ما هذه الحياة؟! ولماذا يسود جوها الخبل؟!! كل الرفاق تساقطـوا وبقيت وحـدك كالجبل!!
قال الزول الساي الما بسكت ساي وما بقعد ساي: كان شاباً وسيماً وظريفاً في ذلك الحي السوداني الكبير الذي تسكنه أغلبية قبيحة من شباب الحي كما تقول فتيات الحي!! كان سلوكه ملائكياً مع الصغار والكبار بعكس السلوكيات الشيطانية لأغلبية شباب الحي حسب رأي نساء الحي!! باختصار كان ذلك الشاب رمزاً للشاب السوداني المثالي الذي يجمع بين حسن المظهر وحسن السلوك في كل الأوقات!! فجأة ودون سابق انذار ودون مقدمات، انتشر بسرعة البرق أغرب خبر في ذلك الزمان والمكان كان مفاد الخبر هو أن ذلك الشاب السوداني الرمز قد انتحل شخصية طبيب نساء وولادة، يعني قام من الحوش ودخل عنبر الولادة بدون المرور بكلية الطب!! وقيل إن ذلك الشاب الرمز قد قام بمحاولات لتوليد مئات النساء في مستشفيات مدن سودانية كثيرة منها على سبيل المثال القضارف، مدني، عطبرة، دنقلا، الأبيض والخرطوم وماتت على يديه عشرات النساء واستمر في ممارسة هوايته الخطيرة في عنابر الولادة السودانية إلى أن تم اكتشاف جرائمه بالصدفة ومن ثم تم القاء القبض عليه وتقديمه للمحاكمة بتهمة انتحال شخصية طبيب وتمت ادانته وتم الحكم عليه بالسجن والغرامة!! أخيراً، اتضح أن والد ذلك الشاب الرمز كان يحلم بأن يصبح ابنه طبيباً وكان يضغط عليه منذ أن كان طفلاً ويناديه بلقب دكتور ولا يكف عن مناداته تعال يا دكتور روح يا دكتور!! ومن ثم كبر الطفل وأصبح شاباً وحدث ما حدث!! السؤال الجوهري هو: هل يقوم الصغار بتنفيذ أحلام الكبار اللذين يقومون بفرض أحلامهم على الصغار وتحديد مسارهم في الحياة منذ الصغر حتى لو كانوا لا يرغبون في ذلك أو لا يملكون المؤهلات اللازمة ولا يستطيعون تحويل حلم الكبار إلى واقع!! هل ينفّذ الصغار أحلام الكبار حتى دون رغبات أو مؤهلات؟!! في مجتمعاتنا السودانية، هذا يحدث كثيراً، والسبب ليس ضعف الصغار بل قوة السلطة الأبوية فالطفل لا يملك أدوات رفض تنفيذ حلم الأب ويُكافأ عندما يقترب من حلم الأب ويُعاقَب (نفسياً على الأقل) عندما يبتعد عن حلم الأب!! وبمرور الزمن، لا يعود الحلم "حلم الأب"، بل يتحول إلى هوية مفروضة على الابن وقد يدفعه ذلك إلى ارتكاب أخطر الجرائم في تاريخ السودان!! لنسأل أنفسنا ونجيب بكل صدق: هل نحن نعيش حياة الآخرين بدل حياتنا؟!! للأسف في كثير من الأحيان الإجابة هي نعم، نحن نعيش ما يرضي الأسرة وما يرضي المجتمع وما يُقال عنه نجاح لا مع ما ينسجم مع ذواتنا ويشبهنا ويمنحنا المعنى الذي نحبه والمنتج النهائي هو وجود أشخاص ناجحين ظاهرياً، منهكين داخلياً، أو أشخاص يختارون طرقاً خاطئة لتحقيق الصور المثالية التي فرضت عليهم، لا لأنهم أشرار، بل لأنهم لم يُسمح له أن يكونوا أنفسهم!! هل الحل الأفضل لهذه المشكلة هو أن يحطم الشباب قيود التدخل الاجتماعي التعسفي وينطلقون ويعيشون حياتهم الخاصة وأحلامهم الخاصة حسب رغباتهم حتى لو أدى ذلك إلى مقاطعة كل الآخرين؟!! الإجابة العصرية الجريئة هي نعم بكل تأكيد!! في الختام لا أملك إلا أن أقول لكل الآباء: أخطر جريمة حرب في الحياة هي أن تجبروا أطفالكم الصغار على أن يعيشوا أحلامكم بدلاً من أن تساعدوهم على اكتشاف وعيش أحلامهم الخاصة!!
(من مذكرات زول ساي)
ملحوظة: لا للحرب، نعم للسلام في السودان وفي جميع البلدان
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة