من ذكرى محمود محمد طه إلى أفق الدولة التأسيسية الدعم السريع، القطيعة مع الكيزان، وإمكانات بناء السودان الموحد
د. أحمد التيجاني سيد أحمد ١١يناير ٢٠٢٦ – إيطاليا
في ذكرى اغتيال المفكر السوداني الأستاذ محمود محمد طه، تعود الأسئلة التي حاولت محكمة الردة إعدامها مع الرجل: أسئلة الدولة، والدين، والسلطة، والحرية. لم يكن إعدام محمود محمد طه حدثًا عابرًا في تاريخ السودان، بل كان إعلانًا مبكرًا عن طبيعة المشروع الذي حكم البلاد لاحقًا: مشروع دولة دينية شمولية لا تحتمل الاختلاف، ولا تقبل الحياد، ولا ترى في الدولة سوى أداة قمع باسم السماء.
في هذا السياق، جاء مقال الأستاذ نجم الدين دريسة، المنشور في منصة التنوير، ليستدعي الذكرى لا بوصفها طقسًا تأبينيًا، بل بوصفها محكمة أخلاقية وفكرية للتاريخ السوداني، وسؤالًا مباشرًا عن علاقة الدين بالسلطة، وعن الكلفة الباهظة لتسييس العقيدة. من هذا المدخل، تبرز أهمية مرافعة الأستاذ عبد الله القراي حول “حياد الدولة”، بوصفه المبدأ الذي دُفع ثمنه دمًا، ولا يزال شرطًا لا غنى عنه لأي مشروع وطني جديد.
الحياد الذي يدافع عنه القراي ليس حيادًا بين الجلاد والضحية، ولا مساواة بين مشروع القتل ومشروع الحياة، بل حياد الدولة تجاه الأيديولوجيا، وانحيازها الكامل للمواطنة والحقوق. وهذا هو جوهر الصراع السوداني اليوم، وهو الإطار الصحيح لفهم الحرب الجارية: صراع بين مشروع شمولي قديم، ومسار تأسيسي يسعى لبناء دولة حديثة متعددة.
في هذا السياق، لا بد من تثبيت حقيقة تاريخية وسياسية: فقد نشأ في مرحلة سابقة تحالف بين قوات الدعم السريع والحركة الإسلامية (الكيزان). لم يكن ذلك التحالف تحالف قيم أو رؤية وطنية، بل تحالف استخدام متبادل فرضته موازين القوة آنذاك. الحركة الإسلامية لم ترَ في الدولة سوى غنيمة، ولا في القوى المسلحة سوى أدوات مؤقتة لإعادة إنتاج دولة التمكين. وعندما اندلعت الحرب، راهن الكيزان على الفوضى الشاملة، وعلى إنهاك المجتمع، وعلى إعادة معادلتهم القديمة: الخراب مقابل “الأمن”، والدم مقابل “الإنقاذ”.
غير أن هذا المشروع بلغ نهايته التاريخية. فقد تبيّن أن الاستمرار في هذا التحالف يعني إحراق السودان بالكامل، بلا دولة وبلا مستقبل. هنا جاءت لحظة الانفصال بين الدعم السريع والحركة الإسلامية، لا كمناورة تكتيكية، بل كقطيعة سياسية وأخلاقية مع مشروع ثبت فشله وإجرامه. هذه القطيعة، بكل ما أحاط بها من تعقيد وجدال، تمثل أحد مفاصل التحول في الحرب، لأنها كسرت احتكار الكيزان للسلاح ولخطاب “الدولة”.
الانحياز إلى الشعب في زمن الحرب ليس بيانًا سياسيًا، بل قرار مكلف. فالدعم السريع، بحكم انتشاره في الهامش، وسيطرته على مساحات واسعة من جغرافيا الإنتاج الزراعي والرعوي، وجد نفسه أمام خيار تاريخي: إما أن يكون أداة لإعادة المركز القديم، أو أن ينخرط في مسار تحوّل يقطع مع الأيديولوجيا الشمولية، ويفتح الباب أمام دولة جديدة. اختيار المسار الثاني هو ما يفسر اليوم التقاطع الموضوعي مع مشروع التأسيس.
التأسيس هنا لا يُفهم بوصفه سلطة عسكرية، ولا حكومة طوارئ، بل بوصفه أفق دولة. أفق يعيد تعريف السلطة باعتبارها عقدًا اجتماعيًا، لا غلبة سلاح؛ ويعيد تعريف الموارد باعتبارها حقًا عامًا، لا ريعًا محتكرًا. السودان، في جغرافيته الممتدة من كردفان ودارفور إلى الشرق والوسط، يملك إمكانيات هائلة: أراضٍ زراعية شاسعة، ثروة حيوانية ضخمة، موارد طبيعية غير مستغلة، ومجتمعات منتجة حُرمت طويلًا من عوائد عملها.
في هذا الإطار، تصبح أراضي التأسيس – بما تمثله من جغرافيا محررة ومنتجة – قاعدة مادية لبناء دولة حديثة. دولة تستثمر الزراعة والثروة الحيوانية والصناعات المرتبطة بها، لا لصالح شبكات طفيلية، بل لصالح المنتجين والمجتمعات المحلية. هذا التحول الاقتصادي هو الوجه الآخر للتحول السياسي: فلا دولة مدنية بلا اقتصاد منتج، ولا سيادة بلا عدالة في توزيع الموارد.
الدعم السريع، بصفته قوة أمر واقع، لا يكتسب مشروعيته من السلاح، بل من استعداده للاندماج في هذا الأفق التأسيسي، والخضوع لمسار سياسي مدني، تكون فيه البندقية مرحلة انتقالية لا عقيدة دائمة. والتأسيس، من جهته، لا ينجح دون قوى واقعية تقبل بتحويل السيطرة الميدانية إلى سلطة دولة، لا إلى فوضى جديدة.
استدعاء ذكرى محمود محمد طه، كما فعل مقال نجم الدين دريسة، ليس حنينًا إلى الماضي، بل محاكمة للراهن واستشراف للمستقبل. فالرجل الذي قُتل باسم الشريعة، كان يدافع عن دولة الحياد والحرية، وهي ذات الدولة التي يسعى إليها مشروع التأسيس اليوم. بين الأمس واليوم، تتكرر الأسئلة، لكن الفرصة هذه المرة لا تزال قائمة: فرصة تحرير السودان من دولة الأيديولوجيا، وبنائه كدولة تأسيس سودانية موحدة، جامعة، وقادرة على تحويل مواردها الهائلة إلى حياة كريمة لمواطنيها.
نجاح هذا المسار مرهون بشرط واضح: أن يتحول التأسيس من واقع عسكري إلى عقد وطني مدني، تُعاد فيه الدولة إلى شعبها، وتُقطع فيه الصلة نهائيًا بين الدين والسلطة، وبين السلاح واحتكار الحقيقة.
فقرة تنفيذية: خارطة طريق للزراعة والثروة الحيوانية في دولة التأسيس
يمثل قطاعا الزراعة والثروة الحيوانية العمود الفقري لأي مشروع جاد لبناء دولة تأسيس سودانية حديثة. فالسودان لا يعاني من فقر في الموارد، بل من سوء إدارتها واحتكار عوائدها لصالح شبكات طفيلية. وعليه، تقوم خارطة الطريق التنفيذية المقترحة على خمس ركائز مترابطة:
أولًا: استعادة حقوق المنتجين. وذلك عبر إعادة توجيه عوائد الزراعة والثروة الحيوانية إلى المزارعين والرعاة والمنتجين الصغار، وإنهاء سيطرة الوسطاء والواجهات الاستثمارية المرتبطة بالدولة القديمة. يشمل ذلك إصلاح نظم التسعير، والشراء المباشر، والتمويل الصغير، والتأمين الزراعي والرعوي.
ثانيًا: بناء مؤسسات تأسيسية للقطاع. عبر إنشاء هيئات وطنية مهنية للزراعة والثروة الحيوانية تعمل وفق مبادئ الشفافية واللامركزية، وتخضع لسلطة مدنية، وتُمثل فيها الأقاليم المنتجة تمثيلًا حقيقيًا.
ثالثًا: ربط الإنتاج بالقيمة المضافة. وذلك بالانتقال من تصدير المواد الخام إلى تطوير سلاسل القيمة: التصنيع الغذائي، اللحوم، الألبان، الجلود، والصناعات المرتبطة بها، بما يخلق فرص عمل ويعزز السيادة الاقتصادية.
رابعًا: الاستثمار في البنية التحتية والمعرفة. يشمل ذلك المياه، الطرق الريفية، التخزين، الخدمات البيطرية، البحث الزراعي، ونقل التقانات المناسبة للبيئات المحلية، لا النماذج المستوردة المعزولة عن الواقع.
خامسًا: توظيف الجغرافيا المحررة كقاعدة انطلاق. إذ تشكل أراضي التأسيس في كردفان ودارفور وغيرها قاعدة عملية لتجريب هذا النموذج، وتحويل السيطرة الميدانية إلى تنمية حقيقية، تُثبت أن الدولة الجديدة قادرة على تحسين حياة الناس، لا إدارة الحرب فقط.
هذه الخارطة ليست برنامجًا تقنيًا فحسب، بل جزء لا يتجزأ من مشروع سياسي أوسع: مشروع نقل السودان من دولة الريع والحرب إلى دولة الإنتاج والسلام.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة