النفاق في أبهى صُوره.. عندما يلعن الجنجويد الكيزان ويتمسكون بقانونهم لسنة 2017م!
في ظل المأساة السودانية الدامية التي اندلعت شرارتها في الخامس عشر من أبريل 2023، تتصاعد سحب الدخان ليس فقط من فوهات البنادق، بل من ماكينات التضليل السياسي التي تعمل ليل نهار لطمس الحقائق وإعادة هندسة الذاكرة الجمعية للشعوب السودانية، ولعل أبرز تجليات هذا التضليل، هو الخطاب السياسي الذي تتبناه ميليشيا الدعم السريع (الجنجويد) وحلفاؤها السياسيون، والذي يقوم على سردية مركزية، تدعي محاربة الفلول والكيزان (الإسلاميين) وتفكيك دولة 1956، بينما تقف هذه الميليشيا وحلفاؤها بكل قوتهم للدفاع عن الإرث القانوني الذي صنعه هؤلاء الفلول أنفسهم، وتحديداً قانون قوات الدعم السريع لسنة 2017. إن هذا التناقض الصارخ بين الشعارات المرفوعة والتمسك بالمكتسبات القانونية للنظام البائد، يكشف عن نفاق سياسي عميق يستدعي التفكيك والتعرية. لفهم هذا النفاق، يجب العودة إلى الجذور، إذ ان ميليشيا الدعم السريع لم تهبط من السماء، ولم تنبت شيطانيا في فراغ، بل كانت، ومنذ لحظتها الأولى، الابن الشرعي والمدلل للحركة الإسلامية ونظام الإنقاذ. لقد صُممت هذه القوات كأداة بطش متخصصة، ذراعا عسكريا قذرا أُوكلت إليه المهام التي يعجز الجيش النظامي عن تنفيذها دون مساءلة دولية أو أخلاقية، حيث كانت البداية في دارفور، استُخدمت الجنجويد لإخماد الحركات المسلحة عبر سياسة الأرض المحروقة، ثم انتقلت لتلعب الدور ذاته في جبال النوبة والنيل الأزرق والخرطوم وغيرها. ولأن النظام البائد كان يدرك خطورة وجود ميليشيا قبلية خارج إطار القانون، سعى لشرعنتها ودمجها في بنية الدولة لحمايتها من الملاحقات الدولية، ولتكون خط الدفاع الأخير عن العرش، وهنا جاءت اللحظة الفاصلة في يناير 2017، حين أجاز البرلمان السوداني، الذي كان يسيطر عليه حزب المؤتمر الوطني (الكيزان) بنسبة اكتساح كاملة، قانون قوات الدعم السريع بإجماع 426 نائبا. هذا القانون لم يكن مجرد ورقة إدارية، بل كان صك الملكية الذي منحته الإنقاذ لآل دقلو، وبموجبه، تحولت الميليشيا من مجموعات قبلية تابعة لجهاز الأمن والمخابرات، إلى قوة نظامية تتبع للقائد الأعلى للقوات المسلحة زرئيس الجمهورية آنذاك، عمر البشير، وتتمتع بكافة امتيازات الجيش. محاربة الصانع والتمسك بصناعته.. اليوم، بعد أن انقلبت الميليشيا على الجيش السوداني وشريكها السابق في الجرم والسلطة، تحاول تسويق نفسها كحركة تحرر من نير دولة الكيزان، تملأ الأثير ضجيجا بأن الإسلاميين هم أسوأ ما أنتجه التاريخ السوداني، وأن حربها هي حرب مقدسة لاستئصال شأفتهم. ونحن إذ نتفق تماماً مع التوصيف القائل بأن حقبة الإسلاميين كانت وبالاً ودماراً على السودان، فإننا نقف مذهولين أمام الوقاحة السياسية التي تمارسها الميليشيا وحاضنتها السياسية.
السؤال المركزي الذي ينسف سردية الميليشيا هو، إذا كان الكيزان والإسلاميون هم الشر المطلق، وكل ما صدر عنهم باطل، فلماذا تتمسكون بأشرس قوانينهم وأكثرها كارثية؟ لماذا يعتبر قادة الدعم السريع ومستشاروهم أن كل قوانين الإنقاذ وتعييناتها وسياساتها يجب أن تُكنس، باستثناء قانون 2017 الذي شرعن وجودهم؟ إن هذا الانتقاء، أو سياسة الخيار والفقوس، هو قمة النفاق السياسي، إذ إنك لا تستطيع أن تلعن الأب وهو نظام الإنقاذ، بينما تتمسك بميراثه "قانون الدعم السريع"، وتقاتل من أجله حتى آخر رمق. إن تمسك الجنجويد بهذا القانون ليس حبا في القانون، بل لأنه يمثل الحبل السري الذي يربطهم بالدولة السودانية، وبدون هذا القانون، يعودون إلى حجمهم الطبيعي كميليشيا قبلية متمردة، وعصابات نهب مسلح لا صفة قانونية لها ولا حصانة. هذا القانون هو الدرع الذي يحاولون به فرض وجودهم في أي مفاوضات قادمة، مطالبين بالندّية مع الجيش بناءا على تشريع صاغه الفلول الذين يدعون محاربتهم. إن الدفاع المستميت عن قانون 2017، يكشف زيف ادعاءات الميليشيا حول الديمقراطية والمدنية، إذ كيف لقوة تدعي أنها تحارب من أجل الديمقراطية أن تستند إلى تشريع أصدره برلمان شمولي مزور لا يمثل الشعب السوداني؟ إن برلمان 2017، كان مسرحية هزلية أخرجها النظام البائد، وموافقته بالإجماع على قانون الدعم السريع كانت دليلا على خضوع المؤسسة التشريعية لإرادة الطغيان، وليس دليلا على شرعية الميليشيا. علاوة على ذلك، فإن استخدام الميليشيا لهذا القانون كغطاء لجرائمها يمثل قمة الاستخفاف بعقول السودانيين، حيث استخدمت الميليشيا هذا الغطاء القانوني لقمع ثورة ديسمبر المجيدة، ولارتكاب مجزرة فض الاعتصام أمام القيادة العامة، وهي الجريمة التي لا تزال جرحا نازفا في قلب الوطن، حينها، لم تكن الميليشيا تتحدث عن الفلول، بل كانت جزءاً لا يتجزأ من اللجنة الأمنية للنظام، تقتل الثوار جنبا إلى جنب مع كتائب الظل التي تدعي اليوم محاربتها. الحلفاء ومأزق التبرير الأخلاقي.. لا يقتصر النقد هنا على حاملي السلاح فقط، بل يمتد ليشمل الحلفاء السياسيين، تقدم وقحت وغيرهم الذين وفروا بقصد أو بغير قصد غطاءا سياسيا لهذه السردية المتناقضة. إن الصمت المريب، وأحياناً الدفاع المبطن، عن بقاء قوات الدعم السريع ككيان موازٍ للجيش، والاستناد في ذلك إلى الأمر الواقع الذي فرضه قانون 2017، هو مشاركة في الجريمة. لقد وقع هؤلاء الحلفاء في فخ العدو المشترك، فلكرههم للإسلاميين وهو كره مبرر سياسيا، قبلوا بالتحالف مع أداة الإسلاميين، متجاهلين أن الأداة قد تكون أكثر فتكاً من الصانع. إن تبرير وجود الدعم السريع بأنه ضرورة لهزيمة الكيزان، هو كمن يستعين بالنار لإطفاء الحريق، فالنتيجة الحتمية هي احتراق المنزل بأكمله. إن القوى السياسية التي تتشدق بالمدنية وترفض الانقلابات العسكرية، تجد نفسها اليوم في موقف لا تُحسد عليه وهي تدافع عن ميليشيا عائلية لا عقيدة لها سوى النهب والسيطرة، وحين يُواجهون بحقيقة أن هذه الميليشيا هي صناعة كيزانية بامتياز، وأن قانونها هو قانون كيزاني، يلجؤون للمراوغة والحديث عن إصلاح القطاع الأمني، متناسين أن الإصلاح لا يكون بتقنين الميليشيات، بل بحلّها. التفكيك الحقيقي: إسقاط القانون والميليشيا معا.. إن الموقف الوطني السليم والرصين، يتطلب اتساقا أخلاقيا وسياسيا لا لبس فيه، لأنه إذا كنا نرفض حقبة الإسلاميين وجرائمهم، فيجب أن نرفض كل تركاتهم السامة، وعلى رأسها ميليشيا الدعم السريع وقانونها المؤسس، إذ لا يمكن تجزئة المبادئ، فالشجرة الخبيثة (نظام الإنقاذ)، لا تطرح إلا ثمارا خبيثة (الدعم السريع وقانون 2017). إن تفكيك دولة الفلول لا يتم عبر استبدال جيش بجيشين، ولا عبر تمكين الميليشيا التي كانت يد النظام الباطشة، لتصبح هي الدولة ذاتها، فالتفكيك الحقيقي يبدأ بإلغاء قانون 2017 واعتباره كأن لم يكن، وتجريد هذه القوات من أي صفة نظامية، ومعاملتها وفق وضعها الحقيقي كقوة ميليشياوية ونهب مسلح. ختاما.. إن تمسك الجنجويد بقانون الفلول، يفضح حقيقتهم العارية، هم ليسوا ثوارا، ولا دعاة ديمقراطية، ولا محاربي إسلاميين. هم ورثة شرعيون لأسوأ ممارسات الإنقاذ: العنف، والتمكين، واختطاف الدولة بالقوة، ويحاربون أشخاص الإسلاميين ليحلوا محلهم، لكنهم يعشقون أدوات الإسلاميين (القوانين القمعية، والعسكرة، والنهب) ويتمسكون بها بالنواجذ. على الشعوب السودانية وقواها الحية أن تدرك أن الطريق إلى الدولة المدنية الديمقراطية لا يمر عبر بوابة الجنجويد، ولا عبر القوانين التي فصلها النظام البائد لحمايتهم. الطريق يبدأ برفض هذه الازدواجية، وإسقاط السردية الكاذبة، والتأكيد على أن ما بُني على باطل (قانون 2017) فهو باطل، وأن الميليشيا التي صنعها الفلول لا يمكن أن تكون الترياق الذي يشفي الوطن من سمومهم. إن الموقف الوطني السليم والرصين يتطلب رفض هذه الازدواجية بحزم، وإن قانون قوات الدعم السريع لعام 2017، هو قانون باطل سياسيا وأخلاقيا، لأنه صدر عن برلمان لا يمثل الشعب السوداني، ولغرض حماية نظام دكتاتوري، ولإنشاء ميليشيا قبلية لا علاقة لها بالعقيدة العسكرية الوطنية. على الدعم السريع وحلفائها أن يختاروا: إما أنهم يحاربون إرث الإسلاميين ونظام الكيزان حقا، وعليهم أولا تمزيق قانون 2017، والاعتراف بأن وجودهم بحد ذاته هو خطيئة كيزانية، يجب التكفير عنها بحل هذه القوات وتسليم سلاحها للدولة ولجيش وطني مهني واحد بعد تطهيره وهيكلته. وإما أنهم يتمسكون بقانون 2017 وشرعيتهم المستمدة من برلمان الفلول، وعليهم التوقف عن المتاجرة بشعارات الثورة والديمقراطية ومحاربة الكيزان، والاعتراف بأنهم مجرد فصيل منشق من النظام البائد يصارع الفصيل الأم على الغنيمة والسلطة. أما محاولة الجمع بين النقيضين: التمتع بشرعية قانون الفلول، وادعاء شرف محاربة الفلول، فهذا نفاق مفضوح لا ينطلي على الشعب السوداني الذي خبر الجميع. الشعب الذي أسقط البشير قادر على التمييز بين من يريد بناء دولة القانون، وبين من يستخدم القانون مطية لشرعنة البندقية والنهب. إن الحل الجذري للأزمة السودانية لا يمر عبر توفيق أوضاع الميليشيا بناءً على قوانين النظام البائد، بل عبر التأسيس الدستوري الجديد الذي يلغي كل التشريعات الشاذة التي مكنت للميليشيات، ويعيد احتكار العنف الشرعي بيد دولة المؤسسات، لا بيد أمراء الحرب الذين يتغذون على قوانين الطغاة بينما يدعون تحرير الشعوب. في الخاتمة النهائية، لم يعد مجديا ولا مقبولا أخلاقيا، الاستمرار في تسويق هذا الفصام السياسي النكد، فالحقيقة التي تفقأ عين الشمس، هي أن التمسك بقانون 2017، هو الخطيئة الأصلية التي تنسف كل ادعاءات التغيير. إن اللحظة التاريخية الراهنة لم تعد تحتمل أنصاف المواقف، ولا تقبل القسمة على جيشين، ولا تتسع لدولة برأسين. إن المعركة اليوم، ليست مجرد صراع ميداني بين بنادق متحاربة، بل هي صراع وجودي بين منطق الدولة وعقيدة الغنيمة، فالميليشيا التي تلعن الكيزان في العلن وتتمسك بإرثهم التشريعي في الخفاء، لا تحارب النظام البائد، بل تحارب لترثه. إنها تسعى للاستحواذ على أدوات القمع ذاتها التي صنعها الطغاة، لتعيد إنتاج الاستبداد بوجوه جديدة وشعارات مضللة. إن هذا الانتقاء الانتهازي للقوانين، حيث يُقبل ما يمنح السلطة ويُرفض ما يوجب المحاسبة، هو الدليل الدامغ على أننا لسنا أمام مشروع تحرر وطني، بل أمام مشروع استبدال سيد بسيد، ومشروع إعادة تدوير للأزمة لا حلها، وعليه، فإن أي حديث عن تسوية سياسية أو مفاوضات مستقبلية يستند إلى الشرعية الزائفة لقانون 2017، هو خيانة لدماء الشهداء وطعنة في خاصرة الثورة. إن الطريق الوحيد لاستعادة الوطن المختطف يبدأ بتمزيق صك الملكية هذا، وتجريد الميليشيا من غطائها القانوني الذي تستر به عريها الأخلاقي. إن الخيار اليوم بات أكثر وضوحا من أي وقت مضى، وهو، إما دولة القانون والمؤسسات التي تحتكر العنف الشرعي لحماية المواطن، وإما دولة الميليشيات التي تُفصّل القوانين على مقاس أمراء الحرب لحماية مصالحهم. لا يوجد منطقة وسطى بين الدولة واللادولة، فليسقط قانون 2017، ولتسقط معه كل الأوهام التي تحاول شرعنة البندقية المأجورة، ولتذهب تركة الإنقاذ السامة بقوانينها وميليشياتها إلى مزبلة التاريخ غير مأسوف عليها، وليبني السودانيين، سودانا جديدا لا سيادة فيه إلا للقانون، ولا ولاء فيه إلا للوطن والمواطن.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة