حتى لا يعتقد الرافضون لفكرة دولة النهر والبحر بأننا نتعنصر ضدهم، فها نحن نبدأ بجلد الذات، لا بتبرئتها. هذه ليست خصومةً سياسيةً مع الجيش، بل محاكمة أخلاقية لدوره في تدمير دولةٍ كانت ممكنة. فالجريمة الكبرى التي ارتكبها الجيش السوداني لم تكن انقلاباً هنا أو هناك، بل اغتيال فكرة الدولة نفسها، عبر ادّعاء تفوّقٍ أخلاقيٍ زائف، مستمدٍّ من قطعةٍ معدنيةٍ تطلق الرصاص، لا من عقدٍ اجتماعيٍ، ولا معرفة، ولا كفاءة.
تخيّل الشريط النيلي بعد خروج الإنجليز، بدون إنقلابات عسكرية: مسار مدني طبيعي، بطيء ربما، لكنه تراكمي، عقلاني، ومفتوح على المستقبل. لا بيان رقم واحد، ولا تعليق دستور، ولا “مرحلة انتقالية” لا تنتهي، ولا دولة تُدار من الثكنات. في ذلك المسار، كان السودان القديم مرشحاً لأن يكون الدولة الأولى أفريقياً وعربياً، لا بالشعارات، بل بالوقائع الصلبة.
الأساس كان موجوداً. تَرِكةْ الإنجليز، رغم طابعها الاستعماري، شكّلت طفرةً استثنائيةً في السياق الأفريقي: جهازاً إدارياً منضبطاً، خدمةً مدنية تعمل بالقانون لا بالولاء، تعليم حديث أنتج كوادر مستنيرة بكثافةٍ نادرة، وبنية تحتية بلغت حدّها الأعلى الممكن. حقيقة لم تكن هذه النخب مثاليةً سياسياً، ولم تكن قد استوعبت بعدُ إدارة التنوع بكل تعقيداته، لكنها كانت قادرة، وبكل ثقة، على إدارة الدولة وبناء مؤسساتها.
السكك الحديدية لم تكن زينةً تاريخية، بل شريان اقتصادٍ وطني حي. النقل النهري كان فاعلاً، والطيران المدني سبق معظم دول أفريقيا، والخطوط البحرية كانت قابلة للتطور لتحتكر البحرين الأبيض والمتوسط، والموانئ على كفاءة عالية. مشروع الجزيرة، الأعظم عالمياً في زمانه، لم يكن مشروع قطن فحسب، بل نموذجاً للتنمية المروية المنضبطة، القادرة على خلق ثروةٍ مستدامة، وطبقةٍ ريفيةٍ منتجة، وسوقٍ داخليٍ متماسك.
في ظل هذا الواقع، لم يكن الشريط النيلي عبئاً على السودان، ولا ظالماً للشرق ولا للأقاليم المضاف، وهي الجنوب، دارفور، جبال النوبة، بل كان رأسماله الحقيقي ومستقبله الواعد. والعقل المدني، لو تُرك وشأنه، كان سيحسم كل الخلافات والأزمات بلا دم: حكمٌ ذاتي، أو اتحاد فيدرالي، أو كونفدرالي أو استقلال كامل، بلا مليشيات متمردة ودعوات تظلم أزلية وبلا إستخدام البندقية كضامن أوحد للوحدة القسرية
لكن الجيش لم يحتمل فكرة أن يكون أداةً لا مرجعية. لم يحتمل أن يكون خادماً للدولة لا وصياً عليها. فدخل السياسة لا بعقل الحارس، بل بعقل السيد. وهنا تحديداً سقط أخلاقياً، ليس كحادثةٍ عابرة، بل كخيار بنيويٍ واعٍ. منذ تلك اللحظة، صار المدني المتعلم، والمهني، وحتى البسيط، في نظر الجيش كائناً أدنى، لا لقصورٍ فيه، بل فقط لأنه لا يحمل تلك القطعة المعدنية العبثية التي تطلق الرصاص. كأن السلاح، لا العقل، صار معيار القيمة، وكأن العنف، لا الكفاءة، أصبح مصدر الشرعية. هكذا تحوّل التعليم إلى شبهة، يُتهم نوابغه بالعمالة والخيانة وأصبحت ممارسة السياسة جريمة في حق الدولة، والاختلاف في الرأي والرؤى تحول إلى تهديدٍ أمني.
بهذا المنطق، لم تعد الدولة دولة، بل ثكنةً موسّعة، ولم يعد المجتمع مجتمعاً، بل مشتبهٌ به دائم. العسكري الأجوف، نميري، لم يتردّد في التصريح بأن العسكري أعلى مرتبةً من المدني، في ذروة انحطاط المعايير وانقلاب القيم. والمفارقة الفاضحة أن دولاً تعيش أخطر التهديدات الوجودية، مثل إسرائيل، لم تنزلق إلى هذا المستنقع. فطوال ثمانية وسبعين عاماً منذ تأسيسها، ورغم الحروب، والفراغات الدستورية التي مرت بها وتعثر تشكيل الحكومات، لم تشهد انقلاباً عسكرياً واحداً. حوكم بعض قادتها بتهم الفساد وسُجنوا، وسقطت حكومات، وهزمت عسكرياً في بعض المرات ولكن جيشها لم يجد، ولم يُمنَح، مبرراً واحداً ليستولي على السلطة.
الإدعاء بأن العسكريين أقدر على الحكم لم يكن سوى كذبةٍ أسطورية، أُقنعت بها عقول الضباط الأراعن، ولم يساندها إلا الرَّعاع والرجرجة والدهماء من المجتمع. فكل انقلابٍ عسكري لم يكن، في جوهره، إلا مصنعاً للفوضى، وبوابةً للعزلة الدولية، وأداةً لإضعاف المؤسسية، وإطلاق العنان لحاشيةٍ منتقاةٍ بعنايةٍ لتنهب وتفسد. هكذا تحوّلت الدولة إلى ثكنةٍ موسّعة، والمجتمع إلى مشتبهٍ به دائم، يُجوز فيه قمع الرافضين منه بلا هوادة.
المدنيون، رغم كل أخطائهم وتعثّراتهم، أثبتوا قدرةً حقيقيةً على إدارة الدولة وبناء مؤسساتها. أمّا العسكريون، وبأقوى ما يمتلكونه من أسلحةٍ وقوةٍ غاشمة، فقد فشلوا في أبسط بديهيات الحكم: الاستقرار، والعدالة، والتنمية، وضبط أجهزة الدولة. ولم يفلحوا حتى في مواجهة العالم القوي الذي يرفض تغوّلهم على السلطة ويحاصرهم سياسياً واقتصادياً؛ بل على العكس، ما إن يشتد الضغط، حتى يُبدون له خضوعاً كاملاً، وإذعاناً فاضحاً، ومذلّةً لا تليق بدولةٍ ولا بجيشٍ يدّعي السيادة
أكبر الأوهام التي بنى الجيش خياله عليها هو أنه حامي الحمى والوحدة الوطنية. فالجيش لم يحمي الوحدة مطلقاً بل كل انقلاب كان خطوة نحو تمزيق الوحدة الحقيقية لا حمايتها. تخيّل لو تُرك الجيش خارج السياسة، لكان الشريط النيلي، ومعه الشرق، اليوم دولة نموذجية في إفريقيا، كثافة كوادر مستنيرة، مؤسسات مستقرة، اقتصاد مزدهر، وسوق داخلي متماسك. الجنوب، دارفور، وجبال النوبة، كانوا سيحصلون على حكمهم الذاتي ضمن عقد اجتماعي واضح، بلا حروب، بلا تمرد، بلا كذبة “الوحدة بالقوة”.
الدرس واضحٌ: القوةُ العسكريةُ لا تبني دولةً، ولا تُوَحِّد شعباً، ولا تُنتج عدلاً أو اقتصاداً أو مؤسسات ناجعة. وحين يتوهّم السلاحُ أنه أعلى من الإنسان، تتحول الدولةُ إلى ثكنةٍ، والمجتمعُ إلى متهمٍ دائم، ويغدو الجيشُ خصماً للدولة لا حامياً لها. والتاريخُ والمنطقُ وتجاربُ الأمم تؤكد عجز العسكر عن الحكم. ومع ذلك، سنظل ندعم الجيشَ للقضاء على المليشيا، علَّهُ يدرك، متأخرا، أن هذه الكارثةَ من صنع يده.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة