم الفيزياء، يبيّن أينشتاين أن الزمان والمكان ليسا إطارين ثابتين، بل يتغيران بتغير الطاقة والحركة؛ وفي علم الأنظمة المعقّدة، يوضح إيليا بريغوجين أن البُنى حين تبتعد عن التوازن تنتج أشكالًا جديدة غير متوقعة. وبالمثل، في الإبستمولوجيا والعلوم الاجتماعية، يؤكد كارل بوبر وتوماس كون أن الوقائع والمعارف تتغير بتغير الشروط والنماذج الحاكمة، وأن الأزمات تفتح لحظات انتقال تتبدل فيها المواقع والوظائف.
    وعليه، فالسؤال الحاسم ليس توصيف الفاعل في لحظة ساكنة، ولا تثبيته في صورة أخلاقية نهائية، بل: أين يتموضع—في لحظة التحوّل—من مشروع يعيد تأسيس الدولة نفسها؟ فالمعنى السياسي يتحدد بالحركة والاتجاه، لا بالجوهر المزعوم ولا بالأصل الثابت.
    بهذا المعنى، لا يقوم السودان الجديد على تبرير العنف أو شرعنة المليشيات، بل على تفكيك الشروط البنيوية التي أنجبتها، وإعادة بناء الدولة على أسس علمانية، ديمقراطية، ولا مركزية، مع جيش وطني جديد خاضع للمدنية والعدالة التاريخية. ومن ثمّ، تُقاس المواقف لا بالهويات العسكرية ولا بالاصطفافات الظرفية، بل بمدى الالتزام العملي بهذه المبادئ والاستعداد للانخراط في مسار التحوّل التاريخي.
    ومن هنا د. ناهد، يغدو الاكتفاء بالتشخيص دون الانتقال إلى تحديد موقف من مشروع قائم وفاعل على الأرض قصورًا منهجيًا. فالحسم السياسي لم يعد ترفًا فكريًا، بل شرطًا واقعيًا للخروج من مأزق الدولة السودانية وبناء أفق تأسيسي جديد!

    أولًا: الاتفاق الظاهري… والقصور البنيوي
    تُصيب د. ناهد حين تؤكد أن الدعم السريع لم يكن حادثًا عارضًا، بل نتاج دولة استخدمت العنف بالوكالة، وخصخصت القمع، ثم فقدت السيطرة على أدواته. هذا توصيف سليم، معروف في علم الاجتماع السياسي (من تشارلز تيلي إلى جويل ميغدال)، ولا خلاف عليه داخل أدبيات السودان الجديد.
    غير أن المشكلة لا تبدأ هنا، بل فيما يلي هذا التشخيص. فالمقال يتوقف عند مستوى تحليل الظاهرة، ويؤجل – أو يفرغ – سؤال القطيعة السياسية اللازمة مع الدولة التي أنتجتها. وهنا يقع القصور الجوهري!
    السودان الجديد لا يكتفي بالسؤال:
    لماذا احتاجت الدولة إلى هذه الأداة؟
    بل يذهب مباشرة إلى السؤال الذي يتجنبه المقال:
    لماذا يجب إنهاء هذه الدولة بوصفها إطارًا تاريخيًا، لا إصلاحها؟
    ثانيًا: حين تتحوّل الأسئلة الصحيحة إلى تعطيلٍ سياسي
    - تطرح د. ناهد محمد الحسن مجموعة أسئلة تبدو، للوهلة الأولى، عميقة ومشروعة في حقل علم الاجتماع السياسي، من قبيل: لماذا فشلت الدولة في إنتاج ولاء مدني؟ ولماذا لم يتحوّل الجيش إلى جيش دولة؟ ولماذا استُدعيت الأقاليم بوصفها خزانًا للدم والسلاح؟ غير أن الإشكال لا يكمن في صحة هذه الأسئلة، بل في الطريقة التي تُؤطَّر بها معرفيًا وسياسيًا. إذ تُقدَّم بوصفها أسئلة مفتوحة، مؤجَّلة الحسم، وكأننا ما زلنا في لحظة ما قبل الاكتشاف النظري، لا في مرحلة ما بعد تراكم تاريخي طويل من الإجابات والتجارب!
    - هذا النمط من الطرح يعكس ما وصفه أنطونيو غرامشي بـ"أزمة المثقف العضوي"، حين تتحوّل المعرفة من أداة تغيير إلى خطاب تأملي يصف الأزمة دون أن يقطع مع شروط إنتاجها. فالأسئلة، حين تُفصل عن حاملها السياسي والاجتماعي، لا تعود مدخلًا للفعل، بل تتحوّل إلى آلية إرجاء تُعيد إنتاج الوضع القائم تحت غطاء العمق والتحليل.
    - والواقع أن هذه الأسئلة لم تعد بلا إجابات. فقد جرى تفكيكها تاريخيًا من داخل الهامش نفسه، لا بوصفه موضوعًا للدراسة وحسب، بل باعتباره فاعلًا سياسيًا منتجًا للمعرفة. ففشل الدولة في إنتاج ولاء مدني ليس لغزًا سوسيولوجيًا، بل نتيجة مباشرة لكونها دولة نخبة مركزية تأسست منذ الاستقلال على الإقصاء البنيوي، كما بيّن ذلك مفكرون مثل محمود ممداني في تحليله للدولة ما بعد الاستعمار بوصفها دولة "مواطنة ناقصة" تُدار عبر التفريق لا الاندماج- كما فعل الكثير من مفكري السودان الجديد. وكذلك فإن عجز الجيش عن التحول إلى جيش دولة لا يُفسَّر بعطب مهني، بل بكونه جيش سلطة تشكّلت عقيدته لحماية النظام ومصالح النخب لا المجتمع، وهو ما يجعل إصلاحه من داخل بنيته القديمة وهمًا سياسيًا. أما استدعاء الأقاليم كوقود للحرب، فهو نتيجة منطقية لإخراجها تاريخيًا من العقد الاجتماعي، ثم إعادة إدخالها بوصفها موردًا للعنف لاغير.
    - هنا يتضح القصور في كثير من الأدب السياسي الذي تنتجه النخب المستنيرة: الميل إلى طرح الأسئلة الكبرى دون الانتقال إلى نتائج سياسية حاسمة. وهذا ما سمّاه بيير بورديو "العنف الرمزي للحياد"، حيث يبدو الخطاب موضوعيًا ومحايدًا، لكنه في الواقع يُجمِّد علاقات القوة بدل تفكيكها. فالحياد في لحظة تأسيسية ليس موقفًا علميًا، بل خيارًا سياسيًا غير مُعلَن... ولا شنو؟
    - في المقابل، لا يعيد مشروع السودان الجديد طرح هذه الأسئلة بوصفها ألغازًا نظرية، بل يتعامل معها كوقائع تاريخية تستوجب نتائج عملية: لا جيش وطني دون تفكيك العقيدة العسكرية القديمة؛ لا عقد اجتماعي جديد دون الإقرار بحق تقرير المصير المشروط بوصفه ضمانة للوحدة الطوعية؛ لا ولاء مدني دون عدالة تاريخية تعيد تعريف المواطنة؛ ولا تفكيك للمليشيات دون تفكيك الدولة التي أنجبتها. بهذا المعنى، ينتقل المشروع من مستوى التشخيص إلى مستوى القطيعة التأسيسية، وهو انتقال تتردّد النخب الأكاديمية في الإقدام عليه، ليس لنقص في المعرفة، بل لأن نتائجه تمسّ موقعها الرمزي داخل بنية الدولة القديمة.
    - ومن هنا، فإن تحوّل الأسئلة الصحيحة إلى تعطيل سياسي لا يعود إلى قصور معرفي، بل إلى خوف بنيوي من الحسم؛ خوف من الاعتراف بأن الأزمة لم تعد أزمة سياسات أو أدوات، بل أزمة دولة وهوية وسلطة. وفي هذا السياق، تصبح إعادة طرح الأسئلة نفسها، دون تبنّي نتائجها، شكلًا من أشكال المحافظة المقنّعة، مهما بدت اللغة نقدية أو تقدمية.

    ثالثًا: الخطر الحقيقي ليس "السرديات الحاسمة" بل الحياد الزائف
    تحذّر د. ناهد من "السرديات الحاسمة" بدعوى أنها قد تُغلق أفق الحل. هذا التحذير يبدو، في ظاهره، عقلانيًا ومتّزنًا، لكنه في السياق السوداني ينطوي على إشكالٍ سياسي ومعرفي عميق، لأنه يُخطئ في تحديد موضع الخطر الحقيقي. فالمشكلة ليست في الوضوح التحليلي، بل في الحياد الزائف الذي يُسوّي بين مواقع غير متكافئة للقوة، ويُنتج غموضًا أخلاقيًا يُعطّل العدالة بدل أن يفتح أفقها!
    في علم النفس الاجتماعي، لا يُفهم ما يُسمّى أحيانًا "التبسيط الأخلاقي" (جلاد/ضحية) بوصفه دائمًا آلية دفاعية مرضية أو اختزالًا ساذجًا. فبحسب أعمال فيليب زمباردو وألبرت باندورا حول العنف المؤسسي ونزع الإنسانية، فإن تسمية البنية المسؤولة عن العنف بوضوح ليست اختزالًا، بل لحظة وعي تاريخي ضرورية لكسر آليات التبرير والتطبيع. وبالمثل، يبيّن إيريك فروم الذي اشرنا اليه في مقالات عدة، أن الخلط بين المعتدي والمُعتدى عليه تحت شعار "التعقيد" يُفضي إلى شلل أخلاقي، ويمنح العنف شرعية ضمنية.
    أما الخطر الحقيقي، فهو ما يمكن تسميته بـ"المعادلة الرمادية المصطنعة" التي:
    - تُساوي بين العنف البنيوي للدولة والعنف المقاوم بوصفهما ظاهرتين متماثلتين،
    - تُطالب الضحية بـ"الفهم" و"التحفّظ"، بينما تُعفي البنية المعتدية من التفكيك والمساءلة،
    - وتستبدل العدالة بخطاب المصالحة بوصفها حلًا سابقًا لأوانه!
    هذا المنطق حذّر منه فرانتز فانون صراحة حين اعتبر أن دعوات التهدئة الأخلاقية في سياق الاستعمار والعنف البنيوي ليست بريئة، بل تؤدي وظيفة سياسية هي تحييد فعل التحرّر. كما نبّهت هانا آرندت إلى أن الخلط بين العنف والسلطة، أو بين المقاومة والهيمنة، يُنتج قراءة أخلاقية تُخفي علاقات القوة بدل كشفها. وفي السياق الأفريقي، يؤكد أشيل مبيمبي أن "الحياد" في مواجهة عنف الدولة هو شكل من أشكال الانحياز المقنّع، لأنه يُبقي السيادة القاتلة خارج المساءلة.
    من هذا المنظور، يتجاوز الهامش السوداني الواعي—سياسيًا ومعرفيًا—خطاب التحذير من "السرديات الحاسمة". فالهامش لم يعد "موضوعًا للمصالحة" تُدار باسمه عمليات التهدئة الرمزية، بل فاعلًا تاريخيًا يضع شروط العدالة أولًا، ثم يحدّد أفق المصالحة بوصفها نتيجة لا بديلًا. وكما تقول نانسي فريزر، لا معنى للمصالحة دون تفكيك بُنى الهيمنة وإعادة توزيع الاعتراف والحقوق؛ وإلا تحوّلت إلى أداة لإعادة إنتاج الظلم.
    وعليه، فإن الوضوح في تسمية العنف ومنتجيه ليس إغلاقًا لأفق الحل، بل شرط فتحه. أما الخطر الحقيقي، فليس في الحسم، بل في تعليق السياسة باسم التعقيد، وإدامة اللاقرار باسم "الحياد"—وهو حياد لا يخدم، في النهاية، إلا استمرار البنية التي أنتجت العنف أصلًا.

    رابعًا: حين يتجاوز الهامش موقع "الموضوع" وتتعثر النخبة في التقاط التحوّل
    تشير الأدبيات المعاصرة في الأنثروبولوجيا النقدية ودراسات ما بعد الاستعمار—من ليندا توهيواي سميث إلى أشيل مبيمبي—إلى تحوّل معرفي عميق: المجتمعات التي خضعت طويلًا للاستعمار أو للدولة الإقصائية لم تعد تنتظر تفسير النخب ولا تمثيلها الرمزي، بل أصبحت تنتج خطابها السياسي وأطرها النظرية الخاصة انطلاقًا من خبرتها التاريخية المباشرة، فمن المهم عدم تجاهل "ادب مشروع السودان الجديد".
    المعرفة، في هذا السياق، لم تعد حكرًا على المركز، بل باتت ممارسة سياسية تتشكل من الأسفل.
    هذا التحوّل الجوهري هو ما تتحاشاه—وعيًا أو لا وعيًا—مقاربة د. ناهد محمد الحسن. فالمقال، رغم حساسيته التحليلية، يتعامل مع الهامش بوصفه حقلًا للسؤال لا مصدرًا للإجابة، وبوصفه فضاءً اجتماعيًا يحتاج إلى إعادة دمج أو معالجة، لا فاعلًا تاريخيًا أعلن بالفعل مشروعه وبذله ولايزال سياسيًا وعسكريا وتنظيميًا. هذا التجاهل لا يعود إلى نقص في المعلومات، بل إلى ما يمكن تسميته—وفق بيير بورديو—بـ"تحيّز الحقل المعرفي": حيث تميل النخب الأكاديمية إلى إعادة إنتاج موقعها بوصفها الجهة المخوّلة بالتفسير، حتى حين يتغيّر الواقع الذي يُفترض تفسيره!
    الهامش السوداني، في هذا المعنى، تجاوز منذ زمن موقع "المادة الخام" للتحليل:
    - لم يعد يسعى إلى الاندماج داخل الدولة القائمة، بل إلى إعادة تأسيسها.
    - لم يعد ينتظر إصلاح الجيش من المركز، بل يطالب بتفكيك عقيدته وإعادة بنائه.
    - ولم يعد يقبل أن يُختزل في دراسات عن اقتصاد الحرب أو العنف، بينما يتجاهَل مشروعه السياسي المعلن!
    لقد قدّم الهامش—عبر حركاته السياسية والعسكرية والتنظيمية—إجابات تأسيسية واضحة: علمانية بوصفها شرط دولة، لا بند تفاوض؛ لا مركزية حقيقية تفكك احتكار السلطة؛ حق تقرير المصير كضمان للوحدة الطوعية؛ جيش وطني جديد منضبط للسلطة المدنية؛ وعدالة تاريخية تعيد تعريف المواطنة بدل الاكتفاء بمصالحات شكلية. هذه ليست أطروحات نظرية قيد التشكل، بل مشروع سياسي مُعلن ومبذول.
    إن تحاشي هذا الواقع في التحليل الأكاديمي يمكن فهمه، من منظور علم النفس الاجتماعي، بوصفه استجابة لـ"تهديد المكانة"؛ فاعتراف النخبة بأن الهامش صار منتجًا للمعرفة السياسية يقتضي إعادة توزيع السلطة الرمزية داخل المجال العام. لذلك تُفضِّل بعض الكتابات البقاء في مستوى الأسئلة المفتوحة، لأنها تُبقي للنخبة دور الوسيط والمُفسِّر، بدل الاعتراف بأن الإجابات قد صيغت بالفعل خارج هذا الدور...انها امام اعين الجميع.
    وعليه، فإن الإشكال ليس في غياب الأسئلة، بل في رفض الاعتراف بالإجابات حين تأتي من خارج المركز. ففي اللحظة التي يصبح فيها الهامش منتجًا للعقد الاجتماعي، لا يعود تحليل الأزمة ممكنًا دون الإصغاء إلى هذا المشروع بوصفه مرجعية سياسية كاملة، لا مادةً إضافية للنقاش.

    خامسًا: العقد الاجتماعي الجديد—من الفكرة المعيارية إلى الصراع التأسيسي
    تختتم د. ناهد محمد الحسن بالدعوة إلى "عقد اجتماعي جديد يجعل السلاح عبئًا لا امتيازًا". وهي صيغة أخلاقية جاذبة، لكنها تظل—إذا بقيت عند هذا المستوى—تجريدية سياسيًا، لأنها لا تُجيب عن سؤال القوة الذي يشكّل جوهر كل عقد اجتماعي تاريخيًا: من يفرض العقد؟ وبأي ميزان قوى؟ وضد أي بنية دولة قائمة؟
هنا تحديدًا يتبدّى الفارق بين طرحٍ معياري يطمح إلى التوافق، ومسارٍ تاريخي أدرك أن التوافق لا يُنتَج خارج الصراع.
    الهامش السوداني تجاوز هذا المستوى فعليًا. لم يتوقف عند توصيف الحاجة إلى عقد جديد، بل انتقل إلى بناء شروطه المادية والسياسية. فكما يذكّرنا أنطونيو غرامشي، لا تُولد العقود الاجتماعية في "الفراغ الأخلاقي"، بل في لحظات أزمة الهيمنة حين تفقد الدولة القديمة قدرتها على فرض تصورها للعالم، ويظهر فاعلون جدد يقدّمون تعريفًا بديلًا للشرعية. وفي هذا المعنى، فإن "السودان الجديد" لا يقترح عقدًا بوصفه فكرة، بل يخوض صراعًا على من يملك حق تعريف الوطنية والدولة والجيش.
    تجارب التحوّل الكبرى تؤكّد هذه القاعدة. فتوماس هوبز نفسه—رغم طابعه السلطوي—ربط العقد الاجتماعي بالخوف من العنف القائم لا بالأمن المتخيَّل. وجان جاك روسو لم يتحدث عن عقدٍ يوقَّع بين أطراف متساوية سلفًا، بل عن صيرورة تنتزع فيها الإرادة العامة نفسها من بنى الامتياز. أما فرانتز فانون فكان أكثر صراحة حين أكّد أن الدولة ما بعد الاستعمار لا يمكن إعادة تأسيسها بأدوات الدولة الاستعمارية نفسها، لأن "النظام القديم لا يتنازل طوعًا عن امتيازاته"!
    من هذا المنظور، يقدّم مشروع السودان الجديد إجابات عملية تجاوزت—من حيث الفعل—ما تطرحه د. ناهد على أهميته النظرية:
    - لا عقد اجتماعي دون كسر احتكار المركز لتعريف الوطنية والشرعية.
    - لا دولة مستقبل دون تفكيك دولة 1956 بوصفها بنية امتياز لا عقد مواطنة.
    - لا جيش واحد دون إنهاء الجيش القديم كجهاز حارس للتراتبية التاريخية، وإعادة بنائه على أسس مدنية جديدة.
    هذه ليست شعارات تفاوضية، بل خلاصات صراع طويل خاضه الهامش بوصفه فاعلًا واعيًا، لا طرفًا يطلب الإدماج. وفي هذا يلتقي السودان الجديد مع تجارب إنسانية معروفة: من جنوب أفريقيا حيث سبق تفكيك منظومة الأبارتهايد أي حديث جاد عن عقد وطني، إلى أميركا اللاتينية حيث لم تُكتب دساتير ما بعد الديكتاتوريات إلا بعد هزيمة منظومات القوة القديمة أو تحييدها.
    وعليه، فالعقد الاجتماعي الجديد—كما يعلّمنا التاريخ—ليس وثيقة نوايا ولا إجماعًا أخلاقيًا، بل نتيجة صراع تأسيسي يعاد فيه توزيع السلطة والمعنى معًا. والهامش السوداني اليوم لا يقف عند عتبة السؤال، بل في قلب هذا الصراع، منتجًا لشروط العقد، لا منتظرًا اعترافًا به.

