في تاريخ الشعوب، لا تكون اللجان مجرد هياكل إجرائية أو عناوين بيروقراطية عابرة، بل تتحول – حين تفشل – إلى شواهد إدانة أخلاقية وسياسية، وإلى مرايا تعكس حجم الانحطاط الذي بلغته السلطة، ومدى استهانتها بالعدالة ودماء الضحايا. ومن لجنة أديب إلى لجنة سلمان، تتكرر المأساة ذاتها: الحقيقة مؤجلة، والعدالة مؤجلة، والمجرم في أمان. لجنة أديب: تسويف باسم الحكمة واستسلام باسم القانون لجنة أديب، التي عُلِّقت عليها آمال واسعة بوصفها بوابة الحقيقة والقصاص، سرعان ما تحولت إلى نموذج فجّ للتسويف الممنهج. لجنة لم تعرف الخالق ولا احترمت القانون، فآثرت الصمت على قول الحق، وقدّمت الأعذار الواهية بدل النتائج. ظلّ رئيسها يلوّح بأن إعلان النتائج قد يؤدي إلى “أزمة سياسية”، وكأن دماء الشهداء أقل شأناً من توازنات النخب، وكأن العدالة رفاه يمكن تأجيله حتى إشعار آخر. لكن المفارقة الفاضحة أن البلاد، بفعل عصابة العشرة ومن خلفها الحركة الإجرامية المنظمة، أُدخلت في أتون الحرب والخراب والانقسام، ولم يجد أديب – رغم كل ذلك – مبرراً كافياً لإعلان الحقيقة. فهل كانت الأزمة السياسية أخطر من الانهيار الشامل؟ أم أن الصمت كان خياراً مقصوداً، لا عجزاً عارضاً؟ إن لجنة أديب، بصمتها وترددها، لم تكتفِ بخذلان الشهداء، بل وفّرت مظلة أمان للمجرمين، وأرسلت رسالة قاسية مفادها أن القتل يمكن أن يمر بلا حساب، إذا ما أُحسن تغليفه بلغة القانون والسياسة. لجنة سلمان: بلا تفويض أخلاقي ولا سند قانوني أما لجنة سلمان، فهي حلقة أخرى في سلسلة العبث. لجنة لا تملك التفويض الأخلاقي، ولا الشرعية القانونية، لأنها تعمل في ظل سلطة غير قانونية، نتاج مباشر لانقلاب أطاح بكل ما تبقى من حلم الدولة المدنية فهى مقيدة ومنزوعة الشرعية. هي سلطة امتداد تاريخي لانقلابات الخراب: من انقلاب مايو 1969، الذي كان أول من دقّ إسفين العسكرة في قلب جامعة الخرطوم ومكانتها العلمية، وصولاً إلى انقلاب 1989 الذي انتهى بالتجريف الكامل، ليس للجامعة وحدها، بل للمجتمع والدولة معاً. هذه الجامعة، التي كانت منارة للعلم والوعي، لم يبقَ منها اليوم – في ظل هذا الواقع – إلا بقايا تمكين، وصمت مريب عن الفساد والانحطاط، صمتٌ اختاره بعضهم حفاظاً على وظيفة أو موقع، ولو كان الثمن هو القيم والمبادئ. الجامعة والطلاب: تاريخ من النار والضوء وعلى النقيض من هذا الصمت، ظلّ طلاب الجامعة، عبر السنين، وقود الثورات ومشاعلها. من القرشي، أيقونة أكتوبر، إلى التاية، ، وغيرهم من مواكب الشهداء الذين خطّوا أسماءهم بالدم في ذاكرة الوطن. هؤلاء لم ينتظروا لجاناً، ولم يراهنوا على تسويات، بل واجهوا الطغيان بصدور عارية، ودفعوا الثمن كاملاً، بينما كانت اللجان – ولا تزال – تساوم على الحقيقة. لجنة سلمان: لجنة علاقات عامة لسلطة الأمر الواقع لجنة سلمان ليست لجنة تحقيق، بل لجنة علاقات عامة لسلطة الأمر الواقع. لجنة كسيحة، لا تجرؤ حتى على تسمية الأشياء بأسمائها: لا تسمي الجهة باسمها، ولا الطالب باسمه، ولا الجريمة بجريمتها. وإن استمرت في عملها إلى “يوم القيامة في العصر”، فلن تختلف عن لجنة أديب، سوى في الشكل لا في الجوهر. كلتاهما تؤديان الوظيفة نفسها: إطالة عمر الإفلات من العقاب، وتطبيع النسيان، وتزييف الوعي. الدم والكتمان: جريمتان متلازمتان لجنة أديب تحمل دماء الشهداء على عاتقها، لأنها اختارت الصمت حين كان الكلام واجباً. ولجنة سلمان تحمل وزر الكتمان والتزوير على عاتقها، لأنها تمارس الإخفاء بوعي، وتغلفه بشرعية زائفة. وبين هذه وتلك، يظل المجرم آمناً، لا لأن جرائمه خفيّة، بل لأن النظام الذي أنتج اللجان هو ذاته الذي يحميه. إن العدالة لا تولد من رحم لجان بلا تفويض، ولا من صمتٍ يتخفى وراء الخوف من “الأزمة السياسية”. العدالة تولد فقط حين تُسمّى الأشياء بأسمائها، وحين يُقدَّم دم الشهداء على حسابات السلطة، وحين يُكسر هذا المسار المعيب من أديب إلى سلمان… وإلى ما لا نهاية.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة