( لا نقصد بالبنى أو البنيوية، الواردة في هذا المقال، بمعناها الليبرالي”وحتى بالمعنى الألتوسيري“ بكونها تستبعد الجدل باعتبار البنى انساق ثابتة تقوم على التوازن والنظام، بل كمصطلح ينظر للبنى كأشياء مادية وتاريخية ومتغيرة خلال الصراع السياسي”الطبقي“).
منهج التحليل المجزأ ان طبيعة الكيفية التي تدار بها الازمات في الدول الفقيرة، تتسم بعدم مُوَاءمتها منهجيا مع وضع تلك الدول كبلدان تابعة يهيمن عليها وينتقص من سيادتها- بالحد من استقلال قرارها السياسي والاقتصادي- الدول الاستعمارية الرأسمالية. وعليه فان هذا القطع أو الخلل المنهجي الذى لا يحكمه اطار نظري، يجعل مخرجات إدارة الازمات غير كافية لتمكين الكتاب المتخصصين وحتى اصحاب الكتابات الصحفية (journalistic) من الفهم الصحيح والإحاطة الشاملة بكل جوانب الازمات.
والمنهج الذى لا يرى ان تبعية الدول الفقيرة للخارج تقود بالضرورة الى ازماتها، يعتمد على مقاربة تحصر إدارة الأزمات في إجراءات جزئية وتنظيمية وتقنية تستهدف ضبط التناقضات الظاهرة دون تناول الأسس السياسية البنيوية، التي تتأسس بمنطق التبعية للرأسمالية العالمية، مما ينتج الأزمة ويعيد إنتاجها.
فهذه المقاربة ( التنموية) السائدة تتعامل مع التخلف بوصفه مجموعة اختلالات معزولة عن بعضها البعض وقابلة للمعالجة بتدابير ادارية فنية؛ وهذا يتم بالتحليل القطاعي أو المجزأ للتنظيم الاجتماعي/الاقتصادي حيث يكون التحليل مثبتا على تناول المظاهر:
المؤشرات الاقتصادية كمتوسط دخل الفرد- الناتج المحلي الإجمالي - معدل البطالة - الميزان التجاري. مظاهر التخلف ( الفقر، الصحة والتغذية، الأمية الخ).
وبالتالي فان هذا التحليل يرى ان البلدان المتخلفة تعيش مرحلة مبكرة من تنميتها، وان المعالجات الجزئية متى ما تمت بشكل صحيح سوف تمكِّنها من تحقيق التنمية الشاملة تماما كما فعلت البلدان المتقدمة. وهكذا، نجد ان هذا التحليل الجزئي يؤدى الى تجاهل الحقيقة الامبريقية (empirical) وهي أن تاريخ اندماج هذه البلدان في النظام الرأسمالي العالمي هو ما صاغ بنياتها الاقتصادية التي لم تؤد الى ازالة كل ما كان سائدا فيها قبل تبعيتها للعالم المتقدم فحسب، بل قفلت الطريق امام نهوضها وحبسها في الظلام؛ وهذا، التجاهل يأتي تعبيره فى شكل سياسات (سطحية) تغفل مركزية العامل السياسي الذى يربط البلدان المتخلفة بالرأسمالية العالمية بهدف إخضاعها والسيطرة عليها لاستنزاف مقدراتها الاقتصادية.
اخذت ظاهرة المبادرات الأممية تملأ الساحة السياسية العالمية لدرء الازمات التي شهدت استفحالا كبيرا في الدول الفقيرة في السنوات الأخيرة. واهم هذه المبادرات هي تلك التي تتبع للأمم المتحدة الهادفة تحقيق سلام شامل (بعثات حفظ السلام) من خلال معالجة التحديات الأمنية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية.
ان القيام بتقويم بعثات الامم المتحدة في الحفاظ على السلام لا يمكن إنجازه بشكل صحيح الا بفحص المنهجية التي تتبعها المنظمة العالمية في معالجة الازمات التي تتعامل معها. فالأمم المتحدة لها تقارير تؤكد فيها نجاحات لها في الحفاظ على السلام، لكن من غير تحد لهذا الاعتقاد، لا يوجد دليل واحد على ان المنظمة نجحت في حل جذري نقل أي دولة في الكوكب من حالة التخلف الذى يمثل السبب الرئيس في تفجر الازمات. وحتى النجاحات التي حققتها الأمم المتحدة في آسيا وافريقيا، كان الأسلوب المتبع في الحل والذى لا يعالج جذور الازمة (مسألة التخلف)، لا يقدم ضمانا لعودة الازمة للحدوث من جديد.
كما لجأت الأمم المتحدة لصيغة اللجنة الرباعية " quartet" في حالة فشل أجهزة المنظمة الوصول لقرار لمعالجة الازمات بسبب خلافات بين القوى الكبرى أو الفيتو. وبما ان الدول الكبرى في مجلس الامن هي المسؤولة عن هندسة اللجان الرباعية وصياغة جداول أعمالها، لهذا نجد ان فعاليتها تظل مرتبطة بصورة مباشرة بتوافقها مع مصالح القوى الكبرى المشاركة فيها، وبالتالي فان مصير حلول ازمات البلدان الفقير تُصمم بما يخدم تلك المصالح.
إدارة الازمة السودانية يعود تشكيل اللجنة الرباعية الدولية الخاصة بالسودان للعام 2021 بغرض معالجة التوترات السياسية اثر سقوط نظام الانقاذ، ثم جرى تفعيلها في العام 2025 للعمل على إنهاء الحرب التي اندلعت في البلاد بين الجيش وقوات الدم السريع التابعة له. تمحورت أهداف الرباعية حول الوصول لوقف إطلاق نار مستدام، وتسهيل إيصال المساعدات الإنسانية للمدنيين، وإعادة تفعيل المسار السياسي لحكم البلاد والحفاظ على سيادة الدولة السودانية ... وضمت اللجنة في تكوينها الأول، الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والمملكة المتحدة. وفي وقت لاحق، تم تعديل تشكيلها لتشمل مصر بدلاً من المملكة المتحدة.
انه مفهوم تماما ان يكون دور الرباعية السودانية محصورا في تناول الحرب الدائرة وتداعياتها المتصاعدة، الا أن الرباعية لا تغفل مهمة الإبقاء على البنية الاقتصادية–الاجتماعية المتخلفة التي تولد التبعية رغما عن حديث الرباعية عن: (الحفاظ على سيادة الدولة السودانية)؛ فالرباعية لا تنظر للدولة السودانية ككيان ذو سيادة، فاعل في حل ازماته بالصورة التي يراها منسجمة مع واقعه الاجتماعي والسياسي والتاريخي، بل كدولة تمر بأزمة ينبغي احتواؤها وضبطها ضمن حدود مقبولة للنظام العالمي. ان الرباعية تقفل الباب امام أية فكرة تحمل في طياتها إشارة او تلميحا يتضمن الضرورة لقطيعة راديكالية مع حالة التبعية تسمح بالانتقال من الحلول الجزئية الى نقلة تُحدِث تحول تنموي تحرسه سيادة وطنية حقيقية.
ان رباعية السودان مصممة بالصورة التي تنتج تبعية معاد تنظيمها واستقرارًا ضعيفا (vulnerable) لا تمنع انفجار الصراع مجددا. فاسلوب الرباعية إجرائي يرمى، في نهاية المطاف، الى إعادة تأهيل مؤسسات الدولة بالحد الأدنى اللازم لاستمرارها الوظيفي داخل النظام الدولي، دون طرح مشروع تحولي يمس موقع السودان في تقسيم العمل العالمي أو نمط اندماجه التابع في الاقتصاد الرأسمالي الدولي.
إدارة الازمة اليمنية ان الحالة السياسية في اليمن تتميز بالاضطرام والتعقيد والانقسامات ت. ومن لا شك فيه فان انتفاضة الشعب اليمنى في العام 2011 مثلت نقطة فارقة في تطور الوضع السياسي في اليمن. فبعد الإطاحة بنظام على عبد الله صالح في 2012 تواصلت الانقسامات بين الذين كانوا يؤيدون النظام المباد ومعارضيه مما حدى بصالح اتحالف مع جماعة الحوثيين، المدعومين من ايران، في العام 2015 بعد ان كان يحاربهم خلال فترة حكمه؛ فقد كان هدف صالح تأكيد انه ما زال صاحب نفوذ، لكن تحالفه (المستغرب) انفض في العام 2015 بعد عودته (تحت ضغط السعوديين) لموقفه الأول المعادي للحوثيين الذين سيطروا في هذا الوقت على العاصمة صنعاء وشمال اليمن. وفى 2017 قام الحوثيون بقتل صالح؛ وهكذا، كانت تحالفات صالح المثيرة أحيانا للجدل عاملا كبيرا في تعقيد المشهد السياسي والاجتماعي والعسكري في اليمن.
في العام 2015 تشكل "التحالف العربي لدعم الشرعية اليمنية" بقيادة السعودية والامارات، حيث بدأت عملية " عاصفة الحزم" للقضاء عسكريا على الحوثيين واعادة الحكومة الشرعية التي خلفت صالح.
في اليمن، تأخذ مساعي التسوية منحى يجعل إدارة الأزمات، مجرد أداة لإدارة التناقضات في المجتمع بالحفاظ عليها عبر تهدئة مؤقته وغير مستدامة. كما ان الصراع يُختزل في توازنات أمنية–إقليمية، فمثلا اختزال القضية اليمنية في سلامة الملاحة الدولية وسلامة خطوط التجارة والطاقة، بمعنى إعطاء الاولوية لأمن الممرات البحرية على حساب قضية السيادية اليمنية؛ بينما يُعاد إنتاج اقتصاد الحرب في نظام يتميز بضعف التصنيع والاعتماد على القروض والضرائب والتحويلات. لكن نجد مساعي السلام تحدث في إطار هُدَن مؤقتة وترتيبات إنسانية، وتعمل على منع الانهيار الكامل دون تحديد المسئولية في الصراع وفتح أفق لإعادة توحيد الدولة على أساس نظام اجتماعي/ اقتصادي جديد؛ ففشل المبادرات الأممية، لتحقيق السلام باحتواء التوترات، يرجع الى التركيز على ان السلام يتحقق بعقد الصفقات والمساومات مع الأطراف المتصارعة واللاعبين الإقليميين بدل تحديد المسؤولية التي تقع على عاتق كل منهم. وقد منح هذا الأسلوب، الذى يرمى لتعليق الوضع ببقائه كما هو، الأطراف المتحاربة فرصا لتعزيز مراكمة العتاد الحربى في مناطقهم بصورة واسعة مما يجعل احتمال الانفجار قائما.
في هذا السياق، فان التدخل السعودي–الإماراتي في اليمن منذ 2015 لا علاقة له بهدف تحرير الدولة من اسار التبعية واستعادة سيادتها، بل كآلية لإدارة الأزمة وضبط تناقضاتها بالصورة التي تضمن عدم تحولها لملاذ (haven) معادٍ لمصالح القوى الإقليمية والدولية التي هددتها انتفاضة الشعب اليمنى على الحكم التي اندلعت في 2011. ان القوى صاحبة المبادرات توجد تناقضات عميقة داخلها يؤججها اختلاف المصالح والاهداف السياسية، فالسعودية تميل إلى الحفاظ على وحدة الدولة اليمنية بوصفها متطلبا للأمن الحدودي والاستقرار الجيوسياسي، بينما تنظر الامارات لليمن كحالة تتيح لها الفرص لبناء شبكات نفوذ ومشاريع استثمارية في جنوب البلاد والسواحل والموانئ الاستراتيجية؛ والتناقض بين الطرفين سوف لن يتوقف، كما يرغب القائمون بإدارة الازمة، طالما تم اعتبار التباين بانه مجرد تباين ظرفي، بل سوف يتمخض عن خلاف جوهري لا يمكن التكهن بنتائجه ( وهذا ما يفسر الاحداث الجارية الآن على صعيد الدولتين).
ولفهم طبيعة التدخل السعودي والامارات في اليمن، جدير بالذكر الإشارة الى دور الدولتين في معاداتهما السافرة لانتفاضات الربيع العربي خدمة لرؤسائهما الغربيين.
كذلك، فإن تعددية الأطراف، صاحبة المصالح المتضاربة، المشرفة على مساعي التسوية الجارية في الساحة اليمنية لا تعبّر عن التوازن المنشود في مثل هذه الحالات حيث يجرى توزيع الأدوار داخل الدولة المركزية تُدار من خلاله الأطراف التابعة بوصفها كيانات ضبط خلافا لمسار يؤدى لتحول تاريخي ويحقق الدولة ذات السيادة الكاملة. وعليه، فإن هذه المساومات تمثّل آليات ليس لتحقيق الاستقرار، بل ينحصر عملها في إجراءات مؤقته تؤجّل الانفجار وإعادة الكرة بإحياء مسار الحلول الجزئية كلما برزت الازمات مجددا.
ضمن هذا الإطار، يُعاد فهم كل من حركة الحوثيين والمجلس الانتقالي الجنوبي لا كظواهر استثنائية، بل كنواتج مباشرة لانهيار الوظيفة السيادية للدولة المركزية. فالطرفان يمثلان أشكالًا مختلفة من إعادة تنظيم السلطة في الفراغ الذي خلّفه تفكك الدولة، الذي يعزز نفوذ قوى محلية كافية لتعطيل الدولة، دون تمكينها من بناء دولة مكتملة السيادة. أما على المستوى الدولي، فتندرج المقاربة الأممية والرباعية لليمن ضمن منطق إدارة الأزمات لا حلّها، حيث يُستبدل مشروع السيادة الوطنية الكاملة بمنطق ”الاستقرار الأدنى“ وجدوى الحكم الإجرائي، بما يضمن احتواء الصراع دون معالجة جذوره البنيوية.
الرباعيات بين إدارة التفكك وحدود فكّ الارتباط ان أزمات دول مثل اليمن والسودان لا تُختزل في فشل داخلي يتعلق بالصراعات الاثنية والقبلية والجهوية، بل تُفهم بوصفها لحظات سياسية تتعلق بتفسخ الدولة الفقيرة كلما تفاقمت علاقة التبعية غير المتكافئة. فالدولة التابعة تُعّرف باعتبارها كيان سياسي نشأ تاريخيًا في سياق الاندماج القسري في النظام الرأسمالي العالمي، مجردة من امتلاك قاعدة إنتاجية وطنية مستقلة أو مسلوبة، لحد كبير، من السيادة السياسية والاقتصادية. ولا يظهر هذا التفسخ كشيء فجائي، بل كتحول الدولة إلى ساحة تنازع بين قوى محلية مرتبطة خارجيًا ومتنفذة سياسيا (الكومبرادور) وبين الشعب عامة تُعاد قيها إعادة صياغة السلطة عند الازمات خارج إطار سيادي مستقل.
من منظور التبعية تكشف حالتا السودان واليمن، عند تحليلهما في ضوء نظرية فك علاقة التبعية العالمية، ان آليات التدخل الدولي، ولا سيما الرباعيات، لا تستهدف تجاوز أزمات الدول المتخلفة بفتح أفاق تحقق لها الاستقلال السيادي، بل تعمل ضمن منطق الإجراءات الجزئية لمعالجة تناقضاتها بما يضمن ويعزز استمرار اندماج هذه الدول في النظام العالمي من موقع تابع. وهكذا، يُعاد اختزال الأزمة التاريخية المركبة في ترتيبات سياسية–أمنية إجرائية تُعالج مظاهر الانهيار دون المساس بالبُنى الاقتصادية والاجتماعية التي أعادت إنتاجه، بما يحول الدولة إلى وظيفة تنظيمية مؤقتة حيث تدار الازمات لا بكونها نتاجا للتبعية ولحظات تعبر عن فشلها وتبرز ضرورة فك الارتباط بها. ففي هذه الحالة فان الأزمات تدار كحالات قابلة للاستدامة داخل منطق التبعية (ما يسميه بعص الاقتصاديين التأقلم على التخلف). فالرباعيات، بدل أن تفتح مسارًا لإعادة بناء السيادة الوطنية، تفصل بين السياسي والاقتصادي بحيث لا تعطى الأولوية للسياسي، وتُحيّيد مسألة تغيير علاقات الإنتاج والتبعية، بما يسمح بإعادة إنتاج التركيبات الطبقية نفسها في صيغ معدّلة. وبهذا المعنى، لا يمثّل ما يُسمّى بالانتقال أو التسوية سوى إعادة ترتيب داخل النظام القائم، لا خروجًا عليه (وعرضا فان الدولة التي تولدها التبعية دولة يقودها بالضرورة من لا يمتلكون القدرة على ادارتها).
ان السودان واليمن يمثلان نموذجين على حوكمة التفكك داخل الأطراف التابعة، لا على فشل استثنائي، بل على منطق عام في إدارة أزمات الأطراف حيث تُدار الازمات في الدولتين بأسلوب التجزئة والحد الأدنى: استقرار هشّ في السودان، وتفكك منضبط في اليمن. ومن هذا المنظور، ان إدارة الازمات في البلدين تعبر عن نمط واحد لإدارة الأزمات وإن عكست اختلافا في الجوهر كما يحدث كل دول الأطراف، حيث تُفضل جدوى ضبط الازمة على استعادة السيادة، وتدوير التناقضات بدل حلّها. وهنا تبرز أهمية مفهوم فكّ الارتباط بالتبعية، لا بوصفه انسحابا انعزاليا من النظام العالمي، بل كاستراتيجية تاريخية لإعادة ترتيب العلاقة مع هذا النظام على أساس أولويات التنمية الوطنية، والسيادة الاقتصادية، وإعادة بناء الدولة من الداخل. ووفق هذا الإطار، لا يمكن تجاوز أزمات السودان واليمن عبر تحسين أدوات الإدارة الدولية أو إعادة تدوير صيغ التدخل، بل عبر مسار تحولي يتخلى عن منطق التبعية، ويعيد ربط الدولة بالشعب (بالداخل)، والسياسة بالسيادة، والاقتصاد بسياسة الاعتماد على الذات.
وعليه، فإن آليات التدخل الأممي لا تُفهم هنا كفشل عرضي في تحقيق الانتقال، بل عندما ينظر لها كنتاج للأنساق الهيكلية (كالسيطرة على مفاتيح الاقتصاد) - التي تفرضها الهيمنة الخارجية على دول الأطراف - وما تمثله هذه الانساق من حدود على تحقيق التنمية الاقتصادية من خلال الاندماج في النظام العالمي نفسه. وعليه يبقى فك الارتباط، الشرط النظري والتاريخي الضروري لتحويل الأزمة من حالة مُدارة إلى لحظة تحوّل فعلي، ومن دولة (وظيفية) تابعة إلى دولة وطنية ذات مشروع تنموي مستقل.
الخاتمة ان انظمة الدول الفقيرة الاقتصادية تتشكل بصورة تمنع تطورها اذ تصبح مصدرا للأموال المحققة من الربح فيها والتي تلبى احتياجات الدول الرأسمالية الكبرى لتعزيز استمرارية تطورها الاقتصادي. وعليه فان الازمات التي تتعرض لها الدول المتخلفة لا تعزى لخلافات قبلية او سوء الحوكمة او الخلافات القبلية والجهوية الخ، بل للمسار الذى يفرض عليها التبعية والبنى الهيكلية التي ارست قواعدها في تلك البلدان؛ وبالتالي، فان إدارة الازمات لا يتم فهمها وتناولها الا عن طريق الاطار النظري بان القطيعة مع التبعية هي ما تسمح على إحداث تحول يُملِّك الدولة (التابعة) القرار السيادي الذى يحقق استقرارها وتنميتها.
درجت الأمم المتحدة وشركاؤها في الدول الاستعمارية الرأسمالية على القيام بمبادرات اشتملت على صيغ متعددة لتسوية الازمات التي تحدث في العالم من بينها اللجان الرباعية؛ وتركز التدخل لتحقيق التسويات بين القوى المتصارعة فى حصره في إدارة الأزمات عبر ترتيبات جزئية وشكلية بالصورة التي تضمن الحد الأدنى من قدرة الدولة على الحكم دون معالجة الجذور البنيوية للتبعية التي تعيق إعادة بناء الدولة وتقدمها الاقتصادي. وبالتالي فان هذا الاستقرار يتم انتاجه ويُعاد من خلال الحلول الإجرائية المجزأة للصراع، وإعادة تأهيل مؤسسات الدولة بالحد الأدنى اللازم لاستمرارها الوظيفي داخل النظام الدولي، دون طرح مشروع تحولي يمس موقع الدولة التابعة في تقسيم العمل العالمي الذى يشكله اندماجها في الاقتصاد العالمي. ويفسر منطق التحليل الجزئي تكرار مبادرات التسوية دون أن تُفضي إلى تحول جذري، ولماذا يُعاد إنتاج فشل الدولة التابعة في شكل أزمات سياسية متجددة.
ان فك الارتباط بالتبعية لا يتم كخيار تقني أو سياسة قطاعية، بل كمشروع تاريخي شامل لإعادة توجيه الدولة والمجتمع نحو أولويات داخلية إنتاجية بكسر آليات التبعية في علاقتها بالسوق العالمية ومؤسساتها. وهذا المشروع التاريخي لا يمكن اختزاله في برامج إصلاحية أو صيغ ترمى لتحسين إدارة التدخل الدولي، بل عبر تجاوز منطق إدارة الأزمة ذاته.
هنالك خط فاصل بين منهج التحليل المجزأ الذى يديم سياسات التخلف في الدول الطرفية وبين أفق منهجي ثوري تاريخي يعيد بناء السلطة الاقتصادية والسياسية على أسس مستقلة.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة