ما يحدث اليوم في شرق السودان لا يمكن وصفه بالقلق العابر، ولا تفسيره كخلاف محلي محدود. نحن أمام مشهد تحشيد مليشيات علني، يجري في وضح النهار، بينما الدولة غائبة، أو عاجزة، أو اختارت الصمت.
في هذا الفراغ، يتقدم السلاح ليملأ مكان القانون، وتتحول المخاوف المشروعة إلى مشروع فوضى مكتمل الأركان.
كذبة “الحماية”
كل مليشيا تبدأ القصة نفسها: نحن هنا للحماية… للدفاع… للردع.
لكن التجربة السودانية تقول شيئًا آخر تمامًا: السلاح لا يحمي المجتمعات، بل يجرّها إلى الهلاك.
في شرق السودان، حيث الهشاشة الاجتماعية، والتهميش المزمن، والموقع الاستراتيجي، فإن أي تحشيد مسلح لا يبقى دفاعيًا طويلًا. سرعان ما يتحول إلى استعراض قوة، ثم إلى صراع نفوذ، ثم إلى دمٍ لا يعرف طريق العودة.
التحشيد المضاد: الوصفة الأسرع للاشتعال
الأخطر من التحشيد نفسه، هو التحشيد المضاد الذي يُقدَّم كـ“رد ضروري”. لكن الحقيقة أبسط وأكثر قسوة: كل بندقية إضافية = احتمال حرب أعلى.
هكذا يُسحب شرق السودان من كونه إقليمًا يطالب بحقوقه، إلى ساحة صراع مسلح، تُدفن فيها القضايا العادلة تحت ركام الفوضى.
الخطر يتجاوز الشرق
هذه ليست مشكلة إقليمية. إنها قضية أمن قومي سوداني.
شرق السودان هو:
بوابة البلاد البحرية
شريان التجارة والاقتصاد
نقطة تماس إقليمي حساسة
أي انفلات أمني هناك يعني تهديدًا مباشرًا لوحدة السودان، وسيادته، وما تبقى من دولته.
وفي غياب سلطة مركزية قوية، تتحول المليشيات من أدوات “حماية” مزعومة إلى بوابات مفتوحة للتدخلات الخارجية.
من المستفيد؟
سؤال يجب ألا يُتجاهل: من يستفيد من عسكرة شرق السودان؟
ليس المواطن. ليس الاستقرار. وليس الوطن.
المستفيد الوحيد هو الفوضى… وأول ضحاياها هم الأبرياء.
الطريق الوحيد: الدولة
لا يوجد حل وسط بين الدولة والمليشيا. إما دولة تحتكر السلاح، أو فوضى تتقاسمه.
إن إنقاذ شرق السودان — والسودان كله — يبدأ بـ:
رفض أي تحشيد مسلح خارج إطار الدولة
وقف خطاب التعبئة والتخويف
حماية النسيج الاجتماعي من الانقسام
معالجة جذور التهميش سياسيًا، لا عسكريًا
الخلاصة
شرق السودان اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما: إما العودة إلى مشروع الدولة، أو السقوط في مستنقع السلاح… حيث لا رابح، ولا نهاية.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة