٢٠٢٦ ليس موعدا سياسيا بل محكمة النخب امام تاريخ ٢-٢ كتبه خالد كودي

مرحبا Guest
اخر زيارك لك: 01-07-2026, 06:30 PM الصفحة الرئيسية

منتديات سودانيزاونلاين    مكتبة الفساد    ابحث    اخبار و بيانات    مواضيع توثيقية    منبر الشعبية    اراء حرة و مقالات    مدخل أرشيف اراء حرة و مقالات   
News and Press Releases    اتصل بنا    Articles and Views    English Forum    ناس الزقازيق   
اراء حرة و مقالات
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى شكل سلسلة « | »
اقرا احدث مداخلة فى هذا الموضوع »
01-05-2026, 04:34 PM

خالد كودي
<aخالد كودي
تاريخ التسجيل: 12-31-2021
مجموع المشاركات: 200

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
مكتبة سودانيزاونلاين
٢٠٢٦ ليس موعدا سياسيا بل محكمة النخب امام تاريخ ٢-٢ كتبه خالد كودي

    04:34 PM January, 05 2026

    سودانيز اون لاين
    خالد كودي-USA
    مكتبتى
    رابط مختصر




    الجزء الثاني والاخير

    2026, خالد كودي

    / السودان الجديد: من هوية مجروحة إلى وعي أخلاقي غير قابل للتسويف10
    في السياق السوداني، لا معنى للحديث عن "وطن جديد" او "سودان جديد" ما لم يبدأ بتفكيك الامتيازات البنيوية التي صنعت "السودان القديم". فالمسألة ليست تغيير لافتات أو تدوير نخب، بل قطيعة معرفية وأخلاقية مع منطق حكمٍ راكم العنف ثم طالب الضحايا بالصبر. هنا تُدعى النخبة إلى مراجعة جذرية:
هل تريد دولة تُدار من أعلى وتُدار فيها الذاكرة؟ أم مجتمعًا يعترف بتعدد جراحه ويحوّلها إلى أساس أخلاقي مشترك؟
    التحرّر، بهذا المعنى، لا يعني استبدال نخبة بأخرى، بل تفكيك منطق النخبة ذاته: الانتقال من سؤال "من يمثلنا؟" إلى سؤال "كيف نعيش معًا دون أن يُمحى أحد؟". عندها يصبح التخلي عن الامتياز فعل شجاعة لا خسارة، ويغدو الاعتراف قوة تأسيس لا ضعفًا. وكما كتب بول ريكور: "العدالة تبدأ حين نكفّ عن تبرير ذاكرتنا، ونشرع في مساءلتها"
    من هنا، فإن 2026 ليست وعدًا سياسيًا ولا محطة زمنية عابرة، بل امتحان أخلاقي فاصل: إمّا إعادة إنتاج العمى نفسه بأسماء وشعارات جديدة، أو امتلاك شجاعة القطيعة لتأسيس وعيٍ يرى العدالة شرط العيش المشترك لا تنازلًا اضطراريًا، والحقيقة أساسًا لا عبئًا. هنا فقط يمكن أن يولد السودان الجديد—لا كشعار، بل كتحوّل عميق في بنية الوعي وأخلاق الاجتماع ومعنى أن نكون معًا بعد هذا الخراب، وأن نختار المستقبل دون خيانة الذاكرة.
    غير أن مأزق السودان الراهن لا يكمن في ندرة الشعارات، بل في الهروب المنهجي من استحقاقات السودان الجديد. فكثير من القوى التي ترفعه تقدّم نسخًا "فشنك": تتكاثر الأسماء والواجهات، وتتعاقب الإعلانات والمواثيق، وتعود محاولات تسويف القضايا الجوهرية بادّعاء "إعادة اكتشاف العجلة"، أو بالترويج لتوافقات لفظية من قبيل "إعلان المبادئ السودانية لبناء وطن جديد!" وخارطة طريق لوقف القتال—من دون مساسٍ بجذور الأزمة أو التزامٍ بمقتضياتها الأخلاقية والسياسية.
    بهذا الاختزال، يُراد تحويل السودان الجديد من مشروع تأسيسي إلى إدارة خطابية للأزمة فوق الأنقاض: تُؤجَّل العدالة التاريخية، وتُعاد هندسة الذاكرة لتبرئة البنية التي راكمت العنف، وتُستبدل القطيعة الجذرية بتسويات تقنية قصيرة الأمد. والنتيجة ليست وطنًا جديدًا، بل إعادة إنتاج السودان القديم بلغة مُحدَّثة: تخفيف شكلي لحدّة القتال مع إبقاء مُسبباته البنيوية فاعلة—تحايُل على الاستحقاق، لا فعلَ تأسيس.
    لا مجال لتسويف السودان الجديد، مهما حاولت قوى السودان القديم تحويله إلى مضامين "فشنك". فإمّا تأسيسٌ اسودان جديد حقيقي يواجه الجذر ويُنهي الامتياز، أو دورانٌ في الحلقة نفسها بأسماء أخرى. التاريخ، في هذه اللحظة، لا يمنح فُرصًا إضافية.

    / قيم السودان الجديد: ما الذي يجب تأسيسه؟11
    السودان الجديد ليس وعدًا سياسيًا ولا ترتيبًا دستوريًا محضًا، بل هو إعادة تأسيس أخلاقي ومعرفي للدولة والمجتمع، على نحوٍ يشبه ما سمّاه الفلاسفة "القطيعة التأسيسية": تلك اللحظة التي تعترف فيها الجماعة بأن استمرارها مشروط بالتخلّي عن منطق قديم صار غير صالح للحياة. فالتجارب التاريخية العميقة تُظهر أن الدول لا تنهار عندما تفشل أنظمتها فقط، بل حين تفشل في إعادة تعريف القيمة الإنسانية ذاتها.
    بهذا المعنى، يقوم السودان الجديد على منظومة قيم لا تُستدعى كشعارات، بل تُبنى كبُنى ناظمة للعقد الاجتماعي الجديد.
    أولًا: المواطنة المتساوية بلا استثناءات ثقافية أو دينية.
المواطنة هنا ليست هوية قانونية فحسب، بل اعتراف غير مشروط بالإنسان بوصفه غاية لا وسيلة. وهي، كما تُظهر تجارب التحرر، النقيض المباشر لسياسات الامتياز التي قامت على التفاضل العرقي أو الديني أو الجغرافي. فحيثما وُجد استثناء في المواطنة، وُجد عنف مؤجل. السودان الجديد يبدأ حين تصبح المواطنة حقًا سابقًا على الدولة، لا منحة منها.
    ثانيًا: العلمانية بوصفها ضامنًا للسلام الاجتماعي، لا ترفًا فكريًا.
العلمانية ليست موقفًا ضد الدين، بل ضد احتكاره سياسيًا. إنها الإطار الأخلاقي الذي يمنع تحويل المقدّس إلى أداة قهر، ويكفل حياد الدولة في مجتمع متعدّد. لقد أثبت التاريخ أن الدول التي لم تفصل بين الإيمان والسلطة حوّلت الخلاف الديني إلى حرب أهلية مستدامة. لذلك فالعلمانية، في السياق السوداني، ليست خيارًا أيديولوجيًا بل ضرورة وجودية لايمكن تأجيلها لاي من الأسباب.
    ثالثًا: العدالة التاريخية بدل العدالة الانتقالية المبتورة.
العدالة الانتقالية، حين تُختزل في لجان شكلية وتسويات فوقية، تتحول إلى إدارة للصدمة لا إلى تفكيك لأسبابها. أما العدالة التاريخية فتعني مساءلة البنية التي راكمت الظلم عبر الزمن: المركز، والامتياز، والعنصرية المقنّعة، واقتصاد العنف. هي عدالة تعترف بأن الجريمة ليست حدثًا معزولًا، بل نظامًا.
    رابعًا: عدم الإفلات من العقاب كأساس أخلاقي، لا انتقامًا.
عدم الإفلات من العقاب ليس ثأرًا، بل شرطًا لإعادة بناء الثقة العامة. فالتجارب المقارنة تُظهر أن المجتمعات التي ساومت على المحاسبة باسم الاستقرار أعادت إنتاج العنف بصيغ أشد قسوة. العدالة هنا ليست عقابية فقط، بل تأسيسية: إنها تعيد تعريف حدود المسموح والمحرّم في المجال العام.
    خامسًا: تفكيك المركز لا إعادة تدويره.
السودان الجديد لا يمكن أن يُبنى عبر تبديل النخب داخل المركز ذاته. التفكيك يعني إعادة توزيع السلطة والثروة والمعرفة، وكسر احتكار المركز لتعريف الوطن والشرعية. كل دولة لم تفكك مركزها العنيف، أعادت إنتاجه بأسماء جديدة.
    سادسًا: الاعتراف بالضحايا بوصفهم منتجي معنى، لا أرقامًا في تقارير.
الضحايا ليسوا هامش التاريخ، بل حاملي حقيقته الأخلاقية. الاعتراف بهم ليس تعاطفًا، بل إعادة تأسيس للسردية الوطنية من الأسفل. فالدولة التي تبني ذاكرتها على الصمت، تبني مستقبلها على كذبة.
    في هذا الأفق القيمي، تلتقي التجربة السودانية مع دروس إنسانية كبرى. نيلسون مانديلا لم يُخلَّد لأنه سامح فحسب، بل لأنه ربط التسامح بالحقيقة، وجعل الاعتراف شرطًا لأي مصالحة. توماس سانكارا لم يُقتل لأنه راديكالي فقط، بل لأنه كسر اقتصاد الامتياز وفضح تحالف السلطة المحلية مع التبعية العالمية. وانغاري ماثاي ربطت البيئة بالكرامة الإنسانية، لأن الجسد المقهور لا يمكن أن يتحرر فوق أرض مدمّرة .....
    ويضيف والتر رودني بعدًا حاسمًا حين بيّن أن التخلف ليس قدرًا، بل نتاج بنية نهب تاريخية، وأن التحرر يبدأ بفهم الاقتصاد السياسي للظلم. أما كورنيل ويست فذكّر بأن العدالة ليست مسألة قانون فقط، بل فعل حب جذري في مواجهة نظام ينتج القسوة. وعلّم ستيف بيكو أن تحرير الوعي شرط لتحرير الأرض، لأن العبودية تبدأ في العقل قبل أن تُفرض بالسلاح.
    وفي التجربة الأميركية–الأفريقية، تتجسد هذه القيم بوضوح:
فريدريك دوغلاس أعلن أن الحرية لا تُمنح بل تُنتزع.
جون براون جسّد الموقف الأخلاقي الذي يرى مقاومة الظلم واجبًا يتجاوز الحياد.
هاريت تابمان حوّلت العصيان إلى طريق للكرامة، وأنقذت البشر بالفعل لا بالخطابة.
وروزا باركس أثبتت أن الجسد العادي، حين يرفض الامتثال، يمكن أن يهزّ بنية كاملة من الظلم. ورموز السودان الجديد بالتزامهم بقيمه وعدم الحياد عنها سيضافوا يوما لهذه الكوكبة!
    هؤلاء جميعًا لم يصنعوا رموزًا أخلاقية فحسب، بل أسّسوا معايير جديدة للإنسانية. والسودان الجديد، إن أراد أن يكون جديرًا باسمه، لا بد أن يتأسس على هذا العمق: عمق القطيعة مع الامتياز، ومع الإنكار، ومع وهم أن الدولة يمكن أن تُبنى دون عدالة.

    الانتصارات الآنية: فخّ التاريخ القصير /12
    كل انتصار لا يتحوّل إلى هيمنة أخلاقية وقانونية هو هزيمة مؤجَّلة. فما يسقط بالقوة، إن لم يُستبدل بمنظومة قيم جديدة، يعود في صورةٍ أشد قسوة. لهذا حذّر أنطونيو غرامشي من وهم الانتصار السياسي حين وصفه بـ"انتصار بلا هيمنة أخلاقية": تنتصر السلطة بينما يبقى الوعي القديم حيًّا، كامِنًا، وقابلًا للارتداد.
    ومهما حقّقت ثورة السودان الجديد من انتصارات، فإن المشروع لا يحتاج إلى ثنائية غالب/مغلوب وحسب، بل إلى كسر منطق الغلبة نفسه. فالدولة لا تُبنى بحسمٍ عسكري أو تفوّقٍ سياسي وحده، بل بإعادة تأسيس المعنى العام، وضبط العنف داخل أفقٍ أخلاقي متّسع. من دون ذلك، تغدو الانتصارات وقائع عابرة، وتتحوّل الهزيمة إلى بنية.
    المطلوب اليوم ليس إدارة أزمة، بل بناء شروط عدم التكرار:
ذاكرة مُؤسَّسة لا تُطمَس بالتسويات،
عدالة تكشف البنية لا الأقنعة،
فنون مقاومة ثورية واعية تُحوِّل المظالم والألم إلى معرفة،
وتعليم تحرّري يعيد كتابة السردية من موقع الضحايا لا من شرفة السلطة او قصر غردون.
    وقد نبّهت النسوية العالمية إلى أن العدالة ليست نصوصًا قانونية فحسب، بل تفكيك الشروط التي جعلت الجريمة ممكنة ومقبولة. فالقانون الذي لا يمسّ بنية الامتياز يعيد إنتاج العنف بلغةٍ مُهذّبة. ويُكمل باولو فريري هذا المعنى حين شدّد على أن التحرر لا يتحقق دون وعي نقدي يكسر علاقة القاهر/المقهور، ويحوّل التعليم من أداة تكييف إلى ممارسة تحرّر—إذ لا تغيير بلا تفكيك لثقافة القهر نفسها.
    الخطر الأكبر هو تحوير القضايا الكبرى: تفريغ الثورات من معناها، وإعادة تسمية الجرائم "أخطاء متبادلة" أو "تعقيدات تاريخية" أو "عنصرية مضادّة"، فيُسوّى بين الجلاد والضحية. هكذا تُسرق الثورات باسم الواقعية. التاريخ شاهد: الثورة الفرنسية، حين لم تفكّك بنية السلطة، انزلقت من الحرية إلى المقصلة؛ وثورات القرن العشرين، حين اختزلت العدالة في السيطرة، أعادت إنتاج الاستبداد باسم الشعب.
    الخلاصة: الانتصار الذي لا يُحمى أخلاقيًا يرتدّ على أصحابه!

    من الأخلاق إلى السياسة: من الضحية إلى الفاعل/13
    التحدي ليس في توصيف المظالم والألم، بل في تحويلهم إلى مسؤولية سياسية.
لا يكفي القول إن الحرب دمّرت الجميع؛ فالسؤال الأخلاقي هو:
من استفاد؟ من صمت؟ من برّر؟ من حوّل الجريمة إلى إجراء، والضحية إلى إحصاء؟
    هنا تتجلّى مقولة حنّة آرنت عن "تفاهة الشر": حين يغدو الشر ممارسة بيروقراطية، لا تحتاج إلى وحش، بل إلى موظف مطيع. ويستعاد تحذير أنجيلا ديفيس:
"ليس كافيًا ألا نكون عنصريين، بل يجب أن نكون مناهضين للعنصرية"
    وكذلك ليس كافيًا ألا نشارك في الجريمة؛ الواجب هو كسر بنيتها، وتعطيل شروطها، وتجفيف مصالحها. فالحياد في مواجهة الظلم ليس موقفًا أخلاقيًا، بل شكلٌ آخر من أشكال التواطؤ.
    السودان اليوم أمام مفترق حاسم:
إما ذاكرة تتحوّل إلى قوة أخلاقية تؤسّس سياسة جديدة،
أو ذاكرة تُختزل إلى أرشيف صامت يشرعن الكارثة القادمة.

    المرض العميق: ثقافة الامتياز والاحتيال الرمزي/14
    أزمة السودان ليست في غياب الدولة بوصفها جهازًا إداريًا أو كيانًا قانونيًا، بل في طبيعة الدولة ذاتها كما تشكّلت تاريخيًا: دولة وُلدت من رحم الاستعمار، ثم أُعيد إنتاجها داخليًا عبر نخبة ورثت منطق الهيمنة دون أن تُخضعه للمساءلة. إن ما نواجهه اليوم ليس فراغًا في السلطة، بل فائضًا في بنية سلطوية أخلاقية فاسدة، أعادت تعريف الإنسان وفق سلّم قيمي غير عادل، ووزّعت الإنسانية نفسها بتراتبية عرقية وثقافية ورمزية.
    لقد قامت الدولة السودانية الحديثة – منذ نشأتها – على ما يمكن تسميته الاستعمار الداخلي: مركز يحتكر التعريف والمعنى والموارد، وهوامش يُعاد إنتاجها بوصفها موضوعًا للإدارة أو للشفقة أو للعقاب. لم تكن هذه البنية مجرد انحراف سياسي، بل منظومة ثقافية كاملة، تُعيد إنتاج ذاتها عبر التعليم، والخطاب الديني، والإعلام، والمؤسسة العسكرية، وحتى عبر ما يُسمّى "النخب الوطنية."
    من هنا يمكن فهم ما نسمّيه أمراض السودان القديم، لا بوصفها أخطاء عرضية، بل كمنظومة قيم مختلّة:
    - الاستعلاء الثقافي بوصفه رأسمالًا سياسيًا: حيث تتحول اللغة، والهوية، والانتماء الجغرافي إلى أدوات تفاضل، تمنح الشرعية لفئة وتجرّد أخرى من إنسانيتها السياسية.
    - تحويل الدولة إلى غنيمة: لا تُدار الدولة باعتبارها فضاءً عامًا، بل كجائزة حرب تتقاسمها النخب، تُستخدم فيها المؤسسات كوسائل للتمكين لا للخدمة.
    - اختزال الوطنية في الجغرافيا لا في العدالة: حيث يُقاس الانتماء بالقرب من المركز لا بالالتزام بالقيم، وتُختزل الوطنية في الولاء لا في الموقف الأخلاقي.
    - تسليع الدين والهوية: إذ تُحوَّل الرموز الدينية والثقافية إلى أدوات ضبط وهيمنة، تُستخدم لإضفاء قداسة على العنف، وتبرير الإقصاء باسم المقدس.
    - تحويل المظلومية إلى احتكار رمزي: حيث يُسمح لفئة بادعاء الظلم والألم، بينما تُجرَّد فئات أخرى من حقها في السرد، فيتحول الظلم والألم من تجربة إنسانية إلى امتياز سياسي.
    هذه البنية لا تنتج الاستبداد فحسب، بل تُطبع الوعي نفسه على قبول الظلم بوصفه طبيعيًا، أو مؤقتًا، أو ضروريًا. وهنا تكمن خطورة ما أشار إليه بيير بورديو حين تحدّث عن العنف الرمزي: عنف لا يُمارَس بالسلاح، بل باللغة، وبالتصنيف، وبالقدرة على تعريف ما هو "طبيعي" و"معقول".
    وفي هذا السياق، تكتسب مقولة إدوارد سعيد معناها الجذري حين قال:
    "المثقف الحقيقي هو من يزعج السلطة، لا من يبررها باسم الواقعية"
    غير أن المأساة السودانية تكمن في أن قطاعات واسعة من النخب اختارت التكيّف بدل المواجهة، والاندماج في آليات الهيمنة بدل تفكيكها. فصار المثقف موظفًا في خطاب السلطة، لا ناقدًا لها؛ وصارت النخبة طبقة إدارة لا طبقة تغيير؛ نخبة نجاة فردية لا مشروع عدالة جماعية.
    هكذا تحوّل "الوعي" نفسه إلى أداة إعادة إنتاج، لا إلى قوة تحرّر. وتحوّلت السياسة إلى تقنية بقاء، لا إلى أفق أخلاقي ثوري. وفي هذا التحول العميق يكمن المرض الحقيقي: مرض مجتمع لم يُهزم عسكريًا فقط، بل أُقنع بأن الهزيمة هي الشكل الطبيعي للوجود.
    إن تجاوز هذا المرض لا يكون بإصلاحات سطحية، بل بقطيعة معرفية وأخلاقية شاملة، تُعيد تعريف معنى الدولة، والسلطة، والمواطنة، والمعرفة ذاتها. فالدولة التي لا تُراجع أسسها الأخلاقية، ستعيد إنتاج عنفها مهما تغيّرت وجوه حكّامها.

    الخاتمة: نداء بلا مجاملة/15
    هذا النص ليس مرافعة أخلاقية ولا وعظًا سياسيًا، بل إنذار تاريخي يُوجَّه إلى لحظة تقف فيها البلاد على حافة الوعي أو السقوط. فالتاريخ، حين يُستدعى، لا يفعل ذلك ليمنح فرصة أخيرة، بل ليكشف ما إذا كانت المجتمعات قد تعلّمت شيئًا من كوارثها أم لا.
    من لم يتخلّص من أمراض السودان القديم—من وهم الامتياز، ومن عادة تبرير العنف، ومن ثقافة النجاة الفردية—سيجد نفسه عاجزًا عن قراءة اللحظة التي يعيشها. ومن يراهن على النسيان، أو يعتقد أن العنف يصبح فجأة "غير مقبول" فقط حين يطرق بابه، إنما يكرّر منطقًا تاريخيًا أثبت فشله مرارًا. وكما قال والتر بنيامين، فإن من يتوهّم التقدّم دون تفكيك شروطه، لا يفعل "سوى أن" يُدفن تحت أنقاضه.
    عام 2026 ليس تاريخًا زمنيًا محايدًا، بل اختبارًا أخلاقيًا كثيفًا. هو لحظة يُطلب فيها من النخب أن تتجاوز منطق الدفاع عن الذات، وأن تنتقل من إدارة الخسارة إلى تأسيس الوطن. فالسياسة، حين تنفصل عن الأخلاق، لا تنتج سوى إعادة تدوير العنف بأسماء جديدة.
    إن لم تتحرر النخب من أوهامها—من وهم الاستحقاق، ومن وهم التفوق الرمزي، ومن وهم النجاة الفردية—فإن التاريخ لن يمنحها مهلة أخرى. وإن لم تتخلَّ طوعًا عن امتيازاتها، فسيسحبها الواقع قسرًا، وبكلفة أعلى، وبأثمان إنسانية أشد فداحة.
    ليست هذه نبوءة، بل قراءة في منطق التاريخ:
أن المجتمعات التي ترفض مواجهة ذاكرتها تُجبر على تكرارها،
وأن الصمت أمام الجريمة ليس حيادًا، بل اصطفافٌ مع استمرارها.
    لهذا، فإن لحظة السودان الراهنة ليست سؤالًا عمن يحكم، بل عمن يستحق أن يُصدَّق.
ليست معركة على السلطة، بل اختبارًا على المعنى.
فإما أن نرتقي إلى مستوى إنسانيتنا المشتركة،
أو نُسجَّل في هوامش التاريخ كجيل عرف الحقيقة… واختار الصمت.

    النضال مستمر والنصر اكيد.

    (أدوات البحث والتحرير التقليدية والإليكترونية الحديثة استخدمت في هذه السلسلة من المقالات)























                  


[رد على الموضوع] صفحة 1 „‰ 1:   <<  1  >>




احدث عناوين سودانيز اون لاين الان
اراء حرة و مقالات
Latest Posts in English Forum
Articles and Views
اخر المواضيع فى المنبر العام
News and Press Releases
اخبار و بيانات



فيس بوك تويتر انستقرام يوتيوب بنتيريست
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة
About Us
Contact Us
About Sudanese Online
اخبار و بيانات
اراء حرة و مقالات
صور سودانيزاونلاين
فيديوهات سودانيزاونلاين
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
منتديات سودانيزاونلاين
News and Press Releases
Articles and Views
SudaneseOnline Images
Sudanese Online Videos
Sudanese Online Wikipedia
Sudanese Online Forums
If you're looking to submit News,Video,a Press Release or or Article please feel free to send it to [email protected]

© 2014 SudaneseOnline.com

Software Version 1.3.0 © 2N-com.de