    خاتمة: حين يفقد انفصال النخب معناه
    يقدّم مقال د. ناهد محمد الحسن اجتهادًا تحليليًا مهمًا من داخل تقاليد التفكير الإصلاحي للنخب السودانية المستنيرة، غير أنّ مأزقه الأساسي لا يكمن في ضعف الأسئلة، بل في انفصال موقع إنتاجها عن التحوّلات الفعلية الجارية على الأرض. فهذا النوع من الكتابة يفترض—ضمنيًا—أن النخبة ما تزال قادرة على تأطير اللحظة التاريخية، وضبط إيقاعها، وتحديد شروط الانتقال، في وقتٍ تجاوز فيه الواقع هذا الدور فعليًا.
    في السياق السوداني الراهن، لم يعد انفصال النخب عن مراكز الفعل مجرد قصور تحليلي يمكن تجاوزه بالنقاش، بل أصبح عديم الجدوى سياسيًا. فالهامش، الذي ظل لعقود موضوعًا للتمثيل أو مادةً للبحث، انتقل إلى موقع الفعل التاريخي، وراكم إنجازات ملموسة في التنظيم والإدارة والسيادة المجتمعية، وأنتج مشروعًا سياسيًا معلنًا لإعادة تأسيس الدولة. هذا التحول ليس افتراضًا نظريًا ولا رغبة أيديولوجية، بل واقعًا لا يمكن شطبه أو الرجوع عنه بقراءة نخبوية—مهما بلغت دقتها اللغوية أو أخلاقيتها.
    إن تجاهل ما تحقق من الهامش—أو التعامل معه بوصفه "إحدى الاحتمالات" لا المسار القائم—لا يعكس حذرًا علميًا، بل استمرارًا في مخيال نخبوّي قديم يرى السياسة تُصاغ من أعلى، ويُمنح فيها الاعتراف لاحقًا لمن "يثبت أهليته". هذا المنطق لم يعد صالحًا في لحظة أعادت فيها المجتمعات المهمّشة تعريف ذاتها بوصفها صانعة للمصير، لا طالبة إدماج ولا موضوع تسوية.
    من هنا، فإن الإشكال الجوهري ليس في اختلاف التقديرات، بل في محاولة إعادة فتح أسئلة حُسمت تاريخيًا بالفعل: طبيعة الدولة، شكل الجيش، معنى المواطنة، وحدود المركز. هذه ليست مسائل قابلة للإرجاء أو للمراجعة وفق تصوّرات النخب، لأنها انتقلت من حقل الجدل إلى حقل الممارسة. ومهما كانت الرغبة في "فتح الأفق"، فإن الأفق نفسه قد تغيّر، ولم يعد يُدار من مركز واحد!
    وعليه، فإن التفوّق الذي يحققه مشروع السودان الجديد لا ينبع من ادّعاء امتلاك الحقيقة، بل من مطابقته لميزان التاريخ الراهن: حيث لم تعد السياسة تُكتب في الصالونات، ليس في المركز، ولا تُدار بالمسافة الآمنة من الفعل، بل تُصنع في ميادين المواجهة، والتنظيم، وبناء البدائل.
وفي هذه اللحظة تحديدًا، لا يعود السؤال: هل تقبل النخب بهذا التحوّل؟
بل: هل تملك ترف تجاهله؟
    مع التقدير للدكتورة ناهد محمد الحسن.

    النضال مستمر والنصر اكيد.

    (أدوات البحث والتحرير التقليدية والإليكترونية الحديثة استخدمت في هذه السلسلة من المقالات)

























                  


[رد على الموضوع] صفحة 1 „‰ 1:   <<  1  >>




احدث عناوين سودانيز اون لاين الان
اراء حرة و مقالات
Latest Posts in English Forum
Articles and Views
اخر المواضيع فى المنبر العام
News and Press Releases
اخبار و بيانات



فيس بوك تويتر انستقرام يوتيوب بنتيريست
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة
About Us
Contact Us
About Sudanese Online
اخبار و بيانات
اراء حرة و مقالات
صور سودانيزاونلاين
فيديوهات سودانيزاونلاين
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
منتديات سودانيزاونلاين
News and Press Releases
Articles and Views
SudaneseOnline Images
Sudanese Online Videos
Sudanese Online Wikipedia
Sudanese Online Forums
If you're looking to submit News,Video,a Press Release or or Article please feel free to send it to [email protected]

© 2014 SudaneseOnline.com

Software Version 1.3.0 © 2N-com.de